Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
ذلك [ثلاث] آيات في كتاب الله تعالى [قال الله تعالى] : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
»
. فكان عثمان منهم، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«٢» . فكان أبي منهم ثم قال:
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
«٣» . فكنت أنا منهم. قال: صدقت.
ابن أبي ليلى في لعن على وابن الزبير والمختار:
أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى ضربه الحجاج وأوقفه على باب المسجد، فجعلوا يقولون له: العن الكاذبين: عليّ ابن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد. فقال: لعن الله الكاذبين ثم قال: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد- بالرفع- فعرفت حين سكت ثم ابتدأ فرفع، أنه ليس يريدهم.
الحجاج والشعبي:
قال الشعبي: أتي بي الحجاج موثقا، فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه، فقال: إنا لله يا شعبيّ لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! قلت له: فما المخرج؟ قال: بؤ «٤» للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، وبالحرى أن تنجو. ثم لقبني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد: فلما دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبي فيمن خرج عليا وكفر؟ قلت: أصلح الله الأمير، نبا «٥» بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب «٦» ، واستحلسنا «٧» الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق
стр. 1717
المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء! قال: صدق والله، ما برّوا بخروجهم علينا، ولا قووا؛ أطلقوا عنه. فاحتاج إليّ في فريضة بعد ذلك، فأرسل إليّ فقال: ما تقول في أم وأخت وجد؟ فقلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب محمد ﷺ : عبد الله بن مسعود، وعليّ، وعثمان وزيد، وابن عباس. قال: فما قال فيها ابن عباس، إن كان لمنقبا «١» . قلت: جعل الجد أبا ولم يعط الأخت شيئا، وأعطى الأمّ الثلث. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟ قلت جعلها من ستة، فأعطى الجدّ ثلاثة، وأعطى الأمّ اثنين، وأعطى الأخت سهما. قال: فما قال زيد؟ قلت: جعلها من تسعة، فأعطى الأمّ ثلاثة، وأعطى الجدّ أربعة، وأعطى الأخت اثنين؛ فجعل الجد معها أخا. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثا. قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، فأعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم اثنين وأعطى الجد سهما، قال: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها أمير المؤمنين.
... فبينما أنا عنده إذ جاءه الحاجب فقال له: إن بالباب رسلا. فقال: إيذن لهم.
قال: فدخلوا، وعمائمهم على أوساطهم، وسيوفهم على عواتقهم، وكتبهم بأيمانهم، وجاء رجل من بني سليم يقال له شبابة بن عاصم، فقال له: من أين؟ قال: من الشام، قال:
كيف تركت أمير المؤمنين؟ وكيف تركت حشمه؟ فأخبره، قال: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصابتني فيما بيني وبين الأمير ثلاث سحائب. قال: فانعت لي، كيف كان وقع المطر وتباشيره؟ قال: أصابتني سحابة بحوّارين «٢» ، فوقع قطر صغار وقطر كبار، فكانت الصغار لحمة للكبار؛ ووقع نشيطا ومتداركا، وهو السّيح «٣» الذي سمعت به، فواد سائل، وواد نازح؛ وأرض مقبلة، وأرض مدبرة. وأصابتني سحابة بسراء «٤» فلبّدت الدّماث «٥» ، وأسالت العزاز «٦» ، وأدحضت التلاع، وصدعت
стр. 1718
عن الكمأة أماكنها؛ وأصابتني سحابة بالقريتين. فقاءت الأرض بعد الريّ، وامتلأت الأخاديد «١» ، وأفعمت الأودية، وجئتك في مثل وجار «٢» الضبع.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل وراءك من غيث؟ قال: لا، كثر والله الإعصار، وأغبرت البلاد، وأيقنّا أنه عام سنة «٣» . قال: بئس المخبر أنت.
قال: أخبرتك الذي كان.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من أهل اليمامة، قال: هل وراءك من غيث؟ قال:
نعم، سمعت الروّاد يدعون إلى الماء، وسمعت قائل يقول: هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافش فيها المعزى. قال الشعبي: فلم يدر الحجاج ما قال، فقال له: تبّا لك. إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم. قال: أصلح الله الأمير، أخصب الناس، فكثر التمر والسمن والزبد واللبن، فلا توقد نار يختبز بها؛ وأمّا تشكى النساء، فإنّ المرأة تظل تربق «٤» بهمها، وتمخض لبنها، فتبيت: ولها أنين من عضدها وأمّا تنافش «٥» المعزى، فإنها ترى من أنواع التّمر وأنواع الشجر ونور النبات، ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها، فتبيت وقد امتلأت أكراشها، ولها من الكظة «٦» جرّة، فتبقى الجرّة حتى تستنزل الدرّة.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من الموالي كان من أشدّ الناس في ذلك الزمان، فقال له: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، ولكني لا أحسن أن أقول ما يقول هؤلاء.
قال: فما تحسن؟ قال: أصابتني سحابة بحلوان، فلم أزل أطأ في آثارها حتى دخلت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
стр. 1719
عبد الملك والحجاج وابن عمر:
إبراهيم بن مرزوق عن سعيد بن جويرية قال: لما كان عام الجماعة، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: انظر ابن عمر فاقتد به وخذ عنه. يعني في المناسك، قال: فلما كان عشية عرفة، سار الحجاج بين يدي عبد الله ابن عمر وسالم ابنه، فقال له سالم: إن أردت أن تصيب السّنة «١» اليوم فأوجز الخطبة وعجّل الصلاة. قال:
فقطّب ونظر إلى عبد الله بن عمر، فقال: صدقت. فلما كان عند الزوال مرّ عبد الله بن عمر بسرادقه وقال: الرواح «٢» فما لبث أن خرج ورأسه يقطر كأنه قد اغتسل، فلما أفاض «٣» الناس رأيت الدم يتحدر من النجيبة «٤» التي عليها ابن عمر، فقلت: أبا عبد الرحمن، عقرت النجيبة! قال: أنا عقرت ليس النجيبة. وكان أصابه زج «٥» رمح بين أصبعين من قدمه، فلما صرنا بمكة دخل عليه الحجاج عائدا فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو علمت من أصابك لفعلت وفعلت، قال له: أنت أصبتني. قال غفر الله لك، لم تقول هذا؟ قال: حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، وفي بلد لا يحمل فيه السلام.
من أخبار الحجاج:
أبو الحسن المدائني قال: أخبرني من دخل المسجد والحجاج على المنبر وقد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع
ساء ما ظنّوا وقد أبليتهم ... عند غايات المدى كيف أقع «٦»
стр. 1720
كيف يرجون سقاطي بعدما ... شمل الرأس مشيب وصلع
كتب الوليد إلى الحجاج. أن صف لي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي، وأنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفّر لأمانته، وصرفت السيف إلى النّطف «١» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.
الحجاج وقارىء
قرأ الحجاج في سورة هود: قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
«٢» ؛ فلم يدر كيف يقرأ: عمل بالضم والتنوين، أو عمل بالفتح؛ فبعث حرسيّا فقال: إيتني بقارىء. فأتى به وقد ارتفع الحجاج عن مجلسه، فحبسه ونسيه حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر؛ فلما انتهى إليه قال له: فيم حبست؟ قال:
في ابن نوح، أصلح الله الأمير! فأمر بإطلاقه.
عبد الملك والحجاج وأنس:
إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثني سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك يخرج معه، فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه وأدرج كتاب الحجاج في جوف كتابه.
قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر: بعث إليّ عبد الملك بن مروان في ساعة لم يكن يبعث إليّ في مثلها، فدخلت عليه وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا، فقال: يا إسماعيل: ما أشدّ عليّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، وضاق ذرعه في رجل من أصحاب النبي ﷺ ! لا يقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيئة، فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين قال أنس بن مالك: خادم رسول الله ﷺ ، كتب إليّ يذكر أنّ
стр. 1721
الحجاج قد أضرّ به أو أساء جواره. وقد كتبت في ذلك كتابين، كتابا إلى أنس بن مالك، والآخر إلى الحجاج؛ فاقبضهما ثم اخرج على البريد فإذا وردت العراق فابدأ بأنس بن مالك فادفع له كتابي، وقل له: اشتدّ على أمير المؤمنين ما كان من الحجاج إليك، ولن يأتي إليك أمر تكرهه إن شاء الله، ثم ائت الحجاج فادفع إليه كتابه، وقل له: قد اغتررت بأمير المؤمنين غرّة «١» لا أظنه يخطئك شرّها. ثم افهم ما يتكلم به وما يكون منه، حتى تفمني إياه إذا قدمت عليّ إن شاء الله.
قال إسماعيل: فقبضت الكتابين وخرجت على البريد، حتى قدمت العراق فبدأت بأنس بن مالك في منزله، فدفعت إليه كتاب أمير المؤمنين، وأبلغته رسالته؛ فدعا له وجزاه خيرا؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب قلت له: أبا حمزة، إنّ الحجاج عامل، ولو وضع لك في جامعة «٢» لقدر أن يضرك وينفعك؛ فأنا أريد أن تصالحه. قال: ذلك إليك، لا أخرج عن رأيك. ثم أتيت الحجاج؛ فلما رآني رحب وقال: والله لقد كنت أحبّ أن أراك في بلدي هذا! قلت: وأنا والله قد كنت أحب أن أراك وأقدم عليك بغير الذي أرسلت به إليك! قال: وما ذاك؟ قلت: فارقت الخليفة وهو أغضب الناس عليك! قال: ولم؟ قال: فدفعت إليه الكتاب، فجعل يقرؤه وجبينه يعرق فيمسحه بيمينه، ثم قال: اركب بنا إلى أنس بن مالك. قلت له: لا تفعل، فإني سأتلطف به حتى يكون هو الذي يأتيك- وذلك للذي أشرت عليه من مصالحته- قال: فألقى كتاب أمير المؤمنين، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أمّا بعد فإنك عبد طمت «٣» بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتى جزت قدرك، وعدوت طورك، وايم الله يا بن المستفرمة «٤» بعجم زبيب الطائف، لأغمزنّك «٥»
стр. 1722
كبعض غمزات الليوث للثعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها في وجعاء»
أمك؛ اذكر مكاسب آبائك بالطائف، إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، ويحفرون الآبار في المناهل بأيديهم؛ فقد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدناءة واللؤم والضراعة؛ وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جرأة منك على أمير المؤمنين، وغرّة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله وعمد إلى غير محبته، ونزل عند سخطته، وأظنك أردت أن تروزه «٢» بها لتعلم ما عنده من التغيير والتنكير فيها، فإن سوّغتها مضيت قدما، وإن بغّضتها وليت دبرا. فعليك لعنة الله من عبد أخفس «٣» العينين؛ أصلك «٤» الرجلين؛ ممسوح الجاعرتين «٥» ، وايم الله لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما وانتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين، لبعث إليك من يسبحك ظهرا لبطن حتى ينتهي بك إلى أنس بن مالك، فيحكم فيك بما أحب، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك «٦» ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.
قال إسمعيل: فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معي إلى الحجاج؛ فلما دخلنا عليه قال: يغفر الله لك أبا حمزة: عجلت بالأئمة، وأغضبت علينا أمير المؤمنين. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير، فقال: أنس: إنك كنت تزعم أنا الأشرار! والله سمّانا الأناصر، وقلت: إنا من أبخل الناس! ونحن الذين قال الله فيهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«٧» وزعمت أنّا أهل نفاق! والله تعالى يقول فينا: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا
«٨» فكان المفزع والمشتكى في ذلك
стр. 1723
إلى الله وإلى أمير المؤمنين، فتولى من ذلك ما ولاه الله، وعرف من حقنا ما جهلت، وحفظ منا ما ضيّعت؛ وسيحكم في ذلك ربّ هو أرضى للمرضى، وأسخط للمسخط، وأقدر على المغير، في يوم لا يشوب الحقّ عنده الباطل، ولا النور الظلمة، ولا الهدى الضلالة؛ والله لولا أن اليهود أو النصارى رأت من خدم موسى بن عمران أو عيسى ابن مريم يوما واحدا لرأت له ما لم تروا لي في خدمة رسول الله ﷺ عشر سنين.
قال: فاعتذر إليه الحجاج وترضاه حتى قبل عذره ورضي عنه، وكتب برضاه وقبوله عذره، ولم يزل الحجاج له معظّما هائبا له حتى هلك، ﵁.
وكتب الحجاج إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: أصلح الله أمير المؤمنين وأبقاه، وسهل حظه وحاطه ولا أعدمناه، فإن إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين- أعز الله نصره- قدم عليّ بكتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وجعلني من كل مكروه فداءه، يذكر شتيمتي وتوبيخي بآبائي، وتعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من عند أمير المؤمنين، أتم الله نعمته عليه، وإحسانه إليه، ويذكر أمير المؤمنين، جعلني الله فداه، استطالة مني على أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جرأة على أمير المؤمنين، وغرة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله وعمد إلى غير محبنه ونزل عند سخطته وأمير المؤمنين- أصلحه الله- في قرابته من محمد رسول الله ﷺ ، إمام الهدى وخاتم الأنبياء- أحق من أقال عثرتي وعفا عن ذنبي، فأمهلني ولم يعجلني عند هفوتي للذي جبل عليه من كريم طبائعه، وما قلده الله من أمور عباده؛ فرأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- في تسكين ورعيّ وإفراح كربتي، فقد ملئت رعبا وفرقا من سطوته، وفجاءة نقمته، وأمير المؤمنين- أقاله «١» الله العثرات،
стр. 1724
وتجاوز له [عن] السيئات، وضاعف له الحسنات، وأعلى له الدرجات- أحق من صفح وعفا، وتغمد «١» وأبقى، ولم يشمت بي عدوا مكبا «٢» ولا حسودا مضبا «٣» ، ولم يجرّعني غصصا؛ والذي وصف أمير المؤمنين من صنيعته إلي، وتنويهه لي بما أسند إلي من عمله، وأوطاني من رقاب رعيته، فصادق فيه، مجزى بالشكر عليه، والتوسل مني إليه بالولاية والتقرب له بالكفاية.
وقد عاين إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين وحامل كتابه نزولي عند مسرة أنس بن مالك، وخضوعي لكتاب أمير المؤمنين، وإقلاقه إياي، ودخوله علي بالمصيبة، على ما سيعلمه أمير المؤمنين وينهيه إليه؛ فإن أرى أمير المؤمنين- طوّقني الله شكره، وأعانني على تأدية حقه، وبلّغني إلى ما فيه موافقة مرضاته ومدّ لي في أجله- أمر لي بكتاب من رضاه وسلامة صدره، يؤمّنني به من سفك دمي، ويردّ ما شرد من نومي، ويطمئن به قلبي، [فعل] ؛ فقد ورد عليّ أمر جليل خطبه، عظيم أمره شديد عليّ كربه، أسأل الله أن لا يسخط أمير المؤمنين [علي] ، وأن يبتليه في حزمه وعزمه، وسياسته وفراسته، ومواليه وحشمه، وعماله وصنائعه، ما يحمد به حسن رأيه، وبعد همته، إنه ولي أمير المؤمنين والذابّ عن سلطانه، والصانع له في أمره، والسلام.
فحدث إسماعيل أنه لما قرأ أمير المؤمنين الكتاب، قال: يا كاتب، أفرخ «٤» روع أبي محمد. فكتب إليه بالرضا عنه.
