Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وأدخل الطّاعة في مكان ... لم يدر قطّ طاعة السّلطان
ثم رمى الثّغر بخير قائد ... وذادهم منها بخير ذائد «١»
به قما الله ذوي الإشراك ... وأنقذ الثّغر من الهلاك»
وانتاش من مهواتها تطيله ... وقد ثوت دماؤها مطلوله «٣»
وسهّل الثّغر وما يليه ... من شيعة الكفر ومن ذويه
ثم انثنى بالفتح والنجاح ... قد غيّر الفساد بالصلاح
سنة اثنتي عشر وثلاثمائة
وبعدها غزاة ثنتى عشره ... وكم بها من حسرة وعبره
غزا الإمام حوله كتائبه ... كالبدر محفوفا به كواكبه «٤»
غزا وسيف النصر في يمينه ... وطالع السعد على جبينه
وصاحب العسكر والتّدبير ... موسى الأغرّ حاجب الأمير «٥»
فدمّر الحصون من تدمير ... واستنزل الوحش من الصّخور «٦»
فاجتمعت عليه كلّ الأمّه ... وبايعته أمراء الفتنه
حتى إذا أوعب من حصونها ... وحمّل الحقّ على متونها «٧»
مضى وسار في ظلال العسكر ... تحت لواء الأسد الغضنفر
رجال تدمير ومن يليهم ... من كلّ صنف يعتزي إليهم
حتى إذا حلّ على تطيله ... بكت على دمائها المطوله
وعظم ما لاقت من العدوّ ... والحرب في الرّواح والغدوّ
فهمّ أن يديخ دار الحرب ... وأن يكون ردأة في الدّرب «٨»
стр. 1682
ثم استشار ذا النّهى والحجر ... من صحبه ومن رجال الثّغر
فكلّهم أشار أن لا يدربا ... ولا يجوز الجبل المؤشّبا
لأنه في عسكر قد انخرم ... بندب كلّ العرفاء والحشم
وشنّعوا أنّ وراء الفجّ ... خمسين ألفا من رجال العلج
فقال لا بدّ من الدّخول ... وما إلى حاشاه من سبيل
وأن أديخ أرض بنبلونه ... وساحة المدينة الملعونه
وكان رأيا لم يكن من صاحب ... ساعده عليه غير الحاجب
واستنصر الله وعبّى ودخل ... فكان فتحا لم يكن له مثل «١»
لمّا مضى وجاز الدّروبا ... وادّرع الهيجاء والحروبا «٢»
عبّى له علج من الأعلاج ... كتائبا غطّت على الفجاج «٣»
فاستنصر الإمام ربّ الناس ... ثم استعان بالنّدى والباس
وعاذ بالرّغبة والدعاء ... واستنزل النّصر من السّماء
فقدم القوّاد بالحشود ... وأتبع المدود بالمدود
فانهزم العلج وكانت ملحمه ... جاوز فيها السّاقة المقدّمه «٤»
فقتلوا مقتلة الفناء ... فارتوت البيض من الدّماء
ثم أمال نحو بنبلونه ... واقتحم العسكر في المدينه
حتى إذا جاسوا خلال دورها ... وأسرع الخراب في معمورها
بكت على ما فاتها النّواظر ... إذ جعلت تدقّها الحوافر
لفقد من قتّل من رجالها ... وذلّ من أيتم من أطفالها
فكم بها وحولها من أغلف ... تهمي عليه الدمع عين الأسقف «٥»
стр. 1683
وكم بها حقّر من كنائس ... بدّلت الأذان بالنّواقس
يبكي لها النّاقوس والصّليب ... كلاهما فرض له النّحيب
وانصرف الإمام بالنّجاح ... والنصر والتأييد والفلاح
ثم ثنى الرّايات في طريقه ... إلى بني ذي النّون من توفيقه
فأصبحوا من بسطهم في قبض ... قد ألصقت خدودهم بالأرض «١»
حتى بدوا إليه بالبرهان ... من أكبر الآباء والولدان
فالحمد لله على تأييده ... حمدا كثيرا وعلى تسديده
سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
ثم غزا بيمنه أشونا ... وقد أشادوا حولها حصونا «٢»
وحفّها بالخيل والرّجال ... وقاتلوهم أبلغ القتال
حتى إذا ما عاينوا الهلاكا ... تبادروا بالطّوع حينذاكا
وأسلموا حصنهم المنيعا ... وسمحوا بخرجهم خضوعا
وقبلهم في هذه الغمزاة ... ما هدمت معاقل العصاة
وأحكم الإمام في تدبيره ... على بني هابل في مسيره
ومن سواهم من ذوي العثيرة ... وأمراء الفتنة المغيره
إذ حبسوا مراقبا عليهم ... حتى أتوا بكلّ ما لديهم
من البنين والعيال والحشم ... وكلّ من لاذ بهم من الخدم
فهبطوا من أجمع البلدان ... وأسكنوا مدينة السّلطان
فكان في آخر هذا العام ... بعد خضوع الكفر للإسلام
مشاهد من أعظم المشاهد ... على يدي عبد الحميد القائد
لمّا غزا إلى بني ذي النون ... فكان فتحا لم يكن بالدّون «٣»
стр. 1684
إذ جاوزوا في الظلم والطّغيان ... بقتلهم لعامل السّلطان
وحاولوا الدخول في الأذيّة ... حتى غزاهم أنجد البريّه
فعاقهم عن كلّ ما رجوه ... بنقضه كلّ الذي بنوه
وضبطه الحصن العظيم الشّان ... أشنين بالرّجل والفرسان
ثم مضى الليث إليهم زحفا ... يختطف الأرواح منهم خطفا
فانهزموا هزيمة لن ترقدا ... وأسلموا صنوهم محمّدا «١»
وغيره من أوجه الفرسان ... مغرّب في مأتم الغربان
مقطّع الأوصال بالسّنابك ... من بعد ما مزّق بالنّيازك «٢»
ثم لجوا إلى طلاب الأمن ... وبذلهم ودائعا من رهن
فقبضت رهانهم وأمّنوا ... وأنغضوا رؤسهم وأذعنوا
ثم مضى القائد بالتّأييد ... والنصر من ذي العرش والتسديد
حتى أتى حصن بني عماره ... والحرب بالتدبير والإداره
فافتتح الحصن وخلّى صاحبه ... وأمن الناس جميعا جانبه
سنة أربع عشرة وثلاثمائة
لم يغز فيها وغزت قوّاده ... واعتورت ببشترا أجناده
فكلهم أبلى وأغنى واكتفى ... وكلّهم شفى الصّدور واشتفى
ثم تلاهم بعد ليث الغيل ... عبد الحميد من بني بسيل «٣»
هو الذي قام مقام الضّيغم ... وجاء في غزاته بالصّيلم «٤»
برأس جالوت النّفاق والحسد ... من جمّع الخنزير فيه والأسد
فهاكه من صحبه في عدّه ... مصلّيين عند باب السّدّه
стр. 1685
قد امتطى مطيّة لا تبرح ... صائمة قائمة لا ترمح «١»
مطية إن يعرها انكسار ... يطلبها النّجّار لا البيطار
كأنه من فوقها أسوار ... عيناه في كلتيهما مسمار «٢»
مباشرا للشّمس والرّياح ... على جواد غير ذي جماح
يقول للخاطر بالطّريق ... قول محب ناصح شفيق
هذا مقام خادم الشّيطان ... ومن عصى خليفة الرحمن
فما رأينا واعظا لا ينطق ... أصدق منه في الذي لا يصدق
قفل لمن غرّ بسوء رائه ... يمت إذا شاء بمثل دائه
كم مارق مضى وكم منافق ... قد ارتقى في مثل ذاك الحالق
وعاد وهو في العصى مصلب ... ورأسه في جذعه مركّب
فكيف لا يعتبر المخالف ... لحال من تطلبه الخلائف
أما رآه من هوان يرتع ... معتبرا لمن يرى ويسمع
سنة خمس عشرة وثلاثمائة
فيها غزا معتزما ببشترا ... فجال في ساحتها ودمّرا
ثم غزا طلجيرة عليها ... وهي الشّجى من بين أخدعيها «٣»
وامتدّها بابن السّليم راتبا ... مشمّرا عن ساقه محاربا «٤»
حتى رأى حفص سبيل رشده ... بعد بلوغ غاية من جهده
فدان للإمام قصدا خاضعا ... وأسلم الحصن إليه طائعا
سنة ست عشرة وثلاثمائة
لم يغز وانتحى ببشترا ... فرمّها بما رأى ودبّرا «٥»
стр. 1686
واحتلّها بالعزّ والتمكين ... ومحو آثار بني حفصون
وعاضها الصّلاح من فسادهم ... وطهّر القبور من أجسادهم
حتى خلا ملحود كلّ قبر ... من كلّ مرتد عظيم الكفر
عصابة من شيعة الشّيطان ... عدوة لله والسّلطان
فخرمت أجسادها تخرّما ... وأصليت أرواحهم جهنّما «١»
ووجّه الإمام في ذا العام ... عبد الحميد وهو كالضّرغام
إلى ابن داود الذي تقلّعا ... في جبلى شذونة تمنّعا
فحطّه منها إلى البسيط ... كطائر آذن بالسّقوط
ثم أتى به إلى الإمام ... إلى وفيّ العهد والذّمام
