← Адаб

Адаб · id 23789

العقد الفريد

ابن عبد ربه الأندلسي

Полный текст (2 664 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

درهم فدفعتها إلى الصبيّ فسكت؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب درّي، وإذا شكل رطب ولسان فصيح؛ فلما رأتني أحدّ النظر إليها، قالت: اتبعني! فقلت: إن شريطتي الحلال! قالت: ارجع في حرامك! ومن يريديك على حرام؟ فخجلت، وغلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها، فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة وقالت: اصعد! فصعدت، فقالت: أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم، وأنا امرأة من زهرة! ولكن عندي حر ضيّق، عليه وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة؛ أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم. قلت: وما أشقر سليم؟ قالت: بدينار واحد يومك وليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجا صحيحا. قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت. قال: فصفقت بيدها إلى جاريتها، فاستجابت لها، قالت: قولي لفلانة: البسي عليك ثيابك وعجّلي، وباللَّه لا تمسّي غمرا «١» ولا طيبا، فحسبك بدلالك وعطرك. قال: فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها، كأنها دمية، فسلمت وقعدت كالخجلة. فقالت: لها الأولى: إن هذا الذي ذكرته لك، وهو في هذه الهيئة التي ترين. قالت: حيّاه اللَّه وقرّب داره. قالت: وقد بذل لك من الصداق دينارا. فقالت: أي أمّ، أخبرتيه بشريطتي؟ قالت: لا واللَّه يا بنية، لقد نسيتها. ثم نظرت إليّ فغمزتني وقالت: أتدري ما شريطتها؟ قلت: لا. قالت: أقول لك بحضورها ما إخالها تكرهه، هي واللَّه أفتك من عمرو بن معد يكرب، وأشجع من ربيعة بن مكدّم، ولست بواصل إليها حتى تسكر وتغلب على عقلها، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع. قلت: ما أهون هذا وأسهله! قالت الجارية: وتركت شيئا آخر! قالت: نعم واللَّه، أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها، وتراك مجرّدا مقبلا ومدبرا. قلت: وهذا أيضا أفعله! قالت: هلمّ دينارك! فأخرجت دينارا فنبذته إليها؛ فصفقت صفقة أخرى، فأجابتها امرأة؛

стр. 2592

قالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلمّا الساعة! فقلت في نفسي: أبو الحسن وأبو الحسين، هو عليّ بن أبي طالب! قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا، فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، وأقررت بالتزويج وأقرّت المرأة؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا، فاستحييت أن أحمّل المرأة شيئا من المئونة، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها، وقلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، لست ممن يمسّ طيبا لرجل، إنما أتطيّب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم. فنهضت الجارية، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت، وتغدّينا، وجاءت بأداة وقضيب، وقعدت تجاهي؛ ودعت بنبيذ فأعدّته، واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة، ما سمعت مثل ترنّمها قط؛ فكدت أجنّ سرورا وطربا، فجعلت أريغ «١» أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنّت بشعر لم أعرفه، وهو: راحوا يصيدون الظّباء، وإنني ... لأرى تصيّدها عليّ حراما! أعزز عليّ بأن أروّع شبهها ... أو أن تذوق على يديّ حماما! فقلت: جعلت فداك! من يغنّي هذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة ... فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب، تغنّت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب عليّ، فقالت: كأني بالمجرّد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري «٢» قلت: جعلت فداك! ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به. قالت: أنا أوّل من تغنى به. قلت: فإنما وهو بيت عابر لا صاحب له؟ قالت: معه آخر ليس هذا وقته، هو آخر ما أتغنى به؟

