← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الله الكذاب! قال: فأتيته فقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب؟ قال: بلغهم أني أقول: هذا الأمر سيكون في ولدي وو الله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم، الصغار العيون، العراض الوجوه، الذين كأن وجوههم المجانّ «١» المطرقة. وفي حديث آخر أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه: أبو العباس، وأبو جعفر؛ فشكا إليه دينا لزمه، فقال له: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا. فأمر له بقضائه، فشكر له عليه، وقال له وصلت رحما، وأنا أريد أن تستوصي بابنيّ هذين خيرا. قال: نعم. فلما تولى قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد هتر «٢» وأسنّ وخولط «٣» ، فصار يقول إن هذا الأمر سينقل إلى ولده. فسمعه علي بن عبد الله بن العباس، فقال: والله ليكونن ذلك، وليملكنّ ابناي هذان ما تملكه. زواج علي بن عبد الله: قال محمد بن يزيد: وحدثني جعفر بن عيسى بن جعفر الهاشمي قال: حضر علي بن عبد الله مجلس عبد الملك بن مروان، وكان مكرما له، وقد أهديت له من خراسان جارية وفص خاتم وسيف، فقال: يا أبا محمد، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا. فاختار الجارية، وكانت تسمى سعدى، وهي من سبى الصغد من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان بن علي، وصالح بن علي. وذكر جعفر بن عيسى أنه لما أولدها سليمان اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدري خرج عليه، فانصرف عليّ من مصلّاه، فإذا بها على فراشه! فقال: مرحبا بك يا أم سليمان: فوقع عليها فأولدها صالحا، فاجتنبت فراشه، فسألها عن ذلك، فقالت: خفت أن يموت سليمان في مرضه، فينقطع النسب بيني وبين رسول الله ﷺ ؛ فالآن

стр. 1787

إذ ولدت صالحا فبالحري إن ذهب أحدهما بقي الآخر، وليس مثلي وطيئة الرجال. وزعم جعفر أنه كانت في سليمان رتّة «١» ، وفي صالح مثلها، وأنها موجودة في آل سليمان وصالح. وصية علي لابنيه سليمان وصالح: وكان علي يقول: أكره أن أوصى إلى محمد ولدي- وكان سيد ولده وكبيرهم- فاشينه بالوصية. فأوصى إلى سليمان، فلما دفن عليّ جاء محمد إلى سعدى ليلا، فقال: أخرجي لي وصية أبي قالت: إن أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلا، ولكن تأتي غدوة إن شاء الله. فلما أصبح غدا عليه سليمان بالوصية، فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك. فقال: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثرّب «٢» على أبي موته كما لم أثرّب عليه في حياته. وصاة معاوية في موته: العتبي عن أبيه عن جده قال: لما اشتكى معاوية شكاته التي هلك فيها، أرسل إلى ناس من جملة بني أمية ولم يحضرها سفيانيّ غيري وغير عثمان بن محمد؛ فقال: يا معشر بني أمية، إني لما خفت أن يسبقكم الموت إليّ سبقته بالموعظة إليكم، لا لأردّ قدرا، ولكن لأبلغ عذرا، إن الذي أخلّف لكم من دنياي أمر ستشاركون فيه وتغلبون عليه، والذي أخلّف لكم من رأي أمر مقصور لكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيّعتموه؛ إن قريشا شاركتكم في أنسابكم، وانفردتم دونها بأفعالكم، فقدمكم ما تقدّمتم له، إذ أخر غيركم ما تأخروا عنه؛ ولقد جهل «٣» بي فحلمت ونقر «٤» لي ففهمت حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم

стр. 1788

كنظري إلى آبائهم قبلهم؛ إن دولتكم ستطول، وكلّ طويل مملول؛ وكلّ مملول مخذول، فإذا كان ذلك كذلك، كان سببه اختلافكم فيما بينكم، واجتماع المخلفين عليكم، فيدبر الأمر بضدّ ما أقبل له، فلست أذكر جسيما يركب منكم ولا قبيحا ينتهك فيكم، إلا والذي أمسك عن ذكره أكثر وأعظم؛ ولا معوّل عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر، فيمادكم القوم دولتهم امتداد العنانين في عنق الجواد، حتى إذا بلغ الله بالأمر مداه، وجاء الوقت المبلول بريق النبي ﷺ ، مع الخلقة المطبوعة على ملالة الشيء المحبوب، كانت الدولة كالإناء «١» المكفأ فعندها أوصيكم بتقوى الله الذي لم يتقه غيركم فيكم، فجعل العاقبة لكم، والعاقبة للمتقين. قال عمرو بن عتبة: فدخلت عليه يوما آخر فقال: يا عمرو، أوعيت كلامي؟ قلت: وعيت. قال: أعد عليّ كلامي، فلقد كلمتكم وما أراني أمسي من يومكم ذلك. شبيب وعبد الله: قال شبيب بن شيبة الأهتمي حججت عام هلك هشام وولي الوليد بن يزيد، وذلك سنة خمس وعشرين ومائة، فبينما أنا مريح ناحية من المسجد، إذ طلع من بعض أبواب المسجد فتى أسمر رقيق السّمرة، موفر الّلمّة «٢» ، خفيف الّلحية، رحب الجبهة، أقنى «٣» بين القنا، أعين كأن عينيه لسانان ينطقان، يخلق أبّهة الأملاك بزي النساك، تقبله القلوب، وتنبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه والعتق في صورته، والّلب في مشيته؛ فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، وسبقني فتحرّم بالطواف، فلما سبّع قصد المقام فركع، وأنا أرعاه ببصري، ثم نهض

стр. 1789

منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا «١» كبوة دميت لها أصبعه، فقعد لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح رجله من عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ثوبه فعصبت بها أصبعه وما ينكر ذلك ولا يدفعه، ثم نهض متوكئا عليّ، وانقدت له أماشيه، حتى إذا أتى دارا بأعلى مكة ابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب فدخل واجتذبني فدخلت بدخوله؛ ثم خلى يدي وأقبل على القبلة، فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ أتم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم ولا فعلك بي؛ فمن تكون يرحمك الله؟ قلت: شبيب بن شيبة التميمي، قال: الأهتمي؟ قلت: نعم. قال: فرحّب وقرّب، ووصف قومي بأبين بيان وأفصح لسان، فقلت له: أنا أجلك- أصلحك الله- عن المسألة، وأحبّ المعرفة! فتبسم وقال: لطف أهل العراق! أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما اشبهك بنسبك وأدلّك على منصبك! ولقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك! قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم فإنّا قوم إنما يسعد الله بحبّنا من أحبّه؛ ويشقي ببغضنا من أبغضه، ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ويحب رسوله؛ ومهما ضعفنا عن جزائه قوي الله على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم وأنا من حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحبّ أن أسأل عنها؛ أفتأذن لي فيها جعلت فداك؟ قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسرّ موضعا، وللأمانة واعيا؛ فإن كنت كما رجوت فافعل. قال: فقدّمت من وثائق القول والأيمان ما سكن إليه، فتلا قول الله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٢» . ثم قال: سل عما بدالك.