سنة سبع عشرة وثلاثمائة
وبعد سبع عشرة وفيها ... غزا بطليوس وما يليها «٢»
فلم يزل يسومها بالخسف ... وينتحيها بسيوف الحتف
حتى إذا ما ضمّ جانبيها ... محاصرا ثم بنى عليها
خلّى ابن إسحاق عليها راتبا ... مثابرا في حربه مواظبا
ومرّ يستقصي حصون الغرب ... ويبتليها بوبيل الحرب
حتى قضى منهنّ كلّ حاجه ... وافتتحت أكشونيه وباجه «٣»
وبعد فتح الغرب واستقصائه ... وحسمه الأدواء من أعدائه
لجّت بطليوس على نفاقها ... وغزها اللّجاج من مرّاقها «٤»
حتى إذا شافهت الحتوفا ... وشامت الرّماح والسّيوفا «٥»
دعا ابن مروان إلى السّلطان ... وجاءه بالعهد والأمان
стр. 1687
فصار في توسعة الإمام ... وساكنا في قبّة الإسلام
سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
فيها غزا بعزمه طليطله ... وامتنعوا بمعقل لا مثل له
حتى بنى جرنكشه بجنبها ... حصنا منيعا كافلا بحربها
وشدّها بابن سليم قائدا ... مجالدا لأهلها مجاهدا
فجاسها في طول ذاك العام ... بالخسف والنّسف وضرب الهام «١»
سنة تسع عشرة وثلاثمائة
ثم أتى ردفا له درّيّ ... في عسكر قضاؤه مقضيّ «٢»
فحاصروها عام تسع عشرة ... بكلّ محبوك القوى ذي مرّه
ثم أتاهم بعد بالرّجال ... فقاتلوها أبلغ القتال
سنة عشرين وثلاثمائة
حتى إذا ما سلفت شهور ... من عام عشرين لها ثبور «٣»
ألقت يديها للإمام طائعه ... واستسلمت قسرا إليه باخعه
فأذعنت وقبلها لم تذعن ... ولم تقد من نفسها وتمكن
ولم تدن لربّها بدين ... سبعا وسبعين من السّنين
ومبتدا عشرين مات الحاجب ... موسى الذي كان الشّهاب الثاقب
وبرز الإمام بالتأييد ... في عدّة منه وفي عديد
صمدا إلى المدينة اللعينه ... أتعسها الرحمن من مدينه
مدينة الشّقاق والنّفاق ... وموئل الفسّاق والمرّاق»
حتى إذا ما كان منها بالأمم ... وقد ذكا حرّ الهجير واحتدم
стр. 1688
أتاه واليها وأشياخ البلد ... مستسلمين للإمام المعتمد
فوافقوا الرّحب من الإمام ... وأنزلوا في البرّ والإكرام
ووجّه الإمام في الظهيره ... خيلا لكي تدخل في الجزيره
جريدة قائدها ذرّيّ ... يلمع في متونها الماذيّ «١»
فاقتحموا في وعرها وسهلها ... وذاك حين غفلة من أهلها
ولم يكن للقوم من دفاع ... بخيل درى ولا امتناع
وفوضى الإمام عند ذلكا ... وقام صنديدا بما هنالكا «٢»
حتى إذا ما حل في المدينه ... وأهلها ذليلة مهينه
أقمعها بالخيل والرجال ... من غير ما حرب ولا قتال
وكان من أول شيء نظرا ... فيه وما روى له ودبّرا
تهدّم لبابها والسّور ... وكان ذاك أحسن التدبير
حتى إذا صيّرها براحا ... وعاينوا حريمها مباحا «٣»
أقرّ بالتشييد والتأسيس ... في الجبل النامي إلى عمروس «٤»
حتى استوى فيها بناء محكم ... فحلّه عامله والحشم
فعند ذاك أسلمت واستسلمت ... مدينة الدماء بعد ما عتت «٥»
سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
فيها مضى عبد الحميد ملتئم ... في أهبة وعدّة من الحشم «٦»
حتى أتى الحصن الذي تقلّعا ... يحيى بن ذي النون به وامتنعا
فحطّه من هضبات ولب ... من غير تعنيت وغير حرب
стр. 1689
إلا بترغيب له في الطاعه ... وفي الدخول مدخل الجماعه
حتى أتى به الإمام راغبا ... في الصّفح عن ذنوبه وتائبا
فصفح الإمام عن جنايته ... وقبل المبذول من إنابته
وردّه إلى الحصون ثانيا ... مسجّلا له عليها واليا
سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
ثم غزا الإمام ذو المجدين ... في مبتدا عشرين واثنتين
في فيلق مجمهر لهام ... مدكدك الرءوس والآكام «١»
جاب الرّبا لزحفه يجيش ... تجيش في حافاته الجيوش
كأنهم جنّ على سعال ... وكلّهم أمضى من الرّئبال «٢»
فاقتحموا ملوندة ورومه ... ومن حواليها حصون حيمه «٣»
حتى أتاه المارق التّجيبي ... مستجديا كالتائب المنيب
فخصّه الإمام بالترحيب ... والصّفح والغفران للذّنوب
ثم حباه وكساه ووصل ... بشاحج وصاهل لا يمتثل «٤»
كلاهما من مركب الخلائف ... في حلية تعجز وصف الواصف «٥»
فقال كن منّا وأوطن قرطبه ... نرقيك فيها في أجلّ مرتبه
تكن وزيرا أعظم الناس خطر ... وقائدا تجبي لنا هذا الثّغر
فقال إني ناقه من علّتي ... وقد ترى تغيّري وصفرتي «٦»
فإن رأيت سيّدي إمهالي ... حتى أرمّ
من صلاح حالي ... ثم أوافيك على استعجال
بالأهل والأولاد والعيال
стр. 1690
وأوثق الإمام بالعهود ... وجعل الله من الشهود
فقبل الإمام من أيمانه ... وردّه عفوا إلى مكانه
ثم أتته ربّة البشاقص ... تدلي إليه بالوداد الخالص
وأنها مرسلة من عنده ... وجدّها متّصل بجدّه
واكتفلت بكلّ بنبلوني ... وأطلقت أسرى بني ذي النون
فأوعد الإمام في تأمينها ... ونكب العسكر من حصونها
ثم مضى بالعزّ والتمكين ... وناصرا لأهل هذا الدّين
في جملة الرايات والعساكر ... وفي رجال الصبر والبصائر
إلى عدا الله من الجلالق ... وعابدي المخلوق دون الخالق
فدمّروا السهول والقلاعا ... وهتكوا الزّروع والرّباعا
وخرّبوا الحصون والمدائنا ... وأقفروا من أهلها المساكنا
فليس في الدّيار من ديّار ... ولا بها من نافخ للنار
فغادروا عمرانها خرابا ... وبدّلوا ربوعها يبابا «١»
وبالقلاع أحرقوا الحصونا ... وأسخنوا من أهلها العيونا «٢»
ثم ثنى الإمام من عنانه ... وقد شفى الشجيّ من أشجانه
وامّن القفار من أنجاسها ... وظهّر البلاد من أرجاسها
انتهت الأرجوزة وكمل كتاب العسجدة الثانية من أخبار الخلفاء
стр. 1691
كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجّاج والطالبين والبرامكة
فرش كتاب أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة.
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه رضي الله تعالى عنه:
قد مضى قولنا في أخبار الخلفاء وتواريخهم وأيامهم وما تصرفت به دولهم: ونحن قائلون بعون الله في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة، وماسحون «١» على شيء من أخبار الدولة؛ إذ كان هؤلاء الذين جرّدنا لهم كتابنا هذا، قطب «٢» الملك الذي عليه مدار السياسة، ومعادن التدبير، وينابيع البلاغة، وجوامع البيان؛ هم راضوا الصعاب حتى لانت مقاودها، وخزموا «٣» الأنوف حتى سكنت شواردها، ومارسوا الأمور، وجرّبوا الدهور، فاحتملوا أعباءها، واستفتحوا مغالقها، حتى استقرّت قواعد الملك، وانتظمت قلائد الحكم، ونفذت عزائم السلطان.
أخبار زياد
كانت سميّة أمّ زياد قد وهبها أبو الخير بن عمرو الكندي للحارث بن كلدة، وكان طبيبا يعالجه، فولدت له على فراشه نافعا، ثم ولدت أبا بكرة، فأنكر لونه.
وقيل: [قيل] له: إنّ جاريتك بغيّ! فانتفى من أبي بكرة ومن نافع، وزوّجها عبيدا: عبدا لابنته، فولدت على فراشه زيادا، فلما كان يوم الطائف نادى منادي رسول الله ﷺ : أيّما عبد نزل فهو حرّ وولاؤه لله ورسوله. فنزل أبو بكرة وأسلم
стр. 1692
ولحق بالنبي ﷺ ؛ فقال الحارث بن كلدة لنافع: أنت ابني فلا تفعل كما فعل هذا.