стр. 2593

قال: وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالا لها، فلما أمسينا وصلينا المغرب وجاءت العشاء الأخيرة، وضعت القضيب، فقمت فصليت العشاء وما أدري كم صليت، عجلة وشوقا؛ فلما صليت قلت: تأذنين جعلت فداك في الدنوّ منك؟ قالت: تجرّد! وأشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرّد؛ فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها؛ فتجرّدت وقمت بين يديها مكفّرا لها؛ قالت: امض الى زاوية البيت وأقبل وأدبر، حتى أراك مقبلا ومدبرا. قال: وإذا حصير في الغرفة، عليه طريق إلى زاوية البيت، فخطرت عليه، وإذا تحته خرق «١» إلى السوق، فإذا أنا في السوق قائما مجرّدا منعظا «٢» ! وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا لي نعالهما، وكمنا لي في ناحية، فلما هبطت عليهما بادرا إليّ فقطعا نعالهما «٣» على قفاي، واستعانا بأهل السوق؛ فضربت واللَّه يا أبا محمد حتى نسيت اسمي؛ فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة وأيد شديدة، إذا صوت يغنّي به من فوق البيت، وهو: ولو علم المجرّد ما أردنا ... لحاربنا المجرّد بالصحاري فقلت في نفسي: هذا واللَّه وقت هذا البيت! فنجوت إلى رحلي وما فيّ عظم صحيح؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها امرأة من آل أبي لهب! فقلت: لعنها اللَّه ولعن الذي هي منه! يوم دارة جلجل قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد، فإذا أنا بآثار دواب وقد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قوم خرجوا للنزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليهم رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير، فإذا فيه نسوة

стр. 2594

مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، ولا يوم دارة جلجل. وانصرفت مستحييا. فنادينني: يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء. فرجعت إليهنّ، فقعدن في الماء إلى حلوقهن، ثم قلن: باللَّه إلا ما أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل. قلت: حدثني جدّي- أنا يومئذ غلام حافظ- أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه، ويقال لها عنيزة؛ وأنه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل؛ وذلك أنّ الحيّ تحمّلوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل «١» ؛ فلما رأى ذلك امرؤ القيس، تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا واغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال. فنزلن في الغدير، ونحيّن العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ، فجمعها وقعد عليها، وقال: واللَّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة؛ فناشدته اللَّه أن يطرح ثوبها، فأبى، فخرجت؛ فنظر إليها مقبلة ومدبرة. وأقبلن عليه فقلن له: إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن معي؟ قلن: نعم، فجرّد سيفه فعرقبها ونحرها، ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا، فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة كانت معه ويسقيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب. فما أرادوا الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته «٢» . وقالت الأخرى: أنا

стр. 2595

أحمل رحله وأنساعه» . فتقسّمن متاعه وزاده؛ وبقيت عنيزة لم تحمل له شيئا؛ فقال لها: يا بنت الكرام، لا بد أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب «٢» بعيرها، فكان يجنح إليها فيدخل رأسة في خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها «٣» ، فتقول: عقرت بعيري فانزل! ففي ذلك يقول: [ألا ربّ يوم لي من البيض صالح ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل] ويوم عقرت للعذارى مطّيتي ... فيا عجبنا من رحلها المتحمّل فظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل. تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل «٤» فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلّل وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرىء القيس وأشعاره، وذلك أنّ امرأ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث، وكان مسترضعا في بني دارم فأقام فيهم، وهم رهط الفرزدق. خبر دعبل وصريع الغواني حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان، فقلت: دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض فإذا أنا بجارية فائقة الجمال حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف؛ لها وجه زاهر، ونور باهر، فهي كما قال الشاعر: كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة ... في كل جارحة منها لها قمر