سليمان والحجاج:
كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها، فكتب:
стр. 1725
بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل الطاعة من عباد الله، أما بعد؛ فإنك امرؤ مهتوك عنه حجاب الحق، مولع بما عليك لا لك، منصرف عن منافعك، تارك لحظك، مستخف بحق الله وحق أوليائه، لا ما سلف إليك من خير يعطفك، ولا ما عليك لآلك يصرفك في مبهمة من أمرك مغمور منكوس معصوصر «١» عن الحق اعصيصارا، لا تتنكّب «٢» عن قبيح، ولا ترعوي «٣» عن إساءة، ولا ترجو لله وقارا؛ حتى دعيت فاحشا سبابا، فقس شبرك بفترك، واحذ زمام نعل بحذو مثله فايم الله لئن أمكنني الله منك لأدوسنك دوسة تلين منها فرائصك «٤» ، ولأجعلنك شريدا في الجبال. تلوذ بأطراف الشمال، ولأعلقن الرومية الحمراء بثدييها، علم الله ذلك مني وقضى لي به عليّ، فقدما غرّتك العافية. وانتحيت «٥» أعراض الرجال؛ فإنك قدرت فبذخت، وظفرت فتعدّيت؛ فرويدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بي وبك مدة أتعلق بها.
وإن تكن الأخرى فأرجو أن تئول إلى مذلة ذليلة، وخزية طويلة، ويجعل مصيرك في الآخرة شرّ مصير! والسلام.
فكتب إليه الحجاج: بسم الله الرحمن الرحيم. من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من أتبع الهدى، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أني امرؤ مهتوك عني حجاب الحق، مولع بما عليّ لا لي، منصرف عن منافعي، تارك لحظي، مستخف بحق الله وحق وليّ الحق؛ وتذكر أنك ذو مصاولة «٦» ؛ ولعمري إنك لصبيّ حديث السن، تعذر بقلة عقلك، وحداثة سنك ويرقب فيك غيرك.
стр. 1726
فأما كتابك إليّ فلعمري لقد ضعف فيه عقلك، واستخف به حلمك، فلله أبوك! أفلا انتصرت بقضاء الله دون قضائك، ورجاء الله دون رجائك وأمتّ غيظك وأمنت عدوك، وسترت عنه تدبيرك، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته؟ ولكنك لم تستشفّ «١» الأمور علما، ولم ترزق من أمرك حزما، جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوأ أمرك، فكان الجفاء من خليقتك، والحمّق من طبيعتك، وأقبل الشيطان بك وأدبر، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك، فتحذلقت حنجرتك لقوله، واتسع جوانبها لكذبه، وأما قولك لو ملكك الله لعلّقت زينب ابنة يوسف يثدييها؛ فأرجو أن يكرمها الله بهوانك وأن لا يوفق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك؛ مع أني أعرف أنك كتبت إلي والشيطان بين كفيك، فشرّ ممل علي شرّ كاتب راض بالخسف «٢» ، فأحر بالحق أن لا يدلك على هدى، ولا يردّك إلا إلى ردى؛ وتحلب فوك للخلافة، فأنت شامخ البصر، طامح النظر تظن أنك حين تملكها لا تنقطع عنك مدتها؛ إنها للقطة الله، أسأل الله أن يلهمك فيها الشكر. مع أني أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك وأخوك فأكون لك مثلي لهما، وإن نفخ الشيطان في منخريك فهو أمر أراد الله نزعه عنك وإخراجه إلى من هو أكمل به منك؛ ولعمري إنها النصيحة فإن تقبلها فمثلها قبل، وإن تردّها علي اقتطعتها دونك وأنا الحجاج.
الحجاج والوليد وأم البنين:
قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك، فدخل عليه وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية، وكنانة «٣» ؛ فبعثت إليه أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلالة «٤» ؟ فبعث إليها: هذا الحجاج بن
стр. 1727
يوسف. فأعادت الرسول إليه تقول: والله لأن يخلو بك ملك الموت أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج! فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة «١» ؛ فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوك. فلما دخل الوليد عليها أخبرها بمقالة الحجاج؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غدا يأتيني مستلئما «٢» . ففعل ذلك؛ فأتاها الحجاج فحجبته، فلم يزل قائما؛ ثم قالت له: إيه يا حجاج! أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتلك عبد الله بن الزبير وابن الأشعث؟ أما والله لولا أن الله علم أنك من شرار خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، وقتل ابن ذات النطاقين، أول مولود ولد في الإسلام؛ وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ أوطاره منهن؛ فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ عنك، وإن كن ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك: أما والله لقد نقض نساء أمير المؤمنين الطيب عن غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من الفرق «٣» ، قد أظللتك رماحهم، وأثخنك كفاحهم؛ وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم؛ فما نجّاك الله من عدو أمير المؤمنين إلا بحبهم إياه، ولله در القائل إذ نظر إليك وسنان غزالة «٤» بين كتفيك:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... ربواء تجفل من صفير الصافر «٥»
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في مخالب طائر
صدعت غزالة جمعه بعساكر ... تركت كتائبه كأمس الدابر
ثم قالت: أخرج! فخرج مذموما مدحورا.
стр. 1728
عبد الملك والحجاج وعروة ابن الزبير:
كان عروة بن الزبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، فاتصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التي بيده وعزله عن عمله؛ ففر إلى عبد الملك وعاذ به تخوّفا من الحجاج واستدفاعا لضرره وشرّه؛ فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان:
أما بعد فإن لواذ المعترضين بك، وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك، واستلانتهم دمث «١» أخلاقك وسعة عفوك، كالعارض المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما، رجاء استمالة عفوك؛ وإذا أدني الناس بالصفح عن الجرائم، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل وال والناس عبيد العصا، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللين، ولنا قبل عروة بن الزبير مال من مال الله، وفي استخراجه منه قطع لطمع غيره، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك، والسلام.
فلما قرأ الكتاب، بعث إلى عروة ثم قال له: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، وقد أبى إلا إشخاصك إليه. ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به. فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، وقال: أما والله ما ذلّ وخزي من مات، ولكن ذل وخزي من ملكتموه؛ والله لئن كان الملك بجواز الأمر ونفاذ النهي، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك؛ إنك لتريد الأمر يزينك عاجله ويبقى لك أكرومة «٢» آجله، فيجذبك عنه ويلقاه دونك، ليتولى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو يجرم عقوبة إن كانت، وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه.
قال: فنظر في كتاب الحجاج مرة ورفع بصره إلى عروة تارة، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب إليه:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين رآك مع ثقته بنصيحتك، خابطا في السياسة خبط
стр. 1729
عشواء «١» الليل؛ فإنّ رأيك الذي يسولّ لك أن الناس عبيد العصا، هو الذي أخرج رجالات العرب إلى الوثوب عليك، وإذا أحرجت العامة بعنف السياسة، كانوا أوشك وثوبا عليك عند الفرصة، ثم لا يلتفتون إلى ضلال الداعي ولا هداه، إذا رجوا بذلك إدراك الثأر منك؛ وقد وليت العراق قبلك ساسة، وهم يومئذ أحمى أنوفا، وأقرب من عمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم، وللشدة واللين أهلون، والإفراط في العفو أفضل من الإفراط في العقوبة، والسلام.
ابن شهاب والحجاج في ضعف بصره:
زكريا بن عيسى عن ابن شهاب قال: خرجنا مع الحجاج حجاجا، فلما انتهينا إلى البيداء وافيا ليلة الهلال هلال ذي الحجة فقال لنا الحجاج: تبصّروا الهلال؟ فأما أنا ففي بصري عاهة. فقال له نوفل بن مساحق: أو تدري لم ذلك أصلح الله الأمير؟
قال: لكثرة نظرك في الدفاتر.
الأصمعي قال: عرضت السجون بعد الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب ووجد فيهم أعرابي أخذ يبول في أصل مدينة واسط، فكان فيمن أطلق؛ فأنشأ الأعرابي يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وبلنا لا نخاف عقابا
عدة من قتل الحجاج:
أبو داود المصحفي عن النضر بن شميل، قال: سمعت هشاما يقول: أحصوا من قتل الحجاج صبرا فوجدوهم مائة ألف وعشرين ألفا.
