← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر، وألّب عليهم، وبين أيام رحرحان ويوم جبلة سنة كاملة. وكان يوم شعب جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة، وهو عام ولد النبي ﷺ ، وكانت بنو عبس يومئذ في بني عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بني ذبيان لعداوتهم لبني عبس من أجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلها غير بني بدر، وتجمعت لهم تميم كلها غير بني سعد، وخرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان، حتى أتى لقيط الجون الكلبي، وهو ملك هجر «١» ، وكان يحيى من بها من العرب، فقال له: هل لك في قوم عادين قد ملأوا الأرض نعما وشاء فترسل معي ابنيك، فما أصبنا من مال وسبي فلهما، وما أصبنا من دم فلي؟ فأجابه الجون إلى ذلك، وجعل له موعدا رأس، الحول، ثم أتى لقيط النعمان بن المنذر فاستنجده وأطمعه في الغنائم، فأجابه، وكان لقيط وجيها عند الملوك، فلما كان على قرن الحول «٢» من يوم رحرحان. انهلّت الجيوش إلى لقيط، وأقبل سنان بن أبي حارثة المرّي في غطفان، وهو والد هرم بن سنان الجواد، وجاءت بنو أسد، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا، وأرسل النعمان أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبيّ، فلما توافوا خرجوا إلى بني عامر وقد أنذروا بهم وتأهبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ رحا هوازن «٣» ، لقيس بن زهير: ما ترى، فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلا وجدت في أحدهما الفرج؟ فقال قيس بن زهير: الرأي أن نرتجل بالعيال والأموال حتى ندخل شعب جبلة، فنقاتل القوم دونها من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشعب «٤» ، وإن لقيطا رجل فيه طيش، فسيقتحم عليك الجبل، فأرى لك أن تأمر بالإبل فلا ترعى ولا تسقى وتعقل «٥» ، ثم تجعل الذراري «٦» وراء ظهورنا، وتأمر

стр. 1822

الرجال فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشعب حلّت الرجالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها، فإنها تنحدر عليهم وتحن إلى مرعاها ووردها ولا يردّ وجوهها شيء، وتخرج الفرسان في أثر الرجالة الذين خلف الإبل، فإنها تحطم ما لقيت، وتقبل عليهم الخيل وقد حطموا من عل! قال الاحوص: نعم ما رأيت! فأخذ برأيه، ومع بني عامر يومئذ بنو عبس وغني في بني كلاب، وباهلة في بني كعب، والأبناء ابناء صعصعة، وكان رهط المعقر البارقي يومئذ في بني نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلها فيهم غير قسر. قال أبو عبيدة: وأقبل لقيط والملوك ومن معهم، فوجدوا بني عامر قد دخلوا شعب جبلة، فنزلوا على فم الشّعب، فقال لهم رجل من بني أسد: خذوا عليهم فم الشعب حتى يعطشوا ويخرجوا، فوالله ليتساقطنّ عليكم تساقط البعر من أست البعير! فأتوا حتى دخلوا الشعب عليهم وقد عقلوا الإبل وعطشوها ثلاثة اخماس «١» ، وذلك اثنتا عشر ليلة، ولم تطعم شيئا، فلما دخلوا حلوا عقلها، فأقبلت تهوي، فسمع القوم دويّها في الشعب، فظنوا أن الشعب قد هدم عليهم، والرجالة في أثرها آخذين بأذنابها، فدقّت كل ما لقيت، وفيها بعير أعور يتلوه غلام أعسر «٢» آخذ بذنبه وهو يرتجز ويقول: أنا الغلام الاعسر ... الخير فيّ والشرّ والشرّ فيّ أكثر فانهزموا لا يلوون على أحد، وقتل لقيط بن زرارة، وأسر حاجب بن زرارة أسره ذو الرّقيبة، وأسر سنان بن أبي حارثة المري أسره عروة الرحال، فجز ناصيته «٣» وأطلقه فلم تشنه، وأسر عمرو بن عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق فجزّ

стр. 1823

ناصيته وخلاه طمعا في المكافأة، فلم يفعل، وقتل معاوية بن الجون، ومنقذ ابن طريف الأسدي، ومالك بن ربعي بن جندل بن نهشل، فقال جرير: كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا ... وعمرو بن عمر إذ دعا يالدارم ويوم الصّفا كنتم عبيدا لعامر ... وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم «١» يعني بالحزن: يوم الوقيط. وقال جرير أيضا في بني دارم: ويوم الشّعب قد تركوا لقيطا ... كأن عليه حلة أرجوان وكبّل حاجب بشمام حولا ... فحكّم ذا الرّقيبة وهو عان «٢» وقالت دختنوس بنت لقيط ترثي لقيطا: قزت بنو أسد وخ ... رّ الطير عن أربابها عن خير خندف كلّها ... من كهلها وشبابها وأتمّها حسبا إذا ... نصّت إلى أحسابها وقال المعقر البارقي: أمن آل شعثاء الحمول البواكر ... مع الصّبح أم زالت قبيل الأباعر وحلّت سليمى في هضاب وأيكة ... فليس عليها يوم ذلك قادر وألقت عصاها واستقرت بها النّوى ... كما قرّ عينا إذا بالإياب المسافر «٣» وصبّحها أملاكها بكتيبة ... عليها إذا أمست من الله ناظر معاوية بن الجون ذبيان حوله ... وحسّان في جمع الرّباب مكاثر وقد زحفت دودان تبغي لثأرها ... وجاشت تميم كالفحول تخاطر وقد جمعوا جمعا كأنّ زهاءه ... جراد هفا في هبوة متطاير «٤» فمروا بأطناب البيوت فردّهم ... رجال بأطناب البيوت مساعر «٥»

стр. 1824

فباتوا لنا ضيفا وبتنا بنعمة ... لنا مسمعات بالدفّوف وزامر فلم نقرهم شيئا ولكن قراهم ... صبوح لدينا مطلع الشّمس حازر «١» وصبّحهم عند الشروق كتائب ... كأركان سلمى سيرها متواتر كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... وأعينهم تحت الحبيك خوازر «٢» من الضاربين الهام يمشون مقدما ... إذا غصّ بالرّيق القليل الحناجر أظنّ سراة القوم أن لن يقاتلوا ... إذا دعيت بالسفح عبس وعامر ضربنا حببك البيض في غمر لجّة ... فلم ينج في الناجين منهم مفاخر هوى زهدم تحت العجاج لعامر ... كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسر «٣» يفرّج عنا كلّ ثغر نخافه ... مسحّ كسرحان الفصيمة ضامر «٤» وكل طموح في العنان كأنها ... إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر «٥» لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر «٦» تخاف نساء يبتززن حليلها ... محرّبة قد أحردتها الضّرائر «٧» استعار هذا البيت «فألقت عصاها» من المعقر البارقي. إذ كان مثلا في الناس- راشد بن عبد ربه السّلمى، وكان رسول الله ﷺ قد استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد ابن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء، فقال راشد بن عبد ربه: صحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردّت عليه تبتغيه تمّاضر «٨»

стр. 1825

وحلمه شيب القذال عن الصّبا ... وللشيب عن بعض الغواية زاجر «١» فأقصر جهلي اليوم وآرتدّ باطلي ... عن اللهو لمّا آبيضّ مني الغدائر على أنه قد هاجه بعد صحوة ... بمعرض ذي الآجام عس بواكر «٢» ولما دنت من جانب الغوط أخصبت ... وحلّت فلاقاها سليم وعامر وخبّرها الركبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣» فاستعار هذا البيت الأخير من المعقر البارقي، ولا أحسبه استجاز ذلك إلا لاستعمال العامة له وتمثلهم به. يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة «٤» قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي، أتى صديقا له من كندة فالتف عليه، فطلبه الملك فخفى ذكره حتى شخص من عند الكندي، وأضمرته «٥» البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم، فإنه لا طاقة لنا بالشهباء ودوسر- وهما كتيبتان للأسود بن المنذر- ولا بمحاربة الملك فأبت ذلك عليهم عجل، فلما رأى ذلك الحارث بن ظالم كره أن تقع بينهم فتنة بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء، فأجاروه، فقال في ذلك: لعمري لقد حلّت بي اليوم ناقتي ... على ناصر من طيّىء غير خاذل فأصبحت جارا للمجرّة فيهم ... على باذخ يعلو يد المتطاول «٦» إذا أجا لفّت عليّ شعابها ... وسلمى فأنّى أنتم من تناولي «٧»