стр. 2596

وهي تسمعني، فقالت: هذا قليل لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض فأجبتها: فهل لمولاي عطف قلب ... أو للّذي في الحشا انقراض؟ فأجابتني فقالت: إن كنت تبغي الوداد منّا ... فالودّ في ديننا قراض «١» قال دعبل: فلم أعلمني [قبلها] خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها وتختلس الأرواح ببراعة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمتها، مع تلاعة جيد «٢» ، ورشاقة قدّ، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق؛ فحار واللَّه البصر، وذهب اللّب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتغللت الرّجلان؛ وما ظنك بالحلفاء «٣» إذا دنت من النار؟ ثم ثاب إليّ عقلي، وراجعني حلمي، فذكرت قول بشار: لا يمنعنّك من مخدّرة ... قول تغلّظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصّعب يمكن بعدما جمحا «٤» هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد قبل المسألة، وبذل قبل الطلبة؟ فقلت مسمعا لها: أترى الزمان يسرنّا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق؟ فقالت مجيبة لي في أسرع من نفس: ما للزّمان يقال فيه وإنما ... أنت الزمان فسرّنا بتلاق! قال دعبل: فلحظتها ومضيت وتبعتني، وذلك في أيام إملاقي، فقلت: مالي إلا منزل مسلم صريع الغواني، فسرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فخرج: فقلت له:

стр. 2597

اكمل الخير، معي وجه صبيح، يعدل الدنيا بما فيها، وقد حصل على ضيقة وعسر! فقال: قد شكوت ما كدت أباديك بشكواه! ائت بها. فلما دخلت قال: واللَّه لا أملك غير هذا المنديل! فقلت: هو البغية فناولنيه. فقال: خذه لا بارك اللَّه لك فيه! فأخذته، فبعته بدينار وكسر، فاشتريت لحما وخبزا ونبيذا، وصرت إليه: فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه قطع الروض المعطور؛ قال: ما صنعت؟ فأخبرته؛ قال: كيف يصلح طعام وشراب وجلوس مع وجه نظيف بلا نقل ولا ريحان ولا طيب؟ اذهب فالطف لتمام ما كنت أوّله. قال: فخرجت فاضطربت في ذلك حتى اتيت به، فألفيت باب الدار مفتوحا، فدخلت؛ فإذا لا يرى لهما ولا لشيء مما أتيت به أثر، فسقط «١» في يدي، وقلت: أرى صاحب الربع أخذهما! فبقيت متلهفا حائرا، أرجم الظنون وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقفني على أثر؟ ففعلت، فوقفت على باب سرداب له، وإذا هما قد هبطا فيه، وأنزلا معهما جميع ما يحتاجان إليه، فأكلا وشربا وتنعّما؛ فلما أحسستهما دليت رأسي ثم ناديت: مسلم! ويلك! فلم يجبني، حتى ناديت ثلاثا؛ فكان من إجابته لي أن غرّد بصوت يقول فيه: بتّ في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف «٢» ثم قال: دعبل، ويلك! من يقول هذا؟ قلت: من له من حر امّه ألف قرن ... قد أنافت على علوّ مناف «٣» قال: فضحك، ثم سكتا، واستجلبت كلامهما فلم يجيباني، وأخذا في لذتهما، وبتّ بليلة يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولا وغما! حتى إذا أصبحت ولم أكد، خرج إليّ مسلم، فجعلت أؤنبه، فقال لي: يا صفيق الوجه! منزلي، ومنديلي، وطعامي، وشرابي؛ فما شأنك في الوسط؟ قلت له: حقّ القيادة والفضول واللَّه لا غير! فولى