стр. 1790

قلت: ما ترى فيمن على الموسم؟ وكان عليه يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي خال الوليد؛ فتنفس الصعداء وقال: عن الصلاة خلفه تسألني، أم كرهت أن يتأمّر على آل الله من ليس منهم؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله لعظيم؛ فأما الصلاة ففرض لله تعبّد به خلقه، فأدّ ما فرض الله تعالى عليك في كل وقت مع كلّ أحد وعلى كل حال؛ فإن الذي ندبك لحجّ بيته وحضور جماعته وأعياده لم يخبرك في كتابه بأنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، رحمة منه لك؛ ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك؛ فاسمح يسمح «١» لك. قال: ثم كررت في السؤال عليه، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده. ثم قلت: يزعم أهل العلم أنها ستكون لكم دولة. فقال: لا شك فيها، تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها؛ فنسأل الله خيرها، ونعوذ بالله من شرّها؛ فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم، ونأبى إلا طلبا بحقنا، فننصر ويخذلون، كما نصر بأوّلنا أوّلهم، ويخذل بمخالفتنا من خالف منهم قال: فاسترجعت، فقال: سهل عليك الأمر سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «٢» . وليس ما يكون لهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم وحفظ أعقابهم وتجديد الصّنيعة عندهم. قلت: كيف تسلم لهم قلوبكم وقد قاتلوكم مع عدوّكم؟ قال: نحن قوم حبّب إلينا الوفاء وإن كان علينا؛ وبغّض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذّ عنا منهم الأقل؛ فأما أنصار دولتنا ونقباء شيعتنا وأمراء جيوشنا فهم مواليهم، وموالي القوم من أنفسهم؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه؛ فتذهب النّائرة «٣» ، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب. قلت، ويقال، إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة. قال: قد روى: إن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره «٤» . قلت: لم أرد هذا. قال: فمه؟ قلت: تعقّون

стр. 1791

الوليّ وتحظون العدوّ! قال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ومن يسلم لنا من الأعداء أقلّ وأيسر؛ وإنما نحن بشر وأكثرنا أذن «١» ، ولا يعلم الغيب إلا الله، وربما استترت عنا الأمور فنقع بما لا نريد وإن لنا لإحسانا يأسو الله به ما نكلم، ويرمّ به ما نثلم، ونستغفر الله مما لا نعلم، وما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك، مع الوليّ التعزز والإدلال، والثقة والاسترسال؛ ومع العدو التحرّز والاحتيال، والتذلل والاغتيال، وربما أملّ المدل، وأخلّ المسترسل، وتجانب المتقرّب؛ ومع المقة «٢» تكون الثقة؛ على أن العاقبة لنا على عدوّنا، وهي لولينا؛ وإنك لسئول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم! قال: إني لأرجو أن أراك وتراني كما تحب عن قريب إن شاء الله تعالى! قلت: عجّل الله ذلك. قال: آمين. قلت: ووهب لي السلامة منكم فإني من محبيكم! قال: آمين. وتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث. قلت: وما هي؟ قال: قدح في الدين، أو هتك للملك، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني ما أقول لك، أصدق وإن ضرّك الصّدق، وانصح وإن باعدك النّصح، ولا تجالس عدوّنا وإن أحظيناه، فإنه مخذول؛ ولا تخذل ولينا، فإنه منصور؛ واصبحنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تسخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيتحشموك، ولا تبدأ حتى يبدءوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرض للأموال؛ وأنا رائح من عشيّتي هذه؛ فهل من حاجة؟ فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أترقّب لظهور الأمر وقتا؟ قال: الله المقدّر الموقّت، فإذا قامت النّوحتان بالشام فهما آخر العلامات. قلت: وما هما؟ قال: موت هشام العام، وموت محمد بن علي مستهلّ ذي القعدة، وعليه أخلفت وما بلغتكم حتى أنضيت، قلت: فهل أوصى؟ قال: نعم، إلى ابنه إبراهيم. قال: فلما خرجت إذا مولى له يتبعني، حتى عرف منزلي، ثم أتاني بكسوة من

стр. 1792

كسوته، فقال: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه. قال: وافترقنا. قال: فو الله ما رأيته إلا وحرسيان «١» قابضان عليّ يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إليّ اثبتني، فقال: خليا عمن صحّت مودته، وتقدّمت حرمته، وأخذت قبل اليوم بيعته. قال: فأكبر الناس ذلك من قوله، ووجدته على أول عهده لي؛ ثم قال لي: أين كنت عني في أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر، قال: أمسك؛ فإن لكل شيء وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظّ مودتك وحق مسابقتك، فاختر بين رزق يسعك، أو عمل يرفعك. قلت: أنا حافظ لوصيتك! قال: وأنا لها أحفظ، إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها. قلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحبّ إليّ. قال: ذلك لك وهو أجمّ «٢» لقلبك وأودع لك، وأعفى إن شاء الله. ثم قال: هل زدت في عيالك بعدي شيئا؟ وكان قد سألني عنهم، فذكرتهم له فعجبت من حفظه. قلت: الفرس والخادم. قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بخيلنا، ولو وسعني لحملت إليك من بيت المال، وقد ضممتك إلى المهدي، وأنا أوصيه بك، فإنه أفرغ لك مني. الأحوص وأيمن وابن حزم مع الوليد: قال الأحوص بن محمد الشاعر الأنصاري، من بني عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الذي حمت لحمه الدّبر «٣» ، يشبّب بامرأة يقال لها أمّ جعفر، فقال فيها: أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور

стр. 1793

وكان لأمّ جعفر أخ يقال له أيمن، فاستعدى عليه ابن حزم الأنصاري وهو والي المدينة للوليد بن عبد الملك- وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- فبعث ابن حزم إلى الأحوص فأتاه، وكان ابن حزم يبغضه؛ فقال: ما تقول فيما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: يزعم أنك تشبّب بأخته وقد فضحته وشهرت أخته بالشعر. فأنكر ذلك، فقال لهما: قد اشتبه عليّ أمركما، ولكني أدفع إلى كل واحد منكما سوطا، ثم اجتلدا! وكان الأحوص قصيرا نحيفا؛ وكان أيمن طويلا ضخما جلدا، فغلب أيمن الأحوص فضربه حتى صرعه «١» وأثخنه؛ فقال أيمن: لقد منع المعروف من أمّ جعفر ... أشمّ طويل الساعدين غيور علاك بمتن السّوط حتى اتّقيته ... بأصفر من ماء الصّفاق يفور «٢» قال: فلما رأى الأحوص تحامل ابن حزم عليه، امتدح الوليد ثم شخص إليه إلى الشام، فدخل عليه فأنشده: لا ترثينّ لحزميّ رأيت به ... ضرّا، ولو ألقي الحزميّ في النار الناخسين لمروان بذي خشب ... المدخلين على عثمان في الدار «٣» قال له: صدقت والله، لقد كنا غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم دعا كاتبه فقال: اكتب عهد عثمان بن حيان المرّي على المدينة، واعزل ابن حزم، واكتب بقبض أموال حزم وآل حزم وإسقاطهم أجمعين من الديوان، ولا يأخذوا لأموي عطاء أبدا. ففعل ذلك، فلم يزالوا في الحرمان للعطاء مع ذهاب الأموال والضياع، حتى انقضت دولة بني أمية وجاءت دولة بن العباس؛ فلما قام أبو جعفر المنصور بأمر الدولة، قدم عليه أهل المدينة، فجلس لهم، فأمر حاجبه أن يتقدم إلى كلّ رجل منهم أن ينتسب له إذا قام بين يديه؛ فلم يزالوا على ذلك يفعلون، حتى دخل عليه رجل قصير قبيح

стр. 1794

الوجه، فلما مثل بين يديه قال له: يا أمير المؤمنين، أنا ابن حزم الأنصاري الذي يقول فينا الأحوص: لا ترثين لحزميّ رأيت به ... ضرا ولو ألقي الحزميّ في النار الناخسين لمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار ثم قال: يا أمير المؤمنين، حرمنا العطاء منذ سنين، قبضت أموالنا وضياعنا فقال له المنصور: أعد عليّ البيتين. فأعادهما عليه، فقال: أما والله لئن كان ذلك ضرّكم في ذلك الحين لينفعنّكم اليوم! ثم قال: عليّ بسليمان الكاتب. فأتاه أبو أيوب الخوزي، فقال: اكتب إلى عامل المدينة أن يردّ جميع ما اقتطعه بنو أمية من ضياع بني حزم وأموالهم، ويحسب لهم ما فاتهم من عطائهم، وما استغلّ من غلاتهم من يومئذ إلى اليوم؛ فيخلف لهم جميع ذلك من ضياع بني مروان، ويفرض لكل واحد منهم في شرف العطاء- وكان شرف العطاء يومئذ مائتي ألف دينار في السنة- ثم قال: عليّ الساعة بعشرة آلاف درهم تدفع إلى هذا الفتى لنفقته. فخرج الفتى من عنده بما لم يخرج به أحد ممن دخل عليه. ذكر خلفاء بني العباس وصفاتهم ووزرائهم وحجابهم أبو العباس السفاح ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب مستهلّ رجب سنة أربع ومائة. وبويع له بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وتوفي بالأنبار لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر.

