← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2626–2664 · переход к 2631.

стр. 2626

سعد بن الرابية وزياد اختصم إلى زياد بنو راسب وبنو طفاوة في غلام ادعوه، وأقاموا جميعا البينة عند زياد؛ فأشكل على زياد أمره، فقال سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع أصلح اللَّه الأمير، قد تبين لي في هذا الغلام القضاء؛ ولقد شهدت البينة لبني راسب والطفاوة، فولني الحكم بينهما. قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يلقى في النهر، فإن رسب فهو لبني راسب، وإن طفا فهو لبني الطفاوة، فأخذ زياد نعليه وقام وقد غلبه الضحك، ثم أرسل إليه: إني أنهاك عن المزاح في مجلسي. قال: أصلح اللَّه الأمير، حضرني أمر خفت أن أنساه. فضحك زياد وقال: لا تعودن. أفصح أهل البصرة وأجملهم أبو زيد قال: لم يكن بالبصرة أفصح لسانا ولا أظهر جمالا من الحسن بن أبي الحسن البصري، وزرعة بن أبي حمزة الهلالي. المتوكل وعبادة المخنث قال: وأخبرني الوليد بن عبيد البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل يوما وبين يديه عبادة المخنث، فأمر به فألقي في بعض البرك في الشتاء، فابتل وكاد يموت بردا؛ قال: أخرج من البركة وكسي، وجعل في ناحية في المجلس، فقال له: يا عبادة، كيف أنت؟ وما حالك؟ قال: يا أمير المؤمنين، جئت من الآخرة! فقال له: كيف تركت أخي الواثق؟ قال: لم أجز بجهنم! فضحك المتوكل وأمر له بصلة. نوادر أشعب قال أشعب: فيّ وفي أبي الزناد عجب؛ كنت أنا وهو في كفالة عائشة بنت عثمان، فما زال يعلو وأسفل حتى بلغنا غايتنا هذه! قيل لأشعب: لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك. قال: قد فعلت: قالوا له: فما حفظت من الحديث؟ قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي

стр. 2627

صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان فيه خصلتان كتب عند اللَّه خالصا مخلصا» . قالوا إن هذا حديث حسن؛ فما هاتان الخصلتان؟ قال: نسى نافع واحدة! ونسيت أنا الأخرى! وقال أشعب: رأيت رؤيا نصفها حق ونصفها باطل. قالوا كيف ذلك؟ قال: رأيتني أحمل بدرة «١» ، فمن شدة ثقلها عليّ كنت اسلح في ثيابي، ثم انتهيت، فإذا أنا بالسلح ولا بدرة! ساوم أشعب رجلا بقوس، فقال: أقلّ ثمنها دينار. قال أشعب: واللَّه لو أنك إذا رميت بها طائرا في السماء وقع مشويا بين رغيفين، ما اشتريتها منك بدينار أبدا! وقيل لأشعب: خففت صلاتك. قال: لأنها صلاة لا يخالطها رياء! وضرب الحجاج أعرابيا سبعمائة سوط، وهو يقول عند كل سوط: شكرا لك يا رب! فلقيه أشعب فقال: أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: ما أدري. قال: لكثرة شكرك؛ اللَّه تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٢» فقال: يا ربّ لاشكر فلا تزدني ... أسأت في شكرك فاعف عني باعد ثواب الشاكرين مني وسأل رجل أشعب أن يسلفه ويؤخّره، فقال هاتان حاجتان، فإذا قضيت لك إحداهما فقد أنصفت. قال الرجل: رضيت. قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك! أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي القعقاع قال: رأيت أشعب في السوق يبيع قطيفه «٣» ويقول للمشتري: أريد أن أبرأ إليك من عيب. قال: وما ذاك؟ قال: يحترق تحتها من دفن فيها. قال أشعب: من بال ولم يضرط كتب من الكاظمين الغيظ. وقيل لأشعب: هل خلق خلق أطمع منك؟ قال: نعم، أمّي، فإني كنت إذا جئتها

стр. 2628

بفائدة قد أعطيتها قالت: ما جئت به؟ فأتهجى لها الشيء حرفأ حرفا! ولقد أهدي لنا مرة غلام، فقالت: ما أهدي لنا؟ قلت: «غين» ؛ قالت: ثم ماذا؟ قلت: «لام» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ألف» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ميم» ؛ فأغمى عليها وجعلت تضرط، ولو أجملت لها الحروف لماتت فرحا! وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان إلا حسبت أنهما يأمران لي بشيء! ونظر أشعب إلى شيخ قبيح الوجه، فقال: ألم ينهكم سليمان بن داود عن أن تخرجوا بالنهار! ومر أشعب على رجل نجار يعمل طبقا، فقال له: زد فيه طوقا واحدا تتفضل به علي! قال: وما يدخل عليك؟ قال: لعل يوما يهدى إليّ فيه شيء! قال الأصمعي، أخبرني هارون بن زكريا عن أشعب قال: أدركت الناس يقولون قتل عثمان. قال الأصمعي: وعاش أشعب إلى زمان المهدي ورأيته. نوادر أبي محمد الأعمش دخل رجل على الأعمش يسأله عن مسألة، فردّ عليه فلم يسمع؛ فقال له: زدني في السماع. قال: ما ذلك لك ولا كرامة. قال: فبيني وبينك رجل من المسلمين قال: فخرجا إلى الطريق، فمر بهما شريك القاضي؛ فقال [الأعمش] : إني حدثت هذا بحديث فلم يسمع، فسألني أن أزيده في السماع لأنه ثقيل السمع، وزعم أن ذلك واجب له، فأبيت. قال له شريك: عليك أن تزيده، لأنك تقدر أن تزيد في صوتك؛ ولا يقدر أن يزيد في سمعه! أتت ليلة الشك من رمضان، فكثر الناس عند الأعمش يسألونه عن الصوم فضجر، ثم بعث إلى بيته فجيء إليه برمانة، فشقها ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر

стр. 2629

الى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، تناول حبة فأكلها، فيكفي الرجل السؤال ونفسه الردّ! قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوما، فقالت امرأته من وراء ستر: احملوا عنه، فواللَّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريّه «١» أو يشتم رفيقه. طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالردّ، فقالت: واللَّه ما أعجب منك، ولكني أعجب من قوم زوّجوك! ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: واللَّه إنا لنأتيك فما تنفعنا، ونتخلف عنك فما تضرّنا، وإن الوقوف إليك لذلّ، وإن تركك لحسرة؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط «٢» الخردل، وما أشبهك إلا بالصماخيفون «٣» ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة! فرفع الأعمش رأسه وقال: من هذا المتكلم؟ فقيل له: رقبة بن مصقلة فنكس رأسه. وقال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته، فمضى معي وأنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟ قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا. ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما ودعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك. فأدخلته الحمام، فلما جئت لأصبّ الماء الحارّ على رأسه، قال: ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه! وكثر الشعر على الأعمش، فقلت له: لم لا تأخذ من شعرك؟ قال: لا أجد حجّاما يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام ونتقدّم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا!

стр. 2630

قال: فأتيناه بحجام واعذرنا إليه ألا يتكلم حتى ينقضي أمره فبدأ الحجام بحلقه، فلما أمعن في حلقه سأله عن مسألة، فنفض ثيابه وقام بنصف رأسه محلوقا حتى دخل بيته، ثم جئناه بغير، فقال: لا واللَّه لا أخرج إليه حتى تحلفوه! فحلّفناه ألّا يسأله عن شيء؛ فخرج إليه. نوادر محمد بن مطروح الأعرج ولمحمد بن مطروح الأعرج من التبرم والملح والضجر والترفّع ما هو أحسن من هذا وأوقع. قال له رجل يوما: ما تقول يرحمك اللَّه في رجل مات يوم الجمعة، أيعذب عذاب القبر؟ قال: يعذّب يوم السبت! وقال له آخر: أتجد في بعض الحديث أنّ جهنم تخرب؟ قال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها! واستسقى بالناس يوما فأسرع بالصلاة قبل أن يتوافى الناس: فلما انصرف تلقاه بعض الوزراء فقال له: أسرعت أبا عبد اللَّه. قال: ليس علينا أن ننتظر حتى تشربوا وتأكلوا! وكانت لقومس الكاتب منه منزلة وجوار، وكان يتحفه ويتفقده بما أمكنه من الهدايا، وكانت صلاته معه في الجامع، والأعرج صاحب الصلاة، فإذا حضرت الصلاة ولم يحضر قومس، قال لبعض القومة: أنت يا شيطان، كلّم هؤلاء الكلاب لا يقيمون الصلاة حتى يأتي ذلك الخنزير. فكان برّه في حبس الصلاة عليه برّا العقوق خير منه. وكان يجلس إليه خصي لزرياب، قد حج وتنسك ولزم الجامع، فيتحدّث في مجلسه بأخبار زرياب، ويقول: كان أبو الحسن رحمة اللَّه يقول كذا وكذا. فقال له

