← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه؛ فمرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد عطفت علينا قلوبا كانت عنا نافرة، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا. زياد عن مالك قال: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة. ولا بدّ لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله. فقال عمر أجلسوني. فأجلسوه، فقال: الحمد لله، أبالفقر تخوّفني يا مسلمة؟ أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، ولم أعطهم حقا هو لغيرهم؛ وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين؛ وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل الله له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يتحسب، ورجل غيرّ وفجر «١» فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه. ادعوا لي بنيّ- فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما، فجعل يصعّد بصره فيهم ويصوّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع- ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم! يا بني، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرّون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بنيّ، ميّلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار؛ قوموا يا بنيّ عصمكم الله ورزقكم! قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر. واشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير شمعان موضع قبره بأربعين درهما ومرض تسعة أيام ومات ﵁ يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى

стр. 1612

ومائة، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقال جرير بن الخطفي يرثي عمر بن عبد العزيز: ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فينا بحكم الله يا عمرا «١» فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا أنشد أبو عبيد الأعرابي في عمر بن عبد العزيز: مقابل الأعراق «٢» في الطّيب الطاب ... بين أبي العاص وآل الخطّاب قال أبو عبيدة: طيّب وطاب، كما يقال: ذيم وذام «٣» . خلافة يزيد بن عبد الملك ثم ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة. ومات ببلاد البلقاء «٤» يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك؛ وكانت ولايته أربع سنين وشهرا. وفيه يقول جرير: سربلت سربال ملك غير مغتصب ... قبل الثلاثين إنّ الملك مؤتشب «٥» وكان على شرطته كعب بن مالك العبسي؛ وعلى الحرس غيلان أبو سعيد مولاه؛ وعلى خاتم الخلافة مطر مولاه، وكان فاسقا؛ وعلى الخاتم الصغير بكير أبو الحجاج؛

стр. 1613

وعلى الرسائل والجند والخراج صالح بن جبير الهمداني، ثم عزله واستعمل أسامة بن زيد مولى كلب؛ وعلى الخزائن وبيوت الأموال هشام بن مصاد؛ وحاجبه خالد مولاه. وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو ولذات، وهو صاحب حبابة وسلّامة «١» ؛ وفي ولايته خرج يزيد بن المهلب. أسماء ولد يزيد الوليد، ويحيى، وعبد الله، والغمر، وعبد الجبار، وسليمان، وأبو سفيان، وهاشم، وداود ولا عقب له، والعوّام ولا عقب له «٢» . وكتب يزيد بن عبد الملك إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة؛ فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا! والسلام. أبو الحسن المدائني قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك، وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلب، فعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وللعباس بن الوليد على أهل دمشق خاصة؛ فقال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن العراق قوم إرجاف «٣» ، وقد خرجنا إليهم محاربين، والأحداث تحدث؛ فلو عهدت إلى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، قال: غدا إن شاء الله. وبلغ مسلمة الخبر، فأتاه فقال له: يا أمير المؤمنين، أولاد عبد الملك أحب إليك أم أولاد الوليد، قال: ولد عبد الملك، قال: فأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟

стр. 1614

قال: بل أخي، إذا لم يكن ولدي، أحقّ بها من أبن أخي. قال: يا أمير المؤمنين، فإن ابنك لم يبلغ؛ فبايع لهشام بن عبد الملك ولايتك الوليد من بعده، قال: غدا إن شاء الله. فلما كان من الغد بايع لهشام ولابنه الوليد من بعده. والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فلما انقضى أمر يزيد بن المهلب وأدرك الوليد ندم يزيد على استخلاف هشام، فكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك! قال: ولمال قتل يزيد بن المهلب، جمع يزيد بن عبد الملك العراق لأخيه مسلمة بن عبد الملك؛ فبعث هلال بن أحوز المازني إلى قندابيل «١» في طلب آل المهلب، فالتقوا، فقتل المفضل بن المهلب وانهزم الناس، وقتل هلال بن أحوز خمسة من ولد المهلب ولم يفتش النساء ولم يعرض لهن، وبعث العيال والأسرى إلى يزيد بن عبد الملك. قال: حدثني جابر بن مسلم قال: لما دخلوا عليه قام كثيرّ بن أبي جمعة الذي يقال له كثيّر عزة، فقال: حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ عقاب أو عفا لم يثرّب «٢» فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تكتسب من صالح لك يكتب أساءوا فإن تغفر فإنك قادر ... وأعظم حلم حسبة حلم مغضب نفتهم فريش عن أباطح مكة ... وذو يمن بالمشرفيّ المشطّب «٣» فقال يزيد: لاطت «٤» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك؛ من كان له قبل آل المهلب دم فليقم! فدفعهم إليهم حتى قتل نحو ثمانين. قال: وبلغ يزيد بن عبد الملك أن هشاما يتنقّصه، فكتب إليه:

стр. 1615

إن مثلي ومثلك كما قال الأول: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد لعلّ الذي يبغي رداي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الرّدي «١» فكتب إليه هشام: إن مثلي ومثلك كما قال الأول: ومن لم يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها، ولا يبقى له الدهر صاحب «٢» فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذّبون ما بلغنا عنك، مع حفظ وصية أبينا عبد الملك، وما حضّ عليه من صلاح ذات البين، وإني لأعلم أنك كما قال معن بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل وإني على أشياء منك تريبني ... قديما ولا صلح على ذاك يجمل ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيّ كف تبدّل إذا سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل «٣» وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل «٤» فلما جاء الكتاب رحل هشام إليه، فلم يزل في جواره إلى أن مات يزيد وهو معه في عسكره مخافة أهل البغي. محمد بن الغاز قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الله بن شيب قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا «٥» بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكبّ عليها

стр. 1616

يتشمّمها أياما حتى أنتنت، فأخذها في جهازها، وخرج بين يدي نعشها، حتى إذا بلغ القبر نزل فيه فلما فرغ من دفنها لصق به مسلمة أخوه يعزيه ويؤنسه، فقال: قاتل الله ابن أبي جمعة، كأنه كان يرى ما نحن فيه حيث يقول: فإن تسل عنك النّفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد وكلّ خليل زارني فهو قائل ... من اجلك هذا ميّت اليوم أو غد! قال: وطعن «١» في جنازتها فدفناه إلى سبعة عشر يوما. خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان ثم بويع هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد: وأمّه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام المخزومي، يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة خمس ومائة. ومات بالرصافة يوم الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وصلى عليه الوليد بن يزيد، وكانت خلافته عشرين سنة. أسماء ولد هشام بن عبد الملك معاوية، وخلف، ومسلمة، ومحمد، وسليمان، وسعيد، وعبد الله، ويزيد، وهو الأبكم؛ ومروان، وإبراهيم، ويحيي، ومنذر، وعبد الملك، والوليد، وقريش، وعبد الرحمن. وكان على شرطته: كعب بن عامر العبسي، وعلى الرسائل: سالم مولاه، وعلى خاتم الخلافة: الربيع: مولى لبني الحربش، وهو الربيع بن سابور؛ وعلى الخاتم الصغير: أبو الزبير مولاه، وعلى ديوان الخراج والجند: أسامة بن زيد، ثم عزله وولّى الحثحاث؛ وعلى إذنه غالب بن مسعود مولاه.

стр. 1617

أخبار هشام بن عبد الملك أبو الحسن المدائني قال: كان عبد الملك بن مروان رأى في منامه أن عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي فقلت «١» رأسه فقطعته عشرين قطعة، فغمّه ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيب فقصها عليه، فقال سعيد: تلد غلاما يملك عشرين سنة. وكانت عائشة أمّ هشام حمقاء، فطلقها عبد الملك لحمقها، وولدت هشاما وهي طالق، ولم يكن في ولد عبد الملك أكمل من هشام. قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك بعد أن سخط «٢» على خالد ابن عبد الله القسري وسلط عليه يوسف بن عمر عامله على العراق، فلما دخلت عليه استدناني «٣» حتى كنت أقرب الناس إليه فتنفس الصعداء، ثم قال: يا خالد، رب خالد قعد مقعدك هذا أشهى إليّ حديثا منك! فعلمت أنه يريد خالد بن عبد الله القسري، قلت: يا أمير المؤمنين، أفلا تعيده؟ قال: هيهات، إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف «٤» فأعجف «٥» ، ولم يدع لمراجع مرجعا؛ على أنه ما سألني حاجة قط! فقلت: يا أمير المؤمنين، فلو أدنيته فتفضلت عليه! قال: هيهات، وأنشد: إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... عليه بوجه آخر الدّهر تقبل قال أصبغ بن الفرج: لم يكن في بني مروان من ملوكها أعطر ولا ألبس من هشام؛ خرج حاجّا فحمل ثياب طهره على ستمائة جمل. ودخل المدينة، فقال لرجل: انظر من في المسجد. فقال: رجل طويل آدم أدلم «٦» . قال: هذا سالم بن عبد الله، ادعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، وإن