стр. 1795

وأمه ريطة بنت عبد الله بن عبد الله بن عبد المدان، وكان أبيض طويلا أقنى «١» الأنف حسن الوجه حسن اللحية جعدها. نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. وصلى عليه عمّه عيسى بن علي، ورزق من الولد اثنين: محمد، من أم ولد، ومات صغيرا؛ وابنة سماها ريطة، من أم ولد، تزوجها المهدي وأولدها عليا وعبيد الله. ووزر له أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال؛ وهو أول من لقب بالوزارة، فقتله أبو العباس واستوزر بعده بن برمك إلى آخر أيامه، وكان حاجبه أبو غسان صالح ابن الهيثم، وقاضيه يحيى بن سعيد الأنصاري. المنصور وبويع أبو جعفر المنصور. واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، في اليوم الذي توفي فيه أخوه، لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. وكان مولده بالشّراة «٢» لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس وتسعين؛ وتوفي بمكة قبل التّروية «٣» بيوم، لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو محرم، ودفن بالحجون «٤» ، وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس؛ وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثمانية أيام وكانت سنة ثلاثا وستين سنة. وأمّه أمة اسمها سلامة، وجنسها بربرية؛ وكان أسمر طوالا نحيف الجسم خفيف العارضين يخضب بالسواد، ونقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» .

стр. 1796

وتزوج أروى بنت منصور الحميرية، وولدت له: محمدا وهو المهدي ، وجعفرا وكانت شرطت عليه ألا يتزوج ولا يتسرّى «١» إلا عن أمرها، وكان قد ابتاع جاريته أم علي وجعلها قيّما في داره على أم موسى وأولادها، فحظيت عند أم موسى وسألته التسرّي بها لما رأت من فضلها، فواقعها فأولدها عليا، وتوفي قبل استكمال سنة؛ ثم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، فولدت له سليمان وعيسى ويعقوب، ورزق من أمهات الأولاد: صالحا والعالية وجعفرا والقاسم والعباس وعبد العزيز. ووزر له ابن عطية الباهلي، ثم أبو أيوب المورياني، ثم الربيع مولاه؛ وكان حاجبه عيسى بن روضة مولاه، ثم أبو الحصيب مولاه؛ وكان قاضيه عبد الله بن محمد بن صفوان، ثم شريك بن عبد الله، والحسن بن عمار، والحجاج بن أرطأة. المهدي ثم بويع ابنه أبو عبد الله محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، صبيحة اليوم الذي توفي فيه أبوه، لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة. وكان مولده بالجميمة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. وتوفي بماسبذان في المحرّم سنة تسع وستين ومائة، وصلى عليه ابنه الرشيد. فكانت خلافته عشر سنين وخمسة وأربعين يوما، وكان سنه إحدى وأربعين سنة وثمانية أشهر ويومين. وكان أسمر طويلا معتدل الخلق جعد الشعر بعينه اليمنى نكتة «٢» بياض، نقش خاتمه: «الله ثقة محمد وبه يؤمن» .

стр. 1797

وتزوّج ريطة بنت السفاح وأولدها عليا وعبيد الله. وأوّل جارية ابتاعها محياة، فرزق منها ولدا مات قبل استكمال سنة، وكان يبتاع الجواري باسمها وتقربهنّ إليه، وأول من حظي منهنّ عنده رحيم ولدت له العباسة ثم الخيزران فولدت له موسى وهارون والبانوقة، ثم حللة وحسنة، فكانتا مغنيتين محسنتين؛ وتزوج سنة تسع وخمسين ومائة أمّ عبد الله بنت صالح بن علي، أخت الفضل وعبد الله؛ وأعتق الخيزران في السنة وتزوجها. ووزر له أبو عبد الله معاوية بن عبد الله الأشعري، ثم يعقوب بن داود السلمي، ثم الفيض بن أبي صالح. واستحجب سلامان الأبرش، واستخلف على القضاء محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد؛ كانا يقضيان معا في مسجد الرصافة. الهادي ثم بويع ابنه أبو محمد موسى الهادي بن المهدي؛ مستهلّ صفر سنة تسع وستين ومائة. وتوفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعيساباذ «١» ؛ وصلى عليه أخوه الرشيد. وكانت خلافته سنة وشهرين إلا أياما، وكانت سنة ستا وعشرين سنة. وكان أبيض طويلا جسيما، بشفته العليا تقلّص. نقش خاتمه: «الله ربي» . وتزوج أمة العزيز فأولدها عيسى، ثم رحيم، فأولدها جعفرا، ثم سعوف فأولدها العباس، واشترى جاريته حسنة بألف درهم- وكانت شاعرة- فرزق منها عدّة بنات، منهم أم عيسى، تزوجها المأمون، وكان له من أمهات الأولاد: عبد الله، وإسحاق وموسى وكان أعمى.

стр. 1798

ووزر له الربيع بن يونس، ثم عمر بن بزيع؛ واستحجب الفضل بن الربيع. وولى القضاء: أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، في الجانب الغربي، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، بالجانب الشرقي. هارون الرشيد ثم بويع أخوه أبو محمد هارون الرشيد في اليوم الذي توفي فيه أخوه، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة. وفي هذه الليلة ولد عبد الله المأمون، ولم يكن في سائر الزمان ليلة ولد فيها خليفة وتوفي فيها خليفة وقام فيها خليفة غيرها. وكان مولد الرشيد في المحرّم سنة ثمان وأربعين ومائة. وتوفي في جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، ودفن بطوس «١» . وصلى عليه ابنه صالح. فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما، وكانت سنه ستا وأربعين سنة وخمسة أشهر؛ ولما أفضت إليه الخلافة سلم عليه عمه سليمان بن المنصور، والعباس بن محمد عم أبيه، وعبد الصمد بن علي عم جدّه؛ فعبد الصمد عم العباس، والعباس عم سليمان، وسليمان عم هارون. وكان الرشيد أبيض جسيما طويلا جميلا، وقد وخطه الشيب، نقش خاتمه: لا إله إلا الله. وخاتم آخر: كن من الله على حذر. وتزوج زبيدة، واسمها أمة العزيز، وتكنى أمّ الواحد، وزبيدة لقب لها؛ وهي ابنة جعفر بن المنصور، أولدها محمدا الأمين؛ ثم مراجل، فأولدها عبد الله المأمون؛ وماردة، أولدها محمدا المعتصم؛ ونادر ولدت له صالحا؛ وشجا؛ ولدت له خديجة

стр. 1799

ولبابة؛ وسريرة، ولدت محمدا، وبربرية، ولدت له أبا عيسى ثم القاسم، وهو المؤتمن، وسكينة؛ وحث، فولدت له إسحاق وأبا العباس. ووزر له جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وقتله، ثم الفضل بن الربيع؛ واستحجب بشر بن ميمون مولاه، ثم محمد بن خالد بن برمك؛ واستخلف على قضاء الجانب الغربي نوح بن دراج، وحفص بن غياث. الأمين ثم بويع أبو عبد الله محمد الامين في جمادي الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقتل يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة. وكان مولده بالرصافة سنة احدى وسبعين ومائة في شوّال؛ فكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأياما، ضفا له الامر من جملتها سنتين وشهرا، وكانت الفتنة بينه وبين أخيه سنتين. وكان طويلا جسيما جميلا حسن الوجه بعيد ما بين المنكبين اشقر سبطا صغير العينين، به أثر جدري، نقش خاتمة: «محمد واثق بالله» . ورزق من الولد موسى من أمّ ولد تدعى نظم. ولقبه: الناطق بالحق؛ وضرب اسمه على الدراهم. وذكر الصولي قال: حدثني من قرأ على درهم: كلّ عز ومفخر ... فلموسى المظفّر ملك خطّ ذكره ... في الكتاب المسطّر وماتت نظم فاشتدّ جزعه عليها، فدخلت زبيدة معزية له، فقالت: نفسي فداؤك لا يذهب بك التلف ... ففي بقائك ممّن قد مضى خلف عوّضت موسى فكانت كلّ مرزئة ... ما بعد موسى على مفقودة أسف