стр. 2631

الأعرج: من أبو الحسن هذا؟ قال: زرياب. قال: بلغني أنه كان أخرق الناس لاست خصيّ! وسأله مرة وقال له: ما تقول في الكبش الأعرج، أيجوز في الأضحية؟ قال: نعم، والخصيّ أيضا مثلك! نوادر شتى وسمع أبو يعقوب الخريميّ منصور بن عمار صاحب المجالس، يقول في دعائه: اللهم اغفر لأعظمنا ذنبا، وأقسانا قلبا، وأقربنا بالخطيئة عهدا، وأشدّنا على الدنيا حرصا! فقال له: امرأتي طالق إن كنت دعوت إلا لإبليس! الأصمعي قال: حدّثنا بعض شيوخنا عن ابن طاوس قال: أقبلت إلى عبد اللَّه بن الحسن. فأدخلني بيتا قد نجّد بالرهاوى والميساني، وكل فرشة شريفة؛ قال: فبسطت نطعا وجلست عليه، وابناه محمد وإبراهيم صبيّان يلعبان، فلما نظرا إليّ قال أحدهما لصاحبه: «ميم» . فقال الآخر: «جيم» . فقلت أنا: «نون، واو، نون» فاستغربا ضحكا، وخرجا إلى أبيهما. أبو زيد قال: سكر حائك من الزّطّ، فحلف بالطلاق ليغنّيه أبو علي الأشرس، فمضى معه جماعة إلى أبي علي، فأخبروه، وقالوا: سكر فابتلي، وحلف بالطلاق لتغنّينّه، فأقبل على الحائك فقال: «يا مردسبز، يا مردخش، يا مردتر، إياك أن تعود!» . قال أبو زيد: تفسيره: يا سمين أخضر، يا سمين طيب، يا سمين رطب. وكان شيخ من البخلاء يأتي ابن المقفع، فألح عليه يسأله الغداء عنده، وفي كل ذلك يقول له: أترى أنك تراني أتكلف لك شيئا؟ لا واللَّه، لا أقدم لك إلا ما عندي! فأجابه يوما، فلما أتاه إذا ليس عنده ولا في منزله إلا كسرة يابسة وملح جريش؛ ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك! فألحّ عليه بالسؤال، فقال له:

стр. 2632

لئن خرجت إليك لأدقّنّ ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: أنت واللَّه لو علمت من صدق وعيده ما علمت من صدق موعوده، لم ترادّه كلمة ولا وقفت طرفة عين! مرّ برقبة بن مصقلة رجل زاهد غليظ الرقبة، فقال: هذا رجل زاهد والعلامات فيه بخلاف ذلك. فقال له رجل: أكلّمه بذلك أصلحك اللَّه! لئلا يكون غيبة؟ قال: كلمه حتى يكون نميمة! قال شريك بن عبد اللَّه القاضي: سبع من العجائب: عمياء منتقبة «١» ، وسوداء مختضبة، وخصيّ له امرأة، ومخنث يؤمّ قوما، وشيعيّ أشعريّ، ونخعيّ مرجي، وعربيّ أشقر، ثم قال شريك: من المحال عربيّ أشقر. قالوا: كانت في أبي عمرو وضرار بن عمرو ثلاثة من المحال: كان كوفيا معتزلا، وكان من بني عبد اللَّه بن غطفان ويرى رأي الشعوبية، ومحال أن يكون عربي شعوبيا، ومات وهو ابن سبعين سنة ... وقيل لشريح القاضي: أيهما أطيب: اللوزينق أو الجوزينق «٢» ؟ فقال: لا أحكم على غائب! وسأل رجل عمر بن قيس عن الحصاة من حصى المسجد يجدها الإنسان في ثوبه أو خفه أو جبهته! فقال له: ارم بها. فقال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى تردّ إلى المسجد. قال: دعها تصبح حتى ينشقّ حلقها! قال الرجل: أولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح؟ وسئل عامر الشعبي عن المسجد الخراب أيجامع فيه؟ قال: نعم ويخرأ فيه؟ الأصمعي قال: ولي رجل قضاء الأهواز، فأبطأت عليه أرزاقه وليس عنده ما يضحّي به ولا ما ينفق؛ فشكا ذلك إلى امرأته، وأخبرها ما هو فيه من الضيق، وأنه

стр. 2633

لا يقدر على أضحية؛ فقالت له: لا تغتم، فإنّ عندي ديكا عظيما قد سمّنته، فإذا كان يوم الأضحى ذبحناه. فبلغ جيرانه الخبر، فأهدوا له ثلاثين كبشا وهو في المصلى لا يعلم؛ فلما صار إلى منزله ورأى ما فيه من الأضاحي، قال لامرأته: من أين هذا؟ قالت: أهدى لنا فلان، وفلان، وفلان ... حتى سمت له جماعة. فقال لها: يا هذه، تحفّظي بديكنا هذا، فلهو أكرم على اللَّه من إسحاق بن إبراهيم؛ إنه فدى ذلك بكبش واحد، وفدى ديكنا هذا بثلاثين كبشا! نوادر أبي دلامة خرج أبو دلامة مع المهدي في مصاد لهم، فعنّ لهم ظبي، فرماه المهدي فأصابه، ورمى عليّ بن سليمان فأخطأ وأصاب الكلب؛ فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل. فقال: قد رمى المهديّ ظبيا ... شكّ بالسهم فؤاده وعليّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده فهنيئا لهما ك ... لّ امرىء يأكل زاده! وكتب أبو دلامة إلى عيسى بن موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات: إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة اللَّه الرحيم وأمّا بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم لزوم ما علمت بباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم له مائة عليّ ونصف أخرى ... ونصف النصف في صكّ قديم دراهم ما انتفعت بها ولكن ... حبوت بها شيوخ بني تميم ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده محمد بن الجهم وزيره، وكان المهديّ يستثقله، فقال لأبي دلامة: واللَّه لا تبرح مكانك حتى تهجو أحد الثلاثة! فهمّ أبو دلامة بهجاء ابن الجهم، خاف شرّه، فرأى أن هجاء نفسه أقل ضررا عليه، فقال: ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا إذا وضع العمامه

стр. 2634

وإن لبس العمامة كان فيها ... كثور لا تفارقه الكمامه وعرض أبو دلامة ليزيد بن مزيد، وهو قادم من الريّ، فأخذ بعنان فرسه وأنشد: إنّي نذرت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلّينّ على النبيّ محمّد ... ولتملأنّ دراهما حجري! فقال له: أما الصلاة على محمد فصلى اللَّه على محمد، وأما الدراهم فإلى أن أرجع إن شاء اللَّه. فقال له: لا تفرّق بينهما، لا فرّق اللَّه بينك وبين محمد في الجنة! فاقترضها من أصحابه وصبّها في حجره حتى أثقلته. ودخل أبو دلامة على المهدي فأسمعه مديحا، فأعجبه وقال له: سل حاجتك! قال: كلب صيد أصطاد به. قال: قد أمرنا لك بكلب تصطاد به. قال: وغلام يقود الكلب. قال: قد أمرنا لك بغلام. قال: وخادم تطبخ لنا الصيد. قال: وأمرنا لك بخادم. قال: ودار نأوي إليها. قال: وأمرنا لك بدار. قال: بقي الآن المعاش. قال: قد أقطعناك ألف جريب «١» عامرة وألف جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: التي لا تعمر. قال: فأنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفا من فيافي بني أسد! قال: فإنّا نجعلها عامرة كلها. قال: فيأذن أمير المؤمنين في تقبيل يده. قال: أما هذه فدعها، قال: ما منعتني شيئا أيسر على أمّ عيالي فقدا منه! المضحكات خاطب يزكيه وسيط: أبو الحسن المدائني قال: خطب رجل من بني كلاب امرأة، فقالت أمها: دعني حتى أسأل عنك. فانصرف الرجل فسأل عن أكرم الحيّ عليها؛ فدلّ على شيخ منهم كان يحسن التوسط في الأمر، فأتاه يسأله أن يحسن عليه الثناء، وانتسب له فعرفه؛

стр. 2635

ثم إن العجوز غدت عليه فسألته عن الرجل، فقال: أنا أعرف الناس به. قالت: فكيف لسانه؟ قال: مدره «١» قومه وخطيبهم! قالت: فكيف شجاعته؟ قال: منيع الجار حامي الذمار! قالت: فكيف سماحته؟ قال: ثمال «٢» قومه وربيعهم! وأقبل الفتى، فقال الشيخ: ما أحسن واللَّه ما أقبل! ما انثنى ولا انحنى. ودنا الفتى فسلّم، فقال: ما أحسن واللَّه ما سلّم! ما جأر ولا خار. ثم جلس، فقال: ما أحسن واللَّه ما جلس! ما دنا ولا نأى. وذهب الفتى ليتحرّك فضرط، فقال الشيخ: ما أحسن واللَّه ما ضرط! ما أظنّها ولا أغنّها، ولا بربرها ولا قرقرها. ونهض الفتى خجلا، فقال: ما أحسن واللَّه ما نهض! [ما انفتل ولا انخزل. وأسرع الفتى، فقال: ما أحسن واللَّه ما خطا] ! ما ازورّ ولا اقطوطى «٣» فقالت العجوز: حسبك يا هذا! وجّه إليه من يردّه، فو اللَّه لو سلح في ثيابه لزوّجناه! خاطب من أهل المجون: وخطب رجل امرأة، فجعل يخطبها وينعظ، فضرب رأس ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث. لأبي تمام في غلام وحمار: أبو سويد قال: كان لحبيب بن أوس حمار حصان، وغلام مؤنّث، فإذا نزل أخذ الحمار ينهق والغلام يمجن في كلامه؛ فقلنا له: إنما أنت فضيحة، فهل قلت فيهما شيئا؟ قال: لي حمار وغلام ... وهما مختلفان أير ذا ينعظ للنّي ... ك وذا رخو العنان لو بهذا عفّ هذا ... لاستراح الثّقلان

стр. 2636

محمد بن الحجاج البزّاز- وكان راوية بشار- قال: قال بشار ذات يوم، وهو يعبث، وكان مات له حمار قبل ذلك، قال: رأيت حماري البارحة في النوم، فقلت له: ويلك! مالك متّ؟ قال: إنك ركبتني يوم كذا وكذا، فمررنا على باب الأصبهاني، فرأيت أتانا «١» عند بابه، فعشقتها فمت! وأنشد: سيّدي خذ لي أمانا ... من أتان الأصبهاني إنّ بالباب أتانا ... فضلت كلّ أتان تيّمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان وبغنج ودلال ... سلّ جسمي وبراني ولها خدّ أسيل ... مثل خدّ الشيقران فبها متّ ولو عش ... ت إذا طال هواني! فقال له رجل من القوم: يا أبا معاذ، ما الشيقران؟ قال: هو شيء يتحدّث به الحمير. فإذا لقيت حمارا فاسأله. وقيل لأعرابي وهو واقف على ركيّة «٢» مالحة: كيف هذا الماء؟ قال: يخطيء القلب، ويصيب الاست. وأخذ رجل شرب، فأتى به الوالي فقال: استنكهوه. فقالوا: إن نكهته لا تبين عنه. قال: فقيئوه. فقال الشارب: فإن لم أقيء شرابا فمن يضمن لي عشائي؟ رافق أعرابي أعرابيا في سفر فقال: أنا واللَّه أشتهي كشكيّة «٣» . ومدّ بها صوته فضرط، فقال له صاحبه: ما نفختك يا بن عمّ! أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته وصار آدر، فدخلوا ليهنئوه، فقال: الذي جاء شرّ من الذي ذهب. أبو حاتم قال: رمي رجل أعور بنشابة، فأصابت عينه الصحيحة، فقال: أمسينا وأمسى الملك للَّه.