стр. 1826

فمكث عندهم حينا، ثم إن الاسود بن المنذر لما اعجزه أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم، فاستاقهنّ وأموالهن، فبلغ ذلك الحارث بن ظالم، فخرج من الحين فاندس الحارث بن ظالم في الناس حتى علم مكان جاراته ومرعى إبلهنّ، فأتاهنّ فاستنقذهنّ واستاق إبلهنّ، فألحقهنّ بقومهنّ، واندس في بلاد غطفان، حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري- وهو ابو هرم الذي كان يمدحه زهير- وكان الاسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان وهي من بني غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان وهو في ناحية الشربة «١» ، لا يعلم سنان ما يريد، وأتى بالسرج امرأة سنان وقال لها: يقول لك بعلك ابعثي ابنك مع الحارث، فإني أريد أن استأمن له الملك، وهذا سرجه آية ذلك. قال: فزيّنته سلمى ورفعته إليه فأتى به ناحية من الشربة فقتله، وقال في ذلك: أخصي حمار بات يكدم نجمة ... أتوكل جاراتي وجارك سالم «٢» علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه إلا الأكارم «٣» فتكت به كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تجتويه الجماجم «٤» بدأت بذاك وانثنيت بهذه ... وثالثة تبيضّ منها المقادم قال: وهرب الحارث من فوره ذلك، وهرب سنان بن أبي حارثة، فلما بلغ الاسود قتل ابنه شرحبيل، غزا بني ذبيان، فقتل وسبي وأخذ الأموال، وأغار على بني دودان رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها، فقتلهم وسباهم فنشط لذلك، قال: فوجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في ناحية الشربة عند بني محارب بن خصفة، فغزاهم الملك، ثم أسرهن، ثم أحمى الصفا «٥» ، وقال: إني أحذيكم نعالا فأمشاهم على ذلك الصفا، فتساقطت أقدامهم، ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، احتمل للاسود

стр. 1827

دية ابنه ألف بعير، وهي دية الملوك، ورهنه بها قوسه فوفاه بها، فقال في ذلك: ونحن رهنّا القوس ثمّت فوديت ... بألف على ظهر الفزاري أقرعا «١» بعشر مئين للملوك وفى بها ... ليحمد سيّار بن عمرو فأسرعا فكان هذا قبل قوس حاجب، فقال في ذلك أيضا: هل وجدتم حاملا كحاملي ... إذا رهن القوس بألف كامل بدية ابن الملك الحلاحل ... فافتكّها من قبل عام قابل سيّار الموفي بها ذو النائل وهرب الحارث فلحق بمعبد بن زارة فاستجار به فأجاره، وكان من سيبه وقعة رحرحان التي تقدّم ذكرها، ثم هرب الحارث حتى لحق بمكة وقريش، لأنه يقال إن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، إنما هو مرة بن عوف بن لؤي بن غالب، فتوسل اليهم بهذه القرابة، وقال في ذلك: إذا فارقت ثعلبة بن سعد ... وإخوتهم نسبت إلى لؤيّ إلى نسب كريم غير دغل ... وحيّ من أكارم كلّ حيّ «٢» فإن يك منهم أصلي فمنهم ... قرابين الإله بنو قصيّ فقالوا: هذه رحم كرشاء «٣» إذا استغنيتم عنها لن يتركم «٤» . قال: فشخص الحارث عنهم غضبان. وقال في ذلك: ألا لستم منا ولا نحن منكم ... برئنا إليكم من لؤيّ بن غالب غدونا على نشز الحجاز وأنتم ... بمنشعب البطحاء بين الاخاشب «٥» وتوجه الحارث بن ظالم إلى الشام، فلحق بيزيد بن عمرو الغساني فأجاره وأكرمه،

стр. 1828

وكان ليزيد ناقة محماة «١» ، في عنقها مدية وزنادة وصرّة ملح، وإنما كان يمتجن بها رعيته لينظر من يجترىء عليه، فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما في وحمها، فانطلق الحارث إلى ناقة الملك فانتحرها، وأتاها بشحمها، وفقدت الناقة، فأرسل الملك إلى الحمس التغلبي وكان كاهنا، فسأله عن الناقة، فأخبره أن الحارث صاحبها، فهم الملك به، ثم تذمّم «٢» من ذلك، وأوجس الحارث في نفسه شرا فأتى الخمس التغلبي فقتله. فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: أيها الملك إنك قد أجرتني فلا تغدرنّ بي! فقال الملك: لا ضير، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا! وأمر ابن الخمس فقتله، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الاشهر الحرم، فأراه قيس بن زهير العبسي، فضربه قيس فقتله، وقال يرثي الحارث بن ظالم: وما قصرت من حاضن ستر بيتها ... أبرّ وأوفى منك حار بن ظالم «٣» اعزّ وأحمى عند جار وذمّة ... وأضرب في كاب من النّقع قاتم «٤» حرب داحس والغبراء: وهي من حروب قيس قال ابو عبيدة: حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض بن ريث بن غطفان، وكان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير، وحمل بن بدر، تراهنا على داحس والغبراء أيهما يكون له السبق، وكان داحس فحلا لقيس بن زهير، والغبراء حجرا «٥» لحمل بن بدر، وتواضعا الرهان على مائة بعير، وجعلا منتهى الغاية مائة غلوة «٦» ، والإضمار «٧» أربعين ليلة، ثم قادوهما إلى رأس الميدان بعد أن أضمروهما

стр. 1829

أربعين ليلة، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين، وأمرهم إن جاء داحس سابقا يردّوا وجهه عن الغاية. قال: فأرسلوهما فأحضرا «١» ، فلما أحضرا خرجت الانثى من الفحل، فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس! فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد «٢» إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل. قال: فلما أوغلا في الجدد وخرجا إلى الوعث، برز داحس عن الغبراء، فقال قيس: جري المذكيات «٣» غلاء «٤» . فذهبت مثلا، فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية، وثبوا في وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس ابن زهير: وما لا قيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد «٥» هم فخروا عليّ بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي وثارت الحرب بين عبس وذبيان ابني بغيض، فبقيت أربعين سنة لم تنتج لهم ناقة ولا فرس، لاشتغالهم بالحرب، فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق، فقال قيس: كلا لا مطلتك به. ثم أخذ الرمح فطعنه به فدق صلبه، ورجعت فرسه عارية، فاجتمع الناس فاحتملوا دية مالك مائة عشراء- وزعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده- فقبضها حذيفة، وسكن الناس. ثم ان مالك بن زهير نزل اللّقاطة «٦» من أرض الشربة، فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله. ففي ذلك يقول عنترة الفوارس: فلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان «٧»

стр. 1830

فليتهما لم يجريا قيد غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان فقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة، وردوا علينا مالنا. فأبى حذيفة أن يرد شيئا، وكان الربيع بن زياد مجاورا لبني فزارة، ولم يكن في العرب مثله ومثل إخوته، وكان يقال لهم: الكملة، وكان مشاحنا «١» لقيس بن زهير من سبب درع لقيس غلبه عليها الربيع بين زياد، فاطرد قيس لبونا لبني زياد فأتى بها مكة، فعاوض بها عبد الله بن جدعان بسلاح، وفي ذلك يقول قيس بن زهير: ألم يبلغك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد ومحبسها على القرشيّ تشرى ... بأدراع وأسياف حداد وكنت إذا بليت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد «٢» ولما قتل مالك بن زهير، قامت بنو غزارة يسألون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه! فقال الربيع: ما هذا الوحي؟ قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم، قبلتم الدية ثم رضيتم بها وغدرتم! قالوا: لولا أنك جارنا لقتلناك! وكانت خفرة «٣» الجار ثلاثا: فقالوا له: بعد ثلاث ليال اخرج عنا. فخرج واتبعوه، فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده، وفي ذلك يقول الربيع: فإن تك حربكم أمست عوانا ... فإني لم أكن ممن جناها «٤» ولكن ولد سودة أرّثوها ... وحشوا نارها لمن اصطلاها «٥» فإني غير خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت مداها ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بني فزارة وذبيان، ورئيسهم الربيع بن زياد، ورئيس بن فزارة حذيفة بن بدر.