стр. 1800

وبايع لابنه موسى في حياته، ولاخيه عبد الله، وأمّه أمّ ولد، ونقش اسمه أيضا على الدراهم. وكان لجعفر بن موسى الهادي جارية اسمها بذل، فطلبها الامين منه فأبى عليه، وكان شديد الوجد بها؛ فزاره الامين يوما، فسر به وزاد عليه في الشرب حتى ثمل، فانصرف واخذ الجارية، فلما اصبح جعفر ندم على ما جرى ولم يدر ما يصنع فدخل على الامين، فلما مثل بين يديه، قال له: احسنت والله يا جعفر بدفعك بذل إلينا وما احسنّا. وأقر رزقه على عشرين الف الف درهم. ووزر للامين الفضل بن الربيع إلى اخر ايامه، وكان حاجبه العباس بن الفضل بن الربيع، ثم علي بن صالح صاحب المصلى، ثم السندي بن شاهك. المأمون ثم بويع أبو العباس عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بعد قتل أخيه، يوم الخميس لخمس خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان مولده بالياسرية «١» في ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة سبعين ومائة. وتوفي بالبذندون «٢» سنة ثماني عشرة ومائتين لثمان خلون من رجب، ودفن بطرسوس «٣» ؛ فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة اشهر وثلاثة عشر يوما، وكان سنه ثمانيا وأربعين سنة وأربعة اشهر إلا أياما. وكان أبيض تعلوه شقرة، أجنأ «٤» أعين، طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين، بخده خال أسود، وكان قد وخطه «٥» الشيب. نقش خاتمة. «سل الله يعطك» .

стр. 1801

وكان الرشيد حدّ المأمون. وذلك أنه دخل على الرشيد وعنده مغنية تغنيه، فلحنت، فكسر المأمون عينه عند استماعه اللحن، فتغير لون الجارية، وفطن الرشيد لذلك، فقال: اعلمتها بما صنعت؟ قال: لا والله يا مولاي! قال: ولا أو مأت إليها؟ قال: قد كان ذلك، فقال: كن مني بمرأى ومسمع، فإذا خرج إليك امري فانته اليه. ثم اخذ دواة وقرطاسا وكتب إليه: يا آخذ اللحن على آل ... قينة عند الطرب تريد أن تفهمها ... حدّ لغات العرب أقسم بالله وما ... سطر أهل الكتب للكلب خير أدبا ... من بعض أهل الادب إذا قرأت ما كتبت به اليك، فأمر من يضربك عشرين مقرعة «١» جيادا! فدعا المأمون النوابين ثم امرهم ببطحه وضربه، فامتنعوا، فأقسم عليهم؛ فامتثلوا أمره. ورزق من الولد محمدا الأصغر، وعبيد الله بن أم عيسى بنت موسى الهادي وتزوج بوران بنت الحسن بن سهل، بنى بها سنة عشر ومائتين، ووهب لابيها عشرة آلاف درهم، ولولده الف الف درهم؛ وكان له عدة اولاد من بنين وبنات ووزر له الفضل بن سهل ذو الرياستين ثم الحسن بن سهل، ثم احمد بن ابي خالد الاحول، ثم احمد بن يوسف، ثم ثابت بن يحيى، ثم محمد بن يزداد، واستحجب عبد الحميد بن شبيب، ثم محمدا وعليا ابني صالح مولى المنصور. المعتصم بالله ثم بويع اخوه ابو اسحق المعتصم بن الرشيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان مولده في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائة.

стр. 1802

وتوفي بسرّ من رأى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين، وصلى عليه ابنه هارون الواثق . وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر؛ وأمه وأمّ ولد يقال لها ماردة. وكان ابيض اصهب اللحية طويلها مربوعها مشرب اللون حمرة؛ نقش خاتمة: «الله ثقة ابي اسحاق بن الرشيد وبه يؤمن» ؛ وكان شديد البأس، حمل بابا من حديد فيه سبعمائة وخمسون رطلا وفوقه عكام «١» فيه مائتان وخمسون رطلا، وخطا خطا كثيرة؛ وكان يسمى ما بين أصبعي المعتصم: المقطرة «٢» ، لشدته؛ وانه اعتمد يوما على غلام فدقه، وذكر الصولي أنه كان يسمى المثمّن، وذلك أنه الثامن من خلفائهم. ومولده سنة ثمان وسبعين ومائة، وولي الامر في سنة ثمان عشرة ومائتين. ومات وله ثمان وأربعون سنة، وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية اشهر؛ ورزق من الولد الذكور ثمانية، ومن الإناث ثمانيا؛ وغزا ثمان غزوات وخلف في بيت ماله ثمانية آلاف دينار، ومن الورق ثمانية آلاف درهم. ووزر له الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمار، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، واستحجب وصيفا مولاه، ثم محمد بن حماد بن دنفش. الواثق ثم بويع ابنه أبو جعفر هارون الواثق، صبيحة اليوم الذي توفي فيه ابوه يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين. وكان مولده يوم الاثنين لعشرة بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة وتوفي بسرّ من رأى يوم الأربعاء لستّ بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين

стр. 1803

ومائتين، وصلى عليه اخوه المتوكل ، فكانت خلافته خمس سنين وتسعة اشهر وثلاثة عشر يوما وكانت سنّه ستا وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأياما. وكان ابيض الى الصفرة، حسن الوجه جسيما، في عينه اليمنى نكتة «١» بياض. نقش خاتمة: «محمد رسول الله» . وخاتم اخر: «الواثق بالله» . ورزق من الولد محمد المهتدي، وأمه وأم ولد يقال لها قرب؛ وعبد الله، وأبا العباس أحمد، وأبا اسحق محمدا، وابا اسحق ابراهيم. ووزر له محمد بن عبد الملك الزيات، وحاجبه اتاح، ثم وصيف مولاه، ثم ابن دنفش؛ وقاضيه ابن أبي داود. المتوكل ثم بويع اخوه ابو الفضل جعفر المتوكل يوم الاربعاء لست بقين من ذي الحجة اثنتين وثلاثين ومائتين. وكان مولده يوم الاربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ست ومائتين. وقتل ليلة الاربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ودفن في القصر الجعفري، وصلى عليه ابنه المنتصر ولي عهده؛ فكانت مدة خلافته اربع عشرة سنة وتسعة اشهر وتسعة ايام؛ وكان سنه أربعين سنة الا ثمانية ايام. وكان أسمر كبير العينين نحيف الجسم خفيف العارضين. نقش خاتمه: «على إلهي اتكالي» . وكان كثير الولد. وزر له محمد بن عبد الملك الزيات، ثم محمد بن الفضل الجرجاني، ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان، واستحجب وصيفا التركي، ثم محمد بن عاصم، ثم ابراهيم بن سهل؛ وكان خليفته على القضاء يحيى بن أكثم

стр. 1804

المنتصر ثم بويع ابنه أبو جعفر محمد المنتصر لاربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين. وكان مولده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الاخر سنة اثنتين وعشرين ومائتين. ومات ليلة السبت لثلاث خلون من ربيع الاخر سنة. ثمان وأربعين ومائتين. فكانت خلافته ستة أشهر، وسنه ستة وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام. وكان قصيرا اسمر ضخم الهامة «١» عظيم البطن جسيما، على عينه اليمنى أثر. نقش خاتمه: «يؤتى الحذر من مأمنه» ، وعلى خاتم آخر: «أنا من آل محمد، الله وليّ ومحمد» . ورزق من الولد عليا وعبد الوهاب وعبد الله واحمد. ووزر له احمد بن الخصيب، وحاجبه وصيف، ثم بغا، ثم ابن المرزبان، ثم أوتامش. المستعين ثم بويع المستعين أبو العباس احمد بن محمد المعتصم، يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين. وخلع نفسه- بموافقة المعتز بوساطة أبي جعفر المعروف بابن الكردية- يوم الجمعة لاربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة اشهر.