стр. 2637

وقال رجل للجماز: ولدت امرأتي لستة أشهر. فقال: لقد كان إناؤها ضاريا. قالوا: أتي الحجاج بسفط قد أصيب في بعض خزائن كسرى، مقفل؛ فأمر بالقفل فكسر، فإذا فيه سفط «١» آخر مقفل؛ فقال الحجاج: من يشتري مني هذا السفط بما فيه؟ فتزايد فيه أصحابه، حتى بلغ خمسة آلاف دينار، فأخذه الحجاج ونظر فيه فقال: ما عسى أن يكون فيه إلا حماقة من حماقات العجم! ثم أنفذ البيع وعزم على المشتري أن يفتحه ويريه ما فيه؛ ففتحه بين يديه، فإذا فيه رقعة مكتوب فيها: من أراد أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل. الزبير بن بكار قال: جاءت امرأة إلى ابن الزبير تستعدي على زوجها وتزعم أنه يصيب جاريتها؛ فأمر به فأحضر، فسأله عما ادعت، فقال: هي سوداء وجاريتها سوداء، وفي بصري ضعف، ويضرب الليل برواقه «٢» ، فأنا آخذ من دنا مني. قال: وخطب رجل خطبة نكاح وأعرابي حاضر، فقال: الحمد للَّه، أحمده وأستعينه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. حي على الصلاة، حي على الفلاح. فقال الأعرابي: لا تقم الصلاة، فإني على غير وضوء. وقال: سمعت أبا موسى عيسى الضّمريّ يقول: دخلت الحمام فإذا بأعمى قد ركب أعمى؛ فقال له: ما هذا؟ قال: ظلمات بعضها فوق بعض. قال العوّام بن حوشب: قال لي عيسى بن موسى: من أرضعتك؟ قلت: ما أرضعني إلا أمي. قال: قد علمت أن ذلك الوجه القبيح لا يصبر عليه سوى أمّك. وكان رجل مقيت «٣» قد تنسّك وتشبه بالحسن البصري، فشهد جنازة، فوقف على

стр. 2638

القبر وإلى جانبه رجل مليح، فضحك، فقال له الناسك: ما أعددت لهذه الحفرة يا فلان؟ قال: قذفك فيها الساعة. ودخل أعرابي الحمام فضرط، فقال نبطيّ كان في الحمام: صبحان اللَّه. فقال له الأعرابي: يا بن اللخناء، ضرطتي أفصح من تسبيحك. وقيل لأعرابي: مالك لا تجاهد؟ قال: واللَّه إني أبغض الموت على فراشي، فكيف أسعى إليه ركضا. شهادة أعرابي: واستشهد أعرابيّ على رجل وامرأة زنيا، فقيل له، أرأيته داخلا وخارجا كالمرود في المكحلة؟ فقال: واللَّه لو كنت جلدة استها ما رأيت هذا. وجد منبوذ بضفّة العراق وعند رأسه مائة دينار، ورقعة مكتوب فيها: أنا ابن الشقي وابن الشقية، وابن القدح والرطليّة، وابن البغي والبغيّة، من كفّلني فله هذه الميّة. السندي بن شاهك والحجام: السندي بن شاهك قال: بعث إليّ المأمون بريدا وأنا بخراسان، فطويت المراحل حتى أتيت باب أمير المؤمنين وقد هاج بي الدم، فوجدته نائما، فأعلمت الحاجب بقصتي وقدّمت إليه عذري وما هاج بي من الدم، وانصرفت إلى منزلي فقلت: أحضروا إليّ الحجّام. قالوا: هو محموم. قلت: فهاتوا حجاما غيره ولا يكون فضوليا. فأتوني به، فما هو إلا أن دارت يده على وجهي حتى قال: جعلت فداك! هذا وجه لا أعرفه، فمن أنت؟ قلت: السندي بن شاهك. قال: ومن أين قدمت، فإني أرى أثر السفر عليك؟ قلت: من خراسان. قال: وأيّ شيء أقدمك؟ قلت: وجه إليّ أمير المؤمنين بريدا ... ولكن إذا فرغت فسأخبرك بالقصة على وجهها. قال: وتعرّفني بالمنازل والسكك التي جئت عليها؟ قلت: نعم.

стр. 2639

قال: فما هو إلا أن فرغ حتى دخل رسول اللَّه أمير المؤمنين ومعه كركي «١» ، فقال: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام وهو يعذرك فيما هاج بك من الدم، وقد أمرك بالتخلف في منزلك إلى أن تغدو عليه إن شاء اللَّه، ويقول: ما أهدي إلينا اليوم غير هذا الكركي. فشأنك به. قال: فالتفت السندي إلى جلسائه فقال: ما يضع بهذا الكركي؟ فقال الحجام: يطبخ سكباجا «٢» . قال السندي: يصنع كما قال. وحلف على الحجام الّا يبرح؛ فحضر الغذاء فتغدّينا وهو ينظر، ثم قدّم الشراب، فلما دارت الأقدام قلت: يعلّق الحجام من العقبين» ! ثم قلت: جعلت فداك! سألني عن المنازل والسكك «٤» التي قدمت عليها وأنا مشغول في ذلك الوقت؛ وأنا أقصها عليك [الآن] فاستمع: خرجت من خراسان وقت كذا، فنزلت كذا ... يا غلام، اضرب! فضربه عشرة أسواط؛ ثم قلت: وخرجت منه إلى مكان كذا ... يا غلام، أوجع! فضربه عشرة أسواط أخرى؛ ولم يزل يضربه لكل سكة عشرة، حتى انتهى إلى سبعين سوطا فالتفت إليّ الحجام وقال: يا سيدي، سألتك باللَّه، إلى أين تريد أن تبلغ؟ قلت: إلى بغداد. قال: لست تبلغ حتى تقتلني. قلت: فأتركك على ألّا تعود؟ قال: واللَّه لا أعود أبدا. قال: فتركته، وأمرت له بسبعين درهما: فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر؛ فقال: وددت أنك بلغت به إلى أن تأتي على نفسه. فتوى أبي ضمضم: أتت جارية أبا ضمضم فقالت: إن هذا قبّلني. فقال قبّليه، فإنّ اللَّه يقول: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ «٥» . وارتفع رجلان إلى أبي ضمضم، فقال أحدهما: أبقاك اللَّه، إن هذا قتل ابني.

стр. 2640

قال: هل لابنك أم؟ قال: نعم. قال: ادفعها إليه حتى يولدها لك ولدا مثل ولدك، ويربيه حتى يبلغ مثل ولدك، ويبرأ به إليك. حيطة أعمى: وكان بالمدينة أعمى يكنى أبا عبد اللَّه، أتى يوما يغتسل من عين، فدخل بثيابه؛ فقيل له: بللت ثيابك. قال: تبتلّ عليّ أحبّ إليّ من أن تجف على غيري. طبع الناسك: وفي كتاب الهند أن ناسكا كان له سمن في جرّة معلقة على سريره، ففكر يوما وهو مضطجع على سريره وبيده عكاز؛ فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، فأشتري بها خمس أعنز، فأدهن في كل سنة مرتين؛ حتى تبلغ ثمانين وأبيعهن، فأبتاع بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأبتاع العبيد والإماء، ويولد لي ولد فآخذ به في الأدب، فإن عصاني ضربته بهذه العصا. وأشار بالعصا فأصاب الجرة، فانكسرت وانصبّ السمن على وجهه ورأسه. شهادة الحمير: الزبير قال: حدثنا بكار بن رباح قال: كان بمكة رجل يجمع بين الرجال والنساء ويحمل لهم الشراب، فشكي إلى عامل مكة، فنفاه إلى عرفات، فبنى بها منزلا وأرسل إلى إخوانه فقال: ما منعكم أن تعاودوا ما كنتم فيه؟ قالوا: وأين بك وأنت في عرفات؟ قال: حمار بدرهم وقد صرتم على الأمن والنزهة. ففعلوا فكانوا يركبون إليه حتى فسدت أحداث مكة؛ فأعادوا شكايته إلى والي مكة. فأرسل إليه فأتي به، فقال: يا عدوّ اللَّه! طردتك فصرت تفسد في المشعر الحرام قال: يكذبون عليّ أصلح اللَّه الأمير. فقالوا: أصلحك اللَّه، الدليل على صحة ما نقول أن تأمر بجمع حمير مكة فترسل بها أمناء إلى عرفات فيرسلوها، فإن تهتد إلى منزله دون المنازل كعادتها فنحن غير مبطلين. فقال الوالي: إن في هذا لدليلا وشاهدا عدلا.