стр. 2598

وجهه إليها وقال: بحياتي إلا أعطيتيه حق قيادته وفضوله! قالت: أما حق قيادته فعرك أذنه، وأما حق فضوله فصفع قفاه! فاستقبلني مسلم فعرك أذني وصفعني، فقلت: ما هذا؟ فقال: جرى الحكم عليك بما جرى لك من العذل والاستحقاق! الخدم والقيان الحسين بن الضحاك وشفيع خادم المتوكل حدثنا عيسى بن أحمد الكاتب قال: قال الحسين بن الضحاك: دخلت على جعفر المتوكل، وشفيع الخادم ينضد وردا بين يديه- ولم يعرف في ذلك الزمان خادم كان أحسن منه ولا أجمل- وعليه ثياب مورّدة، فأمره أن يسقيني ويغمز كفي؛ ثم قال لي: يا حسين، قل في شفيع. وقد كان حيّا المتوكل بوردة، فجعل المتوكل يشرب ويشمّ الوردة؛ فقلت: وكالدّرّة الحمراء حيّا بأحمر ... من الورد يمشي في قراطق كالورد «١» ويغمز كفّي عند كلّ تحيّة ... بكفّيه تستدعي الشجيّ إلى الورد «٢» سقاني بكفّيه وعينيه شربة ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد سقى اللَّه دهرا لم أبت فيه ليلة ... من الدّهر إلا من حبيب على وعد! فأمر المتوكل شفيعا أن يسقيني، وبعث معه إلي بتحايا في عبير وشمّامات «٣» وروي أن محمد بن عبد الملك الزيات وزير المتوكل كان يتعشق خادما للمتوكل يقال له شفيع، وكان الحسن بن وهب كاتبه كلفا بذلك الخادم: فلقيه الحسن بن وهب يوما، فسأله عن خبره، فأخبره أنه يريد أن يحتجم؛ فلم يبق بالعراق غريبة إلا بعث بها إليه، ولا ظريف من الأشربة إلا أدخله عليه، وكتب إليه بهذه الابيات: ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تعالجت بالحجامة بعدي؟

стр. 2599

قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... ففشا منه بعض ما كنت أبدي وخلعت العذار فليعلم النا ... س بأني إليك أصفي بودّي «١» من عذيري من مقلتيك ومن إش ... راق وجه من حول حمرة خدّ فصادف رسوله رسولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فرأى رقعة الحسن، فاحتال لها حتى أخذها، وأوصلها إلى محمد بن عبد الملك، فلما قرأها كتب إلى كاتبه الحسن بن وهب: ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجدّ؟ فلئن كان ما تقول بجدّ ... يا ابن وهب لقد تفتّيت بعدي «٢» وتشبّهت بي وكنت أرى ... أنّي أنا الهائم المتيّم وحدي لا أرى القصد في الأمور، ولولا ... غمرات الصبا لأبصرت قصدي سيّدي سيدي، ومولاي من أل ... بسني ذلّة وأخلف وعدي لا أحبّ الذي يلوم وإن كا ... ن حريصا على صلاحي ورشدي وأحب الأخ المشارك في الحبّ ... وإن لم يكن به مثل وجدي «٣» كصديقي أبى عليّ وحاشا ... لصديقي من مثل شقوة جدّي إنّ مولاي عبد عبدي ولولا ... شؤم جدّي لكان مولاي عبدي فلما التقى ابن الزيات الوزير وكاتبه الحسن بن وهب في بيت الديوان، تداعبا في ذلك، وسأله ابن الزيات أن يتجافى له عنه، فقال له الحسن: طاعتك واجبة في المحبوب والمكروه، ولكن الرئيس أدام اللَّه عزه كان أولى بالفضل! فقال له ابن الزيات: هيهات، هذه علة نفسانية تؤدي إلى التلف، فتنحّ عن نصيبك مني! فقال الحسن: إن كان هذا هكذا سمعنا وأطعنا، وأنشد: شهيدي على ما في فؤادي من الهوى ... دموع تباري المستهلّ من القطر فأسلمني من كان بالأمس مسعدي ... وصار الهوى عونا عليّ مع الدّهر