стр. 1805

وكان مولده يوم الثلاثاء لأربع خلون من رجب سنة احدى وعشرين ومائتين. وقتل بالقادسية بعد خلعه نفسه بتسعة اشهر، وأمه أم ولد يقال لها مخارق. وكان مربوعا، احمر الوجه، أشقر، مسمنا «١» ، عريض المنكبين، ضخم الكراديس «٢» ، خفيف العارضين، بوجهه أثر جدري، ألثغ بالسين، نقش خاتمه: «في الاعتبار غنى عن الاخبار» . وزر له احمد بن الخصيب فنكبه، وقلد مكانه ابن يزداد، ثم شجاع بن القاسم كاتب أتامش، وأتامش هذا حاجبه، وكانت سنه احدى وثلاثين سنة الا ثمانية ايام. المعتز ثم ولى أبو عبد الله بن المتوكل، يوم الجمعة لاربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكانت الفتنة قبل ذلك بينه وبين المستعين سنة. وقتل عشية يوم الجمعة لليلة خلت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وكان مولده يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الاخر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وكانت خلافته منذ بويع له، واجتمعت الكلمة عليه ثلاث سنين وستة اشهر وثلاثة وعشرين يوما، ومنذ بايعه أهل سرّ من رأى إلى ان قتل، اربع سنين وستة أشهر وخمسة عشر يوما، وقتله صالح بن وصيف. وكان أبيض شديد البياض، ربعة «٣» ، حسن الجسم، على خده الايسر خال اسود الشعر. نقش خاتمه: «الحمد لله رب كل شيء وخالق كل شيء» .

стр. 1806

وزر لهع جعفر بن محمود الإسكافي، ثم عيسى بن فرخان شاه، ثم احمد بن اسرائيل الانباري. وحاجبه سماء بن صالح بن وصيف. وكان سنه أربعا وعشرين سنة وشهرين وأياما. المهتدي ثم بويع المهتدي أبو عبد الله محمد بن الواثق بسرّ من رأى، يوم الاربعاء لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. كان مولده يوم الاحد لخمس خلون من شهر ربيع الاول سنة تسع عشرة ومائتين. وقتل بسرّ من رأى بسهم لحقه يوم الثلاثاء لأربعة عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين؛ فكانت خلافته احد عشر شهرا واربعة عشر يوما. وكانت سنه سبعا وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأحد عشر يوما. وكان أبيض مشربا حمرة، صغير العينين، أقنى الانف، في عارضيه شيب؛ وخضب لما ولي الخلافة. نقش خاتمه: «من تعدّى الحق ضاق مذهبه» . وزر له ابو ايوب سليمان بن وهب. وحاجبه باك باك. المعتمد ثم بويع أبو العباس احمد المعتمد بن المتوكل، يوم الثلاثاء لاربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين. وكان مولده يوم الثلاثاء لثمان بقين من المحرم سنة تسع وعشرين ومائتين. وتوفي ببغداد لاربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين؛

стр. 1807

فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة؛ وكان سنه خمسين وخمسة اشهر واثنين وعشرين يوما. ومات أخوه ووليّ عهده طلحة الموفق في أيامه، في صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين؛ وكان قد غلب على الامر لميل الناس اليه، وكان المعتمد قد عقد لولده جعفر- ولقبه المفوّض- وبعده لابي احمد طلحة الموفق، فاشتد امر الموفق وقتل صاحب الزنج في سنة سبعين ومائتين ومال الناس اليه واسمه الناصر لدين الله وكان يدعي له على المنبر في ايام المعتمد. وكان الموفق حبس ابنه أبا العباس المعتضد ، فلما حضرته الوفاة أطلقه للقيام بالأمر، وأجرى المعتمد امره على ما كان يجري عليه امر ابيه الموفق، وأفرده بولاية العهد، وامر بكتب الكتب لخلع ابنه المفوّض، وأفرد المعتضد بالعهد وجعله الخليفة بعده. وكان المعتمد اسمر مربوعا نحيف الجسم حسن العينين مدوّر الوجه، على وجهه أثر جدري. نقش خاتمه: «السعيد من كفي بغيره» . ووزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم سليمان بن وهب، ثم الحسن بن مخلد، ثم صاعد بن مخلد، ثم أبو الصقر اسماعيل بن بلبل. حاجبه موسى بن بغا، ثم جعفر بن بغا، ثم بكتمر المعتضد بويع المعتضد ابو العباس احمد بن الموفق في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. وكان مولده في جمادي الآخرة سنة ثلاث واربعين ومائتين، وتوفي ببغداد ليلة الثلاث لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وصلى عليه ابو عمر القاضي.

стр. 1808

فكانت خلافته تسع سنين وتسعة اشهر وأربعة ايام؛ وكان سنه خمسا وأربعين سنة وتسعة أشهر وأياما. وأمه ضرار، وكان نحيف الجسم معتدل القامة طويل اللحية اسمر. نقش خاتمه: «الاضطرار يزيل الاختيار» . ووزر له عبيد الله بن سليمان بن وهب؛ ثم ابنه القاسم بن عبيد الله. وحاجبه صالح الأمين المكتفي ثم بويع ابنه أبو محمد علي بن المعتضد يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين. وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين. وتوفي ببغداد فدفن عند قبر ابيه ليلة الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وعشرين يوما؛ وكان سنه احدى وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأياما. وأمه جيجق، وقيل خاضع. وكان ربعة حسن الوجه أسود الشعر وافر اللحية عريضها، ولم يشب إلى ان مات. نقش خاتمه: «بالله علي بن أحمد يثق» . وخلّف في بيت ماله [من الذهب] ستة عشر ألف ألف دينار، ومن الورق ثلاثين ألف ألف درهم.

стр. 1809

ووزر له القاسم بن عبيد الله، ثم العباس بن الحسن، ثم الحسن بن أيوب. وحاجبه خفيف السّمرقندي، ثم سوسن مولاه. المقتدر ثم بويع المقتدر وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد في اليوم الذي توفي فيه أخوه يوم الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وخلع في خلافته دفعتين: الاولى بعد جلوسه بأربعة أشهر وأيام، بابن المعتز، وبطل الامر من يومه؛ والدفعة الثانية بعد احدى وعشرين سنة وشهرين ويومين من خلافته، وخلع نفسه وأشهد عليه، وأجلس القاهر يومين وبعض اليوم الثالث، ووقع الخلف بين العسكرين وعاد المقتدر إلى حاله. وكان مولده لثمان بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وقتل بالشماسية «١» يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. فكانت خلافته خمسا وعشرين سنة الا خمسة عشر يوما، وكانت سنة ثمانيا وثلاثين سنة وشهرا وعشرين يوما. وكان أبيض مشربا بحمرة، حسن الخلق، ضخم الجسم، بعيد ما بين المنكبين جعد الشعر، مدوّر الوجه، قد كثر الشيب في وجهه. نقش خاتمه: «الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو على كل شيء قدير» . ووزر له العباس بن الحسن، ثم علي بن محمد بن موسى بن الفرات، ثم عبيد الله بن خاقان، ثم ابو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم حامد بن العباس، ثم احمد بن عبيد الله الخصيبي، ثم محمد بن علي بن مقلة، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، ثم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، ثم الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن

стр. 1810

وهب، ثم الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات. واستحجب سوسنا، مولى المكتفي، ونصرا القشوري، وياقوتا المعتضدي، وإبراهيم ومحمدا، ابني رائق. القاهر ثم بويع اخوه ابو منصور محمد القاهر بن المعتضد يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. وخلع وسمل «١» يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادي الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وكان مولده لخمس خلون من جمادي الاولى سنة سبع وثمانين ومائتين. وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة ايام وعاش الى ايام المطيع، وكانت سنة. ............ «٢» وكان ربعة أسمر اللون، معتدل القامة، اصهب «٣» الشعر. ووزر له أبو علي محمد بن مقلة، ثم محمد بن القاسم بن عبيد الله، بن أحمد بن عبيد الله الخصيبي. واستحجب علي بن يلبق مولى يونس، ثم سلامة الطولوني. الراضي ثم بويع الراضي ابو العباس احمد بن المقتدر يوم الاربعاء لست خلون من جمادي الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.