стр. 2641

فأمر بحمير من حمر مكة التي للكراء فأرسلت، فصارت إلى منزله كما هي بغير دليل، فأعلمه بذلك أمناؤه، فقال: ما بعد هذا شيء، جرّدوه! فلما نظر إلى السياط قال: لا بد أصلحك اللَّه من ضربي؟ قال: نعم يا عدوّ اللَّه. قال: واللَّه ما في ذلك شيء هو أشدّ عليّ من أن يشمت بنا أهل العراق ويضحكون منا ويقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير! قال: فضحك الوالي وخلّى سبيله. هنأ رجل رجلا في أعرابية. فقال: باليمن والبركة، وشدّة الحركة، والظفر في المعركة. وصف حمار: الهيثم بن عدي قال: بينا أنا بكناسة الكوفة. إذا برجل مكفوف البصر قد وقف على نخاس يسوق الدواب، فقال له: أبغني حمارا لا بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إذا خلا له الطريق تدفق، وإذا كثر الزحام توفق، وإن أقللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإذا ركبته هام، وإن ركبه غيري نام. قال له النخاس: يا عبد اللَّه اصبر، فإذا مسخ اللَّه القاضي حمارا أصبت حاجتك إن شاء اللَّه! وصف فرس: قال: ودخل رجل السوق في شراء فرس، فقال له النخاس: صفه لي. فقال: أريده حسن القميص، جيّد الفصوص «١» ، وثيق العصب، نقي القصب، يشير بأذنيه ويتشوّف برأسه، ويخطر بيده، ويدحو «٢» برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، أو منحطّ من جبل! فقال له النخاس: نعم، كذلك كان صلوات اللَّه عليه! قال: إنما أصف لك فرسا. قال: ما حسبتك إلا في وصف نبيّ منذ اليوم. هجاء أبي نخيلة لليمن: قال ودخل ابن نخيلة اليمن، فلم ير بها أحدا حسنا، ورأى نفسه- وكان قبيحا-

стр. 2642

أحسن من بها فقال: لم أر غيري حسنا ... منذ دخلت اليمنا ففي حر امّ بلدة ... أحسن ما فيها أنا! كناس الكوفة: محمد بن إسحاق قال: قال سفيان بن عيينة: دخلت الكوفة في يوم فيه رذاذ من مطر، فإذا أنا بكنّاس فتح كنيفا ووقف على رأس البئر وهو يقول: بلد طيّب ويوم مطير ... هذه روضة وهذا غدير ثم قال لصاحبه: انزل فيها. فأبى عليه؛ فنزل وهو يقول: لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزولا كناس آخر: الأصمعي قال: بينا أنا سائر بالفيفاء، إذ سمعت صوتا يقول «١» : جنّبوني ديار هند وسعدى ... ليس مثلي يحلّ دار الهوان قال: فالتفتّ يمنة وشمالا، فإذا الصوت خارج من حشّ؛ فأقبلت حتى وقفت «٢» عليه، فإذا بكناس وبيده فأس؛ فقلت: يا سبحان اللَّه! أنت تكنس عذرة وتقول: ليس مثلي يحل دار الهوان فأنّى ذلك؟ وأيّ هو ان أكثر مما أنت فيه؟ قال: فرفع رأسه إليّ وقال: لا تلمني فإنني نشوان ... أنا في الملك ما سقتني الدّنان فقلت: ما هو إلا كقول الآخر: من قرّ عينا بعيشه نفعه

стр. 2643

ولعلي بن الجهم: أعظم ذنبي عندكم ودّي ... فليت هذا ذنبكم عندي يا حسرتا أهلك وجدا بمن ... لا يعرف الشكوى من الوجد خبر الجعدين: حماد الراوية قال: أتيت مكة، فجلست في حلقة منها فيها عمر بن أبي ربيعة القرشي، وإذا هم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم، فقال عمر بن أبي ربيعة، أحدّثكم عن بعض ذلك. كان لي خليل من عذرة، [يقال له الجعد بن مهجع، و] يكنى أبا مسهر وكان مشتهرا بأحاديث النساء، يشبّب بهن وينشد فيهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة، ولا حديث السلوة؛ وكان يوافي الموسم في كل سنة، فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار، واستوقفت له السّفّارة «١» . وإنه غاب عني ذات سنة خبره، حتى قدم وفد عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا رجل يتنفس الصعداء؛ فقال: عن أبي مسهر تسأل؟ قلت: نعم. قال: هيهات هيهات! أصبح واللَّه أبو مسهر لا حيّا يرجى، ولا ميتا ينسى، ولكنه كما قال الشاعر: لعمرك ما هذا الغرام بتاركي ... صحيحا ولا أقضي به فأموت فقلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من انهما ككما في الضلال، وجرّكما أذيال الخسران، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار! قلت: ما أنت منه يابن أخي؟ قال: أخوه. قلت: واللَّه [ما يمنعك أن تسلك مسلكه الذي سلك إلا] أنك وأخاك كالوشي والبجاد «٢» ، لا يرقعك ولا ترقعه! ثم انطلقت وأنا أقول: أرائحة حجّاج عذرة روحة ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع

стр. 2644

خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... ومهما يقل أسمع وإن قلت يسمع ألا ليت شعري أي خطب أصابه ... فلي زفرات هجن ما بين أضلع فلا يبعدنك اللَّه خلا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي قال: فلما حججت ووقفت بعرفات، إذا به قد أقبل، وقد تغير لونه وساءت هيئته، وما عرفته إلا بناقته؛ فأقبل [فأدنى ناقته من ناقتي] حتى خالف بين أعناقهما، ثم اعتنقني وجعل يبكي، فقلت له: ما الذي دهاك؟ قال: برح الخفاء وكشف الغطاء ثم أنشد يقول: لئن كانت عديلة ذات مطل ... لقد علمت بأنّ الحبّ داء «١» [ألم تنظر إلى تغيير جمسي ... وأنّي لا يفارقني البكاء] وإنك لو تكلفت الذي بي ... لزال السّتر وانكشف الغطاء وإن معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصّبابة واللقاء إذا العذريّ مات بحتف أنف ... فذاك العبد تحكيه الرّشاء فقلت: يا أبا مسهر، إنها ساعة عظيمة، تضرب فيها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت اللَّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك، وتنصر على عدوّك فجعل يدعو، حتى إذا مالت الشمس للغروب، وهم الناس أن يفيضوا سمعته يهينم بشيء، فأصغيت مسمعا، فجعل يقول: يا ربّ كلّ غدوة وروحه ... من محرم يشكو الصّبا ونوحه «٢» أنت حسيب الخلق يوم الدوحه فقلت له وما يوم الدوحة؟ قال: سأخبرك إن شاء اللَّه، ولو لم تسلني. فيممنا نحو المزدلفة، فأقبل عليّ وقال: إني رجل ذو مال كثير، من نعم وشاء، وإني خشيت على مالي عام أوّل التلف، فأتيت أخوالي كلبا، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني

стр. 2645

جمة البئر «١» ، وكنت منهم في خير أخوال؛ ثم إني عزمت على مواقعة إبلي بماء لهم يقال له الحوادث؛ فركبت يوما فرسي، وعلقت معي شرابا أهداه إلي بعض الكلبيين، فانطلقت؛ حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم، رفعت لي دوحة عظيمة، فقلت: لو نزلت تحت هذه الشجرة ثم تروّحت مبردا! ففعلت، فشددت فرسي ببعض أغصانها، ثم جلست تحتها، فإذا بغبار [قد] سطع من ناحية الحي، ثم تبينت، فبدت لي شخوص ثلاثة، فإذا فارس يطرد مسحلا «٢» وأتانا، فلما قرب مني إذا عليه درع أصفر وعمامة خز سوداء؛ فما لبث أن لحق المسحل فطعنه فصرعه، ثم ثنى طعنة للأتان، وأقبل وهو يقول: نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل «٣» فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت، فلو نزلت، فثنى رجله ونزل وشدّ فرسه ببعض أغصان الشجرة؛ ثم أقبل حتى جلس، فجعل يحدثني حديثا ذكرت به قول الشاعر: وإنّ حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل «٤» فبينا هو كذلك، إذ نكت بالسوق على ثنيتيه، فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط وقلت: مه! فقال: ولم؟ قلت: إني خائف أن تكسرها؛ إنهما رقيقتان عذبتان. قال: فرفع عقيرته وجعل يقول: إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجر وقال: ما هذا الذي جعلت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إليّ بعض أهلك. فهل لك فيه؟ قال: ما نكرهه إذا كره. فأتيته به، فوضعته بيني وبينه، فلما شرب منه شيئا نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مهاة قد أضلت ولدها؛ ثم رفع عقيرته يتغنى:

стр. 2646

إنّ العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا الّلبّ حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق اللَّه إنسانا ثم قمت لأصلح من أمر فرسي، فرجعت وقد حسر العمامة عن رأسه؛ وإذا غلام كأنّ وجهه دينار هرقلي، فقلت: سبحانك اللهم! ما أعظم قدرتك! قال: فكيف؟ قلت: ذلك مما راعني من نورك، وبهرني من جمالك! قال: وما الذي يروعك من زرق العيون وحبيس التراب، ثم لا تدري أينعم بعدك أم يبأس؟ قلت: لا يصنع اللَّه بك إلا خيرا. ثم قام إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة من تحت الدرع، فإذا ثدي كأنه حقّ «١» عاج، قلت: نشدتك اللَّه، امرأة أنت؟ قالت: إي واللَّه، وتكره العهر، وتحب الغزل! قلت: وأنا واللَّه كذلك! فجلست واللَّه تحدثني ما أنكر من أمرها شيئا، حتى مالت على الدوحة سكرى؛ فاستحسنت واللَّه يا ابن أبي ربيعة الغدر، وزيّن في عيني؛ ثم إن اللَّه عصمني؛ فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، وأخذت الرمح، وجالت في متن فرسها؛ فقلت: مضيت ولم تزوّديني منك زادا! فأعطتني بنانها فشممت واللَّه منها كالنبات الممطور زهر «٢» الثلج؛ ثم قلت: أين الموعد؟ قالت: إن لي إخوة شرسا «٣» وأبا غيورا، واللَّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك! ثم مضت فكان واللَّه آخر العهد بها إلى يومي هذا، وهي التي بلّغتني هذا المبلغ وأحلّتني هذا المحل! قال: فدخلتني له رقّة؛ فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي وشدّ على ناقته، وحملت غلاما لي على بعير، وحملت عليه قبة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة،

стр. 2647

وأخذت معي ألف دينار، ومطرف «١» خزّ؛ ثم خرجنا حتى أتينا بلاد كلب، فإذا الشيخ في نادي الحيّ، فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام، من أنت؟ فقلت: عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. قال: المعروف غير المنكور، فما الذي جاء بك؟ قلت: جئتك خاطبا، قال: أنت الكفء لا يرغب عن وصله، والرجل الذي لا يردّ عن حاجته. قال: قلت: إني لم آتك لنفسي وإن كنت في موضع الرغبة، ولكنني أتيتكم لابن أختكم العذري. قال: واللَّه إنه لكفء الحسب، كريم النسب؛ غير أن بناتي لم يعرفن هذا الحي من قريش. قال: فعرف الجزع من ذلك في وجهي؛ فقال: أما إني أصنع في ذلك ما لم أصنعه قط لغيرك؛ أخيّرها في نفسها، فهي وما اختارت. فقلت: خيّرها. فأرسل إليها: إن من الأمر كذا وكذا، فالرأي رأيك. فقالت: ما كنت لأستبدّ برأي دون رأي القرشي، خياري ما اختار. قال: قد ردّت الأمر إليك. فحمدت اللَّه وصليت على النبي ﷺ ، وقلت: قد زوجتها العذريّ [الجعد بن] مهجع. وأصدقتها عنه الألف دينار، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبّة، وكسوت الشيخ المطرف، فسرّ به، وسألته أن يبني بها من ليلته، فأجابني إلى ذلك؛ فضربت القبة في وسط الحيّ، وأهديت إليه ليلا، وبت عند الشيخ في خبر مبيت، فلما أصبحت غدوت فقمت بباب القبة، فخرج إليّ وقد تبين الجذل فيه، فقلت: كيف كنت بعدي أبا مسهر؟ قال: أبدت لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم رأيتها. فقلت: أقم عند أهلك بارك اللَّه لك! ثم انطلقت إلى أهلي وأنا أقول: كفيت الفتى العذريّ ما كان نابه ... ومثلي لأثقال النّوائب يحمل «٢» أما استحسنت منّي المكارم والعلا ... إذا صرّحت أنّي أقول وأفعل

стр. 2648

زواج المأمون ببوران حدث أبو محمد الشعبي الورّاق- وكان عند باب خراسان عند باب الجسر الأول- عن حماد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، قال: بينا أنا ذات يوم عند المأمون وقد خلا وجهه وطابت نفسه، إذ قال لي: يا إسحاق، هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيّب اللَّه عيش أمير المؤمنين، ودام سروره وفرحه! فقال: يا غلمان، خذوا علينا الباب وأحضروا الشراب. قال: ثم أخذ بيدي وأدخلني في مجلس غير المجالس التي كنا فيها، وإذا قد نصبت الموائد، وأصلح ما كان يحتاج إليه الحال، حتى كأنه شيء قد كان تقدّم فيه؛ قال: فأكلنا وأخذنا في الشراب، فأقبلت السّتيرات «١» من كل ناحية بضروب من الغناء وصنوف من اللهو؛ فلم نزل على ذلك إلى آخر النهار. فلما غربت الشمس قال لي: يا إسحق، خير أيام الفتى أيام الطرب! قلت: هو واللَّه ذاك يا أمير المؤمنين. قال: فإني فكّرت في شيء فهل لك فيه؟ قلت: لا أتأخر عن رأي أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه! قال: لعلنا نباكر الصبوح في غدوتنا هذه، وقد عزمت على دخلة إلى الحرم، فكن بمكانك ولا ترم «٢» ، فإني أوافيك عن قريب. قلت: السمع والطاعة. ثم نهض إلى دار السلام، فما عرف له خبر إلى أن ذهب من الليل عامّته. قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق اللَّه بالنساء، وأشدّهم ميلا إليهن واستهتارا بهنّ، وعلمت أن النبيذ قد غلب عليه، وأنهن قد أنسينه أمري وما كان تقدم إليّ ووعدني من رجوعه، فقلت في نفسي: هو في لذته وأنا ههنا في غير شيء، وفيّ بقية، وعندي صبية كنت قد اشتريتها؛ ونفسي متطلعة إلى افتضاضها. فقمت مسرعا عند ذكرها، فقال الخدم: على أيّ عزمت وإلى أين تريد؟ قلت: أريد الانصراف. قالوا: فإن طلبك أمير المؤمنين؟ قلت هو في سروره قد شغله الطرب.

стр. 2649

ولذة ما هو فيه عن طلبي، وقد كان بيني وبينه موعد قد جاز وقته، ولا وجه لجلوسي. قال: وكنت مقدّم الأمر في دار المأمون، مقبول القول فيه، لا أعارض في شيء، إذا أو مأت إليه؛ فخرجت مبادرا إلى باب الدار، فلقيني غلمان الدار وأصحاب النوبة «١» ، فقالوا: إن غلمانك قد انصرفوا، وكانوا قد جاءوك بدابة، فلما علموا بمبيتك انصرفوا. فقلت: لا ضير، أنا أتمشى إلى البيت وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة؟ قلت: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: فنمضي بين يديك بمشعل؟ قلت: لا، ولا أريد أيضا. وأقبلت نحو البيت، حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحرقة البول، فعدلت إلى بعض الأزقة، لئلا يجوز أحد من العوام فيراني أبول على الطريق؛ فبلت، حتى إذا قمت إلى المسح ببعض الحيطان، إذا بشيء معلق من تلك الدار إلى الزقاق، فما تمالكت أن تمسّحت، ثم دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو، فإذا بزنبيل «٢» كبير معلق بأربعة مقابض، ملبس ديباجا «٣» ، وفيه أربعة أحبل ابريسم، فلما نظرت إليه وتبينته قلت: واللَّه إن لهذا لسببا، وإن له لأمرا. فأقمت ساعة أتروّى في أمري وأفكر فيه، حتى إذا طال ذلك بي قلت: واللَّه لأتجاسرنّ ولأجلسنّ فيه كائنا ما كان ... ثم لففت رأسي بردائي وجلست في جوف الزنبيل، فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله، جذبوا الزنبيل إليهم حتى انتهوا إلى رأس الحائط، فإذا بأربع جوار، فقلن: انزل بالرحب والسعة، أصديق أم جديد؟ فقلت: لا، بل جديد! فقلن: يا جارية، هاتي الشمعة. فابتدرت إحداهن إلى طست فيه شمعة، وأقبلت بين يديّ، حتى نزلت إلى دار نظيفة، فها من الحسن والظّرف ما حرت له، ثم أدخلتني إلى

стр. 2650

مجالس مفروشة، ومناصّ «١» مرصوصة، [فيها من] صنوف الفرش ما لم أر مثله إلا في دار الخليفة. فجلست في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ذلك إلا بضجة وجلبة، وستور قد رفعت في ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتسابقن في أيدي بعضهنّ الشمع، وبعضهنّ المجامر يبخرن فيها العود والندّ؛ وبينهن جارية كأنها تمثال عاج، تتهادى بينهن كالبدر الطالع، بقدّ يزري على الغصون؛ فما تمالكت عند رؤيتها أن نهضت، فقالت: مرحبا بك من زائر أتى وليست تلك عادته. وجلست، ورفعت مجلسي عن الموضع الذي كنت فيه، فقالت: كيف كان ذا واللَّه لي ولك، ولا علم كان وقع إليّ؛ فما السبب؟ قال: قلت: انصرفت من عند بعض إخواني، وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، وأخذني البول فأخذت إلى هذا الطريق، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلا معلقا، فحملني النبيذ فجلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، وإن كان صوابا فاللَّه ألهمنيه قالت: لا ضير إن شاء اللَّه، وأرجو أن تحمد عواقب أمرك؛ فما صناعتك؟ قلت: بزّاز «٢» . قالت: وأين مولدك؟ قلت: بغداد. قالت: ومن أيّ الناس أنت؟ قلت: من أماثلهم وأوساطهم. قالت: حيّاك اللَّه وقرّب دارك! ... قالت: فهل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: شيئا يسيرا. قالت: فذاكرنا بشيء مما حفظت قلت: جعلت فداك. إن للداخل دهشة، وفيّ انقباض؛ ولكن تبتدئين بشيء من ذلك، فالشيء يأتي بالمذاكرة. قالت: لعمري لقد صدقت، فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا ... ؟ ثم أنشدتني لجماعة من الشعراء، القدماء والمحدثين، من أحسن أشعارهم، وأجود أقاويلهم، وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب، من ضبطها، أم من حسن لفظها، أم من حسن أدبها، أم من حسن [روايتها و] جودة ضبطها للغريب، أم من