يريد أبا بكرة؛ فلحق به، فهو ينتسب إلى الحارث بن كلدة.
وكانت البغايا في الجاهلية لهن رايات يعرفن بها وينتحيها الفتيان، وكان أكثر الناس يكرهون إماءهم على البغاء والخروج إلى تلك الرايات؛ يبتغون بذلك عرض «١» الحياة الدنيا، فنهى الله تعالى في كتابه عن ذلك بقوله جل وعز: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَ
«٢» يريد في الجاهلية فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«٣» يريد في الإسلام.
فيقال إن أبا سفيان خرج يوما وهو ثمل إلى تلك الرايات، فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بغيّ؟ فقالت: ما عندي إلا سمية. قال: هاتيها على نتن «٤» إبطيها! فوقع بها، فولدت له زيادا على فراش عبيد.
ووجّه عامل من عمال عمر بن الخطاب زيادا إلى عمر بفتح فتحه الله على المسلمين؛ فأمره عمر أن يخطب الناس به على المنبر، فأحسن في خطبته وجوّد، وعند أصل المنبر أبو سفيان بن حرب وعليّ بن أبي طالب، فقال أبو سفيان لعلي: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما إنه ابن عمك! قال: وكيف ذلك؟
قال: أنا قذفته في رحم أمّه سمية. قال: فما يمنعك أن تدّعيه؟ قال: أخشى هذا القاعد على المنبر- يعني عمر بن الخطاب- أن يفسد عليّ إهابي.
فبهذا الخبر استلحق معاوية زيادا وشهد له الشهود بذلك، وهذا خلاف حكم رسول الله ﷺ في قوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . «٥»
العتبي عن أبيه قال: لما شهد الشهود لزياد، قام في أعقابهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
стр. 1693
هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره؛ وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهد الشهود بما سمعتم؛ فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس وحفظ منا ما ضيّعوا؛ وأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب «١» مشكور، ثم جلس.
وقال زياد: ما هجيت ببيت قطّ أشدّ عليّ من قول الشاعر:
فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أنّ ابنها من قريش في الجماهير
سبحان من ملك عبّاد بقدرته ... لا يدفع الناس أسباب المقادير
وكان زياد عاملا لعليّ بن أبي طالب على فارس، فلما مات علي ﵁ وبايع الحسن معاوية عام الجماعة، بقي زياد بفارس وقد ملكها وضبط قلاعها، فاغتم به معاوية، فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فلما دخل عليه قال: لكل نبأ مستقرّ، ولكل سر مستودع، وأنت موضع سري وغاية ثقتي. فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني سرك تستودعه ناصحا شفيقا، ورعا رفيقا؛ فما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس ومقامه بها، وهو داهية العرب، ومعه الأموال، وقد تحصن بأرض فارس وقلاعها يدبر الأمور؛ فما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعادها جذعة «٢» ! قال له المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم. فخرج إليه، فلما دخل عليه وجده وهو قاعد في بيت له مستقبل الشمس؛ فقام إليه زياد ورحّب به وسرّ بقدومه، وكان له صديقا؛ وذلك أن زيادا كان أحد الشهود الأربعة الذين شهدوا على المغيرة، وهو الذي تلجلج «٣» في شهادته عند عمر بن الخطاب ﵁، فنجا المغيرة وجلد الثلاثة من الشهود، وفيهم أبو بكرة أخو زياد، فحلف [أبو بكرة] أن لا يكلم زيادا أبدا.
فلما تفاوضا في الحديث قال له المغيرة: أعلمت أن معاوية استخفّه الوجل «٤» حتى
стр. 1694
بعثني إليك؟ ولا نعلم أحدا يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ وارم الغرض الأقصى، فإن المستشار مؤتمن. قال: أرى أن تصل حبلك بحبله وتسير إليه، وتعير الناس أذنا صماء وعينا عمياء! قال: يا ابن شعبة، لقد قلت قولا لا يكون غرسه في غير منبته، ولا مدرة «١» تغذيه، ولا ماء يسقيه، كما قال زهير:
وهل ينبت الخطّيّ إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النّخل «٢» ؟
ثم قال: أرى ويقضي الله.
وذكر عمر بن عبد العزيز زيادا فقال: سعى لأهل العراق سعى الأمّ البرة، وجمع لهم جمع الذرّة.
وقال غيره: تشبّه زياد بعمر فأفرط، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس.
وقالوا: الدهاة أربعة: معاوية للرويّة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لكل صغيرة وكبيرة.
ولما قدم زياد العراق قال: من على حرسكم؟ قالوا: بلج. قال: إنما يحترس من مثل بلج فكيف يكون حارسا.
أخذه الشاعر فقال:
وحارس من مثله يحترس
العتبي قال: كان في مجلس زياد مكتوبا: الشدّة في غير عنف، واللين في غير ضعف. المحسن يجازي بإحسانه، والمسيء يعاقب بإساءته. الأعطيات في أيامها. لا احتجاب عن طارق ليل، ولا صاحب ثغر.
стр. 1695
وبعث زياد إلى رجال من بني تميم ورجال من بني بكر، وقال: دلّوني على صلحاء كل ناحية ومن يطاع فيها، فدلوه فضمّنهم الطريق وحدّ لكل رجل منهم حدّا؛ فكان يقول: لو ضاع حبل بيني وبين خراسان عرفت من آخذ به.
وكان زياد يقول: من سقى صبياّ خمرا حددناه، ومن نقب «١» بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا.
وكان يقول: اثنان لا تقاتلوا فيهما العدوّ: الشتاء، وبطون الأودية.
وأول من جمعت له العراق زياد، ثم ابنه عبيد الله بن زياد؛ لم تجتمع لقرشي قط غيرهما.
وعبيد الله بن زياد أول من جمع له العراق وسجستان وخراسان والبحران وعمان، وإنما كان البحران وعمان إلى عمال أهل الحجاز.
وهو أول من عرف العرفاء «٢» ، ودعا النقباء، ونكّب «٣» المناكب، وحصل الدواوين، ومشي بين يديه بالعمد»
، ووضع الكراسي، وعمل المقصورة، ولبس الزيادي، وربّع الأرباع بالكوفة، وخمّس الأخماس بالبصرة، وأعطى في يوم واحد للمقاتلة والذرية من أهل البصرة والكوفة، وبلغ بالمقاتلة من أهل الكوفة ستين ألفا، ومقاتلة البصرة ثمانين ألفا، والذرية مائة ألف وعشرين ألفا. وضبط زياد وابنه عبيد الله العراق بأهل العراق.
قال عبد الله بن مروان لعباد بن زياد: أين كانت سيرة زياد من سيرة الحجاج؟
قال: يا أمير المؤمنين، إن زيادا قدم العراق وهي جمرة تشتعل فسلّ أحقادهم، وداوى أدواءهم، وضبط أهل العراق بأهل العراق، وقدمها الحجاج؛ فكسر الخراج، وأفسد
стр. 1696
قلوب الناس ولم يضبطهم بأهل الشام فضلا عن أهل العراق ولو رام منهم ما رامه زياد لم يفجأك إلا على قعود يوجف «١» به.
وقال نافع لزياد: استعملت أولاد أبي بكرة وتركت أولادي؟ قال: اني رأيت أولادك كزما «٢» قصارا، ورأيت أولاد أبي بكرة نجباء طوالا.
ودخل عبد الله بن عامر على معاوية، فقال له: حتى متى تذهب بخراج العراق؟
فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول هذا لمن هو أبعد مني رحما! ثم خرج فدخل على يزيد فأخبره وشكا إليه، فقال له: لعلك أغضبت زيادا! قال: قد فعلت. قال: فإنه لا يرضى حتى ترضي زيادا عنك! فانطلق ابن عامر فاستأذن على زياد، فأذن له وألطفه، فقال له ابن عامر: إن شئت فصلح بعتاب، وإن شئت فصلح بغير عتاب، فإنه أسلم للصدر ... ، ثم راح زياد إلى معاوية فأخبره وأصبح ابن عامر غاديا إلى معاوية، فلما دخل عليه، قال: مرحبا بأبي عبد الرحمن. ههنا. وأجلسه إلى جنبه فقال له: يا أبا عبد الرحمن:
لنا سياق ولكم سياق ... وقد علمت ذلك الرفاق
الحسن بن أبي الحسن قال: ثقل أبو بكرة، فأرسل زياد إليه أنس بن مالك ليصالحه ويكلمه، فانطلقت معه، فإذا هو مولّ وجهه إلى الجدار، فلما قعد قال له:
كيف تجدك أبا كبرة؟ فقال صالحا: كيف أنت أبا حمزة؟ فقال له أنس: اتق الله أبا بكرة في زياد أخيك؛ فإن الحياة يكون فيها ما يكون؛ فأما عند فراق الدنيا فليستغفر الله أحدكما لصاحبه، فو الله ما علمت إنه لوصول للرّحم؛ هذا عبد الرحمن ابنك على الأبلّة، وهذا داود على مدينة الرّزق، وهذا عبد الله على فارس كلها؛ والله ما أعلمه إلا مجتهدا. قال: أقعدوني. فأقعدوه، فقال: أخبرني ما قلت في آخر كلامك. فأعاد عليه القول، فقال: يا انس، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا أو
стр. 1697
أخطئوا؛ والله لا أكلمه أبدا ولا يصلّي عليّ! فلما رجع أنس إلى زياد أخبره بما قال، وقال له: إنه قبيح أن يموت مثل أبي بكرة بالبصرة، فلا تصلي عليه ولا تقوم على قبره؛ فاركب دوابك والحق بالكوفة. قال: ففعل. ومات أبو بكرة بالغد عند صلاة الظهر، فصلى عليه أنس بن مالك.