стр. 1811

وكان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومائتين. ومات في بغداد ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الاول من سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ودفن بالرّصافة. وكانت خلافته ست سنين وثمانية أشهر وعشرة ايام، وكانت سنة احدى وثلاثين سنة وثمانية أشهر وأياما. وأمه أم ولد يقال لها ظلوم؛ وكان قصير القامة نحيف الجسم اسود الشعر رقيق السمرة في وجهه طول. نقش خاتمه: «محمد رسول الله» . ووزر له ابو علي محمد بن مقلة، ثم ابنه ابو الحسين علي بن محمد، ثم عبد الرحمن ابن عيسى بن داود بن الجراح، ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم سليمان بن الحسن بن محمد بن الجراح، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم ابو عبيد الله احمد بن محمد اليزيديّ. استحجب محمد بن ياقوت؛ ثم دكيا مولاه. المتقي ثم بويع اخوه المتقي ابو اسحاق ابراهيم بن المقتدر، يوم الاربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الاول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وخلع وسمل يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكان مولده في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين. وكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا إلا أياما

стр. 1812

وكان ابيض تعلوه حمرة، اصهب شعر اللحية، كث اللحية، بفكه الادنى عوج نقش خاتمه: «محمد رسول الله» . ووزر له احمد بن محمد بن ميمون، ثم اليزيدي، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم ابو اسحاق محمد بن احمد القراريطي. ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم احمد بن عبد الله الاصبهاني، ثم علي بن محمد بن مقلة. واستحجب سلامة مولي خمارويه بن أحمد الطولونيّ، ثم بدرا الخرشني، ثم عبد الرحمن بن أحمد بن خاقان المفلحي. المستكفي ثم بويع أبو القاسم عبد الله بن المستكفي في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بالسندية «١» عقيب كسوف القمر. وخلع في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فكانت خلافته سنة واحدة وستة اشهر واياما. كان مولده مستهل سنتة اثنتين وتسعين ومائتين. وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكانت سنه سبعا وأربعين سنة، وأمّه أم ولد يقال لها غصن، وكان أبيض تعلوه حمرة، ضخم الجسم، تام الطول، خفيف العارضين كبير العينين؛ أشهل «٢» ، جهوري الصوت. نقش خاتمه «محمد رسول الله» . وزر له محمد بن علي السر من رائيّ. واستكتب بعده أبا أحمد الفضل بن عبد الله الشيرازي. واستحجب أحمد بن حاقان.

стр. 1813

المطيع ثم بويع المطيع ابو القاسم الفضل بن المقتدر لسبع بقين من شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وخلع نفسه ببغداد لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وكان مولده في النصف من ذي القعدة سنة احدى وثلاثمائة وتوفي في ... «١» فكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وثلاثة اشهر وعشرين يوما. وأمه أم ولد تدعى مشعلة. وكان سنه.... «٢» . وكان شديد البياض أسود شعر الرأس واللحية. وزر له على بن محمد بن مقلة، والناظر في الامور ابو جعفر الضيمري كاتب احمد بن بويه، ثم استولى على اسم الوزارة؛ وكتب للمطيع الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي، ومات، وقام مقامه ابو محمد الحسن بن محمد المهلبي. وحاجبه عز الدولة بختيار بن معز الدولة. تم الجزء الخامس من العقد الفريد لابن عبد ربه ويليه- إن شاء الله- الجزء السادس وأوله: كتاب الدرة الثانية، في ايام العرب ووقائعها

стр. 1814

الجزء السادس كتاب الدرّة الثانية في أيام العرب ووقائعهم قال الفقيه ابو عمر احمد بن محمد بن عبد ربه ﵁: قد مضى قولنا في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في أيام العرب ووقائعهم، فإنها مآثر الجاهلية، ومكارم الاخلاق السنية. قيل لبعض أصحاب رسول الله ﷺ : ما كنتم تتحدثون به اذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليتنا. وقال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية: الا ترى ان عنترة الفوارس جاهلي لا دين له، والحسن بن هانيء إسلامي له دين، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانىء دينه، فقال عنترة في ذلك: وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها وقال الحسن بن هانىء مع اسلامه: كان الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أتيت حليلة البعل «١»

стр. 1815

حروب قيس في الجاهلية يوم منعج «١» : لغنيّ على عبس قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يوم منعج يقال له يوم الرّدهة «٢» ، وفيه قتل شاس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بمنعج على الردهة، وذلك أنّ شاس ابن زهير أقبل من عند النعمان بن المنذر، وكان قد حباه بحباء جزيل، وكان فيما حباه قطيفة «٣» حمراء ذات هدب، وطيلسان وطيب. فورد منعج وهو ماء لغنيّ، فأناخ راحلته الى جانب الردهة وعليها خباء لرياح بن الأسل الغنوى، وجعل يغتسل وامرأة رياح تنظر إليه وهو مثل الثور الابيض، فانتزع «٤» له رياح سهما فقتله، ونحر ناقته فأكلها، وضم متاعه، وغيّب أثره. وفقد شاس بن زهير حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ، فقد سامتها امرأة رياح بن الأسل، فعلموا أنّ رياحا صاحب ثأرهم، فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا «٥» أودية، مع الحصين بن زهير بن جذيمة، والحصين بن أسيد بن جذيمة، فلما بلغ ذلك غنيّا قالوا لرياح: انج لعلنا نصالح القوم على شيء فخرج رياح رديفا لرجل من بني كلاب، لا يريان إلا أنهما قد خالفا وجهة القوم، فمرّ صرد «٦» على رؤسهما فصرصر «٧» ، فقال: ما هذا؟ فما راعهما إلا خيل بني عبس، فقال الكلابي لرياح: انحدر من خلفي والتمس نفقا في الأرض، فإني شاغل القوم عنك. فانحدر رياح عن عجز الجمل، حتى أتى صعدة «٨» فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه، ومضى صاحبه، فسألوه فحدّثهم، وقال: هذه غنيّ جامعة، وقد استمكنتم منهم. فصدّقوه وخلوا سبيله، فلما ولى رأوا مركب الرجل خلفه، فقالوا: من الذي كان خلفك؟ فقال: لا أكذب، رياح بن الأسل، وهو في تلك

стр. 1816

الصّعدات. فقال الحصينان لمن معهما: قد امكننا الله من ثأرنا، ولا نريد أن يشركنا فيه أحد. فوقفوا عنهما، ومضيا فجعلا يريغان رياح بن الأسل بالصّعدات، فقال لهما رياح: هذا غزالكما الذي تريغانه «١» . فابتدراه، فرمى أحدهما بسهم فأقصده «٢» ، وطعنه الآخر قبل أن يرميه فأخطأه، ومرت به الفرس، واستدبره رياح بسهم فقتله، ثم نجا حتى أتى قومه، وانصرفوا خائبين موتورين «٣» ، وفي ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدي، وكان له أمّان من غنيّ: أنا ابن غنّى والدي ... لأمين منهم في الفروع وفي الأصل هم استودعوا زهرا بسيب بن سالم ... وهم عدلوا بين الحصينين بالنّبل وهم قتلوا شاس الملوك وأرغموا ... أباه زهيرا بالمذلّة والثّكل «٤» يوم النفراوات: لبني عامر على بني عبس فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، وكانت هوازن تؤدّي إليه إتاوة، وهي الخراج، فأتته يوما عجوز من بني نصر بن معاوية بسمن في نحي «٥» واعتذرت إليه وشكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعسها «٦» بقوس في يده عطل في صدرها، فاستلقت على قفاها منكشفة، فتألّى خالد بن جعفر، وقال: والله لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يقتل أو أقتل! وكان زهير عدوسا مقداما لا يبالي ما أقدم عليه، فاستقل- أي انفرد من قومه- بابنيه وبني أخويه أسيد وزنباع، يرعى الغيث في عشراوات «٧» له وشول «٨» فأتاه الحارث بن الشّريد، وكانت تماضر بنت الشريد تحت زهير، فلما عرف الحارث مكانه أنذر بني عامر بن صعصعة، رهط خالد