стр. 2651

اقتدارها على النحو ومعرفة أوزان الشعر؟ ثم قالت: أرجو أن يكون ذهب عنك بعض ما كان من الحصر والانقباض والحشمة «١» . فقلت: إن شاء اللَّه لقد كان ذلك. قالت: فإن رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافعل. قال: فاندفعت أنشد لجماعة من الشعراء؛ فاستحسنت نشيدي وأقبلت تسألني عن أشياء في شعري كالمختبرة لي، وأنا أجيبها بما أعرف في ذلك، وهي مصغية إليّ، ومستحسنة لما آتى به؛ حتى أتيت على ما فيه مقنع؛ قالت: واللَّه ما قصّرت ولا توهمت في عوام التجار وأبناء السوقة مثل ما معك؛ فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت أيضا في شيء من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما عندك. فما غابت عنا حينا حتى قدّمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائب الطعام السري؛ فقالت: إن الممالجة أول الرضاع، فتقدمت، فأقبلت أعذّر بعض التعذير، وهي معي تقطع وتضع بين يديّ، وأنا أغتنم ما أرى من ظرفها وحسن أدبها، حتى رفعت المائدة. وأحضرت آنية النبيذ، فوضعت بين يديّ صينية وقدح ومغسل، وبين يديها مثل ذلك، وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه ما لم أره اجتمع لأحد إلا لوليّ عهد أو سلطان، وقد عبّيء أحسن تعبئة، وهيّيء أحسن تهيئة. قال إسحاق: فتثاقلت عن الشراب لتكون هي المبتدئة، فقالت: مالي أراك متوقفا عن الشراب؟ قلت: انتظارا لك، جعلت فداك! فسكبت قدحا آخر فشربت. ثم قالت: هذا أوان المذاكرة، فإن المذاكرة بالأخبار وذكر أيام الناس مما يطرب. قلت: لعمري إن هذا لمن أوقاته. فاندفعت، فقلت: بلغني أنه كذا وكذا ... وكان رجل من الملوك يقال له فلان بن فلان ... وكان من قصته كذا وكذا ... ، حتى مررت بعدة أخبار حسان من أخبار الملوك، وما لا يتحدث به إلا عند ملك أو خليفة؛ فسرّت بذلك سرورا شديدا، ثم قالت: واللَّه لقد حدّثتني

стр. 2652

بأحاديث حسان، ولقد كثر تعجبي من أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنما هذا من أحاديث الملوك، وما لا يتحدّث به إلا عند ملك أو خليفة. فقلت: جعلت فداك، كان لي جار ينادم بعض الملوك، وكان حسن المعرفة كثير الحفظ؛ فكان ربما تعطل عن نوبته التي كان يذهب فيها إلى دار صاحبه؛ لشغل يمنعه من ذلك، أو لأمر يقطع، فأمضى إليه، وأعزم عليه، وأصيّره إلى منزلي؛ فربما أخبرني من هذه الأحاديث شيئا، إلى أن صرت من خاصة أخدانه وممن كان لا يفارقه؛ فما سمعت مني فمنه أخذته، وعنه استفدته. فقالت: يجب أن يكون هذا كذا. ولعمري لقد حفظت فأحسنت الحفظ، وما هذا إلا لقريحة جيدة وطبع كريم. قال إسحاق: وأخذنا في الشراب والمذاكرة: أبتديء الحديث، فإذا فرغت ابتدأت هي في آخر، حتى قطعنا بذلك عامة الليل، والندّ «١» وفائق البخور يجدّد، وأنا في حالة لو توهمها المأمون أو تأملها لاستطار سرورا وفرحا. ثم قالت لي: يا فلان- وكنت قد غيرت عليها اسمي وكنيتي- واللَّه إني لأراك كاملا، وإنك في الرجال لفاضل، وإنك لوضيء الوجه، مليح الشكل، بارع الأدب؛ وما بقي عليك إلا شيء واحد حتى تكون قد برّزت وبرعت. فقلت: وما هو يا سيدتي، دفع اللَّه الأسواء عنك؟ قالت: لو كنت تحرّك بعض الملاهي، أو تترنم ببعض الأشعار. فقلت: واللَّه [إني كنت] قديما أشتهيه، وطالما كلفت به وحرصت عليه، فلم أرزقه ولا يعلق بي شيء منه؛ فلما طال عنائي به، وكلما تقدمت في طلبه كنت منه أبعد وعنه أذهب، تركته وأعرضت عنه، وإن في قلبي من ذلك لحرقة، وإني لمستهتر به مائل إليه، وما أكره أن أسمع في مجلسي هذا من جيّده شيئا؛ لتكمل ليلتي ويطيب عيشي! قالت: كأنك قد عرّضت بنا. قلت: لا واللَّه ما هو تعريض، وما هو إلا تصريح؛ وأنت بدأت بالفضل، وأنت أولى من أتمّ ما بدأ به. فقالت: يا جارية: عود. فأحضرت عودا، فأخذته، فما هو إلا أن جسّته حتى ظننت أن الدار قد سارت بي وبمن فيها، واندفعت تغني، مع صحة أداء وجودة صوت.

стр. 2653

فقلت: واللَّه لقد جمع اللَّه لك خلال «١» الفضل، وحباك بالكمال الرائع، والعقل الزائد، والأخلاق المرضية، والأفعال السنية. فقالت: أما تعرف لمن هذا الصوت ومن غنّى به؟ قلت: لا واللَّه. قالت: الغناء لإسحاق، والشعر لفلان، وكان سببه كذا وكذا ... فقلت: هذا واللَّه أحسن من الغناء. فلم تزل تلك حالها في كل صوت تغنيه، ومع ذلك تشرب وأشرب؛ حتى إذا كان عند انشقاق الفجر، جاءت عجوز كأنها داية «٢» لها، فقالت: أي بنية، إن الوقت قد حضر، فإذا شئت فانهضي. فلما سمعت مقالها نهضت؛ فقالت: عزمت؟ قلت: إي واللَّه. فقالت: مصاحبا للسلامة، [عزمت] عليك لتسترنّ ما كنا فيه، فإن المجالس بالأمانة. فقلت جعلت فداك، أفأحتاج إلى وصية في ذلك؟ فودعتها وودعتني، وقالت: يا جارية، بين يديه. فأتي بي باب في ناحية الدار ففتح لي وأخرجت منه إلى طريق مختصرة، وبادرت البيت، فصليت ووضعت رأسي، فما انتبهت إلا ورسل الخليفة على الباب؛ فقمت فركبت فسرت إليه، فلما مثلت بين يديه قال لي: يا إسحاق، جفوناك بما كنا ضمنّاه لك، وتشاغلنا عنك. فقلت: يا سيدي، ليس شيء آثر عندي وأسرّ إلى قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين فإذا كمل سروره وطاب عيشه فعيشنا يطيب وسرورنا يتصل بسروره. ثم قال: ما كانت حالتك؟ قلت: يا سيدي كنت اشتريت من السوق صبية، وكنت متعلق القلب بها، فلما تشاغل أمير المؤمنين عني، وقد كانت فيّ بقية طالبتني نفسي بها، فمضيت مسرعا وأحضرتها، وأحضرت نبيذا فسقيتها وشربت معها، وغلب عليّ السكر فقطعت عما أردت، وذهب بي النوم إلى أن أصبحت. فقال لي: ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا. فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أحد يمتنع من ذلك؟ قال: فإذا شئت [فانهض بنا] فنهض ونهضت، فصرنا إلى المجلس الذي كنا

стр. 2654

فيه بالأمس، على مثل حالنا وأفضل، حتى إذا كان ذلك الوقت وثب قائما، ثم قال يا إسحاق، لا ترم «١» ، فإني أجيئك، وقد عزمت على الصبحة. فما هو إلا أن فارقني حتى تصوّر لي ما كنت فيه، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل فنهضت. فقال لي الغلمان: اللَّه اللَّه. وإنه أنكر علينا تخليتك وطالبنا بك، وقال، لم تركتموه؟ ولا نحسبك إلا تحب الإيقاع بنا. فقلت: واللَّه لا نال أحدكم بسببي مكروه أبدا. ولكن أبادر بحاجتي، واللَّه لا كان لي حبس ولا تريّث، وأمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه إذا دخل أبطأ، وأنا موافيكم قبل خروجه إن شاء اللَّه. قال: فمضيت، فما شعرت إلا وأنا في الزقاق، فوافيت الزنبيل على ما كان عليه فأقعدت فيه وأصعدت، وصرت إلى الموضع [الذي كنت فيه البارحة] ، فلم ألبث إلا هنيهة وإذا بها قد طلعت، فقالت: ضيفنا؟ قلت: إي واللَّه. قالت: أو قد عاودت؟ قلت: نعم، وأظنّ أني قد أثقلت. فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام فقلت: هفوة، فمني بالصفح، قالت: قد فعلنا فلا تعد، قلت: إن شاء اللَّه. ثم جلست، وأخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة والإنشاد والشرب، ولم نزل على تلك الحال وأفضل، وقد أنست وانبسطت بعض الانبساط، وهي مع ذلك لا تزال تقول: لو كنت على ما أنت عليه أحكمت من تلك الصنعة شيئا، لقد تناهيت وبرعت. فأقول: واللَّه لقد حرصت على ذلك وجهدت فيه فما رزقته ولا قدرت عليه. ثم قلت: جعلت فداك، لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة. فأخذت في الأغاني، وكلما مر صوت طيب قالت: أتدري لمن هذا؟ فأقول: لا! فتقول: لإسحاق! فأقول: وإسحاق هكذا في الحذق! فتقول. بخ إسحاق في هذا البيت بديع الصوت، وعميق الغناء. فأقول: سبحان اللَّه! لقد أعطي إسحاق هذا ما لم يعطه أحد! فتقول: لو سمعت هذا منه لكنت أشدّ استحسانا له وكلفا به. حتى إذا كان ذلك الوقت وجاءت العجوز، نهضت وودعتها، وبادرت جارية ففتحت الباب فخرجت منه.