وقدم شريح مع زياد من الكوفة لقضاء البصرة، فكان زياد يجلسه إلى جنبه ويقول له: إن حكمت بشيء ترى غيره أقرب إلى الحق منه فأعلمنيه. فكان زياد يحكم فلا يرد شريح عليه، فيقول زياد لشريح: ما ترى؟ فيقول: هذا الحكم، حتى أتاه رجل من الأنصار فقال: إني قدمت البصرة والخطط «١» موجودة، فأردت أن أختط لي، فقال لي بنو عمي وقد اختطوا ونزلوا: أين تخرج عنا؟ أقم معنا واختط عندنا فوّسعوا لي، فاتخذت فيهم دارا وتزوّجت، ثم نزغ «٢» الشيطان بيننا، فقالوا لي: اخرج عنا! فقال زياد: ليس ذلك لكم، منعتموه أن يختط والخطط موجودة وفي أيديكم فضل فأعطيتموه، حتى إذا ضاقت الخطط أخرجتموه وأردتم الإضرار به؟ لا يخرج من منزله! فقال شريح: يا مستعير القدر ارددها. فقال زياد: يا مستعير القدر احبسها ولا ترددها! فقال محمد بن سيرين: القضاء بما قال شريح، وقول زياد حسن.
وقال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا في واحدة: طلبت رجلا فلجأ إليه وتحرّم «٣» به، فكتب إليه: إن هذا فساد لعملي: إذا طلبت أحدا لجا إليك فتحرم بك، فكتب إليّ: إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة، فيكون مقامنا مقام رجل واحد؛ ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة، فيستريح الناس فيما بيننا.
ولما عزل عمر بن الخطاب ﵁ زيادا من كتابة أبي موسى، قال له: أعن
стр. 1698
عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل «١» عقلك.
وكتب الحسن بن عليّ ﵁ إلى زياد في رجل من أهل شيعته قد عرض له زياد وحال بينه وبين جميع ما يملكه، وكان عنوان كتابه: «من الحسن بن عليّ إلى زياد» ؛ فغضب زياد إذ قدّم نفسه عليه ولم ينسبه إلى أبي سفيان، وكتب إليه:
من زياد بن أبي سفيان إلى حسن: أما بعد، فإنك كتبت إليّ في فاسق لا يؤويه إلا الفسّاق، وايم الله لأطلبنه ولو بين جلدك ولحمك، فإنّ أحبّ لحم إليّ أن آكله لحم أنت منه.
فكتب الحسن إلى معاوية يشتكي زيادا، وأدرج كتاب زياد في داخل كتابه. فلما قرأه معاوية أكثر التعجب من زياد، وكتب إليه.
أما بعد، فإن لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية؛ فأما الذي من أبي سفيان فحزم وعزم، وأما الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها؛ وإن الحسن ابن عليّ كتب إليّ يذكر أنك عرضت لرجل من أصحابه، وقد حجزناه عنك ونظراءه، فليس لك على واحد منهم سبيل ولا عليه حكم؛ وعجبت منك حين كتبت إلى الحسن لا تنسبه إلى أبيه، أفإلى أمه وكلته لا أمّ لك؟ فهو ابن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ ؛ فالآن حين اخترت له.
وكتب زياد إلى معاوية: إن عبد الله بن عباس يفسد الناس عليّ، فإن أذنت لي أن أتوعّده فعلت. فكتب إليه: إن أبا الفضل وأبا سفيان كانا في الجاهلية في مسلاخ «٢» واحد، وذلك حلف لا يحلّه سوء رأيك! واستأذن زياد معاوية في الحج، فأذن له، وبلغ ذلك أبا بكرة، فأقبل حتى دخل على زياد وقد أجلس له بنيه، فسلم عليهم ولم يسلم على زياد، ثم قال: يا بني أخي، إن
стр. 1699
أباكم ركب أمرا عظيما في الإسلام بادّعائه إلى أبي سفيان؛ فو الله ما علمت سميّة بغت قط؛ وقد استأذن أمير المؤمنين في الحج، وهو مارّ بالمدينة لا محالة، وبها أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي ﷺ ، ولا بد له من الاستئذان عليها، فإن أذنت له فقعد منها مقعد الأخ من أخته، فقد انتهك من رسول الله ﷺ حرمة عظيمة، وإن لم تأذن له فهو عار الأبد. ثم خرج، فقال له زياد: جزاك الله خيرا من أخ فما تدع النصيحة على حال. وكتب إلى معاوية يستقيله، فأقاله.
وكتب زياد إلى معاوية: إني قد أخذت العراق بيميني، وبقيت شمالي فارغة. وهو يعرّض له بالحجاز. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵄، فقال: اللهم اكفنا شماله! فعرضت له قرحة في شماله فقتلته.
ولما بلغ عبد الله بن عمر موت زياد قال: اذهب إليك ابن سمية، لا يدا رفعت عن حرام ولا دنيا تملّيت «١» .
قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات، ثم على الأنساب، ثم على الآداب. قال: فمن تؤخر؟ قال: من لا يعبأ الله بهم. قال: ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، وكسوة الصيف في الشتاء.
وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاة والفلاح، لا تعوجنّه «٢» فلا سلطان لك عليه؛ وطارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به، ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة؛ ورسول الله صاحب الثغر «٣» ، فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة؛ وصاحب الطعام، فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.
وقال عجلان حاجب زياد: صار لي في يوم واحد مائة ألف دينار وألف سيف قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أعطى زياد ألف رجل مائتي ألف دينار وسيفا سيفا، فأعطاني كل رجل منهم نصف عطائه وسيفه.
стр. 1700
أخبار الحجاج
دخل المغيرة بن شعبة على زوجته فارعة، فوجدها تتخلل «١» حين انفتلت «٢» من صلاة الغداة، فقال لها: إن كنت تتخللين من طعام البارحة، فإنك قذرة، وإن كان من طعام اليوم إنك لنهمة؛ كنت فبنت «٣» ! قالت: والله ما فرحنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنّا؛ وما هو بشيء مما ظننت، ولكني استكت فأردت أن أتخلل للسواك! فندم المغيرة على ما بدر منه، فخرج أسفا، فلقي يوسف بن أبي عقيل، فقال له: هل لك إلى شيء أدعوك إليه؟ قال: وما ذاك؟ قال: إني نزلت الساعة عن سيدة نساء ثقيف، فتزوّجها، فإنها تنجب لك. فتزوّجها فولدت له الحجاج.
ومما رواه عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: إن الحجاج بن يوسف كان يعلّم الصبيان بالطائف، واسمه كليب؛ وأبوه يوسف معلم أيضا. وفي ذلك يقول مالك بن الرّيب:
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقرّ بذلّه ... يراوح صبيان القرى ويغادي «٤»
ثم لحق الحجاج بن يوسف بروح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته، إلى أن شكا عبد الملك بن مروان ما رأى من انحلال العسكر، وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله. فقال روح بن زنباع: يا أمير المؤمنين، إن في شرطتي رجلا لو قلّده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحلهم برحيله وأنزلهم بنزوله. يقال له الحجاج بن يوسف! قال: فإنا قد قلّدناه ذلك. فكان لا يقدر أحد [أن] يتخلف عن الرحيل والنزول، إلا أعوان روح بن زنباع؛ فوقف عليهم يوما
стр. 1701
وقد رحل الناس وهم على طعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟ فقال له: انزل يا ابن اللخناء «١» فكل معنا. فقال: هيهات. ذهب ما هنالك. ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوّفهم في العسكر، وأمر بفساطيط «٢» روح بن زنباع فأحرقت بالنار؛ فدخل بن زنباع على عبد الملك بن مروان باكيا، فقال له:
مالك؟ فقال يا أمير المؤمنين، الحجاج بن يوسف الذي كان في عديد شرطتي، ضرب عبيدي وأحرق فساطيطي! قال: عليّ به. فلما دخل عليه قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ما أنا فعلته يا أمير المؤمنين! قال: ومن فعله؟ قال أنت والله فعلته؛ إنما يدي يدك، وسوطي سوطك؛ وما على أمير المؤمنين أن يخلف على روح بن زنباع للفسطاط فسطاطين وللغلام غلامين، ولا يكسرني فيما قدّمني له؟ فأخلف لروح بن زنباع ما ذهب له وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته.