стр. 1618

شئت أرسل فتؤتى بثيابك. فقال: ويحك! أتيت الله زائرا في رداء وقميص ولا أدخل بهما على هشام! فدخل عليه، فوصله بعشرة آلاف، ثم قدم مكة فقضى حجه، فلما رجع إلى المدينة قيل له: إن سالما شديد الوجع. فدخل عليه وسأله عن حاله. ومات سالم فصلى عليه هشام وقال: ما أدري بأي الأمرين أنا أسرّ: بحجتي أم بصلاتي على سالم. قال: ووقف هشام يوما قريبا من حائط فيه زيتون له، فسمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: التقطوه ولا تنفضوه، فتفقئوا عيونه، وتكسروا غصونه. وخرج هشام هاربا من الطاعون، فانتهى إلى دير فيه راهب، فأدخله الراهب بستانه، فجعل ينتقي له أطايب الفاكهة والبالغ منها، فقال هشام: يا راهب، هبني بستانك هذا! فلم يجبه، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: وددت أنّ الناس كلّهم ماتوا غيرك! قال: ولم؟ قال: لعلك أن تشبع! فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أتسمع ما يقول؟ قال الأبرش: بلى، والله ما لقيك حرّ غيره. العتبي قال: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد بن طلحة، وصاحب حرس هشام، حتى قعدا بين يديه، فقال الحرسيّ «١» : إن أمير المؤمنين جرّاني «٢» في خصومة بينه وبين إبراهيم. قال القاضي: شاهديك على الجراية «٣» . فقال: أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل وليس بيني وبينه إلا هذه السترة؟ قال: لا، ولكنه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام، فلم يلبث حتى قعقعت الأبواب وخرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. قال: فقام القاضي فأشار إليه فقعد، وبسط له مصلى فقعد عليه هو وإبراهيم؛ وكنا حيث نسمع بعض كلامهما ويخفى علينا البعض، قال: فتكلما وأحضرت البينة، فقضى القاضي على

стр. 1619

هشام، فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخرق، فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظلمك! فقال هشام: لقد هممت أن أضربك ضربة ينثر منها لحمك عن عظمك! قال: أما والله لئن فعلت لتفعلنّه بشيخ كبير السنّ، قريب القرابة، واجب الحق. قال له: استرها عليّ يا إبراهيم! قال: لا ستر الله عليّ ذنبي إذا يوم القيامة. قال: إني معطيك عليها مائة ألف ... قال إبراهيم: فسترتها عليه طول حياته ثمنا لما أخذت منه، وأذعتها عنه بعد موته تزيينا له. وذكروا عن الهيثم بن عدي قال: كان سعيد بن هشام بن عبد الملك عاملا لأبيه على حمص، وكان يرمى بالنساء والشراب، فقدم حمصيّ لهشام، فلقيه أبو جعد الطائي في طريق، فقال له: هل ترى أن أعطيك هذه الفرس- فإني لا أعلم بمكان مثلها- على أن تبلغ هذا الكتاب أمير المؤمنين، ليس فيه حاجة بمسألة دينار ولا درهم؟ فأخذها وأخذ الكتاب، فلما قدم على هشام سأله: ما قصة هذا الفرس؟ فأخبره؛ فقال: هات الكتاب، فإذا فيه: أبلغ إليك أمير المؤمنين فقد ... أمددتنا بأمير ليس عنّينا» طورا يخالف عمرا في حليلته ... وعند ساحته يسقي الطّلا دينا «٢» فلما قرأ الكتاب بعث إلى سعيد فأشخصه؛ فلما قدم عليه علاه بالخيزرانة وقال: يا بن الخبيثة، تزني وأنت ابن أمير المؤمنين! ويلك! أعجزت أن تفجر فجور قريش؟ أو تدري ما فجور قريش لا أم لك؟ قتل هذا، وأخذ مال هذا؛ والله لا تلي لي عملا حتى تموت! قال: قال: فما ولي له عملا حتى مات. أحمد بن عبيد قال: أخبرني هشام الكلبي عن أبي محمد بن سفيان القرشيّ عن أبيه قال: كنا عند هشام بن عبد الملك وقد وفد عليه وفد أهل الحجاز، وكان شباب الكتاب إذا قدم الوفد حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم، حتى قام

стр. 1620

محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدويّ، وكان أعظم القوم قدرا، وأكبرهم سنا؛ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك ما قالت؛ وأكثرت وأطنبت؛ والله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى خطيبهم فضلك، وإن أذنت في القول قلت. قال: قل وأوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى؛ وزيّنك بالتقوى؛ وجمع لك خير الآخرة والأولى؛ إن لي حوائج، أفأذكرها؟. قال: هاتها. قال: كبرت سنّي، ونال الدهر مني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري، فعل. قال: وما الذي ينفي فقرك ويجبر كسرك؟ قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. قال: فأطرق هشام طويلا ثم قال: يا بن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما ذكرت. ثم قال له: هيه! قال: ما هيه؟ أما والله إن الأمر لواحد، ولكنّ الله آثرك لمجلسك؛ فإن تعطنا فحقّنا أديت، وإن تمنعنا نسأل الله الذي بيده ما حويت؛ يا أمير المؤمنين، إن الله جعل العطاء محبة والمنع مبغضة. والله لأن أحبّك أحبّ إليّ من أن أبغضك؛ قال: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها دينا قد حمّ قضاؤه! «١» وعناني حمله، وأضرّ بي أهله. قال: فلا بأس، تنفس كربة، وتؤدي أمانة. وألف دينار لماذا؟ قال: أزوّج بها من بلغ من ولدي. قال: نعم المسلك سلكت، أغضضت بصرا، وأعففت ذكرا، وأمّرت «٢» نسلا. وألف دينار لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي، وأستعين بفضلها على نوائب «٣» دهري، وتكون ذخرا لمن بعدي. قال: فإنا قد أمرنا لك بما سألت. قال: فالمحمود الله على ذلك، وخرج. فأتبعه هشام بصره، وقال: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ما رأيت رجلا أوجز في مقال ولا أبلغ في بيان منه، ثم قال: أما والله إنا لنعرف الحق إذا نزل،

стр. 1621

ونكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وما نحن إلا خزّان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق، ما جبهنا «١» قائلا، ولا رددنا سائلا؛ ونسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بعباده خبير بصير. فقالوا يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، وما بلغ كلامه ما قصصت. قال: إنه مبتديء، وليس المبتديء كالمقتدي. وذكروا أن العباس بن الوليد وجماعة من بني مروان اجتمعوا عند هشام، فذكروا الوليد بن يزيد وعابوه وذموه، وكان هشام يبغضه، ودخل الوليد، فقال له العباس: يا وليد، كيف حبّك للروميات، فإن أباك كان مشغوفا بهن؟ قال: كيف لا يكون وهن يلدن مثلك! قال: ألا تسكت يا ابن البظراء؟ قال: حسبك أيها المفتخر علينا بختان أمّك! وقال له هشام: ما شرابك يا وليد؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين ... وقام يخرج، فقال لهم هشام: هذا الذي زعمتموه أحمق. وقرّب الوليد بن يزيد فرسه فجمع جراميزه «٢» ووثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد هشام، وقال له: هل يقدر أبوك أن يصنع مثل هذا؟ قال: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب. العتبي عن أبيه، قال: سمعت معاوية بن عمرو بن عتبة يحدث قال: إني لقاعد بباب هشام بن عبد الملك، وكان الناس يتقرّبون إليه بعيب الوليد بن يزيد، قال فسمعت قوما يعيبونه، فقلت: دعونا من عيب من يلزمنا مدحه، ووضع من يجب علينا رفعه. وكانت للوليد بن يزيد عيون لا يبرحون بباب هشام، فنقلوا إليه

стр. 1622

كلامي وكلام القوم، فلم ألبث إلا يسيرا حتى راح إليّ مولى للوليد قد التحف على ألف دينار، فقال لي: يقول لك مولاي: أنفق هذه في يومك وغدا أمامك قال: فملئت رعبا من هشام وخشيت سطوته، ورماه الله بالعلّة، فدفنّاه لثمانية عشر يوما بعد ذلك اليوم. فلما قام الوليد بعده دخلت عليه، فقال لي: يا ابن عتبة، أتراني ناسيا قعودك بباب الأحول «١» ، يهدمني وتبنيني، ويضعني وترفعني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، شاركت قومك في الإحسان، وتفردت دونهم بإحسانك إلى، فلست أحمد لك نفسي في اجتهاد، ولا أعذرها في تقصير، وتشهد بذلك ألسنة الجائزين بنا، ويصدق قولهم الفعال منا. قال: كذلك أنتم لنا آل أبي سفيان، وقد أقطعتك مالي بالبثنيّة «٢» وما أعلم لقرشي مثله. وقال عبد الله بن عبد الحكم فقيه مصر: سمعت الأشياخ يقولون: سنة خمس وعشرين ومائة، أديل من الشرف، وذهبت المروءة. وذلك عند موت هشام بن عبد الملك. قال أبو الحسن المدائني: مات هشام بن عبد الملك بالذّبحة يوم الأربعاء بالرصافة في ربيع الآخر لست خلون منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه سلمة بن هشام أو بعض ولده، واشترى له كفر «٣» من السوق. خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بويع للوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لستّ خلون من ربيع الآخرة سنة خمس وعشرين ومائة؛ وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، أخي الحجاج بن يوسف.