خطبة للحجاج في أهل العراق:
وخطب الحجاج أهل العراق فقال: يا أهل العراق، بلغني أنكم تروون عن نبيكم
стр. 1730
أنه قال: «من ملك على عشرة رقاب من المسلمين جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يفكه العدل أو يوبقه «١» الجور» ! وايم الله إني لأحب إليّ أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولا من أن أحشر معكم مطلقا.
الحجاج يخطب أهل العراق بعد مرضه:
ومرض الحجاج، ففرح أهل العراق وقالوا: مات الحجاج! مات الحجاج! فلما أفاق صعد المنبر وخطب الناس فقال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق، مرضت فقلتم: مات الحجاج! أما والله لأحب إليّ أن أموت من أن لا أموت، وهل أرجو الخير كله إلا بعد الموت؟ وما رأيت الله رضى بالخلود في الدنيا، لأحد من خلقه إلا لأبغض خلقه إليه وأهونهم عليه: إبليس؛ ولقد رأيت العبد الصالح يسأل ربه فقال: رب هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
»
ففعل، ثم اضمحل ذلك فكأنه لم يكن.
وله حين أراد الحج واستخلف ولده:
وأراد الحجاج أن يحج، فاستخلف محمدا ولده على أهل العراق، ثم خطب، فقال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق، إني أردت الحج، وقد استخلفت عليكم محمدا ولدي، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصي به رسول الله ﷺ في الأنصار؛ فإنه أوصى فيهم أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ وإني أوصيته أن يقبل من محسنكم، وأن لا يتجاوز عن مسيئكم! ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفي: لا أحسن الله له الصحابة! وأنا أعجل لكم الجواب: فلا أحسن الله عليكم الخلافة! ثم نزل.
стр. 1731
وله في وفاة ابنه:
فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج، فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمد أخيه: ففرح أهل العراق، وقالوا: انقطع ظهر الحجاج وهيض «١» جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس. فقال:
أيها الناس، محمدان في يوم واحد! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو من ثواب الله لهما في الآخرة؛ وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى. والجديد أن يبلى، والحيّ مني ومنكم أن يموت، وأن تدال «٢» الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل من لحومنا، وتشرب من دمائنا. كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها. ثم نكون كما قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
«٣» . ثم تمثل بهذين البيتين:
عزائي نبيّ الله من كلّ ميّت ... وحسبي ثواب الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عنّي راضيا ... فإنّ سرور النّفس فيما هنالك
ثم نزل، وأذن للناس فدخلوا عليه يعزونه. ودخل فيهم الفرزدق. فلما نظر إليه قال: يا فرزدق، أما رثيت محمدا ومحمدا؟ قال: نعم أيها الأمير وأنشد:
لئن جزع الحجّاج، ما من مصيبة ... تكون لمحزون أمضّ وأوجعا.. «٤»
.. من المصطفى والمنتقى من نقاية ... جناحاه لمّا فارقاه وودّعا
جناحا عتيق فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا «٥»
ولو أنّ يومي جمعتيه تتابعا ... على شامخ صعب الذّرى لتصدّعا
سميّا رسول الله سمّاهما به ... أب لم يكن عند الحوادث أخضعا
стр. 1732
قال: أحسنت. وأمر له بصلة. فخرج وهو يقول: والله لو كلّفني الحجاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به. وذلك أنه دخل ولم يهيء شيئا.
قولهم في الحجاج
للعتبي عن أبيه في الحجاج:
الرياشي عن العتبي عن أبيه، قال: ما رأيت مثل الحجاج. كان زيه زيّ شاطر «١» ، وكلامه كلام خارجيّ، وصولته صولة جبار. فسألته عن زيه فقال: كان يرجّل «٢» شعره ويخضب أطرافه.
ولأبن مهران فيه:
كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمون بن مهران، فقلت: كيف ترى في الصلاة خلف رجل يذكر أنه خارجي؟ فقال: إنك لا تصلي له، إنما تصلي لله، قد كنا نصلي الحجاج وهو حروري أزرقي! قال: فنظرت إليه، فقال: أتدري ما الحروري الأزرقي؟ هو الذي إن خالفت رأيه سماك كافرا واستحلّ دمك؛ وكان الحجاج كذلك.
ولعمر فيه:
أبو أمية عن أبي مسهر قال: حدثنا هشام بن يحيى عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج لفضلناهم.
الحسن وحانف في شأن الحجاج:
وحلف رجل بطلاق امرأته: أن الحجاج في النار، فأتى امرأته فمنعته نفسها فسأل الحسن بن أبي الحسن البصري، فقال: لا عليك يا بن أخي، فإنه إن لم يكن
стр. 1733
الحجاج في النار، فما يضرك أن تكون مع امرأتك على زنى.
علي بن زيد في موت الحجاج:
أبو أمية عن إسحاق بن هشام عن عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن علي بن زيد، قال: لما مات الحجاج أتيت الحسن فأخبرته، فخرّ ساجدا.
لإبراهيم في الحجاج:
علي بن عبد العزيز عن إسحاق عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في لعن الحجاج؟ قال: ألم تسمع لقول الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«١» ؟ فأشهد أن الحجاج كان منهم.
جابر والحجاج:
وكيع عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: دخلت على الحجاج فما سلمت عليه.
الرقاشي والحسن في الحجاج:
وكيع عن سفيان قال: قال يزيد الرقاشي عند الحسن: إني لأرجو للحجاج. قال الحسن: إني لأرجو أن يخلف «٢» الله رجاءك.
أنس وابن سيرين في دراهم الحجاج:
ميمون بن مهران قال: كان أنس وابن سيرين لا يبيعان ولا يشتريان بهذه الدراهم الحجّاجيّة.
قال عبد الملك بن مروان للحجاج: ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه،
стр. 1734
فصف لي عيوبك. قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لابد أن تقول. قال: أنا لجوج «١» حسود حقود. قال: ما في إبليس شر من هذا.
ابن عمر في ولاية الحجاج:
أبو بكر بن أبي شيبة قال: قيل لعبد الله بن عمر: هذا الحجاج قد ولي الحرمين.
قال: إن كان خيرا شكرنا، وإن كان شرا صبرنا.
للحسن في قتال الحجاج:
ابن أبي شيبة قال: قيل للحسن: ما تقول في قتال الحجاج؟ قال: إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف.
الحجاج وصلب ماهان:
ابن فضيل قال: حدثنا أبو نعيم قال: أمر الحجاج بماهان أن يصلب على بابه، فرأيته حين رفعت خشبته يسبح ويهلل ويكبر ويعقد بيده، حتى بلغ تسعا وتسعين؛ وطعنه رجل على تلك الحال، فلقد رأينا بعد شهر في يده «٢» . قال: وكنا نرى عند خشبته بالليل شبيها بالسراج.
عدة قتلى الحجاج:
أبو داود المصحفي عن النضر بن شميل، قال: سمعت هشاما يقول: أحصوا من قتل الحجاج صبرا فوجدوهم مائة وعشرين ألفا.
من زعم أن الحجاج كان كافرا
ميمون بن مهران عن الأجلح، قال: قلت للشعبي: يزعم الناس أن الحجاج مؤمن.
стр. 1735
قال مؤمن بالجبت «١» والطاغوت، كافر بالله.
علي بن عبد العزيز عن إسحاق بن يحيى عن الأعمش، قال: اختلفوا في الحجاج فقالوا: بمن ترضون؟ قالوا: بمجاهد. فأتوه فقالوا: إنا قد اختلفنا في الحجاج.
فقال: أجئتم تسألوني عن الشيخ الكافر؟
محمد بن كثير عن الأوزاعي، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان الحجاج بن يوسف ينتقض عرى الإسلام عروة عروة.
عطاء بن السائب، قال: كنت جالسا مع أبي البختري والحجاج يخطب، فقال في خطبته:
إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى ابن مريم: قال الله فيه: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
«٢» .