стр. 1831

يوم المريقب: لبني عبس على فزارة فالتقوا بذي المريقب من أرض الشّربّة فاقتتلوا، فكانت الشوكة في بني فزارة، قتل منهم عوف بن زيد بن عمرو بن أبي الحصين، أحد بني عدي بن فزارة، وضمضم أبو الحصين المرّي، قتله عنترة الفوارس، ونفر كثير ممن لا يعرف اسماؤهم، فبلغ عنترة أن حصينا وهرما ابني ضمضم يشتمانه ويوعدانه، فقال في قصيدته التي أوّلها: هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهّم «١» يا دار عبلة بالجواء تكلّمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي «٢» ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم «٣» الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والنّاذرين إذا لم القهما دمي إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السّباع وكلّ نسر قشعم «٤» لمّا رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسّم «٥» وفي هذه الوقعة يقول عنترة الفوارس: فلتعلمنّ إذ التقت فرساننا ... يوم المريقب أنّ ظنّك أحمق يوم ذي حسى: لذبيان على عبس ثم إن ذبيان تجمعت لما أصابت منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان ومرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأحلافهم، فنزلوا فتوافوا بذي حسى- وهو وادي الصفا من أرض الشربة وبينها وبين قطن «٦» ثلاث ليال، وبينها وبين اليعمريّة «٧» ليلة.

стр. 1832

فهربت بنو عبس، وخافت أن لا تقوم بجماعة بني ذبيان، واتبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفاني أو تقيدونا «١» . فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد أن لا بناجزوهم، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم، فتراضوا أن تكون رهنهم عند سبيع بن عمرو، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصبيان وانصرفوا وتكافّ الناس، وكان رأي الربيع مناجزتهم «٢» فصرفه قيس عن ذلك، فقال الربيع: أقول ولم أملك لقيس نصيحة ... فقد حشّ جاني الحرب نارا تضرّم «٣» فمكث رهنهم عند سبيع بن عمرو حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت حفظت هؤلاء الأغيلمة، فكأني بك لو متّ أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر «٤» لك عينيه وقال: هلك سيدنا! ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبدا، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمرية، فجعل يبرز كل يوم غلاما فينصبه غرضا، ويقول: ناد أباك! فينادي أباه حتى يقتله. يوم اليعمرية: لعبس على ذبيان فلما بلغ ذلك من فعل حذيفة بني عبس اتوهم باليعمريّة، فلقوهم بالحرّة- حرة اليعمرية- فقتلوا منهم اثني عشر رجلا، منهم مالك بن سبيع الذي رمى بالغلمة إلى حذيفة، وأخوه يزيد بن سبيع، وعامر بن لوذان، والحرث بن زيد، وهرم بن ضمضم أخو حصين. ويقال ليوم اليعمرية: يوم نفر، لأن بينهما أقل من نصف يوم.

стр. 1833

يوم الهباءة: لعبس على ذبيان ثم اجتمعوا فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة «١» ، واقتتلوا من بكرة حتى انتصف النهار، وحجز الحرّ بينهم، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس، إن حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة «٢» مستنقع في جفر الهباءة فعليكم بها. فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف، فرس حذيفة، والحنفاء، فرس حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير: هذا اثر الحنفاء وصارف، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة. فبصر بهم حمل بن بدر، فقال لهم: من أبغض الناس إليكم أن يقف على رؤسكم؟ قالوا: قيس بن زهير، والربيع بن زياد، فقال: هذا قيس بن زهير قد أتاكم فلم ينقض كلامه حتى وقف قيس وأصحابه على جعفر الهباءة، وقيس يقول: لبيكم لبيكم! يعني إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون! وفي حذيفة وحمل ابنا بدر ومالك بن بدر، وورقاء بن خلال من بني ثعلبة ابن سعد، وحنس بن وهب، فوقف عليهم شدّدا بن معاوية العبسي، وهو فارس جروة، وجروة فرسه، ولها يقول: ومن يك سائلا عني فإني ... وجروة كالشّجا تحت الوريد «٣» أقوّتها بقوتي إن شتونا ... وألحفها ردائي في الجليد فحال بينهم وبين خيليهم، ثم توافت فرسان بني عبس، فقال حمل: ناشدتك الله والرحم يا قيس! فقال: لبيكم لبيكم! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم، فانتهر حملا وقال: إياك والمأثور من الكلام! فذهبت مثلا، وقال لقيس: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها! فقال قيس: أبعدها الله ولا أصلحها! وجاءه قراوش بمعبلة «٤» فقصم صلبه، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع، فضرباه بسيفهما حتى ذفّفا «٥»

стр. 1834

عليه، وقتل الربيع بن زياد حمل بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه: تعلّم أنّ خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النّجوم ولكن الفتّى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم «١» أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي ... وقد يستضعف الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج عليّ ومستقيم ومثّلوا بحذيفة بن بدر كما مثّل هو بالغلمة، فقطعوا مذاكيره وجعلوها في فيه، وجعلوا لسانه في استه، وفيه يقول قائلهم: فإن قتيلا بالهباءة في استه ... صحيفته إن عاد للظلم ظالم متى تقرءوها تهدكم عن ضلالكم ... وتعرف إذا ما فضّ عنها الخواتم وقال في ذلك عقيل بن علّقة المزي: ويوقد عوف للعشيرة ناره ... فهلّا على جفر الهباءة أوقدا فإنّ على جفر الهباءة هامة ... تنادي بني بدر وعارا مخلّدا «٢» وإنّ أبا ورد حذيفة مثفر ... بأير على جفر الهباءة أسودا «٣» وقال الربيع بن قعنب: خلق المخازي غير أنّ بذي حسى ... لبني فزارة خزية لا تخلق «٤» تبيان ذلك أنّ في است أبيهم ... شنعاء من صحف المخازي تبرق وقال عمر بن الاسلع: إن السماء وان الارض شاهدة ... والله يشهد والانسان والبلد

стр. 1835

أنّي جزيت بني بدر بسعيهم ... على الهباءة قتلا ما له قود «١» لمّا التقينا على أرجاء جمّتها ... والمشرفيّة في أيماننا تقد «٢» علوته بحسام ثم قلت له ... خذها إليك فأنت السيد الصمد «٣» فلما اصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمعوا، وعرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا إلى اليمامة فنزلوا بأخوالهم بني حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببني سعد بن زيد بن مناة. يوم الفروق ثم ان بني سعد غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاشوه «٤» وأرادوا أكلهم، فبلغ ذلك بني عبس، ففرّوا ليلا، وقدّموا ظعنهم «٥» ، ووقف فرسانهم بموضع يقال له الفروق «٦» ، وأغارت بنو سعد ومن معهم من جنود الملك على محلتهم، فلم يجدوا إلا مواقد النيران، فاتبعوهم حتى أتوا الفروق، فإذا بالخيل والفرسان وقد توارت الظعن عنهم، فانصرفوا عنهم، ومضى بنو عبس فنزلوا ببني ضبة فأقاموا فيهم، وكان بنو جذيمة من بني عبس يسمّون بني رواحة، وبني بدر بن فزارة يسمون بني سودة، ثم رجعوا إلى قومهم فصالحوهم. وكان أوّل من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرة، فمات، فسعى فيها هاشم بن حرملة ابنه، وله يقول الشاعر: أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباتين ويوم اليعمله