стр. 1623

وقتل بالبخراء من تدمر على ثلاثة أميال، يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن خميس وثلاثين أو ست وثلاثين. قال حاتم بن مسلم: ابن خمس وأربعين وأشهر. وكانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما. فأول شيء نظر فيه الوليد أن كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك أن يأتي الرصافة يحصي ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عماله وحشمه «١» ، إلا مسلمة ابن هشام، فإنه كتب إليه أن لا يعرض له ولا يدخل منزله؛ وكان مسلمة كثيرا ما يكلم أباه في الرفق بالوليد. ففعل العباس ما أمره به. وكتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر، فقدم عليه من العراق، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري، محمدا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، وأمر بقتلهم. فحدّث أبو بشر بن السري قال: رأيتهم حين قدم بهم يوسف بن عمر الحيرة، وخالد في عباءة في شق مخمل، فعذبهم حتى قتلهم. ثم عكف الوليد على البطالة وحب القيان والملاهي والشراب ومعاشقة النساء، فتعشّق سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فتزوجها؛ ثم تعشق أختها سلمى فطلق أختها سعدى وتزوج سلمى، فرجعت سعدى إلى المدينة فتزوجت بشر ابن الوليد بن عبد الملك، ثم ندم الوليد على فراقها وكلف بحبها، فدخل عليه أشعب المضحك، فقال له الوليد: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرون ألف درهم؟ قال: هاتها. فدفعها إليه، فقبضها وقال: ما رسالتك؟ قال: إذا قدمت المدينة فاستأذن عليها وقل لها: يقول لك الوليد: أسعدى ما إليك لنا سبيل ... ولا حتى القيامة من تلاق بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتي ... بموت من حليلك أو فراق

стр. 1624

فأتاها أشعب فاستأذن عليها، وكان نساء المدينة لا يحتجبن عنه؛ فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ قال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة. قالت: هاتها. فأنشدها البيتين، فقالت لجواريها: خذن هذا الخبيث ... وقالت: ما جرّأك على مثل هذه الرسالة؟ قال: إنها بعشرين ألفا معجلة مقبوضة! قالت والله لأجلدنك أو لتبلغنّه عني كما أبلغتني عنه. قال: فاجعلي لي جعلا «١» . قالت: بساطي هذا. قال: فقومي عنه. فقامت عنه، وطوى البساط وضمه، ثم قال: هاتي رسالتك. فقالت له: قل له: أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى، فما أنت صانع فلما بلّغه الرسالة كظم الغيظ على أشعب، وقال: اختر إحدى ثلاث خصال، ولا بد لك من إحداها: إما أن أقتلك، وإما أن أطرحك للسباع فتأكلك، وإما أن ألقيك من هذا القصر! فقال أشعب، يا سيدي، ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى! فضحك وخلى سبيله. وأقامت عنده سلمى حتى قتل عنها، وهو القائل في سلمى: شاع شعري في سليمى وظهر ... ورواه كلّ بدو وحضر وتهادته الغواني بينها ... وتغنّين به حتى انتشر لو رأينا من سليمى أثرا ... لسجدنا ألف ألف للأثر واتخذناها إماما مرتضى ... ولكانت حجّنا والمعتمر إنما بنت سعيد قمر ... هل حرجنا أن سجدنا للقمر وفيها يقول قبل تزوجه لها: حدّثوا أنّ سليمى ... خرجت يوم المصلّى فإذا طير مليح ... فوق غصن يتفلّى «٢»

стр. 1625

قلت يا طير ادن منّي ... فدنا ثم تدلي قلت هل تعرف سلمى ... قال لا ثمّ تولى فنكا في القلب كلما ... باطنا ثمّ تخلى «١» وقال في سلمى قبل تزوجه لها: لعلّ الله يجمعني بسلمى ... أليس الله يفعل ما يشاء ويأتي بي ويطرحني عليها ... فيوقظني وقد قضي القضاء ويرسل ديمة من بعد هذا ... فتغسلنا وليس بنا عناء «٢» وقال فيها بعد تزوجه لها: أنا في يمنى يديها ... وهي في يسرى يديّه إنّ هذا لقضاء ... غير عدل يا أخيّه ليت من لام محبّا ... في الهوى لاقى منيّه فاستراح الناس منه ... ميتة غير سويّه قال: ولهج الوليد بالنساء والشراب والصيد، فأرسل إلى المدينة فحملوا له المغنين، فلما قرّبوا إليه أمر أن يدخلوا العسكر ليلا، وكره أن يراهم الناس، فأقاموا حتى أمسوا غير محمد بن عائشة فإنه دخل نهارا، فأمر الوليد بحبسه، فلم يزل محبوسا حتى شرب الوليد يوما فطرب فكلمه معبد، فأمر الوليد بإخراجه، ودعاه فغناه فقال: أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تعطف عليك الحنيّ والولج «٣» فرضي عنه؛ وكان سعيد الأحوص ومعبد، قدما على الوليد ونزلا في الطريق على غدير وجارية تستقي، فزاغت، فانكسرت الجرّة، فجلست تغني: يا بيت عاتكة الذي أتغزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل

стр. 1626

فقال: يا جارية، لمن أنت؟ فقالت: كنت لآل الوليد بن عقبة بالمدينة، فاشتراني مولاي، وهو من بني عامر بن صعصعة أحد بني الوحيد من بني كلاب، وعنده بنت عم له، فوهبني لها، فأمرتني أن أستقي لها. فقال لها: فلمن الشعر؟ قالت: سمعت بالمدينة أن الشعر للأحوص والغناء لمعبد. فقال معبد للأحوص: قل شيئا أغني عليه. فقال: إنّ زين الغدير من كسر الجرّ ... وغنّى غناء فحل مجيد قلت: من أنت يا مليحة؟ قالت: ... كنت فيما مضى لآل الوليد ثم قد صرت بعد عزّ قريش ... في بني عامر لآل الوحيد وغنائي لمعبد ونشيدي ... لفتى الناس الأحوص الصّنديد «١» فتضاحكتّ ثم قلت أنا الأحوص ... والشيخ معبد فأعيدي فأعادت وأحسنت ثم ولت ... تتهادى فقلت أمّ سعيد يقصر المال عن شراك ولكن ... أنت في ذمّة الإمام الوليد وأم سعيد كانت للأحوص بالمدينة. فغنى معبد على الشعر، فقال: ما هذا؟ فأخبراه، فاشتراها الوليد. قال أبو الحسن: وقال ابن أبي الزناد: إني كنت عند هشام وعنده الزهري، فذكرا الوليد فتنقّصاه وعاباه عيبا شديدا، ولم أعرض لشيء مما كان فيه، فاستأذن فأذن له، فدخل وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلا ثم قام؛ فلما مات هشام كتب فيّ، فحملت إليه، فرحب بي وقال: كيف حالك يا بن ذكوان؟ وألطف المسألة، ثم قال: أتذكر هشاما الأحول وعنده الفاسق الزهري وهما يعيباني؟ فقلت: أذكر ذلك، ولم أعرض لشيء مما كانا فيه. قال: صدقت، أرأيت الغلام الذي كان على رأس هشام قائما؟ قلت: نعم. قال: فإنه نمّ إليّ بما قالاه، وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتلته. قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت. قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول!