فقال أبو البختري: كفر وربّ الكعبة.
ومما كفّرت به العلماء الحجاج، قوله ورأى الناس يطوفون بقبر رسول الله ﷺ ومنبره؛ إنما يطوفون بأعواد ورمّة «٣» .
الشيباني عن الهيثم عن أبي عياش قال: كنا عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه كتاب الحجاج يعظم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السموات والأرض إلا بها وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين. وذلك أن الله خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه. فأعجب عبد الملك بذلك، وقال: لوددت أن عندي بعض
стр. 1736
الخوارج بهذا الكتاب! فانصرف عبد الله بن يزيد إلى منزله، فجلس مع ضيفانه وحدّثهم الحديث، فقال له حوار بن زيد الضبي، وكان هاربا من الحجاج:
توثّق لي منه ثم أعلمني به. فذكر ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: هو آمن على كل ما يخاف. فانصرف عبد الله إلى حوار فأخبره بذلك، فقال: بالغداة إن شاء الله. فلما أصبح اغتسل ولبس ثوبين، ثم تحنّط وحضر باب عبد الملك، فقال: هذا الرجل بالباب. فقال: أدخله يا غلام. فدخل رجل عليه ثياب بيض يوجد عليه ريح الحنوط، ثم قال: السلام عليكم. ثم جلس؛ فقال عبد الملك: إيت بكتاب أبي محمد يا غلام. فأتاه به، فقال: اقرأ. فقرأ حتى أتى على آخره، فقال حوار: أراه قد جعلك في موضع ملكا وفي موضع نبياّ وفي موضع خليفة؛ فإن كنت ملكا فمن أنزلك؟
وإن كنت نبيا فمن أرسلك؟ وإن كنت خليفة فمن استخلفك؟ أعن مشورة من المسلمين، أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟
فقال عبد الملك: قد أمناك ولا سبيل إليك، والله لا تجاورني في بلد أبدا؛ فارحل حيث شئت. قال: فإني قد اخترت مصر. فلم يزل بها حتى مات عبد الملك.
علي بن عبد العزيز عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، قال: حدّثنا جرير عن مغيرة عن الربيع قال: قال الحجاج في كلام له: ويحكم! أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله إليهم؟ قال: ففهمت ما أراد، فقلت له: لله عليّ ألّا أصلي خلفك صلاة أبدا، ولئن وجدت قوما يقاتلونك لقاتلتك معهم. فقاتل في الجماجم حتى قتل.
قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو أدركت بها أربعة [نفر] فتقرّبت إلى الله بدمائهم، قيل: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط الناس له أرديتهم.
فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وعبيد الله بن ظبيان، قام فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض
стр. 1737
المسجد: أكثر الله فينا أمثالك! قال: لقد سألتم الله شططا «١» .
ومعبد بن زرارة، كان ذات يوم جالسا على الطريق، فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، أين الطريق إلى مكان كذا؟ فغضب وقال: أمثلي يقال له يا عبد الله؟
وأبو سماك الحنفي، أضلّ ناقته فقال: والله لئن لم يردّها عليّ لا صليت له أبدا فلما وجدها قال: علم أنّ يميني كانت برّة «٢» ! قال ناقل الحديث: ونسي الحجاج نفسه وهو خامس الأربعة، بل هو أفسقهم وأطغاهم وأعظمهم إلحادا وأكفرهم في كتابه إلى عبد الملك ابن مروان:
إنّ خليفة الله في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم.
وكتابه إليه وبلغه أنه عطس يوما فحمد الله وشمّته أصحابه فردّ عليه ودعا لهم.
فكتب إليه:
بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين، ومن تشميت أصحابه له وردّه عليهم؛ فيا ليتني كنت معهم فأفوز غوزا عظيما.
الحجاج وأسرى الجماجم:
وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، «فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه» ففعل، فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب، فقال للشاب: أمؤمن أنت أم كافر؟
قال: بل كافر: فقال الحجاج: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر! فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج؟ والله لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به! فضحك الحجاج وخلى سبيلهما.
стр. 1738
ثم قدّم إليه رجل، فقال له: على دين من أنت؟ قال: على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. فقال: اضربوا عنقه.
ثم قدّم آخر، فقال له: على دين من أنت؟ قال: على دين أبيك الشيخ يوسف! فقال: أما والله لقد كان صوّاما قوّاما، خلّ عنه يا غلام! فلما خليّ عنه انصرف إليه فقال له: يا حجاج، سألت صاحبي: على دين من أنت؟ فقال: على دين إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين؛ فأمرت به فقتل؛ وسألني: على دين من أنت؟ فقلت:
على دين أبيك الشيخ يوسف، فقلت: أما والله لقد كان صوّاما قوّاما؛ فأمرت بتخلية سبيلي؛ والله لو لم يكن لأبيك من السيئات إلا أنه ولد مثلك لكفاه! فأمر به فقتل.
ثم أتي بعمران بن عصام العنزي، فقال: عمران! قال: نعم. قال: ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك؟ قال: بلى. قال: ألم أزوّجك مارية بنت مسمع سيدة قومها ولم تكن لها أهلا؟ قال: بلى. قال: فما حملك على الخروج علينا؟ قال: أخرجني باذان. قال: فأين كنت من حجة أهلك؟ قال: أخرجني باذان. فأمر رجلا فكشف العمامة عن رأسه، فإذا هو محلوق؛ قال: ومحلوق أيضا؟ لا أقالني الله إن لم أقتلك! فأمر به فضرب عنقه، فسأل عبد الملك بعد ذلك عن عمران بن عصام، فقيل له:
قتله الحجاج. فقال ولم؟ قال: بخروجه مع ابن الأشعث. قال: ما كان ينبغي له أن يقتله بعد قوله [فيه] :
وبعثت من ولد الأغرّ معتّب ... صقرا يلوذ حمامه بالعوسج «١»
فإذا طبخت بناره أنضجتها ... وإذا طبخت بغيرها لم تنضج
وهو الهزبر، إذا أراد فريسة ... لم ينجها منه صريخ الهجهج «٢»
ثم أتي بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشّخّير، وسعيد بن جبير؛ وكان الشعبي
стр. 1739
ومطرّف يريان التورية، وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك؛ فلما قدّم له الشعبي قال:
أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب «١» ، واستحلسنا «٢» الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. قال الحجاج: صدق والله، ما برّوا بخروجهم علينا ولا قووا، خلّيا عنه.
ثم قدّم إليه مطرّف بن عبد الله، فقال ل: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين- لجدير بالكفر. فقال: صدق، خليا عنه.
ثم أتي بسعيد بن جبير، فقال له: أنت سعيد بن جبير؟ قال: نعم. قال: لا، بل شقي ابن كسير! قال: أمي أعلم باسمي منك. قال: شقيت وشقيت أمّك. قال:
الشقاء لأهل النار! قال: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: ما كفرت بالله منذ آمنت به.
قال: اضربوا عنقه.
موت الحجاج
مات الحجاج في آخر أيام الوليد بن عبد الملك؛ فتفجّع عليه وولّى مكانه يزيد ابن أبي مسلم كاتب الحجاج، فاكتفى وجاوز؛ فقال الوليد: مات الحجاج ووليت مكانه يزد بن أبي مسلم، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا.
وكان الوليد بن عبد الملك يقول: ألا إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول:
الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفي؛ وأنا أقول: إنه جلدة وجهي كله.
عمر بن عبد العزيز وموت الحجاج:
ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خرّ ساجدا؛ وكان يدعو الله أن يكون
стр. 1740
موته على فراشه، ليكون أشدّ لعذابه في الآخرة.
يزيد على قبر الحجاج:
أبو بكر بن عياش قال: سمع صياح الحجاج في قبره؛ فأتوا إلى يزيد بن أبي مسلم فأخبروه؛ فركب في أهل الشام فوقف على قبره، فسمع؛ فقال: يرحمك الله يا أبا محمد: فما تدع القراءة حياّ وميتا.