стр. 1836

ترى الملوك حوله مرعبله ... يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له «١» يوم قطن فلما توافوا للصلح، وقفت بنو عبس بقطن، وأقبل حصين بن ضمضم، فلقي تيحان أحد بني مخزوم بن مالك فقتله بأبيه ضمضم، وكان عنترة بن شدّاد قتله بذي المريقب، فأشارت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان، وقالوا: لا نصالحكم ما بلّ البحر صوفة «٢» ، وقد غدرتم بنا غير مرة. وتناهض القوم: عبس وذبيان، فالتقوا بقطن «٣» ، فقتل يومئذ عمرو بن الأسلع عيينة، ثم سفرت «٤» السفراء بينهم، وأتى خارجة بن سنان أبا تيحان بابنه فدفعه إليه، فقال: في هذا وفاء من ابنك! فأخذه فكان عنده أياما، ثم حمل خارجة لأبي تيحان مائة بغير قادها إليه، واصطلحوا وتعاقدوا. يوم غدير قلهى قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيان، إلا بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فإنهم أبوا ذلك وقالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير قلهى، فسبقهم بنو عبس إلى الماء، فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا ودوابّهم، فأصلح بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بني ثعلبة، وإياهما يعني زهير بقوله: تداركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم «٥» فوردوا حربا وأخرجوا عنه سلما. تم حرب داحس والغبراء.

стр. 1837

يوم الرقم: لغطفان على بني عامر غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرّقم «١» - وهو ماء لبني مرة- وعلى بني عامر: عامر بن الطفيل- ويقال يزيد بن الصعق- فركب عيينة بن حصن في بني فزارة، ويزيد بن سنان في بني مرة- ويقال الحارث بن عوف- فانهزمت بنو عامر، وجعل يقاتل عامر بن الطفيل ويقول: يا لقيس لا تقتلي تموتي! فزعمت بنو غطفان أنهم أصابوا من بني عامر يومئذ أربعة وثمانين رجلا، فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم، فقتلوهم أجمعين، وانهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه، فيهم جراب بن كعب، حتى انتهوا إلى ماء يقال له المروزات، فقطع العطش اعناقهم فماتوا، وخنق نفسه الحكم بن الطفيل تحت شجرة مخافة المثلة «٢» ، وقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم لم يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغي كان أجدرا يوم النتأة: لعبس على بني عامر خرجت بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرقم، فجمعوا على بني عبس بالنّتأة وقد أنذروا بهم، فالتقوا وعلى بني عامر: عامر بن الطفيل، وعلى بني عبس: الربيع بن زياد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت بنو عامر، وقتل منهم صفوان بن مرة. قتلة الأحنف بن مالك، ونهشل بن عبيدة بن جعفر، قتله أبو زغبة بن حارث، وعبد الله بن أنس بن خالد، وطعن ضبيعة بن الحارث عامر بن الطفيل فلم يضرّه ونجا عامر، وهزمت بنو عامر هزيمة قبيحة، فقال خراشة بن عمرو العبسي: وساروا على أظمائهم وتواعدوا ... مياها تحامتها تميم وعامر «٣»

стр. 1838

كأن لم يكن بين الذناب وواسط ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر «١» ألا أبلغا عني خليلي عامرا ... أتنسى سعاد اليوم أم أنت ذاكر وصدّتك أطراف الرماح عن الهوى ... وردت أمورا ليس فيها مصادر وغادرت هزّان الرئيس ونهشلا ... فلله عينا عامر من يغادر «٢» وأسلت عبد الله لما عرفتهم ... ونجّاك وثّاب الجراميز ضامر «٣» قذفتهم في اليمّ ثم خذلتهم ... فلا وألت نفس عليك تحاذر «٤» وقال أبو عبيدة: إن عامر بن الطفيل هو الذي طعن ضبيعة بن الحارث ثم نجا من طعنته، وقال في ذلك: فإن تنج منها يا ضبيع فإنني ... وجدّك لم أعقل عليك التمائما «٥» يوم شواحط «٦» : لبني محارب على بني عامر غزت سرية من بني عامر بن صعصعة بلاد غطفان، فأغارت على إبل لبني محارب ابن خصفة، فأدركهم الطلب، فقتلوا من بني كلاب سبعة وارتدوا إبلهم، فلما رجعوا من عندهم وثب بنو كلاب على جسر، وهم من بني محارب كانوا حاربوا إخوتهم فخرجوا عنهم وحالفوا بني عامر بن صعصعة- فقالوا: نقتلهم بقتل بني محارب من قتلوا منا. فقام خداش بن زهير دونهم حتى منعهم من ذلك، وقال: أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... عقيلا وأبلغ إن لقيت أبا بكر فيا أخوينا من أبينا وأمّنا ... إلكم إليكم لا سبيل إلى حشر دعوا جانبي إني سأترك جانبا ... لكم واسعا بين اليمامة والقهر «٧»

стр. 1839

أنا فارس الضحياء عمرو بن عامر ... أبى الذّمّ واختار الوفاء على الغدر «١» يوم حوزة «٢» الأول: لسليم على غطفان قال أبو عبيدة: كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حرملة أحد بني مرة بن غطفان، كلام بعكاظ، فقال معاوية: لوددت والله أني قد سمعت بظعائن «٣» يندبنك! فقال هاشم: والله لوددت أني قد ترّبت الرطبة- وهي جمة «٤» معاوية، وكانت الدهر تنظف ماء ودهنا وإن لم تدهن- فلما كان بعد [حين] تهيأ معاوية ليغزو هاشما، فنهاه أخوه صخر فقال: كأني بك إن غزوتهم علق بجمتك حسك العرقط «٥» . فقال: فأبى معاوية وغزاهم يوم حوزة فرآه هاشم بن حرملة قبل أن يراه معاوية، وكان هاشم ناقها من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة: إن هذا إن رآني لم آمن أن يشدّ عليّ. وأنا حديث عهد بشكيّة «٦» ، فاستطرد له دوني حتى تجعله بيني وبينك. ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه هاشم فاختلفا طعنتين، فأردى معاوية هاشما عن فرسه الشماء، وأنفذ هاشم سنانه من عانة معاوية. قال: وكرّ عليه دريد فظنه قد أردى هاشما، فضرب معاوية بالسيف فقتله، وشد خفاف بن عمير على مالك بن حارث الفزاري قال: وعادت الشماء فرس هاشم حتى دخلت في جيش بني سليم فأخذوها وظنوها فرس الفزاري الذي قتله خفاف، ورجع الجيش حتى دنوا من صخر أخي معاوية، فقالوا: أنعم صباحا أبا حسان! قال: حييّتم بذلك، ما صنع معاوية؟ قالوا: قتل! قال: فما هذه الفرس؟ قالوا: قتلنا صاحبها! قال: إذا قد أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة. قال: فلما دخل رجب، ركب صخر بن عمرو الشماء صبيحة يوم حرام، فأتى بني