стр. 1627

قلت: يطيل الله عمرك، ويمتع الأمة ببقائك. ودعا بالعشاء فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وجلس فقال: اسقني. فجاءوا بإناء مغطى، وجيء بثلاث جوار، فصففن بيني وبينه حتى شرب، وذهبن فتحدثنا، واستسقى «١» ، فصنعوا مثل ذلك، فما زال كذلك: يستسقي ويتحدث ويصنعون مثل ذلك، حتى طلع الفجر؛ فأحصيت له سبعين قدحا. علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته إذ أتي بشراعة من الكوفة؛ فو الله ما سأله عن نفسه ولا عن مسيره حتى قال له: يا شراعة. أنا والله ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب الله وسنة رسوله. قال: والله لو سألتني عنهما لوجدتني فيهما حمارا. قال: إنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة! قال: دهقانها «٢» الخبير، ولقمانها الحكيم، وطبيبها العليم! قال: فأخبرني عن الشراب. قال: يسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: ما تقول في الماء؟ قال: لا بد لي منه، والحمار شريكي فيه! قال: ما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته قط إلا استحييت من أمي لطول ما أرضعتني به! قال: ما تقول في السويق «٣» ؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الملء، سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: تلهّوا به عن الشراب. قال: ما تقول في الخمر؟ قال: أوّه! تلك صديقة روحي. قال: وأنت والله صديق روحي، فأي المجالس أحب؟ قال: ما شرب الكأس قط على وجه أحسن من السماء. قال أبو الحسن: كان أبو كامل مضحكا غزلا مغنيا، فغنى الوليد يوما فطرب فأعطاه قلنسوة بردا «٤» كانت عليه؛ فكان أبو كامل لا يلبسها إلا في عيد، ويقول: كسانيها أمير المؤمنين، فأنا أصونها؛ وقد أمرت أهلي إذا متّ أن توضع في أكفاني، وله يقول الوليد:

стр. 1628

من مبلغ عني أبا كامل ... أني إذا ما غاب كالهابل وزادني شوقا إلى قربة ... ما قد مضى من دهرنا الحائل إني إذا عاطيته مزّة ... ظلت بيوم الفرح الجاذل «١» قال: وجلس الوليد يوما وجارية تغنيه؛ فأنشدت الوليد: قينة في يمينها إبريق فأنشده حماد الراوية: ثم نادى ألا اصبحوني فقامت ... قينة في يمينها إبريق فدّمته على عقار كعين الدّيك ... صفّى سلافه الرّاووق «٢» مزّة قبل مزجها، فإذا ما ... مزجت لذّ طعمها من يذوق وكتب الوليد إلى المدينة فحمل إليه أشعب، فألبسه سراويل جلد قرد له ذنب؛ وقال له: ارقص وغنّ صوتا يعجبني؛ فإن فعلت أعطيتك ألف درهم. فرقص وغنى فأعجبه؛ فأعطاه ألف درهم: وأنشد الوليد هذا: علّلاني واسقياني ... من شراب أصفهاني من شراب الشيخ كسرى ... أو شراب الهرمزان «٣» إنّ بالكأس لمسكا ... أو بكفّي من سقاني إنما الكأس ربيع ... يتعاطى بالبنان «٤» وقال أيضا: وصفراء في الكأس كالزعفران ... سباها الدّهاقين من عسقلان

стр. 1629

لها حبب كلما صفّقت ... تراها كلمعة برق يماني وقال أيضا: ليت حظّي اليوم من كلّ معاش لي وزاد قهوة أبذل فيها ... طارفي بعد تلادي «١» فيظلّ القلب منها ... هائما في كلّ وادي إنّ في ذاك فلاحي ... وصلاحي ورشادي! «٢» وقال: امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش إنما الكأس ربيع باكر ... فإذا ما لم نذقها لم نعش وبلغ الوليد أن الناس يعيبونه ويتنقّصونه بالشراب وطلب اللذات؛ فقال في ذلك: ولقد قضيت ولم يجلّل لمتي ... شيب على رغم العدا لذّاتي «٣» من كاعبات كالدّمى ومناصف ... ومراكب للصيد والنّشوات «٤» في فتية تأبى الهوان وجوههم ... شمّ الأنوف جحاجح سادات «٥» إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بترات وقال معاوية بن عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد حين تغير له الناس وطعنوا «٦» عليه: يا أمير المؤمنين، إنه ينطقني الأنس بك، وتسكتني إليك الهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك؛ أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال كلّ مقبول منك ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه. فقتل بعد ذلك، بأيام.

стр. 1630

وقال إذ كثر القول فيه: خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا «١» دعوا لي سليمى مع طلاء وقينة ... وكأس، ألا حسبي بذلك مالا» أبا لملك أرجو أن أخلّد فيكم ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا ألا ربّ دار قد تحمّل أهلها ... فأضحت قفارا والقفار حلالا «٣» قال إسحاق بن محمد الأزرق: دخلت على منصور بن جمهور الكلبي بعد قتل الوليد بن يزيد، وعنده جاريتان من جواري الوليد، فقال لي: اسمع من هاتين الجاريتين ما يقولان: قالتا: قد حدّثناك. قال: بل حدّثاه كما حدثتماني. قالت إحداهما: كنا أعزّ جواريه عنده، فنكح هذه وجاء المؤذنون يؤذنونه بالصلاة، فأخرجها وهي سكرى جنبة متلثّمة، فصلّت بالناس. مقتل الوليد بن يزيد إسماعيل بن إبراهيم قال: حدّثني عبد الله بن واقد الجرمي وكان شهد قتل الوليد، قال: لما أجمعوا على قتله، قلدوا أمرهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فخرج يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأتى أخاه العباس ليلا فشاوره في قتل الوليد، فنهاه عن ذلك، فأقبل يزيد ليلا حتى دخل دمشق في أربعين رجلا، فكسروا باب المقصورة، ودخلوا على واليها فأوثقوه، وحمل يزيد الأموال على العجل إلى باب المضمار، وعقد لعبد العزيز بن الحجاج، ونادى مناديه: من انتدب إلى الوليد فله ألفان، فانتدب معه ألفا رجل وضمّ مع عبد العزيز بن الحجاج يعقوب بن عبد الرحمن، ومنصور بن جمهور، وبلغ الوليد بن يزيد ذلك فتوجه من البلقاء إلى حمص، وكتب إلى العباس بن الوليد أن يأتيه في جند من أهل حمص، وهو منها قريب؛ وخرج الوليد حتى انتهى إلى قصر في برية ورمل من تدمر على أميال، وصبّحت الخيل الوليد بالبخراء؛ وقدم

стр. 1631

العباس بن الوليد بغير خيل، فحبسه عبد العزيز بن الحجاج خلفه، ونادى منادي عبد العزيز: من أتى العباس بن الوليد فهو آمن وهو بيننا وبينكم، وظن الناس أن العباس مع عبد العزيز، فتفرقوا عن الوليد، وهجم عليه الناس. فكان أول من هجم عليه السرى بن زياد بن أبي كبشة السكسكي، وعبد السلام اللخمي؛ فأهوى إليه السري بالسيف، وضربه عبد السلام على قرنه «١» ، فقتل. قال إسماعيل: وحدثني عبد الله بن واقد قال: حدثني يزيد بن أبي فروة مولى بني أمية قال: لما أتي يزيد برأس الوليد بن يزيد، قال لي: انصبه للناس. قلت، لا أفعل: إنما ينصب رأس الخارج. فحلف لينصبن ولا ينصبه غيري؛ فوضع على رمح ونصب على درج مسجد دمشق؛ ثم قال: اذهب فطف به في مدينة دمشق. خليفة بن خياط قال: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه قال: لما أحاطوا بالوليد أخذ المصحف وقال: أقتل كما قتل ابن عمي عثمان. أبو الحسن المدائني قال: كان الوليد صاحب لهو وصيد وشراب ولذات، فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي يراه الناس فيها؛ فلم يدخل مدينة من مدائن الشام حتى قتل، ولم يزل ينتقل ويتصيد حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتد على بني هشام وأضرّ بهم، وضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمان، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد؛ وحبس يزيد بن هشام وهو الأفقم؛ فرماه بنو هشام وبنو الوليد، وكان أشدّهم قولا فيه يزيد بن الوليد وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النسك. ولما دفع الوليد خالد بن عبد الله القسري إلى يوسف بن عمر فقتله، غضب له اليمانية وغيرهم؛ فأتت يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأرادوه على البيعة وخلع الوليد، فامتنع عليهم وخاف أن لا تبايعه الناس؛ ثم لم يزل الناس به حتى بايعوه سرا.