стр. 2655

وبادرت المنزل فتوضأت للصلاة وصليت الصبح، ووضعت رأسي فنمت، فما انتبهت إلا ورسل أمير المؤمنين يطلبونني؛ فركبت إلى الدار فما هو إلا أن مثلت بين يديه فقال لي: يا إسحاق، أبيت إلا مكافأة لنا ومعاملة بمثل ما عاملناك. قلت: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك ذهبت، ولا إليه قصدت، ولكنني ظننت أن أمير المؤمنين تشاغل عني بلذته وأغفل أمري، وجاء الشيطان فأذكرني أمر الجارية، فبادرت، فقال: وكان من أمرك ماذا؟ قلت: قضيت الحاجة وفرغت [من] الأمر. فقال: قد انقضى ما كان بقلبك منها وواحدة بواحدة والبادي أظلم. فقلت: أنا يا أمير المؤمنين ألوم وأظلم، والمعذرة إليك فقال: لا تثريب عليك، هل لك في مثل حالنا الأول؟ قلت: إي واللَّه! قال: فانهض بنا. فقمنا حتى صرنا إلى الموضع الذي كنا فيه، فأخذنا في لذتنا؛ حتى إذا كان الوقت قال لي: يا إسحق ما عزمت؟ قلت لا عزم لي يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك لتجلسنّ حتى أخرج إليك لتصطبح؛ فإني عازم على الصبوح وقد نغّصت عليّ منذ يومين! قلت: إن شاء اللَّه! وقام، فما هو إلا أن توارى، حتى قمت وقعدت، وجالت وساوسي، وجعلت أفكر في مجلسي معها وأفكر فيها، وفي الخروج عن طاعة المأمون وما يخرجني من سخطه وموجدته؛ فسهل [عليّ] كلّ صعب إذ فكرت في أمرها؛ فقمت مبادرا، فاجتمع عليّ جند الدار فقالوا: أين تريد؟ فقلت اللَّه اللَّه! إن لي قصة، وأنا معلّق القلب ببعض من في منزلي، وأحتاج إلى مطالعتهم في بعض الأمر. فقالوا: ليس إلى تركك سبيل! فلم أزل أرفق بهذا، وأقبّل رأس هذا، ووهبت لواحد خاتمي، ولآخر ردائي، حتى تركوني؛ فلما خرجت عن جملتهم لم أرتد عنها جاسرا حتى وافيت الزنبيل وصعدت السطح وصرت إلى الموضع؛ فلما رأتني قالت: ضيفنا؟ قلت: نعم. قالت: جعلتها دار مقام! قلت: جعلت فداك، حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن عدت بعدها فأنت في حل من دمي! قالت: واللَّه لقد أتيت بحجة. ثم جلسنا، وأخذنا في مثل حالنا الأول من الشرب والإنشاد، والمذاكرة، حتى إذا علمت أن الوقت قد قارب، فكرت في قصتي، وأن المأمون لا يفارقني على هذا

стр. 2656

وانني لا اتخلص منه إلا بشرح قصتي وأكشف له عن حالي، وعلمت أني إن قلت له ذلك طالبني بمعرفة الموضع والمسير إليه، مع ما كان غلب عليه من الميل إلى النساء؛ فقلت لها: أتأذنين في ذكر شيء خطر ببالي؟ قالت: قل ما بدا لك. قلت: جعلت فداك، إني أراك ممن يقول بالغناء، ويعجب به وبالأدب ولي ابن عم هو أحسن مني وجها، وأشرف قدرا، وأكثر أدبا، وأعز معرفة، وأنا تلميذ من تلاميذه، وحسنة من حسنانه؛ وهو أعرف الناس بغناء إسحق! قالت: طفيلي ومقترح! لم ترض أن سمحنا لك ثلاثة أيام، حتى طلبت أن تأتي معك بآخر؟ فقلت لها: جعلت فداك، ذكرته لتكوني أنت المحكمّة، فإن أذنت وأردت ذلك وإلا فلا أذكره. فقالت: إن كان ابن عمك هذا على ما ذكرت فلا نكرة أن نعرفه، فقلت: هو واللَّه أكثر مما وصفت! فقالت: إن شئت فالليلة الآتية أئت به. ثم حضر الوقت فنهضت حتى وافيت منزلي، وإذا برسل الخليفة قد هجموا على منزلي وأصحاب الشرطة؛ فلما بصروا بي سحبت على ما بي بحالتي تلك، حتى انتهوا بي إلى الدار؛ فإذا المأمون جالس على كرسي وسط الدار، مغتاظ حرد» ؛ فقال: أخروجا عن الطاعة؟ قلت: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي قصة أحتاج فيها إلى الخلوة. فأومأ إلى من كان واقفا فتنحّوا، فلما خلونا قلت: كان من خبري كذا وكذا، وفعلت وصنعت ... فو اللَّه ما فرغت من حديثها حتى قال: يا إسحق، أتدري ما تقول؟ فقلت: إي واللَّه! إني لأدري! فقال: ويحك! كيف لي مشاهدة ما شاهدت؟ قلت: ما إلى ذلك سبيل! قال: لا بد أن تتلطف وتوصّلني إليها؛ فهذا ما بقي لي صبر عنه! قلت: واللَّه إني قد تفكرت في قصتها وفيما قدمت عليه من عصيانك، وعلمت أنه لا ينجيني إلا الصدق وكشف الحال، وعلمت أنك تطالبني به أشدّ مطالبة فقدّمت لها ذكرك، ووعدتني في أمرك بكذا وكذا. قال: أحسنت واللَّه لولا ذلك لنا لك مني كلّ مكروه! قلت: فالحمد للَّه الذي سلّم.

стр. 2657

ثم نهض ونهضت إلى مجلسنا، وأخذنا في لذتنا، وهو مع ذلك يقول: يا إسحق، صف لي حالها، واشرح لي أمرها! فقطعنا يومنا في مذاكرتها إلى أن مضى النهار، فلما أن مضى من الليل هدأة «١» جعل يقول: ما جاء الوقت! وأنا أقول بقي قليل؛ والقلق غالب عليه، حتى جاء الوقت، فنهضنا وخرجنا من بعض أبواب القصر؛ معنا غلام، وهو على حمار وأنا على حمار. فلما صرنا بالقرب من منزلها نزلنا، ثم سلمنا الحمارين للغلام، وقلنا له: انصرف، فإذا كان الفجر فكن ههنا بالحمارين وأقبلنا نمشي متنكرين وأنا أقول: يجب أن تظهر برّي بحضرتها وإكرامي. وتطرح نخوة «٢» الخلافة وتجبّر الملك، بل كن كأنك تبع لي! وهو يقول: نعم أو يحتاج أن توصيني؟ ثم قال: ويحك يا إسحق! فإن قلت لي غنّ كيف أصنع؟ قلت: أنا أكفيك وأدفعها عنك برفق. فلما صرنا إلى الزقاق إذا بزنبيلين «٣» معلقين بثمان حبال، فقعد كل منا في واحد وجذبتا الجواري، وإذا نحن في السطح؛ وبادرن بين أيدينا حتى انتهينا إلى المجلس، فأقبل المأمون يتأمل الفرش والدار والزّي، ويتعجب عجبا شديدا؛ ثم قعدت في موضعي الذي كنت أقعد فيه، وقعد المأمون دوني في المرتبة، ثم أقبلت فسلمت، فما تمالك أن بهت من حسنها، فقالت حيّا اللَّه ضيفنا! فو اللَّه ما أنصفت ابن عمك، ألا رفعت مجلسه؟ فقلت ذلك إليك، جعلت فداءك! فقالت [له] : ارتفع فديتك فأنت جديد، وهذا قد صار من أهل البيت، ولكل جديد لذة! فنهض المأمون حتى صار في صدر المجلس، ثم أقبلت عليه تذاكره وتناشده وتمازحه، وهو يأخذ معها في كل فن، ويفخمها قال ثم التفتت إلي وقالت: وفيت بوعدك وصدقت في قولك ووجب شكرك على صنيعك! قال: ثم أحضر نبيذ وأخذنا في الشراب، وهي مع ذلك مقبلة عليه وهو مقبل عليها، ومسرورة به

стр. 2658

ومسرور بها؛ فقالت لي: ابن عمك هذا من أبناء التجار؟ قلت: نعم، فديتك نحن لا نعرف إلا التجارة! قالت وإنكما فيها لغريبان! ثم قالت: موعدك! فقلت: لعمري إنه لمجيب، ولكن حتى نسمع شيئا. قالت: لك ذاك. فأخذت العود فغنت صوتا، فشربنا عليه رطلا؛ ثم غنت بصوت كان المأمون يقترحه عليّ، فشربنا عليه رطلا. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال، داخله الفرح والارتياح وقال: يا إسحق؛ فو اللَّه لقد رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته؛ فنهضت وقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: غنني بهذا الصوت! فلما رأتني قمت بين يديه وأخذت العود ووقفت بين يديه أغنيه، علمت أنه الخليفة وأني إسحق؛ فنهضت فقالت؛ ههنا! وأو مأت إلى كلة «١» مضروبة، فدخلتها؛ ثم فرغت من ذلك الصوت وشرب رطلا، وقال لي: ويحك يا إسحق! انظر من ربّ هذه الدار! فخرجت إلى تلك العجوز فسألتها عن صاحب الدار فقالت: الحسن بن سهل. قلت: ومن هذه؟ قالت: بوران ابنته فرجعت وأعلمته. قال؛ ثم انصرفنا، فقال لي: يا إسحق، اكتم هذا الأمر ولا تتفوّه به. ومضينا إلى دار الخلافة؛ فلما كان الصباح وحضر الحسن بن سهل على عادته، قال له المأمون: ألك بنت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال ما اسمها؟ قال: بوران. قال: فإني أخطبها إليك قال هي أمتك يا أمير المؤمنين، وأمرها إليك قال فإني قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار: فإذا قبضت المال فاحملها إلينا. ثم تزوجها، وكانت أحظى نسائه عنده، وآثرهن لديه؛ وكنت أستر هذا الحديث إلى أن مات المأمون. [قال إسحق] : فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام، إذ كنت أنصرف من مجلس أمير المؤمنين إلى مجلسها، وو اللَّه ما رأيت من الرجال وملوكهم