стр. 1840

مرة، فلما رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه وقولوا له خيرا. وهاشم مريض من الطعنة التي طعنه معاوية، فقال: من قتل أخي؟ فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التي تحتي؟ فسكتوا، فقال هاشم: هلمّ أبا حسّان إلى من يخبرك! قال: من قتل أخي؟ فقال هاشم: إذا أصبتني أو دريدا فقد أصبت ثأرك! قال فهل كفنتموه؟ قال: نعم، في بردين: أحدهما بخمس وعشرين بكرة «١» . قال: فأروني قبره. فأروه إياه، فلما رأى القبر جزع عنده، ثم قال: كأنكم قد أنكرتم ما رأيتم من جزعي، فوالله ما بتّ منذ عقلت إلا واترا أو موتورا، أو طالبا أو مطلوبا، حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده! يوم حوزة الثاني قال: ثم غزاهم صخر، فلما دنا منهم مضى على الشماء، وكانت غراء محجّلة «٢» ، فسوّد غرتها وتحجيلها، فرأته بنت لهاشم، فقالت لعمها دريد: أين الشماء؟ قال: هي في بني سليم، قالت: ما أشبهها بهذه الفرس! فاستوى جالسا فقال: هذه فرس بهيم، والشماء غراء محجلة. وعاد فاضطجع، فلم يشعر حتى طعنه صخر. قال: فثاروا وتناذروا، وولى صخر وطلبته غطفان عامة يومها، وعارض دونه أبو شجرة ابو عبد العزى، وكانت أمه خنساء أخت صخر، وصخر خاله، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه ونجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية: قتلني الله إن برحت من مكاني حتى أثأر به فشد على مالك سيد بني جمح فقتله، فقال في ذلك: فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيمّمت مالكا «٣» نصبت له علوى وقد خان صحبتي ... لأبني مجدا او لأثأر هالكا «٤»

стр. 1841

أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا، إنني أنا ذلكا «١» وقال صخر يرثي معاوية، وكان قال له قومه: اهج بني مرة! فقال: ما بيننا أجلّ من القذع [ولو لم أمسك عن سبّهم إلا صيانة للساني عن الخنا «٢» لفعلت! ثم خاف أن يظنّ به عيّ] وأنشأ يقول: وعاذلة هبّت بليل ... ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا تقول ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي أن أهجوهم ثم ماليا أبى الذّمّ أني قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا إذا ما امرؤ أهدى لميت تحيّة ... فحياك ربّ الناس عني معاويا وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت، ولم أبخل عليه بماليا وذي إخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخاليا «٣» وقال في قتل دريد: ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء توغر مثل غطّ المنخر «٤» ولقد قتلتكم ثناء وموحدا ... وتركت مرّة مثل أمس الدابر «٥» قال أبو عبيدة: وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعا فلقيه عمرو بن قيس الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت نفسي إن وأل «٦» ! فلما نزل هاشم كمن له عمرو بن قيس بين الشجر، حتى إذا دنا منه أرسل عليه معبلة «٧» ففلق قحفه فقتله، وقال في ذلك: لقد قتلت هاشم بن حرمله ... إذ الملوك حوله مغربله يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له

стр. 1842

يوم ذات الأثل «١» قال أبو عبيدة: ثم غزا صخر بن عمرو بن الشريد بن أسد بن خزيمة واكتسح إبلهم، فاتى الصريخ بن اسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور الأسدي صخرا في جنبه، وفات القوم بالغنيمة، وجوى «٢» صخر من الطعنة، فكان مريضا قريبا من الحول. حتى مله أهله، فسمع امرأة من جاراته تسأل سلمى امرأته كيف بعلك؟ قالت: لا حيّ فيرجى، ولا ميّت فينسى، لقد لقينا منه الأمرين! وكانت تسأل أمّه: كيف صخر؟ فتقول: أرجو له العافية إن شاء الله! فقال في ذلك: أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي ... وملّت سليمي مضجعي ومكاني فأيّ امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقا وهوان «٣» وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغترّ بالحدثان لعمري لقد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان «٤» فلما طال عليه البلاء وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ. فقال: شأنكم! فقطعوها فمات، فقالت الخنساء أخته ترثيه: فما بال عيني ما بالها ... لقد أخضل الدمع سر بالها أمن بعد صخر من ال الشريد ... حلّت به الأرض أثقالها «٥» فآليت أبكي على هالك ... وأسأل نائحة مالها هممت بنفسي كلّ الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها لأحمل نفسي على آلة ... فإمّا عليها وإمّا لها «٦»

стр. 1843

وقالت ترثيه: وقائلة والنّفس قد فات خطوها ... لتدركه: يا لهف نفسي على صخر! ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبر! يوم عدنية: هو يوم ملحان «١» قال أبو عبيدة: هذا اليوم قبل ذات الأثل، وذلك أن صخرا غزا بقومه وترك الحيّ خلوا، فأغارت عليهم غطفان، فثارت إليهم غلمانهم ومن كان تخلف منهم، فقتل من غطفان نفر وانهزم الباقون، فقال في ذلك صخر: جزى الله خيرا قومنا إذ دعاهم ... بعدنيّة الحي الخلوف المصبح «٢» وغلماننا كانوا أسود خفيّة ... وحقّ علينا أن يثابوا ويمدحوا هم نفّروا أقرانهم بمضرّس ... وسعر وذادوا الجيش حتى تزحزحوا «٣» كأنهم إذ يطردون عشيّة ... بقنّة ملحان نعام مروّح يوم اللوى «٤» : لغطفان على هوازن قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصمة- واسم الصمة: معاوية الأصغر- من بني غزيّة بن جثم بن معاوية بن بكر بن هوازن- وكان لعبد الله ثلاثة اسماء وثلاث كنى، فاسمه: عبد الله، وخالد، ومعبد، وكنيته: أبو فرغان، وأبو دفاقة وأبو وفاء، وهو أخو دريد بن الصمة لأبيه وأمه- فأغار على غطفان، فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطّردها، فقال له أخوه دريد: النجباء فقد ظفرت. فأبى عليه وقال: لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي- والنقيعة: ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاما لأصحابه، ويقسم ما أصاب على أصحابه فأقام وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه، وهو بمكان

стр. 1844

يقال له اللوى، فقتل عبد الله، وارتثّ «١» دريد فبقي في القتلى فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: أني أرى عينيه تبصّ «٢» ، فانزل فانظر إلى سبّته «٣» . فنزل فكشف ثوبه فإذا هي ترمّز «٤» فطعنه، فخرج دم قد كان احتقن. قال دريد: فأفقت عندها، فلما جاوزوني نهضت. قال: فما شعرت إلا وأنا عند عرقوب «٥» جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله من شرك! قلت: لا، بل من انت؟ ويلك! قالت: امرأة من هوازن سيارة. قلت: وأنا من هوازن، وأنا دريد بن الصمّة. قال: وكانت في قوم مجتازين لا يشعرون بالوقعة، فضمته وعالجته حتى أفاق. فقال دريد يرثي عبد الله أخاه، ويذكر عصيانه له وعصيان قومه، بقوله: أعاذل إنّ الرّزء في مثل خالد ... ولا رزء فيما أهلك المرء عن يد «٦» وقلت لعارض وأصحاب عارض ... ورهط بني السّوداء والقوم شهدي «٧» علانية ظنّوا بألفي مدجّج ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد «٨» أمرتهم أمري بمنقطع اللّوى ... فلم يستبينوا الرشد إلّا ضحى الغد فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم أو أنّني غير مهتّد وما أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد «٩» فإن تعقب الأيام والدهر تعلموا ... بني غالب أنا غضاب لمعبد تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الرّدي

стр. 1845

فإن يك عبد الله خلّى مكانه ... فما كان وقّافا ولا طائش اليد ولا برما إذ ما الرياح تناوحت ... برطب العضاه والضّريع المعضّد «١» كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الضّرّاء طلّاع أنجد «٢» قليل التّشكي للمصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني جشم حتى إذا كانوا في واد لبني كنانة يقال له الأخرم «٣» ، وهم يريدون الغارة على بني كنانة إذ رفع له رجل في ناحية الوادي معه طعينة، فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به: خلّ عن الظعينة «٤» وانج بنفسك، فانتهى إليه الفارس وصاح به وألحّ عليه فألقى زمام الناقة وقال للظعينة: سيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن «٥» إنّ انثنائي دون قرني شائني ... أبلى بلائي واخبري وعايني ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه فأعطاه للظعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلما انتهى إليه ورأى ما صنع، صاح به فتصامم «٦» عنه كأن لم يسمع، فظن أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظعينة، ثم خرج وهو يقول: خلّ سبيل الحرّة المنيعة ... إنك لاق دونها ربيعه في كفّه خطّيّة مطيعه ... أولا فخذها طعنة سريعه «٧» والطعن مني في الوغى شريعه