قال أبو الحسن المدائني: كانت أم الحجاج الفارعة بنت هبّار. فقال: كان الحجاج ابن يوسف يضع كل يوم ألف خوان «٣» في رمضان وفي سائر الأيام خمسمائة خوان، على كل خوان عشرة أنفس، وعشرة ألوان، وسمكة مشوية طرية، وأرزة بسكر، وكان يحمل في محفّة «٤» ويدار به على موائده يتفقدها، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر وسعى الخباز ليجيء بسكرها فأبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سكر، أمر به فضرب مائتي سوط؛ فكانوا بعد ذلك لا يمشون إلا متأبّطي خرائط السكر.
قال: وكان يوسف بن عمر والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك يضع خمسمائة خوان، فكان طعام الحجاج لأهل الشام خاصة، وطعام يوسف بن عمر لمن حضره؛ فكان عند الناس أحمد.
العتبي قال: دخل على الحجاج سليك بن سلكة، فقال: أصلح الله الأمير، أعرني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني غربك «٥» ؛ فإن سمعت خطأ أو زللا
стр. 1702
فدونك والعقوبة. فقال: قل. فقال: عصى عاص من عرض العشيرة، فحلّق عليّ اسمي «١» ، وهدمت داري؛ وحرمت عطائي. قال: هيهات، أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصّحاح مبارك الجرب «٢»
ولربّ مأخوذ بذنب عشيره ... ونجا المقارف صاحب الذّنب «٣»
قال: أصلح الله الأمير، إني سمعت الله قال غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ
«٤» فقال الحجاج: عليّ بيزيد بن أبي مسلم. فأتى به، فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، ومر مناديا ينادي في الناس: صدق الله وكذب الشاعر:
أتي الحجاج بامرأة عبد الرحمن بن الأشعث بعد دير الجماجم، فقال لحرسيّ قل لها:
يا عدوّة الله، أين مال الله الذي جعلتيه تحت ذيلك؟ فقال: يا عدوة الله، أين مال الله الذي جعلتيه تحت استك؟ فقال له: كذبت، ما هكذا قلت، أرسلها: فخلّى عنها.
الأصمعي قال: ماتت رققة يا لشّجي- والشّجي ربو من الأرض في بطن فلج «٥» فشجى به الوادي فسمى شج- فقال الحجاج: إني أراهم قد تضرعوا إذ نزل بهم الموت، فاحفروا في مكانهم. فحفروا، فأمر الحجاج رجلا يقال له عضيدة يخفر البئر، فلما أنبطها «٦» حمل منها قربتين إلى الحجاج بواسط، فلما قدم بهما عليه قال: يا
стр. 1703
عضيدة لقد تجاوزت مياها عذبا، أخسفت «١» أم أوشلت؟ قال: لا واحد منها، ولكن نبطا بين الماءين. قال: وكيف يكون قدره؟ قال: مرت بنا رفقة فيها خمسة وعشرون جملا، فرويت الإبل وأهلها. قال: أو للإبل حفرتها؟ إنما حفرتها للناس.
إن الإبل ضمر خسف «٢» ، ما جشّمت تجشّمت.
بعث عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف واليا على العراق، وأمره أن يحشر الناس إلى المهلب في حرب الأزارقة، فلما أتى الكوفة صعد المنبر متلثما متنكبا قوسه، فجلس واضعا إبهامه على فيه، فنظر محمد بن عمير بن عطارد التميمي، فقال:
لعن الله هذا ولعن من أرسله إلينا؛ أرسل غلاما لا يستطيع أن ينطق عيّا، وأخذ حصاة بيده ليحصبه «٣» بها، فقال له جليسه: لا تعجل حتى ننظر ما يصنع. فقام الحجاج فكشف لثامه عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «٤»
صليب العود من سلفي نزار ... كنصل السيف وضّاح الجبين
أخو خمسين مجتمع أشدّي ... ونجّذني مداورة الشّئون «٥»
أما والله إني لا أحمل الشر بثقله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله؛ أما والله إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وكأني أرى الدماء بين العمائم واللحى تترقوق:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم «٦»
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم»
стр. 1704
ألا وإنّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كبّ «١» كنانته فعجم عيدانها، فوجدني أصلبها عودا، فوجّعني إليكم؛ فإنكم طالما سعيتم في الضلالة، وسننتم سنن البغي؛ أما والله لألحونّكم «٢» لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السّلمة «٣» ، ولأقرعنّكم قرع المروة «٤» ، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل؛ والله ما أخلق إلا فريت «٥» ، ولا أعد إلا وفيت، ولا أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشّنان «٦» .
إياي وهذه الزرافات والجماعات، وقيل وقال وما تقول، وفيم أنتم ونحو هذا؛ ومن وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب ضربت عنقه.
ثم قال: يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ عليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم.
فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج: اسكت يا غلام، هذا أدب ابن نهية؛ والله لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمنّ؛ اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين. فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام.
ثم نزل فأتاه عمير بن ضابيء فقال: أيها الأمير، إني شيخ كبير عليل، وهذا ابني أقوى على الغزو مني. قال: أجيزوا ابنه عنه؛ فإنّ الحدث «٧» أحبّ إلينا من الشيخ.
فلما ولي الرجل قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير، هذا الذي ركض «٨» عثمان برجله وهو مقتول. فقال: ردّوا الشيخ. فردّوه، فقال: اضربوا عنقه! فقال فيه الشاعر:
стр. 1705
تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابيء ... عميرا، وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا «١»
ثم قال: دلوني على رجل أوليه الشرطة. فقيل له: أيّ الرجال تريد؟ قال: أريد دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف «٢» الخيانة، لا يحنق في الحق على حرّ أو حرّة، يهون عليه سبال «٣» الأشراف في الشفاعة. فقيل: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك وولدك وحاشيتك. فقال الحجاج: يا غلام، ناد: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمّة منه. قال الشعبي: فو الله ما رأيت قط صاحب شرطة مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل نقب على قوم، وضع منقبته «٤» في بطنه حتى تخرج من ظهره، وكان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا ودفنه فيه حيا، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده؛ فربما أقام أربعين يوما لا يؤتي إليه بأحد، فضم الحجاج إليه شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
ولما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمرّ الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد، وعلى الحجاج سيف محلى وهو يخطر متبخترا في المسجد، فقال رجل من قريش لخالد: من هذا التختارة «٥» ؟ فقال: بخ بخ! هذا عمرو بن العاص! فسمعه الحجاج: فمال إليه فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص! والله ما سرّني أنّ العاص ولدني ولا ولدته ولكن إن شئت أخبرتك من أنا: أنا ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل «٦» من قريش، والذي ضرب مائة بسيفه هذا كلهم يشهدون على
стр. 1706
أبيك بالكفر وشرب الخمر حتى أقرّوا أنه خليفة. ثم ولّى وهو يقول: هذا عمرو بن العاص.
الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول: إنّ الحسن بن عليّ، ابن رسول الله ﷺ ؟ والله لتأتينّي بالمخرج أو لأضربن عنقك! فقال له: فإن أتيت بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم. قال له: اقرأ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى
«١» فمن أقرب، عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن ابنته، أو الحسن إلى محمد؟ قال الحجاج: فو الله لكأني ما قرأت هذه الآية قط! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بها قاضيا حتى مات.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كان عبد الملك بن مروان سنان «٢» قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا؛ فجلس يوما في خاصّته فقبض على لحيته فشمّها مليّا، ثم اجترّ «٣» نفسه، ونفخ نفخة أطالها، ثم نظر في وجوه القوم فقال: ما أقول يوم ذي المسألة عن ابن أمّ الحجاج، وأدحض المحتج على العليم بما طوته الحجب؟ أما إنّ تمليكي له قرن بي لوعة يحشها «٤» التذكار! كيف وقد علمت فتعاميت، وسمعت فتصاممت، وحمله الكرام الكاتبون! والله لكأني إلف ذي الضّغن على نفسي، وقد نعت الأيام بتصرّفها أنفسا حقّ لها الوعيد بتصرّم الدّول، وما أبقت الشبهة للباقي متعلّقا، وما هو إلا الغل «٥» الكامن من النفس بحوبائها «٦» ، والغيظ المندمل؛ اللهم أنت لي أوسع، غير منتصر ولا معتذر. يا كاتب، هات الدواة والقرطاس. فقعد كاتبه بين يديه وأملى عليه:
стр. 1707
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله، عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أمّا بعد، فقد أصبحت بأمرك برما «١» ، يقعدني الإشفاق، ويقيمني الرجاء، وإذا عجزت في دار السعة وتوسّط الملك وحين المهل واجتماع الفكر أن ألتمس العذر في أمرك؛ فأنا لعمر الله في دار الجزاء وعدم السلطان واشتغال الحامّة «٢» والركون إلى الذلة من نفسي والتوقع لما طويت عليه الصحف أعجز؛ وقد كنت أشركتك فيما طوّقني الله حمله ولاث «٣» بحقوى من أمانته في هذا الخلق المرعيّ، فدللت منك على الحزم والجدّ في إماتة بدعة وإنعاش سنة، فقعدت عن تلك ونهضت بما عاندها، حتى صرت حجة الغائب، وعذر اللاعن والشاهد القائم.