стр. 1817

ابن جعفر، فركب منهم ستة فوارس، فيهم خالد بن جعفر، وصخر بن الشريد، وحندج بن البكّاء، ومعوية بن عبادة بن عقيل، فارس الهزاز، ويقال لمعاوية: الأخيل، وهو جد ليلى الأخيلية، وثلاثة فوارس من سائر بني عامر، فقال أسيد لزهير: أعلمتني راعية غنمي أنها رأت على رأس الثنية أشباحا، ولا أحسبها إلا خيل بني عامر، فالحق بنا بقومنا. فقال زهير: «كلّ أزبّ «١» نفور» وكان أسيد أشعر القفا. فذهبت مثلا، فتحمل أسيد بمن معه، وبقي زهير وابناه: ورقاء، والحارث، وصبّحتهم الفوارس، فتمرّدت بزهير فرسه القعساء، ولحقه خالد ومعاوية الأخيل، فطعن معوية القعساء، فقلبت زهيرا، وخرّ خالد فوقه فرفع المغفر عن رأس زهير، وقال: يا آل عامر، أقبلوا جميعا! فأقبل معاوية فضرب زهيرا على مفرق رأسه ضربة بلغت الدّماغ، وأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا وعليه درعان، فلم يغن شيئا، وأجهض «٢» ابنا زهير القوم عن زهير، واحتملاه وقد اثخنته الضربة، فمنعوه الماء، فقال: أميت أنا عطشا! اسقوني الماء وإن كان فيه نفسي! فسقوه فمات بعد ثلاثة ايام، فقال في ذلك ورقاء بن زهير: رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر «٣» إلى بطلين ينهضان كلاهما ... يريدان نصل السيف والسيف نادر «٤» فشلّت يميني يوم أضرب خالدا ... يمنعه مني الحديد المظاهر فياليت أني قبل أيام خالد ... ويوم زهير لم تلدني تماضر لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني ... فماذا الذي ردّت عليك البشائر وقال خالد بن جعفر في قتله زهيرا: بل كيف تكفرني هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربّهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا «٥»

стр. 1818

وجعلت مهر بناتهم ... عقل الملوك هجائنا ولكارا «١» يوم بطن عاقل: لذبيان علي عامر فيه قتل خالد بن جعفر ببطن عاقل «٢» ، وذلك أنّ خالدا قدم الأسود بن المنذر، أخي النعمان بن المنذر، ومع خالد عروة الرّحال بن عتبة بن جعفر، فالتقى خالد بن جعفر والحارث بن ظالم بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، عند الأسود بن المنذر، قال: فدعا لهما الأسود بتمر، فجيء به على نطع «٣» فجعل بين أيديهم، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم: يا حارث، ألا تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهيرا وتركتك سيدهم؟ قال: سأجزيك شكر ذلك! فلما خرج الحرث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تحترش بهذا الكلب وأنت ضيفي؟ فقال له خالد إنما هو عبد من عبيدي، لو وجدني نائما ما أيقظني! وانصرف خالد إلى قبته، فلامه عروة الرحال، ثم ناما وقد أشرجت «٤» عليهما القبة، ومع الحرث تبيع له من بني محارب يقال له خراش، فلما هدأت العيون أخرج الحرث ناقته وقال لخراش: كن لي بمكان كذا، فإن طلع كوكب الصبح ولم آتك فانظر أي البلاد أحبّ إليك فاغمد لها. ثم انطلق الحرث حتى أتى قبة خالد، فهتك شرجها ثم ولجها «٥» ، وقال لعروة: اسكت فلا بأس عليك. وزعم أبو عبيدة أنه لم يشعر به حتى أتى خالدا وهو نائم فقتله، ونادى عروة عند ذلك: واجوار الملك! فأقبل إليه الناس، وسمع الهتاف الاسود بن المنذر وعنده امرأة من بني عامر، يقال لها المتجردة، فشقت جيبها وصرخت وفي ذلك يقول عبد الله بن جعدة: شقّت عليك العامريّة جيبها ... أسفا وما تبكي عليك ضلالا

стр. 1819

يا حار لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعشا ولا معزالا «١» واغرورقت عيناي لما أخبرت ... بالجعفريّ وأسبلت إسبالا «٢» فلنقتلنّ عيناي لما أخبرت ... بالجعفريّ وأسبلت إسبالا «٣» فلنقتلنّ بخالد سرواتكم ... ولنجعلن للظالمين نكالا «٤» فإذا رأيتم عارضا متهللا ... منّا فإنا لا نحاول مالا «٥» يوم رحرحان «٦» : لعامر على تميم قال: وهرب الحرث بن ظالم ونبت به البلاد فلجأ إلى معبد بن زرارة- وقد هلك زرارة- فأجاره؟ فقالت بنو تميم لمعبد: مالك آويت هذا المشئوم الأنكد وأغريت بنا الاسود وخذلوه، غير بني دماويّة، وبني عبد الله بن دارم، وفي ذلك يقول لقيط بن زرارة: فأمّا نهشل وبنو نعيم ... فلم يصبر لنا منهم صبور فإن تعمد طهية في أمور ... تجدها ثمّ ليس لها نصير «٧» ويربوع بأسفل ذي طلوع ... وعمرو لا تحلّ ولا تسير «٨» أسيد والهجيم لها حصاص ... وأقوام من الجعراء عور «٩» وأسلبنا قبائل من تميم ... لها عدد إذا حسبوا كثير وأمّا الآثمان بنو عديّ ... وتيم إذ تدبّرت الأمور فلا تنعم بهم فتيان حرب ... إذا ما الحيّ صبّحهم نذير إذا ذهبت رماحهم بزيد ... فإنّ رماح تيم لا تضير

стр. 1820

قال: وبلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب، مكان الحارث بن ظالم عند معبد فأغزا معبدا، فالتقوا برحرحان، فانهزمت بنو تميم، وأسر معبد بن زرارة، أسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب فوفد لقيط بن زرارة عليهم في فدائه، فقال لهما: لكما عندي مائتا بعير. فقالا: يا أبا نهشل، أنت سيد الناس وأخوك معبد سيد مضر، فلا نقبل فيه إلا دية ملك! فأبى أن يزيدهم، وقال لهم: إن أبانا أوصانا أن لا نزيد أحدا في ديّته على مائتي بعير. فقال معبد للقيط: لا تدعني يا لقيط! فوالله لئن تركتني لا تراني بعدها أبدا! قال: صبرا أبا القعقاع، فأين وصاة أبينا ان لا تؤكلوا العرب أنفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم، فتذوب بكم ذؤبان العرب؟ «١» . ورحل لقيط عن القوم، قال: فمنعوا معبد الماء وضارّه حتى مات هزالا. وقيل: أبي معبد أن يطعم شيئا أو يشرب حتى مات هزالا، ففي ذلك يقول عامر ابن الطفيل: قضينا الحزن من عبس وكانت ... منيّة معبد فينا هزالا وقال جرير: وليلة وادي رحرحان فررتم ... فرارا ولم تلووا زفيف النّعائم «٢» تركتم أبا القعقاع في الغلّ مصفدا ... وأيّ أخ لم تسلموا في الأداهم «٣» وقال: وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحوا بناتكم بغير مهور يوم شعب جبلة «٤» : لعامر وعبس على ذبيان وتميم قال أبو عبيدة: يوم شعب جبلة أعظم أيام العرب، وذلك أنه لما انقضت وقعة