стр. 1846

ثم حمل عليه فصرعه، فلما أبطآ على دريد بعث فارسا لينظر ما صنعا، فلما انتهى اليهما وجدهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه، فقال له الفارس: خلّ عن الظعينة! فقال للظعينة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال: ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس «١» أردهما عامل رمح يابس ثم حمل عليه فصرعه، وانكسر رمحه. وارتاب دريد، وظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل، فلحق دريد ربيعة وقد دنا من الحي، ووجد اصحابه قد قتلوا: فقال: أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحك، والخيل ثائرة بأصحابها [وأراك حديث السنّ] فدونك هذا الرمح، فإني منصرف إلى أصحابي فمثبّطهم عنك. فانصرف إلى اصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها وقتل اصحابكم وانتزع رمحي، ولا مطمع لكم فيه! فانصرف القوم، وقال دريد في ذلك: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظّعينة فارسا لم يقتل أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمرّ كأنه لم يفعل «٢» متهلّلا تبدو أسرّة وجهه ... مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل «٣» يزجي ظعينته ويسحب رمحه ... متوجّها يمناه نحو المنزل وترى الفوارس من مهابة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدل «٤» يا ليت شعري من أبوه وأمّه ... يا صاح من يك مثله لا يجهل وقال ابن مكدم:

стр. 1847

إن كان ينفعك اليقين فسائلي ... عن الظّعينة يوم وادي الأخرم «١» إذ هي لأوّل من أتاها نهزة ... لولا طعان ربيعة بن مكدّم إذ قال لي أدنى الفوارس منهم ... خلّ الظّعينة طائعا لا تندم فصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وهتكت بالرّمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم ومنحت آخر بعده جيّاشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأضجم «٢» ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار عن العداة تكرّمي ثم لم يلبث بنو كنانة [رهط ربيعة بن مكدّم] أن أغارت على بني جشم [رهطدريد] ، فقتلوا [وأسروا وغنموا] ، وأسروا دريد بن الصّمة، فأخفى نسبه، فبينما هو عندهم محبوس، إذ جاءت نسوة يتهادين «٣» إليه، فصاحت إحداهن فقالت: هلكتم وأهلكتم، ماذا جرّ علينا قومنا؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت عليه ثوبها، وقالت يا آل فراس أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي! فسألوه: من هو؟ فقال أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم! قال: فا فعلت الظعينة؟ قالت المرأة: أنا هي، وأنا امرأته! فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغي لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال الآخرون لا والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره، فانبعثت المرأة في الليل- وهي ريطة بنت جزل الطعان- فقالت: سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... وكلّ امرىء يجزى بما كان قدّما فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإن كان شرّا كان شرّا مذمّما سنجزه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإهدائه الرّمح الطويل المقوّما «٤»

стр. 1848

فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما «١» فإن كان حيّا لم يضق بثوابه ... ذراعا، غنيّا كان أو كان معدما ففكّوا دريدا من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشرّ سلّما فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه، فلم يزل كافّا عن حرب بني فراس حتى هلك. يوم الصلعاء «٢» : لهوازن على غطفان فلما كان في العام المقبل غزاهم دريد بن الصمّة بالصّلعاء، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟ قال أرى خيلا عليها رجال كانهم الصبيان، أسنتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة. ثم قال: انظر ما ترى؟ قال: أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست في الجاديّ «٣» . قال: هذه اشجع. ثم قال انظرهما ترى؟ قال: أرى قوما يهزون رماحهم، سودا، يخدّون «٤» الأرض بأقدامهم. قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا! فالتقوا بالصلعاء، فكان الظفر لهوازن على غطفان وقتل دريد ذو أب بن أسماء بن زيد بن قارب. حرب قيس وكنانة يوم الكديد «٥» : لسليم على كنانة فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس كنانة، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، وهم أنجد العرب، وكان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، وفيهم يقول علي بن أبي طالب لأهل الكوفة: وددت والله أن لي بجميعكم وأنتم مائة ألف ثلاثمائة من بني فراس بن غنم.

стр. 1849

وكان ربيعة بن مكدم يعقر «١» على قبره في الجاهلية: ولم يعقر على قبر أحد غيره، ومرّ به حسان بن ثابت وقتلته بنو سليم يوم الكديد، ولم يحضر يوم الكديد أحد من بني الشريد. يوم برزة «٢» : لكنانة على سليم قال ابو عبيدة: لما قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدم فارس كنانة ورجعوا، أقاموا ما شاء الله، ثم إن ذا التاج، مالك بن خالد بن صخر بن واسم الشريد عمرو، وكانت بنو سليم قد توّجوا مالكا وأمّروه عليهم- فغزا بني كنانة، فأغار على بني فراس ببرزة، ورئيس بني فراس عبد الله بن جذل، فدعا عبد الله إلى البراز، فبرز اليه هند ابن خالد بن صخر بن الشريد، فقال له عبد الله: من أنت؟ قال: أنا هند بن خالد بن صخر، فقال عبد الله: أخوك أسنّ منك. يريد مالك بن خالد، فرجع فأحضر أخاه، فبرز له، فجعل عبد الله بن جذل يرتجز ويقول: ادنوا بني قرف ... إذا الموت كنع «٣» لا أستغيث بالجزع ثم شدّ على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشدّ عليه عبد الله بن جذل فقتله أيضا، فشدّ عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد، فتخالفا طعنتين، فجرح كلّ واحد منهما صاحبه وتحاجزا، وكان عمرو قد نهى أخاه مالكا عن غزو بني فراس، فعصاه وانصرف للغزو عنهم، فقال عبد الله بن جذل: تجنّبت هندا رغبة عن قتاله ... إلى مالك أعشو إلى ضوء مالك «٤» فأيقنت أني ثائر بابن مكدم ... غداة إذ أو هالك في الهوالك

стр. 1850

فأنفذته بالرّمح حين طعنته ... معانقة ليست بطعنة باتك «١» وأثني لكرز في الغبار بطعنة ... علت جلده منها بأحمر عاتك «٢» قتلنا سليما غثّها وسمينها ... فصبرا سليم قد صبرنا لذلك فإن تك نسواني بكين فقد بكت ... كما قد بكت أمّ لكرز ومالك وقال عبد الله بن جذل أيضا: قتلنا مالكا فبكوا عليه ... وهل يغني من الجزع البكاء؟ وكرزا قد تركناه صريعا ... تسيل على ترائبه الدّماء «٣» فإن تجزع لذاك بنو سليم ... فقد- وأبيهم- غلب العزاء فصبرا يا سليم كما صبرنا ... وما فيكم لواحدنا كفاء «٤» فلا تبعد ربيعة من نديم ... أخو الهلّاك إن ذمّ الشّتاء وكم من غارة ورعيل خيل ... تداركها وقد حمس اللقاء «٥» يوم الفيفاء «٦» : لسليم على كنانة قال أبو عبيدة: ثم إن بني الشريد حرّموا على أنفسهم النساء والدهن «٧» ، حتى يدركوا بثأرهم من بني كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد بقومه حتى أغار على بني فراس، فقتل منهم نفرا، منهم عاصم بن المعلي، وفضلة، والمعارك، وعمرو بن مالك، وحصن، وشريح، وسبى سبيا فيهم ابنة مكدم أخت ربيعة بن مكدم، فقال عباس بن مرداس في ذلك يردّ على ابن جذل في كلمته التي قالها يوم برزة: ألا أبلغا عني ابن جذل ورهطه ... فكيف طلبناكم بكرز ومالك؟ «٨»