стр. 1632

ولما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد بن الوليد خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا «١» ، ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك؛ وما بي إطراء نفسي، ولا تزكية عملي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي؛ ولكني خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى كتاب الله وسنة نبيه، حين درست «٢» معالم الهدى، وطفيء نور أهل التقوى؛ وظهر الجبان العنيد، المستحل للحرمة، والراكب للبدعة، والمغيّر للسنة؛ فلما رأيت ذلك أشفقت إن غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم، على كثرة من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم؛ وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم؛ فاستخرت الله في أمري، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهلي وأهل ولايتي- وهو ابن عمي في نسبي، وكفئي في حسبي- فأراح الله منه العباد، وطّهر منه البلاد، ولاية من الله وعونا، بلا حول [منا] ولا قوة، ولكن بحول الله وقوته وولايته وعونه. أيها الناس، إن لكم عليّ إن وليت أموركم، أن لا أضع لبنة على لبنة «٣» ، ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغره، وأقسم بين أهله ما يقوون به؛ فإن فضل رددته إلى أهل البلد الذي يليه ومن هو أحوج إليه؛ حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيه سواء؛ ولا أجمّركم «٤» في بعوثكم فتفتنوا ويفتن أهاليكم؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا هو أقوى عليها مني فأردتم بيعته فأنا أول من بايع ودخل في طاعته؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وقال خلف بن خليفة في قتل الوليد بن يزيد: لقتل خالد بن عبد الله:

стр. 1633

لقد سكّنت كلب وأسياف مذحج ... صدى كان يزقو ليله غير راقد «١» تركنا أمير المؤمنين بخالد ... مكبّا على خيشومه غير ساجد «٢» فإن تقطعوا منا مناط قلادة ... قطعنا بها منكم مناط قلائد وإن تشغلونا عن أذان فإنّنا ... شغلنا الوليد عن غناء الولائد ولاية يزيد الناقص ثم بويع يزيد بن الوليد بن عبد الملك في أول رجب سنة ست وعشرين ومائة؛ وأمه ابنة يزدجرد بن كسرى، سباها قتيبة بن مسلم بخراسان وبعث بها إلى الحجاج بن يوسف، فبعث بها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك، فاتخذها، فولدت له يزيد الناقص ولم تلد غيره. ومات يزيد بن الوليد بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك. قال عبد العزيز: بويع وهو ابن تسع وثلاثين سنة، ومات ولم يبلغ الأربعين. وعلى شرطته بكير بن الشماخ اللّخمي، وكاتب الرسائل أبن سليمان بن سعد؛ وعلى الخراج والجند والخاتم الصغير والحرس النصر بن عمرو من أهل اليمن، وعلى خاتم الخلافة عبد الرحمن بن حميد الكلبي، ويقال: قطن مولاه. وكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد بالجزيرة وبلغه عنه تلكّؤ «٣» في بيعته. أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت، والسلام.

стр. 1634

ثم قطع إليه البعوث «١» وأمر لهم بالعطاء: فلم ينقص عطاؤه حتى مات يزيد. ولما بلغ مروان أن يزيد قطع البعوث إليه كتب ببيعته، وبعث وفدا عليهم سليمان ابن علاثة العقيلي، فخرج، فلما قطعوا الفرات لقيهم بريد بموت يزيد، فانصرفوا إلى مروان. والله أعلم. ولاية إبراهيم بن الوليد المخلوع العلاء بن يزيد بن سنان قال: حدّثني أبي قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك، يسألونك بحق الله لو وليت أمرهم أخاك إبراهيم بن الوليد! فغضب وضرب بيده على جبهته وقال: أنا أولّي إبراهيم؟ ثم قال لي: يا أبا العلاء، إلى من ترى أن أعهد؟ قلت أمر نهيتك عن الدخول في أوله، فلا أشير عليك في الدخول في آخره. قال: فأصابته إغماءة حتى ظننت أنه قد مات، ففعل ذلك غير مرة، ثم خرجت من عنده. فقعد قطن وافتعل عهدا على لسان يزيد بن الوليد لإبراهيم بن الوليد، ودعا ناسا فأشهدهم عليه. قال: والله ما عهد إليه يزيد ولا إلى أحد من الناس. وقال يزيد في مرضه لو كان سعيد بن عبد الملك قريبا مني لرأيت فيه رأيي. وفي رواية أبي الحسن المدائني، قال: لما مرض يزيد قيل له: لو بايعت لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج بعده! فقال له قيس بن هانيء العبسي: اتق الله يا أمير المؤمنين وانظر نفسك وأرض الله في عباده، فاجعل وليّ عهدك عبد الملك بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. فقال يزيد: لا يسألني الله عن ذلك، ولو كان سعيد بن عبد الملك مني قريبا لرأيت فيه رأيي! ... وكان يزيد يرى رأى القدرية «٢» ويقول بقول غيلان، فألحت القدرية عليه وقالوا: لا يحل لك إهمال أمر الأمّة، فبايع

стр. 1635

لأخيك إبراهيم بن الوليد وليد العزيز من بعده. فلم يزالوا به حتى بايع لإبراهيم بن الوليد ولعبد العزيز من بعده. ومات يزيد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وكانت ولايته خمسة أشهر واثنى عشر يوما. فلما قدم مروان نبش يزيد من قبره وصلبه. وكان يقرأ في الكتب القديمة يا مبذر الكنوز، يا سجاد في الأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة، وعليهم حجة، نبشوك فصلبوك! وبويع إبراهيم بن الوليد، وأمّه بربرية، فلم يتم له الأمر، وكان يدخل عليه قوم فيسلمون بالخلافة، وقوم يسلمون بالإمرة، وقوم لا يسلمون بخلافة ولا بإمرة، وجماعة تبايع، وجماعة يأبون أن يبايعوا، فمكث أربعة أشهر حتى قدم مروان بن محمد فخلع إبراهيم وقتل عبد العزيز بن الحجاج، وولي الأمر بنفسه. وفي رواية خليفة بن خياط قال: لما أتى مروان بن محمد وفاة يزيد بن الوليد، دعا قيسا وربيعة، ففرض لستة وعشرين ألفا من قيس، وسبعة آلاف من ربيعة، وأعطاهم أعطياتهم، وولى على قيس إسحاق بن مسلم العقيلي، وعلى ربيعة المساور بن عقبة؛ ثم خرج يريد الشام، واستخلف على الجزيرة أخاه عبد العزيز بن محمد بن مروان، فتلقاه وجوه قيس: الوثيق بن الهذيل بن زفر، ويزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، وأبو الورد بن الهذيل بن زفر، وعاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، في خمسة آلاف من قيس، فساروا معه حتى قدم حلب، وبها بشر ومسرور ابنا الوليد بن عبد الملك، أرسلهما إبراهيم بن الوليد حين بلغه مسير مروان بن محمد، فالتقوا، فانهزم بشر ومسرور من ابن محمد من غير قتال، فأخذهما مروان فحبسهما عنده، ثم سار مروان حتى أتى حمص، فدعاهم للمسير معه والبيعة وولّى العهد الحكم وعثمان ابنى الوليد. ابن يزيد، وهما محبوسان عند إبراهيم بن الوليد بدمشق؛ فبايعوه، وخرجوا معه حتى أتى عسكر سليمان بن هشام بن عبد الملك [فانهزم جند سليمان وفّر

стр. 1636

إلى دمشق] بعد قتال شديد؛ وبلغ عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ما لقي سليمان، وهو معسكر في ناحية عين الجرّ «١» ؛ فأقبل إلى دمشق، وخرج إبراهيم بن الوليد من دمشق ونزل بباب الجابية، وتهيأ للقتال ومعه الأموال على العجل، ودعا الناس فخذلوه؛ وأقبل عبد العزيز بن الحجاج وسليمان بن الوليد، فدخلا مدينة دمشق يريدان قتل الحكم وعثمان بن الوليد وهما في السجن؛ وجاء يزيد بن خالد بن عبد الله القسري فدخل السجن فقتل يوسف بن عمر، والحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وهما الحملان؛ وأتاهم رسول إبراهيم؛ فتوجه عبد العزيز بن الحجاج إلى داره ليخرج عياله، فثار به أهل دمشق فقتلوه، واحتزوا رأسه فأتوا به أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وكان محبوسا مع يوسف بن عمر وأصحابه، فأخرجوه ووضعوه على المنبر في قيوده، ورأس عبد العزيز بين يديه، وحلّوا قيوده وهو على المنبر، فخطبهم وبايع لمروان، وشتم يزيد وإبراهيم ابني الوليد، وأمر بجثة عبد العزيز فصلبت على باب الجابية منكوسا، وبعث برأسه إلى مروان بن محمد؛ واستأمن أبو محمد لأهل دمشق، فأمّنهم مروان ورضي عنهم؛ وبلغ [ذلك] إبراهيم فخرج هاربا حتى أتى مروان، فبايعه وخلع نفسه، فقبل منه وأمنه، فسار إبراهيم فنزل الرّقة على شاطىء الفرات؛ ثم أتاه كتاب سليمان بن هشام يستأمنه فأمّنه، فأتاه فبايعه. واستقامت لمروان بن محمد. وكانت ولاية إبراهيم بن الوليد المخلوع أشهرا. قال أبو الحسن: شهرين ونصفا. ولاية مروان بن محمد بن مروان ثم بويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم. أمّه بنت إبراهيم بن الأشتر. قال بعضهم: بل كانت أمّه لخباز لمصعب بن الزبير، أولا لابن الأشتر، واسم الخباز: رزبا؛ وقال بعضهم: كان رزبا عبدا لمسلم بن عمرو الباهلي.