стр. 2600

المتوكل وعلي بن الجهم قال عليّ بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، فقال: يا علي! قلت: لبيك أمير المؤمنين. قال: دخلت الساعة إلى قبيحة، وقد كتبت على خدّها بالمسك اسمي، فو اللَّه ما رأيت سوادا في بياض أحسن منه في ذلك الخدّ؛ فقل فيه شعرا. فقلت: يا أمير المؤمنين، أمظلومة معي؟ قال: نعم. ومظلومة خلف الستارة، فدعت بدواة وبدرت بالقول، فقالت: وكاتبة بالمسك في الخدّ «جعفرا» ... بنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا من المسك خدّها ... لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا فيا من لمملوك تملّك مالكا ... مطيعا له فيما أسرّ وأظهرا ويا من مناها في السرائر جعفر ... سقى اللَّه من صوب الغمامة جعفرا «١» قال: وأفحمت فلم أنطق، وتغلبت على خواطري فما قدرت على حرف أقوله، فضحك أمير المؤمنين. الأصمعي والرشيد الأصمعي قال: دخلت على هارون أمير المؤمنين، وبين يديه جارية حسناء عليها لمّة «٢» جعدة، وذؤابة تضرب الحقو منها، وهلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب: هذا ما عمل في طراز اللَّه! فقال: يا أصمعي، صفها، فأنشأت أقول: كنانيّة الأطراف سعديّة الحشا ... هلاليّة العينين طائيّة الفم لها حكم لقمان، وصورة يوسف ... ونغمة داود، وعفّة مريم فقال: أحسنت واللَّه يا أصمعي؛ فعل عرفت اسمها؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين فقال اسمها دنيا. فأطرقت ساعة ثم قالت. إنّ دنيا هي التي ... تملك القلب قاهره

стр. 2601

ظلموها شطر آسمها ... فهي دنيا وآخره قال الأصمعي: فأمر لي بعشرة آلاف درهم. الرشيد وإسحاق الموصلي إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: دخلت على الرشيد، وعنده جارية، قد أهديت له، ما جنة شاعرة أديبة، وبين يديه طبق فيه ورد، فقال لي: أما ترى حسن هذا الورد ونضرة لونه؟ قلت: بك واللَّه حسن ذلك يا أمير المؤمنين. قال: قل فيه بيتا يشبهه. فأطرقت ساعة، ثم قلت: كأنه خدّ موموق يقبّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا «١» فاعترضتني الجارية فقالت: كأنه لون خدّي حين تدفعني ... كفّ الرشيد لأمر يوجب الغسلا فقال الرشيد: قم يا إسحاق، فقد حركتني هذه الفاسقة! وحدثنا أيضا قال: كان هارون الرشيد جالسا بين جاريتين من جواريه، فقال لهما: من يبيت عندي هذه الليلة منكما؟ فقالت إحداهما: أنا! فقالت الأخرى: لا، بل أنا! فقال للأولى: ما حجتك فيما ادعيت؟ قالت: قول اللَّه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «٢» ثم قال للثانية: وما حجتك أنت؟ قالت: قول اللَّه: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى «٣» ! فقال: لتقل كل واحدة منكما شعرا في الغزل، فمن كانت أرقّ شعرا باتت عندي. فقالت: الأولى: أنا التي أمشي كما يمشي الوجي ... يكاد أن يصرعني تغنّجي «٤» من جنة الفردوس كان مخرجي وقالت الأخرى:

стр. 2602

أنا التي لم ير مثلي بشر ... كلامي اللّؤلؤ حين ينثر أسحر من شئت ولست أسحر ... إن سمع الناس كلامي كفروا «١» فقال لهما: قد أحسنتما وأجدتما، وما لواحدة منكما فضيلة على صاحبتها، ولكن أبيت بينكما! الرشيد بين جاريتين أخبرنا أبو الطيب الكاتب أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان ليلة بين جاريتين: مدنية، وكوفية؛ فجعلت الكوفية تغمز يديه، والمدنية تغمز رجليه، فجعلت المدنية ترتفع إلى فخذيه، حتى ضربت بيدها إلى متاعه، وحرّكته حتى أنعظ. فقالت الكوفية: نحن شركاءك في البضاعة، وأراك قد انفردت دوننا برأس المال وحدك، فأنيلي منه! فقالت المدنية: حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: «من أحيا أرضا مواتا فهي له ولعقبه» ! قال: فاستقبلتها الكوفية ودفعتها، ثم أخذته بيديها جميعا وقالت: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود أنه قال: «الصيد لمن صاده لا لمن أثاره» ! المتوكل وجارية أخبرنا الانطاكي: أن المتوكل طلب من محمود الوراق جارية مغنية، وأعطاه بها عشرة آلاف درهم، فأبى فلما مات محمود اشتراها من ميراثه بخمسة آلاف، وقال لها: كنا أعطينا مولاك بك عشرة آلاف، وقد اشتريناك من ميراثه بخمسة آلاف! قالت: يا أمير المؤمنين، إذا كانت الخلفاء تتربص بلذاتها المواريث فسنشترى بأرخص مما اشتريت! الرشيد يقامر جاريته أخبرنا اسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لاعب هارون الرشيد جارية من جواريه