فلعن الله أبا عقيل وما نجل «٤» ، فألأم والد وأخبث نسل، فلعمري ما ظلمكم الزمان، ولا قعدت بكم المراتب، فقد ألبستكم ملبسكم، وأقعدتكم على روابي خططكم، وأحلّتكم أعلى منعتكم، فمن حافر وناقل وماتح «٥» للقلب المقعدة في القيافي المتهفيهقة «٦» ، ما تقدّم فيكم الإسلام ولقد تأخرتم، وما الطائف منا ببعيد يجهل أهله؛ ثم قمت بنفسك، وطمحت بهمّتك، وسرّك انتضاء سيفك، فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع وشرطته، وأنت على معاونته يومئذ محسود، فهفا «٧» أمير المؤمنين والله يصلح بالتوبة والغفران زلّته، وكأني بك وكأن ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان؛ كلّ ذلك من تجاسرك وتحاملك على المخالفة لرأي أمير المؤمنين، فصدعت صفاتنا، وهتكت حجبنا، وبسطت يديك تحفن «٨» بهما من كرائم ذوي الحقوق اللازمة والأرحام الواشجة، في أوعية ثقيف؛ فاستغفر الله لذنب ماله عذر، فلئن استقال أمير المؤمنين فيك الرأي، فلقد جالت البصيرة في ثقيف بصالح النبيّ ﷺ ، إذ ائتمنه على الصدقات وكان عبده، فهرب بها عنه، وما هو إلا اختيار
стр. 1708
للثقة، والمطّلب لمواضع الكفاية: فقعد فيه الرجاء كما قعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له، فكأنّ هذا ألبس أمير المؤمنين ثوب العزاء، ونهض بعذره إلى استنشاق نسيم الرّوح؛ فاعتزل عمل أمير المؤمنين واظعن عنه باللعنة اللازمة، والعقوبة الناهكة إن شاء الله، إذ استحكم لأمير المؤمنين ما يحاول من رأيه، والسلام.
ودعا عبد الملك مولى له يقال له نباتة، له لسان وفضل رأي، فناوله الكتاب، ثم قال له: يا نباتة، العجل ثم العجل، حتى تأتي العراق، فضع هذا الكتاب في يد الحجاج، وترقب ما يكون منه، فإذا أجبل «١» عند قراءته واستيعاب ما فيه، فاقلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به، وهدّن «٢» الناس حتى يأتيهم أمري، بما تصفني به في حين انقلاعك، من حبّي لهم السلامة؛ وإن هش للجواب ولم تكتنفه أربة «٣» الحيرة، فخذ منه ما يجيب به وأقرره على عمله، ثم اعجل علي بجوابه.
قال نباتة: فخرجت قاصدا إلى العراق، فضمتني الصحارى والفيافي، واحتواني القرّ، وأخذ مني السفر، حتى وصلت؛ فلما وردته أدخلت عليه في يوم ما يحضره فيه الملأ، وعلى شحوب مضنى، وقد توسط خدمه من نواحيه وتدثر بمطرف خز ادكن»
، ولاث به الناس من بين قائم وقاعد؛ فلما نظر إليّ- وكان لي عارفا- قعد، ثم تبسّم تبسّم الوجل، ثم قال: أهلا بك يا نباتة، أهلا بمولى أمير المؤمنين لقد أثّر فيك سفرك، وأعرف أمير المؤمنين بك ضنينا، فليت شعري ما دهمك أو دهمني عنده؟ قال: فسلّمت وقعدت، فسأل: ما حال أمير المؤمنين وخوله؟ ... فلما هدأ أخرجت له الكتاب فناولته إياه، فأخذه مني مسرعا ويده ترعد، ثم نظر في وجوه الناس فما شعرت إلا وأنا معه ليس معنا ثالث، وصار كل من يطيف به من خدمه يلقاه جانبا، لا يسمعون منا الصوت؛ ففك الكتاب فقرأه، وجعل يتثاءب ويردد تثاؤبه، ويسيل العرق على جبينه وصدغيه- على شدة البرد- من تحت قلنسوته من
стр. 1709
شدة الفرق «١» ، وعلى رأسه عمامة خزّ خضراء، وجعل يشخص إليّ ببصره ساعة كالمتوهم، ثم يعود إلى قراءة الكتاب ويلاحظني النظر كالمتفهّم، إلا أنه واجم «٢» ؛ ثم يعاود الكتاب، وإني لأقول: ما أراه يثبت حروفه؛ من شدة اضطراب يده، حتى استقصى قراءته؛ ثم مالت يده حتى وقع الكتاب على الفراش، ورجع إليه ذهنه، فمسح العرق عن جبينه ثم قال متمثلا:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع «٣»
ثم قال: قبح والله منا الحسن يا نباتة، وتواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن، وما هذا إلا سانح فكرة نمقها مرصد يكلب بقصتنا، مع حسن رأي أمير المؤمنين فينا.
يا غلام! فتبادر الغلمان الصيحة، فملىء علينا منهم المجلس، حتى دفأتني «٤» منهم الأنفاس، فقال: الدواة والقرطاس. فأتي بداوة وقرطاس، فكتب بيده، وما رفع القلم مستمدا حتى سطر مثل خد الفرس، فلما فرغ قال لي يا نباتة، هل علمت ما جئت به فنسمعك ما كتبنا؟ قلت: لا. قال: إذا حسبك منا مثله. ثم ناولني الجواب، وأمر لي بجائزة فأجزل، وجرّد لي كساء ودعا لي بطعام فأكلت ثم قال: نكلك «٥» إلى ما أمرت به من عجلة أو توان، وإني لأحب مقارنتك والأنس برؤيتك. فقلت: كان معي قفل مفتاحه عندك، ومفتاح قفلك عندي، فأحدثت لك العافية بأمرين: فاقفلت المكروه وفتحت العافية، وما ساءني ذلك وما أحب أن أزيدك بيانا، وحسبك من استعجال القيام.
ثم نهضت وقام مودعا لي، فالتزمني وقال: بأبي أنت وأمي، رب لفظة مسموعة ومحتقر نافع؛ فكن كما أظن.
فخرجت مستقبلا وجهي حتى وردت أمير المؤمنين، فوجدته منصرفا من صلاة
стр. 1710
العصر، فلما رآني قال: ما احتواك المضجع يا نباتة! فقلت: من خاف من وجه الصباح أدلج «١» . فسلمت وانتبذت عنه فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: مهيم «٢» .
فدفعت إليه الكتاب فقرأه متبسما، فلما مضى فيه ضحك حتى بدت له سنّ سوداء ثم استقصاه فانصرف إليّ فقال: كيف رأيت إشفاقه؟ قال: فقصصت عليه ما رأيت منه فقال: صلوات الله على الصادق الأمين: إن من البيان لسحرا. ثم قذف الكتاب إليّ فقال: اقرأ. فقرأته فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، المؤيّد بالولاية، المعصوم من خطل القول وزلل الفعل، بكفالة الله الواجبة لذوي أمره؛ من عبد اكتنفته الزّلة «٣» ، ومدّ به الصّغار «٤» إلى وخيم المرتع، ووبيل المكرع «٥» ، من جليل فادح ومعتد قادح؛ والسلام عليك ورحمة الله التي اتسعت فوسعت، وكان بها إلى أهل التقوى عائدا؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، راجيا لعطفك بعطفه.