стр. 1637

وقال أبو العباس الهلالي حين دخل على أبي العباس السفاح: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع، ابن عم رسول الله ﷺ وابن عبد المطلب. وكان مروان بن محمد أحزم بني مروان وأنجدهم وأبلغهم، ولكنه ولي الخلافة والأمر مدبر عنهم. ودفع إلى مروان أبيات قالها الحكم بن الوليد وهو محبوس، وهي: ألا فتيان من مضر فيحموا ... أسارى في الحديد مكبّلينا أتذهب عامر بدمي وملكي ... فلا غثّا أصبت ولا سمينا فإن أهلك أنا ووليّ عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا فأدّب لاعدمتك حرب قيس ... فتخرج منهم الداء الدّفينا ألا من مبلغ مروان عني ... وعمّي الغمر طال بذا حنينا بأني قد ظلمت وطال حبسي ... لدى البخراء في لحف مهينا وقتل مروان ببوصير من أرض مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. الوليد بن هشام عن أبيه، وعبد الله بن المغيرة عن أبيه، وأبو اليقظان، قالوا: ولد مروان بالجزيرة سنة اثنتين وسبعين، وقتل بقرية من قرى مصر يقال لها بوصير يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكانت ولايته خمس سنين وستة أشهر وعشرة أيام. وأمّ مروان أمة لمصعب بن الزبير، وقتل وهو ابن ستين سنة. ولد مروان عبد الملك، ومحمد، وعبد العزيز، وعبيد الله، وعبد الله، وأبان، ويزيد، ومحمد الأصغر، وأبو عثمان. وكاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعيد مولى بني عامر بن لؤى، وكان معلما.

стр. 1638

وكان على القضاء سليمان بن عبد الله بن علاثة. وعلى شرطته الكوثر بن عتبة وأبو الأسود الغنوي. وكان للحرس نوب، في كل ثلاثة أيام نوبة، يلي ذلك صاحب النوبة. وعلى حجابته صقلا ومقلاص. وعلى الخاتم الصغير عبد الأعلى بن ميمون بن مهران. وعلى ديوان الجند عمران بن صالح مولى بني هذيل. مقتل مروان بن محمد بن مروان قال: والتقى مروان وعامر بن إسماعيل ببوصير من أرض مصر، فقاتلوهم ليلا، وعبد الله وعبيد الله ابنا مروان واقفان في ناحية في جمع من أهل الشام، فحمل عليهم أهل خراسان فأزالوهم عن مراكزهم، ثم كرّوا عليهم فهزموهم حتى ردّوهم إلى عسكرهم، ورجعوا إلى موقفهم؛ ثم إنّ أهل الشام بدءوهم فحملوا على أهل خراسان فكشفوا كشفا قبيحا، ثم رجعوا إلى أماكنهم وقد مضى عبيد الله وعبد الله، فلم يروا أحدا من أصحابهم، فمضوا على وجوههم وذلك في السحر. وقتل مروان وانهزم الناس، وأخذوا عسكر مروان وما كان فيه، وأصبحوا فاتبعوا الفلّ «١» ، وتفرّق الناس؛ فجعلوا يقتلون من قدروا عليه، ورجع أهل خراسان عنهم. فلما كان الغد لحق الناس بعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وجعلوا يأتونهما متقطعين العشرة والعشرين وأكثر وأقل؛ فيقولان: كيف أمير المؤمنين؟ فيقول بعضهم: تركناه يقاتلهم. ويقول بعضهم: انحاز وثاب إليه قوم ولا يتبعونه. حتى أتوا

стр. 1639

الحرون، فقال، كنت معه أنا ومولى له، فصرع فجررت برجله، فقال: أوجعتني! فقاتلت أنا ومولاه عنه؛ وعلموا أنه مروان فألحوا عليه، فتركته ولحقت بكم. فبكى عبد الله، فقال له أخوه عبيد الله: يا ألأم الناس! فررت عنه وتبكي عليه؟ ومضوا، فقال بعضهم: كانوا أربعة آلاف. وقال بعضهم: كانوا ألفين، فأتوا بلاد النوبة، فأجرى عليهم ملك النوبة ما يصلحهم، ومعهم أم خالد بنت يزيد، وأم الحكم بنت عبيد الله- صبية جاء بها رجل من عسكر مروان حين انهزموا- فدفعها إلى أبيها. ثم أجمع ابنا مروان على أن يأتيا اليمن، وقالا: نأتيها قبل أن يأتيها المسوّدة «١» فنتحصّن في حصونها وندعو الناس. فقال لهم صاحب النوبة لا تفعلوا إنكم في بلاد السودان وهم في عدد كثير، ولا آمن عليكم؛ فأقيموا. فأبوا، قال: فاكتبوا لي كتابا، فكتبوا له: إنا قدمنا بلادك فأحسنت مثوانا، وأشرت علينا أن لا نخرج من بلادك، فأبينا، وخرجنا من عندك وافرين راضين شاكرين لك بطيب أنفسنا. وخرجوا فأخذوا في بلاد العدو، فكانوا ربما عرضوا لهم ولا يأخذون منهم إلا السلاح، وأكثر من ذلك لا يعرضون له؛ حتى أتوا بعض بلادهم فتلقاهم عظيمهم فاحتبسهم، فطلبوا الماء فمنعهم، ولم يقاتلهم ولم يخلّهم وعطشهم، وكان يبيعهم القربة بخمسين درهما، حتى أخذ منهم مالا عظيما. ثم خرجوا فساروا حتى عرض لهم جبل عظيم بين طريقين فسلك عبد الله أحدهما في طائفة، وسلك عبيد الله الآخر في طائفة أخرى، وظنوا أن للجبل غابة يقطعونها ثم يجتمعون عند آخرها، فلم يلتقوا. وعرض قوم من العدو لعبيد الله وأصحابه فقاتلوهم، فقتل عبيد الله، وأخذت أم الحكم بنته وهي صبية، وقتل رجل من أصحابه، وكفوا عن الباقين وأخذوا سلاحهم.

стр. 1640

وتقطع الجيش، يتنكبون «١» العمران، فيأتون الماء فيقيمون عليه الأيام، فتمضى طائفة وتقيم الأخرى، حتى بلغ العطش منهم؛ فكانوا يتحرون الدابة فيقطعون أكراشها فيشربونه، حتى وصلوا إلى البحر بحيال المندب؛ ووافاهم عبد الله وعليه مقرمة «٢» قد جاء بها، فكانوا جميعا خمسين أو أربعين رجلا، فيهم الحجاج بن قتيبة ابن مسلم الحرون، وعفان مولى بني هاشم، فعبروا إليهم البحر في السفن، فمشوا إلى المندب، فأقاموا بها شهرا فلم تحملهم، فخرجوا إلى مكة. وقال بعضهم: أعلم بهم العامل، فخرجوا مع الحجاج عليهم ثياب غلاظ وجباب الأكرياء «٣» ، حتى وافوا جدة وقد تقطعت أرجلهم من المشي، فمرّوا بقوم فرقّوا لهم فحملوهم، وفارق عبد الله الحجاج بجدة، ثم حجوا وخرجوا من مكة إلى تبالة. وكان على عبد الله فصّ «٤» أحمر كان قد غيّبه حين عبر إلى المندب، فلما أمن استخرجه، وكانت قيمته ألف دينار، وكان يقول وهو يمشي: ليت به دابة! حتى صار في مقرمة تكون عليه بالنهار فيلبسها بالليل؛ فقالوا: ما رأينا مثل عبد الله، قاتل فكان أشد الناس، ومشوا فكان أقواهم؛ وجاعوا فكان أصبرهم وعروا فكان أحسنهم عريا! وبعث وهو بالمندب إلى العدو الذين أخذوا أم الحكم بنت أخيه عبيد الله، ففداها وردّها إليه؛ فكانت معه. ثم أخذ عبد الله فقدم به على المهدي، فجاءت امرأته بنت يزيد بن محمد بن مروان بن الحكم، فكلمت العباس بن يعقوب كاتب عيسى بن علي وأعطته لؤلؤا، ليكلم فيه عيسى: فكلمه وأعلمه بما أعطته؛ فلم يكلم فيه عيسى بن علي المهديّ؛ وأراد المهدي أن يقتله؛ فقال له عيسى: إن له في أعناقنا بيعة؛ وقد أعطى كاتبي قيمة ثلاثين ألف درهم. فحبسه المهدي.