يزيد ورجل في الحجاج:
الرياشي عن الأصمعي قال: أقبل رجل إلى يزيد بن أبي مسلم فقال له: إني كنت أرى الحجاج في المنام، فكنت أقول له: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة، وأنا منتظر ما ينتظره الموحدون. ثم قال: رأيته بعد الحول، فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال يا عاضّ بظر أمّه! أما سألتني عن هذا عام أوّل فأخبرتك؟ فقال يزيد ابن أبي مسلم: أشهد أنك رأيت أبا محمد حقا.
وقال الفرزدق: يرثي الحجاج ليرضى بذلك الوليد بن عبد الملك:
ليبك على الحجاج من كان باكيا ... على الدّين من مستوحش الليل خائف
وأرملة لمّا أتاها نعيّه ... فجادت له بالواكفات الذّوارف «١»
وقالت لعبديها أنيخا فعجّلا ... فقد مات راعي ذودنا بالتنائف «٢»
فليت الأكفّ الدافنات ابن يوسف ... يقطّعن إذ يحثين فوق السقائف «٣»
فما ذرفت عينان بعد محمد ... على مثله إلا نفوس الخلائف «٤»
стр. 1741
قال ابن عياش: فلقيت الفرزدق في الكوفة، فقلت له: أخبرني عن قولك:
فليت الأكفّ الدافنات ابن يوسف ... يقطّعن.....
ما معناك في ذلك؟ فقال: وددت والله أن أرجلهم تقطع مع أيديهم.
للفرزدق في ابن المهلب:
قال ابن عياش: فلما هلك الوليد واستخلف سليمان استعمل يزيد بن المهلب على العراق وأمره بقتل آل أبي عقيل فقتلهم، فأنشأ الفرزدق يقول:
لئن نفر الحجّاج آل معتّب ... لقوا دولة كان العدو يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة ... وموتاهم في النار كلحا سبالها «١»
وكانوا يرون الدائرات بغيرهم ... فصار عليهم بالعذاب انتقالها
وكنّا إذا قلنا اتّق الله شمّرت ... به عزّة لا يستطاع جدالها «٢»
ألكني إلى من كان بالصّين أورمت ... به الهند ألواحا عليها جلالها «٣»
هلمّ إلى الإسلام والعدل عندنا ... فقد مات من أرض العراق خبالها
ألا تشكرون الله إذ فك عنكم ... أداهم بالمهديّ صما ثقالها
وشيمت به عنكم سيوف عليكم ... صباح مساء بالعذاب استلالها «٤»
وإذ أنتم من لم يقل أنا كافر ... تردّى نهارا عثرة لا يقالها
قال ابن عياش: فقلت للفرزدق: ما أدري بأي قوليك نأخذ؛ أبمدحك في الحجاج حياته؛ أم هجوك له بعد موته؟ قال: إنما نكون مع أحدهم ما كان الله معه؛ فإذا تخلى عنه تخلينا عنه.
стр. 1742
لعمر بن عبد العزيز في الحجاج:
ولما مات الحجاج دخل الناس على الوليد يعزّونه ويثنون على الحجاج خيرا، وعنده عمر بن عبد العزيز: فالتفت إليه ليقول فيه ما يقول الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل كان الحجاج إلا رجلا منا؟ فرضيها منه.
أخبار البرامكة
لابن هارون فيهم:
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حدثني سهل بن هرون، قال: والله إن كانوا سجعوا الخطب، وقرضوا القريض لعيال على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر ابن يحيى؛ ولو كان كلام يتصور درّا، أو يحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما؛ ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد وبديهته وتوقيعاته في كتبه- فدمين «١» عييّين، وجاهليين أمّيين؛ ولقد عمّرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم؛ وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم؛ وأنهم محض الأيام، ولباب «٢» الكرام وملح الأنام، عتق «٣» منظر وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاعة أنفس، واكتمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم والمأثور من خصالهم كثير أيام سواهم من لدن آدم أبيهم إلى النفخ في الصور وانبعاث أهل القبور- حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المرسلين لما باهت «٤» إلا بهم، ولا عوّلت إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورونق سياقهم، ومعسول مذاقهم، وبهاء إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وتهذيب أغراضهم، واكتمال الخير فيهم- في جنب محاسن الرشيد كالنقطة في البحر، والخردلة في المهمه «٥» القفر.
стр. 1743
قال سهل بن هارون: إني لأحصّل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في بناء خلا به داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة وهو يعقدها جملا بكفه، إذ عشيته سآمة فأخذته سنة «١» فغلبته عيناه، فقال: ويحك يا سهل! طرق النوم شفري «٢» ، وحلت السّنة جفنيّ، فما ذلك؟ قلت: ضيف كريم، إن قريته روّحك وإن منعته عنّتك، وإن طردته طلبك، وإن أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك! قال: فنام أقلّ من فواق «٣» بكية، أو نزع ركيّة «٤» ؛ ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل لأمر ما كان! والله لقد ذهب ملكنا، وولى عزّنا، وانتقصت أيام دولتنا! قلت: وما ذاك أصلح الله الوزير؟ قال: كأنّ منشدا أنشدني:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «٥»
فأجبته من غير روية ولا إجالة فكرة:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قال: فو الله ما زلت أعرفها منه وأراها ظاهرة فيه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا سعى إليه حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه فقال: مهلا ويحك! ما اكتتم خير ولا استتر شرّ. قال: قتل أمير المؤمنين جعفرا الساعة! قال: أو قد فعل؟ قال: نعم. قال: فما زاد أن رمى القلم من يده، وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة.
قال سهل بن هارون: فلو انكفأت «٦» السماء على الأرض ما زاد. فتبرأ منهم الحميم واستبعد عن نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم.
стр. 1744
يحيى بعد مقتل جعفر:
وضم يحيى بن خالد وقته ذلك الفضل ومحمدا وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى، والعاصي ومزيدا وخالدا ومعمرا بني الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا بني محمد بن يحيى، وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمر ومعمرا بني خالد بن يحيى، ومن لفّ لفهم أو هجس بصدره أمل فيهم.
الرشيد وسهل بعد مقتل جعفر:
[قال سهل] : وبعث إليّ الرشيد، فو الله لقد أعجلت عن النظر، فلبست ثياب أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله إلا راحة بالسيف وألا تعبث بي عبث جعفر، فلما دخلت عليه عرف الذعر في تجرّض «١» ريقي وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري فقال: أيها يا سهل، من غمط «٢» نعمتي وتعدّى وصيتي وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي قال: فو الله ما وجدت جوابها حتى قال: يفرخ روعك ويسكن جأشك وتطيب نفسك وتطمئن حواسّك؛ فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك بما يبسط منقبضك؛ ويطلق معقولك، فما اقتصر على الإشارة دون اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، والحسام الباتر. وأشار إلى مصرع جعفر فقال:
من لم يؤدّبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه
قال سهل: والله ما أعلم أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ فما عوّلت في الشكر إلا على تقبيل باطن يديه ورجليه.
ثم قال: اذهب فقد أحللتك محلّ يحيى، ووهبتك ما ضمّنته أفنيته «٣» وما حواه سرادقه؛ فاقبض الدواوين، وأحص جباءه وجباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله.
стр. 1745
قال سهل: فكنت كمن نشر «١» عن كفن وأخرج من حبس؛ وأحصيت حباءهما فوجدته عشرين ألف ألف دينار، ثم قفلت راجعا إلى بغداد.
وفرّق البرد «٢» إلى الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر وجثته ففصلت على ثلاثة جذوع: رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الصّراة «٣» ، وبعض جسده على جذع بالجزيرة، وسائره في جذع على آخر الجسر الثاني مما يلي باب بغداد.
فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر، واستقبلنا وجهه واستقبلته الشمس؛ فو الله لخلتها تطلع من بين حاجبيه؛ فأنا عن يمينه وعبد الملك بن الفضل الحاجب عن يساره، فلما نظر إليه الرشيد- وكأنما قنأ «٤» شعره وطلى بنور بشره- اربدّ «٥» وجهه وأغضى بصره؛ فقال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه أمير المؤمنين! قال الرشيد: من يرد غير مائة يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته؛ عليّ بالنضاحات «٦» . فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها وهو يقول: لئن ذهب أثرك لقد بقي خبرك، ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك! قال سهل بن هارون: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم، اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها «٧» صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها. فما كان منها حباء على غريبة، أو استطراف ملحة؛ تصدق به يحيى وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، فكان ديوان إنفاق واكتساب فائدة.
стр. 1746
وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين ألفا، إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورياشهم والدقيق والجليل من مواهبهم، فإنه لا يوصف أقلّه، ولا يعرف أيسره إلا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال.
وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي؛ فو الله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه؛ وما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما يعلم من ملك قبله على أحد ملكه.
بين أم جعفر والرشيد:
وكانت أم جعفر بن يحيى، وهي فاطمة ابنة محمد بن الحسين بن قحطبة، أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان ربّي في حجرها وغذي برسلها «١» ، لأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها والتبرّك برأيها، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجبها، ولا استشفعته لأحد إلا شفعها، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا شفعت لأحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكّت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرّجت. واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، ومتّت بوسائلها إليه؛ فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها؛ فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد؛ فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال: ظئر «٢» أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة أم الواحد! فقال الرشيد:
ويحك يا عبد الملك! أو ساعية؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين حافية! قال أدخلها يا عبد الملك، فربّ كبد غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها! قال سهل: فما شككت يومئذ في النجاة بطلبتها، وإسعافها بحاجتها. فدخلت، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية، قام محتفيا حتى تلقّاها بين عمد المجلس، وأكب على تقبيل رأسها ومواضع
стр. 1747
ثدييها؛ ثم أجلسها معه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الأعوان، ويحردك «١» عنا البهتان وقد ربيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قال سهل: فآيسني من رأفته، بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني من برّه بها أولا، قالت: ظئرك «٢» يحيى وأبوك بعد أبيك، ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته، وإشفاقه عليه، وتعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه. قال لها: يا أمّ الرشيد، أمر سبق، وقضاء حمّ، وغضب من الله نفذ! قالت: يا أمير المؤمنين، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، قال: صدقت. فهذا مما لم يمحه الله! فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ قال سهل بن هارون: فأطرق الرشيد مليا، ثم قال:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٣» . فأطرق هرون مليا، ثم قال: يا أمّ الرشيد، أقول،
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدّهر تقبل
فقالت: يا أمير المؤمنين، وأقول:
ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أيّ كف تبدّل
قال هارون: رضيت! قالت: فهبه لي يا أمير المؤمنين؛ فقد قال رسول الله ﷺ :
من ترك شيئا لله لم يوجده الله لفقده. فأكب هارون مليا، ثم رفع رأسه يقول: لله
стр. 1748
الأمر من قبل ومن بعد! قالت: يا أمير المؤمنين، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
«١» ؛ واذكر يا أمير المؤمنين أليّتك «٢» . ما استشفعت إلا شفعتني! قال: واذكري يا أم الرشيد أليّتك لا شفعت لمقترف ذنبا.
قال سهل بن هارون: فلما رأته صرّح بمنعها ولاذ عن مطلبها، أخرجت حقا «٣» من زبرجدة خضراء فوضعته بين يديه؛ فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه قميصه وذوائبه «٤» وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك وأستعين بالله عليك وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا، وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه، فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ، وقال لها: لحسنا ما حفظت الوديعة! قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين! فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«٥» . قالت: والله يقول: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
«٦» . ويقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
«٧» . قال: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قالت: ما أقسمت لي به أن لا تحجبني ولا تجبهني قال: أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكّمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم؟ قالت: برضاك عمن لم يسخطك! قال: يا أم الرشيد، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم؟ فتحكّمي في تمنية بغيرهم. قالت: بلى قد
стр. 1749
وهبتكه وجعلتك في حلّ منه؟ وقامت عنه، وبقي مبهوتا ما يحير لفظه. قال سهل:
وخرجت فلم تعد، ولا والله ما رأيت لها عبرة ولا سمعت لها أنّة.
قال سهل: وكان الأمين محمد بن زبيدة رضيع يحيى بن جعفر، فمتّ «١» إليه يحيى ابن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمّه إياهم وتكلمها فيهم؛ ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى، ويقال: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، وكان منقطعا إلى البرامكة- يقول:
يا ملاذي وعصمتي وعمادي ... ومجيري من الخطوب الشّداد
بك قام الرّجاء في كلّ قلب ... زاد فيه البلاء كلّ مزاد
إنما أنت نعمة أعقبتها ... نعم نفعها لكلّ العباد
وعد مولاك أتممنه فأبهى الدّ ... رّ ما زيد حسنه بانعقاد
ما أظلّت سحائب اليأس إلّا ... كان في كشفها عليك اعتمادي
إن تراخت يداك عني فواقا ... أكلتني الأيام أكل الجراد «٢»
وبعث بها الأمين محمد، فبعث بها الأمين محمد إلى أمه زبيدة، فأعطتها هارون وهو في موضع لذته وعند إقبال أريحيّته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وعبّأت جواريها ومغنّياتها وأمرتهن بالقيام معها إذا قامت؛ فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقّع في أسفلها: عظم ذنبك أمات خواطر العفو عنك! ورمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه.
الرشيد وإسحاق بن علي في البرامكة:
وقال بعض الهاشميين: أخبرني إسحاق بن علي بن عبد الله بن العباس، قال: كنت أساير الرشيد يوما والأمين عن يمينه والمأمون عن شماله؛ فاستدناني وقدّمهما أمامه، فسايرته، فجعل يحدثني، ثم بدأ يشاورني في أمر البرامكة، وأخبرني بما أضمر عليه
стр. 1750
لهم، فإنهم استوحشوه من أنفسهم، وإني عنده بالموضع الذي لا يكتمني شيئا من أمرهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تنقلني من السّعة إلى الضيق! فقال الرشيد: إلا أن تقول؛ فإني لا أتهمك في نصيحة ولا أخافك على رأي ولا مشورة! فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أرى نفاستك عليهم بما صاروا إليه من النعمة والسّعة، ولك أن تأمر وتنهى، وهم عبيد لك بإنباتك إياهم؛ فهل ذلك كلّه إلا بك؟ - قال: وكنت أحطب في حبال البرامكة- فقال لي: فضياعهم ليس لولدي مثلها وتطيب نفسي بذلك لهم! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الملك لا تحسد، ولا يحقد، ولا ينعم نعمة ثم يفسد نعمته. قال: فرأيته قد كره قولي وزوى «١» وجهه عني.
قال إسحاق: فعلمت أنه سيوقع بهم، ثم انصرفت فكتمت الخبر فلم يسمع به أحد، وتجنبت لقاء يحيى والبرامكة خوفا أن يظن أني أفضي إليهم بسرّه، حتى قتلهم، وكان أشدّ ما كان إكراما لهم؛ وكان قتلهم بعد ست سنين من تاريخ ذلك اليوم.
يحيى ومنكة الهندي:
وكان يحيى بن خالد بن برمك قد اعتلّ قبل النازلة التي نزلت بهم، فبعث إلى منكة الهندي فقال: ماذا ترى في هذه العلة؟ فقال منكة: داء كبير دواؤه يسير، والصبر أيسر؛ وكان متفنّنا. فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع «٢» خطرة الحق به، وإذا كان ذلك كان الهجر له ألزم من المفاوضة [فيه] . قال منكة: لكنني أرى في الطالع أثرا والأمد فيه قريب، وأنت قسيم في المعرفة، وربما كانت صورة النجم عقيمة لا نتاج لها، ولكن الأخذ بالحزم أوفى لحظّ الطالبين. قال يحيى: الأمور منصرفة إلى العواقب، وما حتم فلا بد أن يقع، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة «٣» ، فاقصد ما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها
стр. 1751
مائية البلغم، فحدث لذلك ما يحدث من اللهب عند مماسّة رطوبة الماء من الاشتعال؛ فخذ ماء الرمان فدق فيه إهليلجة «١» سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين، ويسكن ذلك التوقد إن شاء الله.