أما بعد، كان الله لك بالدّعة في دار الزوال، والأمن في دار الزلزال، فإنه من عنيت به فكرتك يا أمير المؤمنين مخصوصا، فما هو إلا سعيد يؤثر، أو شقي يوتر «٦» ؛ وقد حجبني عن نواظر السعد لسان مرصد ونافس حقد، انتهز به الشيطان حين الفكرة، فافتتح به أبواب الوسواس بما تحنق به الصدور؛ فواغوثاه استعاذة بأمير المؤمنين من رجيم إنما سلطانه على الذين يتولونه، واعتصاما بالتوكل على من خصه بما أجزل له من قسم الإيمان وصادق السنة، فقد أراد اللعين أن يفتق لأوليائه فتقا نبا عنه كيده، وكثر عليه تحسره، بلية قرع بها فكر أمير المؤمنين ملبسا
стр. 1711
وكادحا ومؤرّشا «١» ، ليفلّ من عزمه الذي نصبني، ويصيب تأرا لم يزل به موتورا، وذكر قديم ما منى به الأوائل حتى لحقت بمثله منهم وما كنت أبلوه من خسة أقدار، ومزاولة أعمال، إلى أن وصلت ذلك بالتشرّط لروح بن زنباع. وقد علم أمير المؤمنين بفضل ما اختار الله له ﵎ من العلم المأثور الماضي، بأن الذي غيّر به القوم من مصانعهم من أشد ما كان يزاوله أهل القدمة «٢» الذين اجتبى الله منهم، وقد اعتصموا وامتعضوا من ذكر ما كان، وارتفعوا بما يكون، وما جهل أمير المؤمنين- للبيان موقعه، غير محتج ولا متعدّ- أن متابعة روح بن زنباع طريق الوسيلة لمن أراد من فوقه، وأن روحا لم يلبسني العزم الذي به رفعني أمير المؤمنين عن خوله؛ وقد ألصقتني بروح بن زنباع همة لم تزل نواظرها ترمي بي البعيد، وتطالع الأعلام. وقد أخذت من أمير المؤمنين نصيبا اقتسمه الإشفاق من سخطته والمواظبة على موافقته، فما بقي لنا بعد إلا صبابة إرث، به تجول النفس وتطرف النواظر، ولقد سرت بعين أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه، المتطاول لمن تقدمه، غير مبتّ «٣» موجف، ولا متثاقل مجحف؛ ففتّ الطالب، ولحقت الهارب، حتى سادت السنّة، وبادت البدعة، وخشىء الشيطان، وحملت الأديان إلى الجادة العظمى والطريقة المثلى؛ فها أنا ذا يا أمير المؤمنين، نصب المسألة لمن رامني، وقد عقدت الحبوة «٤» ، وقرنت الوظيفتين لقائل محتج، أو لائم ملتجّ؛ وأمير المؤمنين ولي المظلوم، ومعقل الخائف؛ وستظهر له المحنة نبأ أمري؛ ولكل نبإ مستقر؛ وما حفنت «٥» يا أمير المؤمنين في أوعية ثقيف حتى روي الظمآن، وبطن الغرثان «٦» ، وغصّت الأوعية، وانقدّت «٧» الأوكية «٨» في
стр. 1712
آل مروان، فأخذت ثقيف فضلا صار لها، لولاهم للقطته السابلة «١» ؛ ولقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملي، وكان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان؛ وإن أمير المؤمنين لرابع أربعة: أحدهم ابنة شعيب النبي ﷺ ؛ إذ رمت بالظن غرض اليقين تفرّسا في النجيّ المصطفى بالرسالة، فحقّ لها فيه الرجاء، وزالت شبهة الشك بالاختبار؛ وقبلها العزيز في يوسف؛ ثم الصدّيق في الفاروق، رحمة الله عليهما؛ وأمير المؤمنين في الحجاج. وما حسد الشيطان يا أمير المؤمنين خاملا، ولا شرق «٢» بغير شجى؛ فكم غبطة يا أمير المؤمنين للرجيم أدبر منها وله عواء وقد قلت حيلته، ووهن كيده يوم كيت وكيت؛ ولا أظن أذكر لها من أمير المؤمنين. ولقد سمعت لأمير المؤمنين في صالح- صلوات الله عليه- وفي ثقيف مقالا، هجم بي الرجاء لعذله عليه بالحجة في ردّه، بمحكم التنزيل في لسان ابن عمه خاتم النبيين وسيد المرسلين؛ ﷺ . فقد أخبر عن الله ؛ وحكاية غرّ الملأ من قريش عند الاختيار والافتخار، وقد نفخ الشيطان في مناخرهم، فلم يدعوا خلف ما قصدوا إليه مرمى، فقالوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
«٣» . فوقع اختيارهم- عند المباهاة بنفخة الكفر، وكبر الجاهلية، على الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي مسعود الثقفي؛ فصارا في الافتخار بهما صنوين، ما أنكر اجتماعهما من الأمة منكر في خبر القرآن ومبلّغ الوحي، وإن كان ليقال للوليد في الأمة يومئذ:
ريحانة قريش؛ وما ردّ ذلك العزيز تعالى إلا بالرحمة الشاملة في القسم السابق، فقال : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
«٤» . وما قدمتني يا أمير المؤمنين ثقيف في الاحتجاج لها، وإن لها مقالا رحبا، ومعاندة قديمة؛ إلا أن هذا من أيسر ما يحتج به العبد المشفق على سيده المغضب، والأمر إلى أمير المؤمنين، عزل أم أقرّ، وكلاهما عدل متبع، وصواب معتقد. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله.
стр. 1713
قال نباتة: فأتيت على الكتاب بمحضر أمير المؤمنين عبد الملك، فلما استوعبته سارقته النظر على الهيبة منه، فصادف لحظي لحظه، فقال: اقطعه ولا تعلمنّ بما كان أحدا. فلما مات عبد الملك فشا عني الخبر بعد موته.
الحجاج وابن المنتشر في ذمي:
محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني قال: دفع إلي الحجاج رجلا ذمّيا «١» ، وأمرني بالتشديد عليه والاستخراج منه، فلما انطلقت به قال لي: يا محمد، إن لك لشرفا ودينا. إني لا أعطى على القسر شيئا، فاستأذني وارفق بي. قال: ففعلت فأدّى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف، فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه، فانتزعه من يدي ودفعه إلى الذي كان يتولى له العذاب، فدق يديه ورجليه ولم يعطه شيئا. قال محمد ابن المنتشر: فإني لسائر يوما في السوق، إذ صائح بي: يا محمد، فالتفتّ، فإذا أنا به معترضا على حمار مدقوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج إن أتيته وتذمّمت «٢» منه، فملت إليه، فقال لي: إنك وليت مني ما ولي هؤلاء، فرفقت بي وأحسنت إليّ، وإنهم صنعوا بي ما ترى، ولي خمسمائة ألف عند فلان، فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ. فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا، ولا لأرزأك «٣» على هذه الحالة شيئا! قال: فأما إذ أبيت فاسمع مني حديثا أحدّثك به، حدّثنيه بعض أهل دينك عن نبيك ﷺ : إذا رضي الله عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم؛ وإذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته، وجعل المال في بخلائهم، واستعمل عليهم شرارهم.
فانصرفت، فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج، فسرت إليه، فألفيته جالسا على فراشه والسيف مصلت بيده، فقال لي: ادن. فدنوت شيئا، ثم قال لي: ادن فدنوت شيئا، ثم قال لي الثالثة: ادن، لا أبالك! فقلت: ما بي إلى الدنوّ من حاجة،
стр. 1714
وفي يد الأمير ما أرى! فضحك وأغمد سيفه. وقال: اجلس، ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت له: أيها الأمير، والله ما غششتك منذ استصحبتني ولا كذبتك منذ استخبرتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني؛ ثم حدثته؛ فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه، وأومأ «١» إلي بيده، وقال: لا تسمّه. ثم قال: إن للخبيث نفسا، وقد سمع الأحاديث.
شيء عن الحجاج:
ويقال: إن الحجاج كان إذا استغرب ضحكا والى بين استغفار، وكان إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه «٢» ، ثم تكلم رويدا فلا يكاد يسمع، حتى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه، ثم يزجر الزجرة فيقرع بها أقصى من في المسجد.
خالد القسري في شأن الحجاج:
صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر في يوم الجمعة وهو إذ ذاك على مكة؛ فذكر الحجاج، فحمد طاعته وأثنى عليه خيرا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك، يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه وإظهار البراءة منه:
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلا، وكان الله قد علم من غشّه وخبثه ما خفي على ملائكته، فلما أراد الله فضيحته أمره بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي عنا؛ فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فلعنه، فالعنوه لعنه الله! ثم نزل.
стр. 1715
الحجاج وامرأة ابن الأشعث:
ولما أتي الحجاج بامرأة ابن الأشعث قال للحرسي: قل لها: يا عدوّة الله، أين مال الله الذي جعلته تحت ذيلك؟ فقال لها الحرسي: يا عدوّة الله أين مال الله الذي جعلته تحت استك؟ قال الحجاج: كذبت؛ ما هكذا قلت؛ أرسلها. فخلّي سبيلها.
الحجاج وأبو وائل:
أبو عوانة عن عاصم عن أبي وائل قال: أرسل الحجاج إليّ. فقال لي: ما اسمك؟
قلت: ما أرسل الأمير إليّ حتى عرف اسمي! قال لي: متى هبطت هذه الأرض؟
قلت: حين ساكنت أهلها. قال: كم تقرأ من القرآن؟ قلت: أقرأ منه ما إن اتبعته كفاني. قال: إني أريد أن أستعين بك على بعض عملي؟ قلت: إن تستعين بي تستعن بكبير أخرق «١» ضعيف، يخاف أعوان السوء. وإن تدعني فهو أحب إليّ، وإن تقحمني أتقحّم. قال: إن لم أجد غيرك أقحمتك وإن وجدت غيرك لم أقحمك.