стр. 1641

وكان عبد الله بن مروان تزوج أم يزيد ابنة يزيد بن محمد بن مروان؛ وكانت في الحبس، فلما أخرجهم العباس خرجت إلى مكة فأقامت بها، وقدم عبد الله بن مروان سرّا فتزوجها. وقال مولى مروان: كنت مع مروان وهو هارب؛ فقال لي يوما: أين عزبت «١» عنا حلومنا في نسائنا؟ ألا زوّجناهم من أكفائهن من قريش فكفينا مؤنتهن اليوم. وقال بعض آل مروان: ما كان شيء أنفع لنا في هربنا من الجوهر الخفيف الثمن الذي يساوي خمسة دنانير فما دونها: كان يخرجه الصبي والخادم فيبيعه، وكنا لا نستطيع أن نظهر الجوهر الثمين الذي له قيمة كثيرة. وقال مصعب بن الربيع الخثعمي كاتب مروان بن محمد: لما انهزم مروان وظهر عبد الله بن علي على أهل الشام، طلبت الإذن؛ فأنا عنده جالس وهو متكيء؛ إذ ذكر مروان وانهزامه فقال: أشهدت القتال؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير. قال لي مروان: احزر «٢» القوم. فقلت: إنما أنا صاحب قلم ولست بصاحب حرب. فأخذ يمنة ويسرة فقال لي: هم اثنا عشر ألف رجل. وقال مصعب: قيل لمروان: قد انتهب بيت المال الصغير! فانصرف يريد بيت المال، فقيل له: قد انتهب بيت المال الأكبر، انتهبه أهل الشام. وقال أبو الجارود السلمي: حدثني رجل من أهل خراسان قال: لقينا مروان على الزاب، فحمل علينا أهل الشام كأنهم جبال حديد، فجثونا على الرّكب «٣» وأشرعنا «٤» الرماح، فزالوا عنا كأنهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا، فبقي عليه رجل من أهل الشام، فخرج إليه رجل منا، فقتله الشامي؛ ثم خرج إليه آخر، فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي

стр. 1642

سيفا قاطعا وترسا صلبا. فأعطيناه ومشى إليه، فضربه الشامي فاتّقاه بالترس وضرب رجله فقطعها، وقتله ورجع، فحملناه وكبرنا، فإذا هو عبيد الله الكابلي. سمر المنصور ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين، وكانت همتهم مع عظم شأن الملك وجلالة قدره، قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلا باستدراج الله وأمنا لمكره؛ فسلبهم الله العز ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح ابن علي: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن مروان لما دخل النوبة هاربا فيمن تبعه، سأل ملك النوبة عنهم فأخبر، فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه، وأزعجه «١» عن بلده؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك! فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمنا أرض النوبة وقد خبّر الملك بأمرنا، فدخل عليّ رجل أقنى «٢» الأنف طوال حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال: لأني ملك، ويحق على الملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله! ثم قال لأي شيء تشربون الخمر وهي محرمة عليكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وغلماننا وأتباعنا، لأن الملك قد زال عنا. قال: فلم تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم؟

стр. 1643

قلت: ذهب الملك عنا وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. قال: فأطرق مليا وجعل يقلب يده وينكت الأرض ويقول عبيدنا وأتباعنا، وقوم دخلوا في ديننا، وزال الملك عنا!! يردده مرارا، ثم قال: ليس ذلك كذلك: بل أنتم قوم قد استحللتم ما حرم الله، وركبتم ما نهاكم عنه وظلمتم من ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها؛ وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام، فتزوّدوا ما احتجتم وارتحلوا عن بلدي. أخبار الدولة العباسية الهيثم بن عدي قال: حدثني عيّاش قال: حدثني بكير أبو هاشم مولى مسلمة قال: لم يزل لبني هاشم بيعة سرّ ودعوة باطنة منذ قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ولم نزل نسمع بخروج الرايات السود من خراسان وزوال ملك بني أمية، حتى صار ذلك. وقيل لبعض بني أمية: ما كان سبب زوال ملككم؟ قال: اختلاف فيما بيننا واجتماع المختلفين علينا! الهيثم بن عدي قال: حدثني غير واحد ممن أدركت من المشايخ أن عليّ بن أبي طالب أصار الأمر إلى الحسن، فأصاره الحسن إلى معاوية، وكره ذلك الحسين ومحمد ابن الحنفية. فلما قتل الحسين بن عليّ صار أمر الشيعة إلى محمد بن الحنفية. وقال بعضهم: إلى عليّ بن الحسين، ثم إلى محمد بن علي ثم إلى جعفر بن محمد. والذي عليه الأكثر أن محمد بن الحنفية أوصى إلى أبي هاشم ابنه: عبد الله بن محمد بن الحنفية، ولم يزل قائما بأمر الشيعة يأتونه ويقوم بأمرهم ويؤدّون إليه الخراج حتى استخلف سليمان ابن عبد الملك، فأتاه وافدا ومعه عدة من الشيعة، فلما كلمه سليمان قال: ما كلمت قط قرشيا يشبه هذا؛ وما نظن الذي كنا نحدّث عنه إلا حقا! فأجازه وقضى حوائجه وحوائج من معه. ثم شخص وهو يريد فلسطين، فلما كان ببلاد لخم وجذام، ضربوا

стр. 1644

له أبنية في الطريق ومعهم اللبن المسموم، فكلما مر بقوم قالوا: هل لكم في الشراب! قالوا: جزيتم خيرا! ثم بآخرين فعرضوا عليه فقال: هاتوا. فلما شرب واستقر بجوفه، قال لأصحابه: إني ميت، فانظروا من القوم! فنظروا فإذا هم قد قوّضوا «١» أبنيتهم وذهبوا، فقال: ميلوا بي إلى ابن عمي وما أحسبني أدركه! فأسرعوا حتى أتوا الحميمة «٢» من أرض الشراة، وبها محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل بها، فقال: يا بن عمي، إني ميت؛ وقد صرت إليك؛ وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الرايات السود من قعر خراسان، ثم ليغلبنّ على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية، وما بين الهند وأقصى فرغانة «٣» ، فعليك بهؤلاء الشيعة واستوص بهم خيرا، فهم دعاتك وأنصارك، ولتكن دعوتك خراسان لا تعدوها، لا سيما مرو، واستبطن هذا الحيّ من اليمن فإن كان ملك لا يقوم به فمصيره إلى انتقاض «٤» ، وانظر هذا الحي من ربيعة فألحقهم بهم، فإنهم معهم في كل أمر؛ وانظر هذا الحيّ من قيس وتميم فأقصهم إلا من عصم الله منهم، وذلك قليل ثم مرهم أن يرجعوا فليجعلوا اثنى عشر نقيبا، وبعدهم سبعين نقيبا؛ فإن الله لم يصلح أمر بني إسرائيل إلا بهم، وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، فإذا مضت سنة الحمار فوجه رسلك من خراسان، منهم من يقتل ومنهم من ينجو، حتى يظهر الله دعوتكم. قال محمد بن علي: يا أبا هاشم، وما سنة الحمار؟ قال: إنه لم تمض مائة سنة من نبوّة قط إلا انتقض أمرها، لقول الله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ «٥» .

стр. 1645

واعلم أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثم عبد الله أخوه. ولم يكن لمحمد بن علي في ذلك الحين ولد يسمى عبد الله، فولد له من الحارثية ولدان، سمى كل واحد منهما عبد الله، وكنى الأكبر أبا العباس، والأصغر أبا جعفر، فوليا جميعا للخلافة. ثم مات أبو هاشم وقام محمد بن علي بالأمر بعد، واختلفت الشيعة «١» إليه؛ فلما ولد أبو العباس أخرجه إليهم في خرقة، وقال لهم: هذا صاحبكم. فجلسوا يلحسون أطرافه. وولد أبو العباس في أيام عمر بن عبد العزيز. ثم قدم الشيعة على محمد بن علي فأخبروه أنهم حبسوا بخراسان في السجن، وكان يخدمهم فيه غلام من السرّاجين «٢» ما رأوا قط مثل عقله وظرفه ومحبته في أهل بيت رسول الله، يقال له أبا مسلم. قال: أحرّ أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر. قال: فاشتروه وأعتقوه واجعلوه بينكم إذا رضيتموه. وأعطو محمد بن علي مائتي ألف كانت معهم. فلما انقضت المائة سنة بعث محمد بن علي رسله إلى خراسان فغرسوا بها غرسا، وأبو مسلم المقدم عليهم؛ وثارت الفتنة في خراسان بين المضرية واليمانية فتمكن أبو مسلم وفرق رسله في كور خراسان يدعو الناس إلى آل الرسول، فأجابوه؛ ونصر بن سيار عامل خراسان لهشام بن عبد الملك، فكان يكتب لهشام بخبرهم، وتمضي كتبه إلى ابن هبيرة صاحب العراق لينفذها إلى أمير المؤمنين، فكان يحبسها ولا ينفذها، لئلا يقوم لنصر بن سيار قائمة عند الخليفة- وكان في ابن هبيرة حسد شديد- فلما طال بنصر بن سيار ذلك ولم يأته جواب من عند هشام، كتب كتابا وأمضاه إلى