فلما كان من أمرهم ما كان، تلطّف منكة حتى دخل الحبس، فوجد يحيى قاعدا على لبد، والفضل بين يديه يخدمه، فاستعبر منكة باكيا، وقال: كنت ناديت لو أسرعت الإجابة. قال له يحيى: أتراك كنت علمت من ذلك شيئا جهلته؟ قال: كلا كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق «٢» ، وكانت مزايلة القدر الخطير عنا أقل ما تنقض تنهض به التّهمة، فقد كانت نقمة أرجو أن يكون أوّلها صبرا، وآخرها أجرا. قال: فما تقول في هذا الداء؟ قال: منكة: ما أرى له دواء أنفع من الصبر، ولو كان يفدى بمال أو بمفارقة عضو كان ذلك مما يجب. لك. قال يحيى: قد شكرت لك ما ذكرت، فإن أمكنك تعاهدنا فافعل. قال منكة: لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت به، فإنما كانت الأيام تحسن بسلامتك.
وكتب يحيى بن خالد في الحبس إلى هارون الرشيد:
من يحيى في حبسه إلى الرشيد:
لأمير المؤمنين، وخليفة المهدّيين، وإمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه، وأوبقته «٣» عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه، ومال به الزمان، ونزل به الحدثان «٤» ، [فحلّ في الضّيق بعد السعة] وعالج البؤس بعد الدّعة «٥» وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهاد بعد الهجود «٦» ، ساعته شهر، وليلته
стр. 1752
دهر، وقد عاين الموت، وشارف الفوت «١» ، جزعا لموجدتك يا أمير المؤمنين، وأسفا على ما فات من قربك، لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل والمال إنما كانا لك، وبك وكانا في يديّ عارية، والعارية مردودة؛ وأما ما أصبت به من ولدي فبذنبه، ولا أخشى عليك الخطأ في أمره، ولا أن تكون تجاوزت به فوق حده.
تفكّر في أمري، جعلني الله فداك، وليمل هواك بالعفو عن ذنب إن كان فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة «٢» ؛ وإنما أعتذر إليك بإقرار ما يجب به الإقرار حتى ترضي، فإذا رضيت رجوت إن شاء الله أن يتبين لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك بعده ذنب أن تغفره. مدّ الله لي في عمرك وجعل يومي قبل يومك! وكتب إليه بهذه الأبيات:
قل للخليفة ذي الصّنيعة ... والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قريش ... والملوك العاليه
إنّ البرامكة الذين ... رمو لديك بداهيه
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه
فكأنهم ممّا بهم ... أعجاز نخل خاويه «٣»
عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه
بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه
ومنازل كانت لهم ... فوق المنازل عاليه
أضحوا وجلّ مناهم ... منك الرّضا والعافيه
يا من يودّ لي الرّدى ... يكفيك مني ما بيه «٤»
يكفيك ما أبصرت من ... ذلّي وذلّ مكانيه
стр. 1753
وبكاء فاطمة الكئيبة ... والمدامع جاريه
ومقالها بتوجّع ... يا سوأتي وشقائيه
من لي وقد غضب الزّما ... ن على جميع رجاليه
يا لهف نفسي لهفها ... ما للزّمان وماليه
يا عطفة الملك الرّضا ... عودي علينا ثانيه
فلم يكن له جواب من الرشيد.
عهد يحيى إلى الرشيد:
واعتلّ يحيى في الحبس، فلما أشفى «١» دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين عهد مولاه يحيى بن خالد. وفيها مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم. قد تقدّم الخصم إلى موقف الفصل، وأنت على الأثر، والله حكم عدل، وستقدم فتعلم.
فلما ثقل «٢» قال للسبحان: هذا عهدي توصّله إلى أمير المؤمنين، فإنه وليّ نعمتي، وأحق من نفّذ وصيتي.
فلما مات يحيى أوصل السجان عهده إلى الرشيد.
جواب الرشيد:
قال سهل بن هارون: وأنا عند الرشيد إذ وصلت الرقعة إليه، فلما قرأها جعل يكتب في أسفلها ولا أدري لمن الرقعة، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك؟
قال: كلا، إني أخاف عادة الراحة أن تقوّي سلطان العجز! فيحكم بالغفلة ويقضي بالبلادة! ووقع فيها: الحكم الذي رضيت به في الآخرة لك هو أعدى الخصوم عليك، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يردّ قضاؤه. قال: ثم رمى بالصك إليّ فلما
стр. 1754
رأيته علمت أنه ليحيى، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه.
وقال دعبل يرثي بني برمك:
ولمّا رأيت السيف جلّل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى «١»
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدّنيا
وقال سليمان الأعمى يرثي بني برمك:
هدا الخالون عن شجوى وناموا ... وعيني لا يلائمها المنام «٢»
وما سهرى بأني مستهام ... إذا سهر المحبّ المستهام
ولكنّ الحوادث أرّقتتى ... فبي أرق إذا هجع النّيام
أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام «٣»
فقلت وفي الفؤاد ضريم نار ... وللعبرات من عيني انسجام
على المعروف والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السّلام
جزعت عليك يا فضل بن يحيى ... ومن يجزع عليك فلا يلام
هوت بك أنجم المعروف فينا ... وعزّ بفقدك القوم اللثام
وما ظلم الإله أخاك لكن ... قضاء كان سبّبه اجترام «٤»
عقاب خليفة الرّحمن فخر ... لمن بالسيف صبّحه الحمام
عجبت لما دها فضل بن يحيى ... وما عجبي وقد غضب الإمام
جرى في الليل طائرهم بنحس ... وصبّح جعفرا منه اصطلام «٥»
ولم أر قبل قتلك يا بن يحيى ... حساما قده السيف الحسام
برين الحادثات له سهاما ... فغالته الحوادث والسّهام «٦»
стр. 1755
ليهن الحاسدين بأنّ يحيى ... أسير لا يضيم ويستضام
وأنّ الفضل بعد رداء عزّ ... غدا ورداؤه ذال ولام «١»
فقل للشّامتين بهم جميعا ... لكم أمثالها عام فعام
أمين الله في الفضل بن يحيى ... رضيعك والرّضيع له ذمام
أبا العبّاس، إنّ لكلّ همّ ... وإن طال انقراض وانصرام
أرى سبب الرّضاء له قبول ... على الله الزّيادة والتّمام
وقد آليت فيه بصوم شهر ... فإن تمّ الرّضا وجب الصّيام
وقد آليت معتزما بنذر ... ولي فيما نذرت به اعتزام
بأن لا ذقت بعدكم مداما ... وموتي أن يفارقني المدام
أألهوا بعدكم وأقرّ عينا؟ ... عليّ اللهو بعدكم حرام
وكيف يطيب لي عيش! وفضل ... أسير دونه البلد الشّآم
وجعفر ثاويا بالجسر أبلت ... محاسنه السمائم والقتام «٢»
أمرّ به فيغلبني بكائي ... ولكنّ البكاء له اكتتام
أقول وقمت منتصبا لديه ... إلى أن كاد يفضحني القيام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لثمنا ركن جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
وقال بعض الشعراء يغري هارون ببني برمك:
قل للخليفة باكتفائه ... دون الأنام بحسن رائه
إمّا بدأت بجعفر ... فاسق البرامك من إنائه
ما برمكي بعده ... تقف الظنون على وفائه
إني وقصد البرمكيّ ... إلى انتكاث من شقائه «٣»
следующие страницы →