стр. 1821

رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر، وألّب عليهم، وبين أيام رحرحان ويوم جبلة سنة كاملة. وكان يوم شعب جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة، وهو عام ولد النبي ﷺ ، وكانت بنو عبس يومئذ في بني عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بني ذبيان لعداوتهم لبني عبس من أجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلها غير بني بدر، وتجمعت لهم تميم كلها غير بني سعد، وخرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان، حتى أتى لقيط الجون الكلبي، وهو ملك هجر «١» ، وكان يحيى من بها من العرب، فقال له: هل لك في قوم عادين قد ملأوا الأرض نعما وشاء فترسل معي ابنيك، فما أصبنا من مال وسبي فلهما، وما أصبنا من دم فلي؟ فأجابه الجون إلى ذلك، وجعل له موعدا رأس، الحول، ثم أتى لقيط النعمان بن المنذر فاستنجده وأطمعه في الغنائم، فأجابه، وكان لقيط وجيها عند الملوك، فلما كان على قرن الحول «٢» من يوم رحرحان. انهلّت الجيوش إلى لقيط، وأقبل سنان بن أبي حارثة المرّي في غطفان، وهو والد هرم بن سنان الجواد، وجاءت بنو أسد، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا، وأرسل النعمان أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبيّ، فلما توافوا خرجوا إلى بني عامر وقد أنذروا بهم وتأهبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ رحا هوازن «٣» ، لقيس بن زهير: ما ترى، فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلا وجدت في أحدهما الفرج؟ فقال قيس بن زهير: الرأي أن نرتجل بالعيال والأموال حتى ندخل شعب جبلة، فنقاتل القوم دونها من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشعب «٤» ، وإن لقيطا رجل فيه طيش، فسيقتحم عليك الجبل، فأرى لك أن تأمر بالإبل فلا ترعى ولا تسقى وتعقل «٥» ، ثم تجعل الذراري «٦» وراء ظهورنا، وتأمر

стр. 1822

الرجال فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشعب حلّت الرجالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها، فإنها تنحدر عليهم وتحن إلى مرعاها ووردها ولا يردّ وجوهها شيء، وتخرج الفرسان في أثر الرجالة الذين خلف الإبل، فإنها تحطم ما لقيت، وتقبل عليهم الخيل وقد حطموا من عل! قال الاحوص: نعم ما رأيت! فأخذ برأيه، ومع بني عامر يومئذ بنو عبس وغني في بني كلاب، وباهلة في بني كعب، والأبناء ابناء صعصعة، وكان رهط المعقر البارقي يومئذ في بني نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلها فيهم غير قسر. قال أبو عبيدة: وأقبل لقيط والملوك ومن معهم، فوجدوا بني عامر قد دخلوا شعب جبلة، فنزلوا على فم الشّعب، فقال لهم رجل من بني أسد: خذوا عليهم فم الشعب حتى يعطشوا ويخرجوا، فوالله ليتساقطنّ عليكم تساقط البعر من أست البعير! فأتوا حتى دخلوا الشعب عليهم وقد عقلوا الإبل وعطشوها ثلاثة اخماس «١» ، وذلك اثنتا عشر ليلة، ولم تطعم شيئا، فلما دخلوا حلوا عقلها، فأقبلت تهوي، فسمع القوم دويّها في الشعب، فظنوا أن الشعب قد هدم عليهم، والرجالة في أثرها آخذين بأذنابها، فدقّت كل ما لقيت، وفيها بعير أعور يتلوه غلام أعسر «٢» آخذ بذنبه وهو يرتجز ويقول: أنا الغلام الاعسر ... الخير فيّ والشرّ والشرّ فيّ أكثر فانهزموا لا يلوون على أحد، وقتل لقيط بن زرارة، وأسر حاجب بن زرارة أسره ذو الرّقيبة، وأسر سنان بن أبي حارثة المري أسره عروة الرحال، فجز ناصيته «٣» وأطلقه فلم تشنه، وأسر عمرو بن عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق فجزّ

стр. 1823

ناصيته وخلاه طمعا في المكافأة، فلم يفعل، وقتل معاوية بن الجون، ومنقذ ابن طريف الأسدي، ومالك بن ربعي بن جندل بن نهشل، فقال جرير: كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا ... وعمرو بن عمر إذ دعا يالدارم ويوم الصّفا كنتم عبيدا لعامر ... وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم «١» يعني بالحزن: يوم الوقيط. وقال جرير أيضا في بني دارم: ويوم الشّعب قد تركوا لقيطا ... كأن عليه حلة أرجوان وكبّل حاجب بشمام حولا ... فحكّم ذا الرّقيبة وهو عان «٢» وقالت دختنوس بنت لقيط ترثي لقيطا: قزت بنو أسد وخ ... رّ الطير عن أربابها عن خير خندف كلّها ... من كهلها وشبابها وأتمّها حسبا إذا ... نصّت إلى أحسابها وقال المعقر البارقي: أمن آل شعثاء الحمول البواكر ... مع الصّبح أم زالت قبيل الأباعر وحلّت سليمى في هضاب وأيكة ... فليس عليها يوم ذلك قادر وألقت عصاها واستقرت بها النّوى ... كما قرّ عينا إذا بالإياب المسافر «٣» وصبّحها أملاكها بكتيبة ... عليها إذا أمست من الله ناظر معاوية بن الجون ذبيان حوله ... وحسّان في جمع الرّباب مكاثر وقد زحفت دودان تبغي لثأرها ... وجاشت تميم كالفحول تخاطر وقد جمعوا جمعا كأنّ زهاءه ... جراد هفا في هبوة متطاير «٤» فمروا بأطناب البيوت فردّهم ... رجال بأطناب البيوت مساعر «٥»

стр. 1824

فباتوا لنا ضيفا وبتنا بنعمة ... لنا مسمعات بالدفّوف وزامر فلم نقرهم شيئا ولكن قراهم ... صبوح لدينا مطلع الشّمس حازر «١» وصبّحهم عند الشروق كتائب ... كأركان سلمى سيرها متواتر كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... وأعينهم تحت الحبيك خوازر «٢» من الضاربين الهام يمشون مقدما ... إذا غصّ بالرّيق القليل الحناجر أظنّ سراة القوم أن لن يقاتلوا ... إذا دعيت بالسفح عبس وعامر ضربنا حببك البيض في غمر لجّة ... فلم ينج في الناجين منهم مفاخر هوى زهدم تحت العجاج لعامر ... كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسر «٣» يفرّج عنا كلّ ثغر نخافه ... مسحّ كسرحان الفصيمة ضامر «٤» وكل طموح في العنان كأنها ... إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر «٥» لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر «٦» تخاف نساء يبتززن حليلها ... محرّبة قد أحردتها الضّرائر «٧» استعار هذا البيت «فألقت عصاها» من المعقر البارقي. إذ كان مثلا في الناس- راشد بن عبد ربه السّلمى، وكان رسول الله ﷺ قد استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد ابن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء، فقال راشد بن عبد ربه: صحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردّت عليه تبتغيه تمّاضر «٨»

стр. 1825

وحلمه شيب القذال عن الصّبا ... وللشيب عن بعض الغواية زاجر «١» فأقصر جهلي اليوم وآرتدّ باطلي ... عن اللهو لمّا آبيضّ مني الغدائر على أنه قد هاجه بعد صحوة ... بمعرض ذي الآجام عس بواكر «٢» ولما دنت من جانب الغوط أخصبت ... وحلّت فلاقاها سليم وعامر وخبّرها الركبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣» فاستعار هذا البيت الأخير من المعقر البارقي، ولا أحسبه استجاز ذلك إلا لاستعمال العامة له وتمثلهم به. يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة «٤» قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي، أتى صديقا له من كندة فالتف عليه، فطلبه الملك فخفى ذكره حتى شخص من عند الكندي، وأضمرته «٥» البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم، فإنه لا طاقة لنا بالشهباء ودوسر- وهما كتيبتان للأسود بن المنذر- ولا بمحاربة الملك فأبت ذلك عليهم عجل، فلما رأى ذلك الحارث بن ظالم كره أن تقع بينهم فتنة بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء، فأجاروه، فقال في ذلك: لعمري لقد حلّت بي اليوم ناقتي ... على ناصر من طيّىء غير خاذل فأصبحت جارا للمجرّة فيهم ... على باذخ يعلو يد المتطاول «٦» إذا أجا لفّت عليّ شعابها ... وسلمى فأنّى أنتم من تناولي «٧»
следующие страницы →