стр. 1646

هشام على غير طريق ابن هبيرة، وفي جوف الكتاب هذه الأبيات مدرجة» يقول فيها: أرى خلل الرّماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون لها ضرام «٢» فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام «٣» فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمّرة يشيب لها الغلام فقلت من التّعجّب: ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام ففرّي عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السّلام فكتب إليه هشام أن احسم ذلك الثّؤلول «٤» الذي نجم عندكم. قال نصر: وكيف لنا بحسمه. وقال نصر بن سيار يخاطب المضرية واليمانية ويحذّرهم هذا العدوّ الداخل عليهم، بقوله: أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم ... فليغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ولينصبوا الحرب إنّ القوم قد نصبوا ... حربا يحرّق في حافاتها الحطب ما بالكم تلقحون الحرب بينكم ... كأنّ أهل الحجا عن رأيهم عزبوا «٥» وتتركون عدوّا قد أظلّكم ... ممّا تأشّب لا دين ولا حسب «٦» قدما يدينون دينا ما سمعت به ... عن الرّسول ولم تنزل به الكتب فمن يكن سائلا عن أصل دينهم ... فإنّ دينهم أن تقتل العرب

стр. 1647

ومات محمد بن علي في أيام الوليد بن يزيد، وأوصى إلى ولده إبراهيم بن محمد؛ فقام بأمر الشيعة، وقدّم عليهم أبو مسلم السرّاج وسليمان بن كثيّر؛ وقال لأبي مسلم: إن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيّا فافعل، ومن شككت في أمره فاقتله. فلما استعلى أمر أبي مسلم بخراسان وأجابته الكور كلها، كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد بخبر أبي مسلم وكثرة من تبعه، وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان وأن يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فأتى الكتاب مروان وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم إلى أبي مسلم؛ فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان وهو عامله على دمشق، أن اكتب إلى عاملك بالبلقاء ليسير إلى الحميمة فيأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ثم يبعث به إليك، ثم وجّهه إليّ. فحمل إلى مروان، وتبعه من أهله عبد الله ابن علي، وعيسى بن موسى؛ فأدخل على مروان، فأمر به إلى الحبس. قال الهيثم: حدثني أبو عبيدة قال: كنت آتيه في السجن، ومعه فيه سعيد بن [هشام بن] عبد الملك، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز؛ فو الله إني ذات ليلة في سقيفة «١» السجن بين النائم واليقظان، إذا بمولى لمروان قد استفتح الباب ومعه عشرون رجلا من موالي مروان الأعاجم، ومعهم صاحب السجن، فأصبحنا وسعيد وعبد الله وإبراهيم قد ماتوا. قال الهيثم: حدّثني أبو عبيدة قال: حدّثني وصيف عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الذي كان يخدمه في الحبس: أنه غمّ «٢» عبد الله مولاه بمرفقه «٣» ، وإبراهيم بن محمد بجراب نورة «٤» ، وسعيد بن عبد الملك أخرجه صاحب السجن، فلقيه بعض حرس مروان في ظلمة الليل، فوطئته الخيل وهم لا يعرفون من هو، فمات.

стр. 1648

ثم استولى أبو مسلم على خراسان كلها، فأرسل إلى نصر بن سيار، فهرب هو وولده وكاتبه داود، حتى انتهوا إلى الريّ، فمات نصر بن سيار بساوة «١» وتفرّق أصحابه، ولحق داود بالكوفة وولده جميعا. واستعمل أبو مسلم عماله على خراسان ومرو وسمرقند وأحوازها «٢» ؛ ثم أخرج الرايات السود، وقطع البعوث، وجهز الخيل والرجال، عليهم قحطبة بن شبيب، وعامر بن إسماعيل، ومحرز بن إبراهيم في عدّة من القواد، فلقوا من بطوس «٣» ، فانهزموا؛ ومن مات في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ القتلى بضعة عشر ألفا. ثم مضى قحطبة إلى العراق، فبدأ بجرجان وعليها نباته بن حنظلة الكلابي، وكان قحطبة يقول لأصحابه: والله ليقتلن عامر بن ضبارة، وينهزمنّ ابن هبيرة، ولكني أخاف أن أموت قبل أن أبلغ ثأري، وأخاف أن أكون الذي يغرق في الفرات، فإن الإمام محمد بن علي قال لي ذلك قال الهيثم: فقدم قحطبة جرجان فقتل ابن نباتة ودخل جرجان فانتهبها، وقسم- ما أصاب بين أصحابه؛ ثم سار إلى عامر بن ضبارة بأصبهان فلقيه، فقتل ابن ضبارة وقتل أصحابه، ولم ينج منهم إلا الشريد، ولحق فلّهم بابن هبيرة. وقال قحطبة لما قتل ابن ضبارة: ما شيء رأيته ولا عدوّ قتلته إلا وقد حدّثني به الإمام صلوات الله عليه، إلا أنه حدّثني أني لا أعبر الفرات. وسار قحطبة حتى نزل بحلوان «٤» ووجه أبا عون في نحو من ثلاثين ألفا إلى مروان بن محمد، فأخذ على شهرزور حتى أتى الزّاب، وذلك برأي أبي مسلم. فحدث أبو عون عبد الملك بن يزيد: قال لي أبو هاشم بكير بن ماهان: أنت والله

стр. 1649

الذي تسير إلى مروان، ولتبعثنّ إليه غلاما من مذحج يقال له عامر فليقتلنّه فأمضيت والله عامر بن إسماعيل على مقدمتي، فلقي مروان فقتله. ثم سار قحطبة من حلوان إلى ابن هبيرة بالعراق، فالتقوا بالفرات، فاقتتلوا حتى اختلط الظلام، وقتل قحطبة في المعركة وهو لا يعرف، فقال بعضهم: غرق في الفرات. ثم انهزم ابن هبيرة حتى لحق بواسط، وأصبح المسوّدة وقد فقدوا أميرهم، فقدّموا الحسن بن قحطبة. ولما بلغ مروان قتل قحطبة وهزيمة ابن هبيرة قال: هذا والله الإدبار، وإلا فمتى رأيتم ميتا هزم حيّا! وأقام ابن هبيرة بواسط وغلبت المسوّدة على العراق، وبايعوا لأبي العباس عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ووجه عمّه عبد الله بن علي لقتال مروان وأهل الشام، وقدمه على أبي عون وأصحابه؛ ووجه أخاه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وأقام أبو العباس بالكوفة حتى جاءته هزيمة مروان بالزاب. وأمضى عبد الله بن علي أبا عون في طلبه، وأقام على دمشق ومدائن الشام يأخذ بيعتها لأبي العباس. وكان أبو سلمة الخلال. واسمه حفص بن سليمان. يدعى وزير آل محمد، وكان أبو مسلم يدعى أمين آل محمد؛ فقتل أبو العباس أبا سلمة الخلال، واتهمه بحب بني فاطمة وأنه كان يحطب «١» في حبالهم؛ وقتل أبو جعفر أبا مسلم. وكان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم: لا تكلموا الناس إلا رمزا، ولا تلحظوهم إلا شزرا «٢» : لتمتلىء صدورهم من هيبتكم.

стр. 1650

مقتل زيد بن علي أيام هشام بن عبد الملك كتب يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك: إن خالد بن عبد الله أودع زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب مالا كثيرا. فبعث هشام إلى زيد فقدم عليه فسأله عن ذلك فأنكر، فاستحلفه فحلف؛ فخلّى سبيله. وأقام عند هشام بعد ذلك سنة، ثم دخل عليه في بعض الأيام، فقال له هشام: بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة! قال: أما قولك إني أحدث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله؛ وأما قولك إني ابن أمة فهذا إسماعيل ﷺ ابن أمة، أخرج الله من صلبه خير البشر محمدا ﷺ ، وإسحاق ابن حرة، أخرج الله من صلبه القردة والخنازير وعبدة الطاغوت «١» . وخرج زيد مغضبا، فقال زيد: ما أحبّ أحد الحياة إلا ذلّ! قال له الحاجب: لا يسمع هذا الكلام منك أحد. وخرج زيد حتى قدم الكوفة، فقال: شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «٢» منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «٣» قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد ثم خرج بخراسان، فوجه يوسف بن عمر إليه الخيل وخرج في أثرهم حتى لقيه، فقاتله، فرمي زيد في آخر النهار بنشابة من نحره فمات، فدفنه أصحابه في حمأة كانت قريبة منهم، وتتبّع أصحاب زيد، فانهزم من انهزم وقتل من قتل، ثم أتي يوسف فقيل له: إن زيدا دفن في حمأة. فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام، ثم صلبه في سوق الكناسة «٤» ، فقال في ذلك أعور كلب، وكان مع يوسف في جيش أهل الشام:
следующие страницы →