стр. 2659

وخلفائهم أحدا يفي بالمأمون، ولا شاهدت من النساء امرأة كبوران في عقلها؛ وأما معرفتها وأدبها فما أظن من يتهيّأ له أن يقف من العلوم على ما وقفت عليه ولقد سألت بعض من يتولى خدمتها من العجائز: ما حملها على ما أرى؟ فقالت: إنها تفعل ذلك منذ كذا وكذا سنة، ولقد عاشرت الظرفاء والملاح والأدباء أكثر من أن يقع عليه إحصاء، ولم يكن جرى بينها وبين أحد مكروه ولا خنا «١» ولا كلمة قبيحة؛ ولم يكن مذهبها في ذلك إلا حب الأدب والمذاكرة، ومعاشرة الظرفاء وأهل المروءة والأقدار والنّبل والأخطار، لا لريبة تظهر، ولا لحالة تنكر. قال: فو اللَّه لقد تضاعف قدرها عندي، وعظم خطرها في نفسي، وعلمت شرف همتها وفضلها. فهذا خبر بوران صحيحا على الحقيقة، وسبب تزوّج المأمون بها. فتى من بني حنيفة وجارية قال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: إن ناسا من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم، فرأى فتى منهم في طريقه جارية، فرمقها وقال لأصحابه: لا أنصرف واللَّه حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها! فطلبوا إليه أن يكف فأبى، وأقبل يراسل الجارية؛ وتمكن حبها من قلبه، فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل، فمضى إليها ليلة متقلدا سيفا وهي بين أخوين لها نائمة، فأيقظها؛ فقالت: انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلاك! فقال: الموت أهون واللَّه مما أنا فيه، ولكن أعطيني يدك أضعها على قلبي وأنصرف! فأعطته يدها، فوضعها على قلبه وانصرف؛ فلما كانت الليلة الثانية، أتاها وهي على مثل تلك الحال، فأيقظها، فقالت له مثل مقالها الأوّل، فقال: لك اللَّه إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما أن أنصرف! فأمكنته فرشفهما ثم انصرف؛ فوقع في قلبها من حبه مثل ما كان به ... وفشا خبرهما في الحيّ، فقال أهل الجارية: ما مقام هذا الفاسق في هذا الجبل؟

стр. 2660

امضوا بنا إليه الليلة! فبعثت إليه الجارية: إن القوم سيأتونك الليلة، فاحذر على نفسك! فلما أمسى قعد على مرقاة ومعه قوسه وسهمه، ووقع بالحيّ في الليل مطر، فاشتغلوا عنه؛ فلما كان آخر الليل وانقشع السحاب وطلع القمر، اشتاقته الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها؛ فنظر الفتى إليهما فظن أنهما يطلبانه، فرمى فما أخطأ قلب الجارية، فوقعت ميتة، وصاحت الأخرى ورجعت؛ فانحدر الفتى من الجبل فإذا الجارية ميتة، فقال: نعب الغراب بما كره ... ت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها ... فاصبر وإلا فانتحر ثم وجأ بمشاقصه «١» في أوداجه حتى مات؛ فجاء أهل المرأة فوجدوهما ميّتين، فدفنوهما في قبر واحد! باب اللغز كانت في أبي عطاء السندي لثغة قبيحة، فاجتمع يوما في مجلس بالكوفة فيه حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، وبكر بن مصعب؛ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ما بقي شيء إلا وقد تهيأ في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي! فأرسلوا إليه، فأقبل يقول: مرهبا مرهبا! هياكم اللَّه! وقد كان قال أحدهم. من يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة، وزج «٢» ؟ وشيطان! فقال حماد الراوية: أنا! فقال: يا أبا عطاء؛ كيف علمك باللغز؟ قال: هسن، يريد: حسن، فقال له: فما صفراء تكنى أمّ عوف ... كأنّ سويقتيها منجلان «٣» قال: زرارة. فقال: أصبت، ثم قال:

стр. 2661

أتعرف مسجدا لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان؟ قال: في بني سيتان. فقال: أصبت، ثم قال: فما اسم حديدة في الرمح ترمى ... دوين الصدر ليست بالسنان؟ فقال: ززّ. فقال: أصبت. وقال المأمون يصف خاتما: وأبيض أمّا جسمه فمدور ... نقيّ وأمّا رأسه فمعار ولم يكتسب إلا ليسكن وسطه ... مؤنثة لم تكس قطّ خمار لها أخوات أربع هنّ مثلها ... ولكنها الصّغرى وهن كبار وقال آخر في أرنب: لهوت بذات رأس والتياث ... كرفع الإصبعين على الثلاث «١» إذا السّبّابة ارتفعت مع الخن ... صر اجتمع الثلاث بلا انتكاث لهوت بها تطير بلا جناح ... وتنسب في الذّكور وفي الإناث وقال: ربّ ثور رأيت في حجر نمل ... وقطاة تحمّل الأثقالا ونسور تمشي بغير رءوس ... لا ولا ريش تحمل الأبطالا وعجوز رأيت في بطن كلب ... جعل الكلب للأمير جمالا وغلام رأيته صار كلبا ... ثم من بعد ذاك صار غزالا وأتان رأيت واردة الما ... ء زمانا وما تذوق بلالا وعقاب تطير من غير ريش ... وعقاب مقيمة أحوالا الثور: النمل الذي يخرج التراب من الجحر العظيم بفيه. والقطاة: موضع الردف من الفرس. والنسور: بطون الحوافر. والعجوز: السيف. وبطن الكلب: الجلد الذي

стр. 2662

يعمل منه غمد السيف. وصار كلبا: ضم كلبا، أخذه من صار يصور، من قول اللَّه: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ «١» والأتان: الصخرة. والعقاب التي تطير من غير ريش: البكرة. والمقيمة أحوالا: اللواء. وقال آخر في البيضة: ألا قل لأهل الرأي والعلم والأدب ... وكلّ بصير بالأمور أخي أرب «٢» ألا خبروني أي شيء رأيتم ... من الطير في أرض الأعاجم والعرب قديم حديث قد بدا وهو حاضر ... يصاد بلا صيد وإن جدّ في الطّلب ويؤكل أحيانا طبيخا وتارة ... قليّا ومشويّا إذا دسّ في اللهب وليس له لحم وليس له دم ... وليس له عظم وليس له عصب وليس له رجل وليس له يد ... وليس له رأس وليس له ذنب ولا هو حيّ لا ولا هو ميّت ... ألا خبروني إنّ هذا هو العجب وقال غيره: إني رأيت عجوزا بين حاجبها ... ونابها حبشيّ قائم رجل «٣» له ثلاثون عينا بين مرفقه ... وبين عاتقه في رجله قزل «٤» في ظهره حيّة حمراء قانية ... في ظهره رجل في ظهره رجل العجوز: الناقة. والحبشي الذي بين حاجبها ونابها: الأسود الحابس بالخطام. وقوله: له ثلاثون عينا بين عاتقه ومرفقه: مثاقيل كانت مصورة في عضده. وقوله: في ظهره حية حمراء قانية: كان عليه برنس فيه تصاوير بعضها داخل في بعض. وقال آخر في القلم: فلا هو يمشي لا ولا هو مقعد ... وما إن له رأس ولا كفّ لامس

стр. 2663

ولا هو حيّ لا ولا هو ميّت ... ولكنّه شخص يرى في المجالس يزيد على سمّ الأفاعي لعابه ... يدبّ دبيبا في الدّجى والحنادس يفرّق أوصالا لصمت يجبنه ... وتفري به الأوداج تحت القلانس إذا ما رأته العين تحقر شأنه ... وهيهات يبدو النّقس عند الكرادس «١» وقال آخر فيه: ضئيل الرّواء كبير العناء ... من البحر في المنصب الأخضر عليه كهيئة مرّ الشجا ... ع في دعص محنية أعفر «٢» إذا رأسه صح لم ينبعث ... وحاد السبيل ولم يبصر وإن مدية صدعت رأسه ... جرى جري صائب لم يقصر يقضي لبانته مقبلا ... ويحسمه هيئة المزبر «٣» جريء بكفّ فتى كفّه ... تسوق الثراء إلى المقتر أبيات من الشعر المحدث ماء النعيم بوجهه متحيّر ... والصّدغ منه كمعطف للرّائي «٤» وكأنما نهكت قوى أجفانه ... بالراح أوقد شيب بالإغفاء لو باشر الماء القراح بكفّه ... لجرت أنامله بنبع الماء وقال المؤمّل: عجبت لمن يطيّبني بمسك ... وبي يتطيّب المسك الفتيت خلا خيل النّساء لها وجيب ... ووسواسي وخلخالي صموت «٥»

стр. 2664

ولو أنّ النّساء غنين يوما ... عن المسك الذكيّ كما غنيت لأصبح كل عطّار فقيرا ... قليلا ماله ما يستبيت «١»