стр. 1851

غداة فجعناكم بحصن وبابنه ... وبابن المعلّى عاصم والمعارك ثمانية منهم ثأرناهم به ... جميعا وما كانوا بواء بمالك «١» نذيقكم والموت يبني سرداقا ... عليكم، شباحدّ السّيوف البواتك «٢» تلوح بأيدينا كما لاح بارق ... نلألأ في داج من الليل حالك صبحناكم العوج العناجيج بالضّحى ... تمرّ بنا مرّ الرّياح السّواهك «٣» إذا خرجت من هبوة بعد هبوة ... سمت نحو ملتفّ من الموت شائك وقال هند بن خالد بن صخر بن الشريد: قتلت بمالك عمرا وحصنا ... وخلّيت القتام على الخدود «٤» وكرزا قد أبأت به شريحا ... على أثر الفوارس بالكديد «٥» جزيناهم بما انتهكوا وزدنا ... عليه ما وجدنا من مزيد جلبنا من جنوب العود جردا ... كطير الماء غلّس للورد «٦» قال: فلما ذكر هند بن خالد يوم الكديد وافتخر به، ولم يشهده أحد من بني الشريد، غضب من ذلك نبيشة بن حبيب، فأنشأ يقول: تبخّل صنعنا في كلّ يوم ... كمخضوب البنان ولا يصيد وتأكل ما يعاف الكلب منه ... وتزعم أن والدك الشّريد أبى لي أن أقرّ الضّيم قيس ... وصاحبه المزور به الكديد «٧»

стр. 1852

حرب قيس وتميم يوم السوبان «١» : لبني عامر على بني تميم قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بني تميم وضبة فاقتتلوا، ورئيس ضبة حسان ابن وبرة، وهو أخو النعمان لأمّه، فأسره يزيد بن الصعق، وانهزمت تميم، فلما رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر، حسده، فشدّ على ضرار بن عمرو الضّبي، وهو الرديم، فقال لابنه إذ همّ: أغنه عني. فشدّ عليه فطعنه، فتحوّل عن سرجه إلى جنب أبدائه «٢» ، ثم لحقه، فقال لأحد بنيه: أغنه عني. ففعل مثل ذلك، ثم لحقه، فقال لابن له آخر: أغنه عني. ففعل مثل ذلك، فقال: ما هذا إلا ملاعب الأسنّة، فسمّي عامر من يومئذ ملاعب الأسنة، فلما دنا منه قال له ضرار: إني لأعلم ما تريد، أتريد اللبن؟ قال: نعم! قال: إنك لن تصل إليّ ومن هؤلاء عين تطرف، كلهم بنيّ. قال له عامر: فأحلني عن غيرك. فدلّه على حبيش بن الدلف، وقال: عليك بذلك الفارس. فشدّ عليه فأسره، فلما رأى سواده، وقصره، جعل يتفكر، وخاف ابن الدلف ان يقتله، فقال: ألست تريد اللبن؟ قال: بلى. قال: فأنى لك به. ونادى حسان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصعق بألف بعير فداء الملوك، فكثر مال يزيد وبما، ثم أغار بعد ذلك يزيد بن الصعق على عصافير النعمان «٣» بذي ليان، وذو ليان: عن يمين القريتين «٤» . يوم أقرن «٥» : لبني عبس على بني دارم غزا عمرو بن عمرو بن عدس من بني دارم وهو فارس بني مالك بن حنظلة، فأغار على بني عبس وأخذ إبلا وشاء ثم أقبل، حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن، نزل فابتنى بجارية من السبي، ولحقه الطلب فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس ابن زياد

стр. 1853

العبسي عمرا، وانهزمت بنو مالك بن حنظلة، وقتلت بنو عبس أيضا حنظلة بن عمرو- وقال بعضهم: قتل في غير هذا اليوم- وارتدّوا ما كان في أيدي بني مالك، فنعى ذلك جرير على بني دارم، فقال: هل تذكرون لدى ثنيّة أقرن ... أنس الفوارس حين يهوي الأسلع «١» وكان عمرو أسلع، أي أبرص. وكان لسماعة بن عمرو، خال من بني عبس، فزاره يوما فقتله بأبيه عمرو. يوم المرّوت «٢» : لبني العنبر على بني قشير أغار بحير بن سلمة بن قشير على بني العنبر بن عمرو بن تميم، فاتبعوه حتى لحقوه وقد نزل المروت وهو يقسم المرباع «٣» ويعطى من معه، فتلاحق القوم واقتتلوا، فطعن قعنب بن عتاب الهيثم بن عامر القشيري فصرعه فأسره، وحمل الكدام- وهو يزيد بن أزهر المازني- على بحير بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه، ثم نزل إليه فأسره، فأبصره قعنب بن عتاب، فحمل عليه بالسيف فضربه فقتله، فانهزم بنو عامر وقتل رجالهم، فقال يزيد بن الصّعق يرثي بحيرا: أواردة عليّ بنو رياح ... بفخرهم وقد قتلوا بحيرا؟ فأجابته العوراء من بني سليط بن يربوع: قعيدك يا يزيد أبا قبيس ... أتنذر كي تلاقينا النّذورا «٤» وتوضع تخبر الرّكبان أنّا ... وجدنا في مراس الحرب خورا «٥» ألم تعلم قعيدك يا يزيد ... بأنا نقمع الشيخ الفخورا ونفقأ ناظريه ولا نبالي ... ونجعل فوق هامته الدرورا

стр. 1854

فأبلغ إن عرضت بني كلاب ... فإنّا نحن أقعصنا بحيرا «١» وضرّجنا عبيدة بالعوالي ... فأصبح موثقا فينا أسيرا أفخرا في الخلاء بغير فخر ... وعند الحرب خوّارا ضجورا يوم دارة مأسل «٢» : لتميم بني قيس غزا عتبة بن شتير بن خالد الكلابي بني ضبة، فاستاق نعمهم، وقتل حصين بن ضرار الضبي، أبا زيد الفوارس، فجمع أبوه ضرار قومه وخرج ثائرا بابنه حصين، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك، فأغار على بني عمرو بن كلاب، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير بن خالد، وكان شيخا كبيرا أعور، فأتى به قومه، فقال: يا شتير، اختر واحدة من ثلاث. قال: اعرضها عليّ. قال: إمّا أن تردّ ابني حصينا! قال: فإني لا أنشر «٣» الموتى! قال: وإمّا أن تدفع إليّ ابنك عتبة أقتله به! قال: لا ترضى بذلك بنو عامر: أن يدفعوا فارسهم شابا مقتبلا بشيخ اعور، هامة اليوم أو غدا «٤» . قال: وإمّا أن أقتلك قال: أما هذه فنعم! قال: فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله، فلما قدمه ليضرب عنقه، نادى شتير: يا آل عامر، صبرا «٥» بصبيّ! كأنه أنف أن يقتل بصبي، فقال في ذلك شمعلة في كلمة له طويلة: وخيّرنا شتيرا في ثلاث ... وما كان الثلاث له خيارا جعلت السيف بين اللّيت منه ... وبين قصاص لمّته عذارا «٦» وقال الفرزدق يفخر بأيام ضبة: ومغبوقة قبل القيان كأنها ... جراد إذا أجلى على القزع الفجر «٧»

стр. 1855

عوابس ما تنفكّ تحت بطونها ... سرابيل أبطال بنائقها حمر «١» تركن ابن ذي الجدّين ينشج مسندا ... وليس له إلا ألاءته قبر «٢» وهنّ على خدّي شتير بن خالد ... أثير عجاج من سنابكها كدر إذا سوّمت للبأس يغشى ظهورها ... أسود عليها البيض عادتها الهصر «٣» يهزّون أرماحا طوالا متونها ... بهنّ الغنى يوم الكريهة والفقر أيام بكر على تميم يوم الوقيط قال فراس بن خندف: تجمعت اللهازم «٤» لتغير على تميم وهم غازون، فرأى ذلك ناشب الأعور بن بشامة العنبري، وهو أسير في بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة، فقال لهم: أعطوني رسولا أرسله إلى بني العنبر، أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه مثل الذي تولّوني من البرّ به والإحسان إليه. وكان حنظلة بن الطفيل المرثدي أسيرا في بني العنبر، فقالوا له: على أن توصيه ونحن حضور. قال: نعم. فأتوه بغلام لهم، فقال: لقد أتيتموني أحمق. وما أراه مبلغا عني! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإني مبلغه. فملأ الأعور كفه من الرمل، فقال: كم هذا الذي في كفي من الرمل؟ قال الغلام: شيء لا يحصى كثرة. ثم أومأ إلى الشمس، وقال: ما تلك؟ قال: هي الشمس! قال: فاذهب إلى قومي فأبلغهم عني التحية، وقل لهم يحسنوا إلي أسيرهم ويكرموه، فإني عند قوم محسنين إليّ مكرمين لي، وقل لهم يقروا جملي الأحمر، ويركبوا ناقتي العيساء «٥» ، بآية ما أكلت معهم حيسا «٦» ، ويرعوا