قلت وأخرى أكرم الله الأمير: إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك؛ والله إني لأتعارّ «٢» من الليل فأذكرك فما يأتيني النوم حتى أصبح؛ هذا، ولست لك على عمل! فأعجبه ذلك وقال: هيه! كيف قلت؟ فأعدت عليه الحديث. فقال: إني والله ما أعلم اليوم رجلا على وجه الأرض هو أجرأ على دم مني! قال: فقمت فعدلت عن الطريق عمدا كأني لا أبصر، فقال: اهدوا الشيخ، أرشدوا الشيخ.
الحجاج وابن أبي ليلى:
أبو بكر بن أبي شيبة قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال لجلسائه: إذا أردتم أن تنظروا إلى رجل يسب أمير المؤمنين عثمان فانظروا إلى هذا.
فقال عبد الرحمن: معاذ الله أيها الأمير أن أكون أسبّ عثمان؛ إنه ليحجزني «٣» عن
стр. 1716
ذلك [ثلاث] آيات في كتاب الله تعالى [قال الله تعالى] : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
»
. فكان عثمان منهم، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«٢» . فكان أبي منهم ثم قال:
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
«٣» . فكنت أنا منهم. قال: صدقت.
ابن أبي ليلى في لعن على وابن الزبير والمختار:
أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى ضربه الحجاج وأوقفه على باب المسجد، فجعلوا يقولون له: العن الكاذبين: عليّ ابن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد. فقال: لعن الله الكاذبين ثم قال: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد- بالرفع- فعرفت حين سكت ثم ابتدأ فرفع، أنه ليس يريدهم.
الحجاج والشعبي:
قال الشعبي: أتي بي الحجاج موثقا، فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه، فقال: إنا لله يا شعبيّ لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! قلت له: فما المخرج؟ قال: بؤ «٤» للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، وبالحرى أن تنجو. ثم لقبني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد: فلما دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبي فيمن خرج عليا وكفر؟ قلت: أصلح الله الأمير، نبا «٥» بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب «٦» ، واستحلسنا «٧» الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق
стр. 1717
المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء! قال: صدق والله، ما برّوا بخروجهم علينا، ولا قووا؛ أطلقوا عنه. فاحتاج إليّ في فريضة بعد ذلك، فأرسل إليّ فقال: ما تقول في أم وأخت وجد؟ فقلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب محمد ﷺ : عبد الله بن مسعود، وعليّ، وعثمان وزيد، وابن عباس. قال: فما قال فيها ابن عباس، إن كان لمنقبا «١» . قلت: جعل الجد أبا ولم يعط الأخت شيئا، وأعطى الأمّ الثلث. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟ قلت جعلها من ستة، فأعطى الجدّ ثلاثة، وأعطى الأمّ اثنين، وأعطى الأخت سهما. قال: فما قال زيد؟ قلت: جعلها من تسعة، فأعطى الأمّ ثلاثة، وأعطى الجدّ أربعة، وأعطى الأخت اثنين؛ فجعل الجد معها أخا. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثا. قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، فأعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم اثنين وأعطى الجد سهما، قال: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها أمير المؤمنين.
... فبينما أنا عنده إذ جاءه الحاجب فقال له: إن بالباب رسلا. فقال: إيذن لهم.
قال: فدخلوا، وعمائمهم على أوساطهم، وسيوفهم على عواتقهم، وكتبهم بأيمانهم، وجاء رجل من بني سليم يقال له شبابة بن عاصم، فقال له: من أين؟ قال: من الشام، قال:
كيف تركت أمير المؤمنين؟ وكيف تركت حشمه؟ فأخبره، قال: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصابتني فيما بيني وبين الأمير ثلاث سحائب. قال: فانعت لي، كيف كان وقع المطر وتباشيره؟ قال: أصابتني سحابة بحوّارين «٢» ، فوقع قطر صغار وقطر كبار، فكانت الصغار لحمة للكبار؛ ووقع نشيطا ومتداركا، وهو السّيح «٣» الذي سمعت به، فواد سائل، وواد نازح؛ وأرض مقبلة، وأرض مدبرة. وأصابتني سحابة بسراء «٤» فلبّدت الدّماث «٥» ، وأسالت العزاز «٦» ، وأدحضت التلاع، وصدعت
стр. 1718
عن الكمأة أماكنها؛ وأصابتني سحابة بالقريتين. فقاءت الأرض بعد الريّ، وامتلأت الأخاديد «١» ، وأفعمت الأودية، وجئتك في مثل وجار «٢» الضبع.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل وراءك من غيث؟ قال: لا، كثر والله الإعصار، وأغبرت البلاد، وأيقنّا أنه عام سنة «٣» . قال: بئس المخبر أنت.
قال: أخبرتك الذي كان.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من أهل اليمامة، قال: هل وراءك من غيث؟ قال:
نعم، سمعت الروّاد يدعون إلى الماء، وسمعت قائل يقول: هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافش فيها المعزى. قال الشعبي: فلم يدر الحجاج ما قال، فقال له: تبّا لك. إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم. قال: أصلح الله الأمير، أخصب الناس، فكثر التمر والسمن والزبد واللبن، فلا توقد نار يختبز بها؛ وأمّا تشكى النساء، فإنّ المرأة تظل تربق «٤» بهمها، وتمخض لبنها، فتبيت: ولها أنين من عضدها وأمّا تنافش «٥» المعزى، فإنها ترى من أنواع التّمر وأنواع الشجر ونور النبات، ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها، فتبيت وقد امتلأت أكراشها، ولها من الكظة «٦» جرّة، فتبقى الجرّة حتى تستنزل الدرّة.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من الموالي كان من أشدّ الناس في ذلك الزمان، فقال له: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، ولكني لا أحسن أن أقول ما يقول هؤلاء.
قال: فما تحسن؟ قال: أصابتني سحابة بحلوان، فلم أزل أطأ في آثارها حتى دخلت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
стр. 1719
عبد الملك والحجاج وابن عمر:
إبراهيم بن مرزوق عن سعيد بن جويرية قال: لما كان عام الجماعة، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: انظر ابن عمر فاقتد به وخذ عنه. يعني في المناسك، قال: فلما كان عشية عرفة، سار الحجاج بين يدي عبد الله ابن عمر وسالم ابنه، فقال له سالم: إن أردت أن تصيب السّنة «١» اليوم فأوجز الخطبة وعجّل الصلاة. قال:
فقطّب ونظر إلى عبد الله بن عمر، فقال: صدقت. فلما كان عند الزوال مرّ عبد الله بن عمر بسرادقه وقال: الرواح «٢» فما لبث أن خرج ورأسه يقطر كأنه قد اغتسل، فلما أفاض «٣» الناس رأيت الدم يتحدر من النجيبة «٤» التي عليها ابن عمر، فقلت: أبا عبد الرحمن، عقرت النجيبة! قال: أنا عقرت ليس النجيبة. وكان أصابه زج «٥» رمح بين أصبعين من قدمه، فلما صرنا بمكة دخل عليه الحجاج عائدا فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو علمت من أصابك لفعلت وفعلت، قال له: أنت أصبتني. قال غفر الله لك، لم تقول هذا؟ قال: حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، وفي بلد لا يحمل فيه السلام.
من أخبار الحجاج:
أبو الحسن المدائني قال: أخبرني من دخل المسجد والحجاج على المنبر وقد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع
ساء ما ظنّوا وقد أبليتهم ... عند غايات المدى كيف أقع «٦»
стр. 1720
كيف يرجون سقاطي بعدما ... شمل الرأس مشيب وصلع
كتب الوليد إلى الحجاج. أن صف لي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي، وأنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفّر لأمانته، وصرفت السيف إلى النّطف «١» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.
الحجاج وقارىء
قرأ الحجاج في سورة هود: قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
«٢» ؛ فلم يدر كيف يقرأ: عمل بالضم والتنوين، أو عمل بالفتح؛ فبعث حرسيّا فقال: إيتني بقارىء. فأتى به وقد ارتفع الحجاج عن مجلسه، فحبسه ونسيه حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر؛ فلما انتهى إليه قال له: فيم حبست؟ قال:
في ابن نوح، أصلح الله الأمير! فأمر بإطلاقه.
عبد الملك والحجاج وأنس:
إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثني سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك يخرج معه، فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه وأدرج كتاب الحجاج في جوف كتابه.
قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر: بعث إليّ عبد الملك بن مروان في ساعة لم يكن يبعث إليّ في مثلها، فدخلت عليه وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا، فقال: يا إسماعيل: ما أشدّ عليّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، وضاق ذرعه في رجل من أصحاب النبي ﷺ ! لا يقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيئة، فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين قال أنس بن مالك: خادم رسول الله ﷺ ، كتب إليّ يذكر أنّ
следующие страницы →