стр. 1856

حاجتي في أبيني مالك، وأخبرهم أن العوسج «١» قد أورق، وأن النساء قد تشكت «٢» ، وليعصوا همام بن بشامة، فإنه مشئوم محدود «٣» ، ويطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون. فأتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور بعدنا، فوالله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بني العنبر، قد بين لكم صاحبكم، أما الرمل الذي قبض عليه، فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى وأما الشمس التي أومأ إليها، فإنه يقول إن ذلك أوضح من الشمس وأما جمله الأحمر، فإنه هو الصمّان «٤» ، يأمركم أن تعروه «٥» ، وأما ناقته العيساء، فهي الدهناء «٦» ، يأمركم أن تنذروا بني مالك بن مالك ابن زيد مناة ما حذّركم، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذي أورق، فيخبركم أن القوم قد لبسوا السلاح، وأما تشكّي النساء، فيخبركم بأنهنّ قد عملن شكاء «٧» يغزون به. قال: وقوله «بآية ما أكلت معكم حيسا» يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم. قال: فتحرزت عمرو فركبت الدهناء، وأنذروا بني مالك، فقالوا: لسنا ندري ما يقول بنو عمرو، ولسنا متحولين لما قال صاحبكم. قال: فصبّحت اللهازم بني حنظلة، فوجدوا عمرا قد خلت، وإنما أرادوهم على الوقيط، وعلى الجيش أبجر بن جابر العجلي، وشهدها ناس من تيم اللات، وشهدها الغزر بن الأسود بن شريد من بني سنان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وتنازع في أسره

стр. 1857

بشر بن السوراء من تيم اللات، والغزر بن الأسود فجزا ناصيته «١» وخلّا سربه «٢» من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بني ربيعة بن عجل، وأسر عثجل بن شيبان بن علقمة من بني زرارة، ومنّ عليه، وأسرت غمامة بنت طوق بن عبيد بن زرارة، واشترك في أسرها الحطيم بن خلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خالد، وردّوها إلى أهلها، وعيّر جرير بن الخطفي بني دارم بأسر ضرار وعثجلي وبني غمامة، فقال: أغمام لو شهد الوقيط فوارسي ... ما فيه يقتل عنجل وضرار فأسر حنظلة المأمون بن شيبان بن علقمة، أسره طيسلة بن زياد أحد بني ربيعة، وأسر جويرية بن بدر من بني عبد الله بن دارم، فلم يزل في الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بني عجل، وأنشأ يتغنى بها رافعا عقيرته «٣» : وقائلة ما غاله أن يزورها ... وقد كنت عن تلك الزّيارة في شغل وقد أدركتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا ضعاف لا عزل سراع إلى الداعي، بطاء عن الخنا ... رزان لدى الناديّ من غير ما جهل «٤» لعلهم أن يمطروني بنعمة ... كما طاب ماء المزن في البلد المحل «٥» فقد ينعش الله الفتى بعد عسرة ... وقد يتبدي الحسنى سراة بني عجل فلما سمعوه أطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو ابن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أخو بني سلامة بن كندة من بني دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلي، وذلك أنه لم يزل يقاتل وهو يرتجز ويقول: كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

стр. 1858

وفيه يقول عنترة الفوارس: وغادرنا حكيما في مجال ... صريعا قد سلبناه الإزارا يوم النباج وثيتل «١» : لتميم على بكر الخشني قال: أخبرنا أبو غسان العبدي- واسمه رفيع- عن أبي عبيدة معمر بن المثني، قال: غدا قيس بن قاسم في مقاعس وهو رئيس عليها- ومقاعس هو صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم- ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحماني في الأحازب وهم حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج- بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم، وهم: بنو قيس وتميم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة- بالنباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، ويغير سلامة على أهل الثيتل. قال. فبعث قيس بن عاصم سنان بن سميّ الأهتم شيّفة له- والشّيفة الطليعة- فأتاه الخبر، فلما أصبح قيس سقى خيله ثم أطلق أفواه الرّوايا، وقال قومه: قاتلوا، فإن الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم! فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا من بكر يقول لصاحبه: يا قيس أورد فتفاءلوا به، فأغاروا على النباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديد، ثم إن بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة. فأتوا ثيتل ولم يغز سلامة ولا أصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال سلامة: إنكم أغرتم على ما كان أمره إليّ! فتلاحوا «٢» في ذلك، ثم اتفقوا على أن سلموا إليه غنائم ثيتل، ففي ذلك يقول ربيعة بن ظريف:

стр. 1859

فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز وموئل وأنت الذي خوّيت بكر بن وائل ... وقد عضّلت منها النباج وثيتل «١» غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت ... كراديس يهديهنّ ورد محجّل «٢» وظلت عقاب الموت تهفوا عليهم ... وشعث النواصي لحمهنّ تصلصل «٣» فما منكم أبناء بكر بن وائل ... لغارتنا إلا ركوب مذلل وقال جرير يصف ما كان من إطلاق قيس بن عاصم أفواه المزاد «٤» بقوله: وفي يوم الكلاب ويوم قيس ... هراق على مسلّحة المزادا «٥» وقال قرة بن قيس بن عاصم: أنا ابن الذي شقّ المزاد وقد رأى ... بثيتل أحياء اللهازم حصّرا وصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم ... ولم يجدوا إلا الأسنّة مصدرا على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا ... إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا «٦» فلم يرها الراءون إلا فجاءة ... يثرن عجاجا بالسنابك أكدرا «٧» سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا «٨» وحمران أدّته إلينا رماحنا ... ينازع غلّا من ذراعيه أسمرا «٩» وجشامة الذهليّ قدناه عنوة ... إلى الحي مصفود اليدين مفكّرا «١٠»

стр. 1860

يوم زرود: لبني يربوع على بني تغلب أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع وهم بزرود، فنذروا به «١» ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي- وهو فارس الشّيط «٢» ، وكان يومئذ معتلا في بني يربوع وأسيد بن حناءة السليطي، فتنازعا فيه، فحكما بينهما الحرث بن قراد- وأمّ الحارث امرأة من بني سعد بن ضبة- فحكم بناصية خزيمة للأنيف بن جبلة، على أن لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتي بعير وفرس. قال أنيف: أخذتك قسرا يا خزيم بن طارق ... ولا قيت مني الموت يوم زرود وعانقته والخيل تدمى نحورها ... فأنزلته بالقاع غير حميد أيام يربوع على بكر وهذه أيام كلها لبني يربوع على بني بكر: من ذلك يوم ذي طلوح «٣» ، وهو يوم أود، ويوم الحائر، ويوم ملهم، ويوم القحقح، وهو يوم مالّة ويوم رأس عين، ويوم طخفة، ويوم الغبيط، ويوم مخطّط، ويوم جدود، ويوم الجبايات ويوم زرود الثاني. يوم ذي طلوح: لبني يربوع على بكر كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلي، فخرج حتى ابتنى بها في بني عجل، فأتى أبجر أخته مزنة امرأة عميرة يزورها فقال لها: إني لأرجو أن آتيك ببنت النطف امرأة عميرة التي في قومها! فقال له عميرة: أترضى أن تحاربني وتسبيني؟ فندم أبجر وقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك! ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه
следующие страницы →