стр. 2603

على إمرة مطاعة فقمرته «١» . فقال لها: تمنّي! قالت: تقوم فتقطع فردا. فقام فقضى فيها وطره، ثم لاعبها فقمرته، فقال لها: تمنّي! فقالت: المعاودة فغشيها، ثم لاعبته فقمرته. فقالت: قم لميعادك! فقال: لا أقدر على ذلك! قالت: فاكتب لي به عليك كتابا آخذ به متى شئت! قال: ذلك لك. فدعت بدواة وقرطاس، ثم كتبت: هذا «كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين: إن لي عليك قرضا آخذك به متى شئت وأنى شئت من ليل أو نهار ... وكان على رأسها وصيفة، فقالت: تزيّدي في الكتاب، فإنك لا تأمنين الحدثان! ومن قام بهذا الذكر حق قيامه فهو وليّ ما فيه! فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه، واستظرفها، وأمر بأن تنزل مقصورة وأن يجرى عليها رزق سنيّ، وشغف بها، ويقال: إنها مراجل أم المأمون. بين الأمين وجلسائه تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار، فالتفت إلى جليس له- وهو محمد بن سلّام صاحب المظالم- فقال له: ويحك يا محمد! أتراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الشاعر: ذكر الهوى فتنفس المشتاق ... وبدا عليه الذّلّ والإطراق يا من يصيّرني لأصبر بعده ... الصبر ليس يطيقه العشاق فقال: لا واللَّه ما نكأتها «٢» . ثم التفت إلى جليس له آخر. فقال: ويحك! أتراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن الأحنف: تذكرت بالريحان منك شمائلا ... بالراح عذبا من مقبّلك العذب «٣» فقال: لا واللَّه ما نكأتها ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال: ويحك، أتراني؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني: إن كان دهر بني ساسان فرقهم ... فإنما الدهر أطوار دهارير «٤»

стр. 2604

وربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولتها الأسد المهاصير قال: صدقت! علي بن الجهم وجارية وكتبت جارية عليّ بن الجهم له رقعة، فأجاب فيها: ما رقعة جاءتك مختومة ... كأنها خدّ على خد تبدو سوادا في بياض كما ... ذرّ فتيت المسك في الورد ساهمة الأسطر مصروفة ... عن جهة الهزل الى الجدّ يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليه حسبي منك ما عندي وكتبت أيضا: قلب يملّ على لسان ناطق ... ويد تخطّ رسالة من عاشق مزج المداد بعبرة شهدت له ... من كلّ جارحة بقلب صادق فيميه تحكى الوساد، لخدّه ... ويساره فوق الفؤاد الخافق «١» المهدي وجارية أهدت جارية من جواري المهدي تفاحة إلى المهدي مطيّبة وكتبت فيها: هديّة مني إلى المهدي ... تفّاحة تقطف من خدّي محمرّة مصفرّة طيّبت ... كأنها من جنة الخلد فأجابها المهدي: تفاحة من عند تفاحة ... جاءت، فماذا صنعت بالفؤاد واللَّه ما أدري أأبصرتها ... يقظان، أم أبصرتها في الرّقاد مدام جارية المازني وكتب بعض الكتّاب إلى مدام- جارية المازني- وبعث إليها بقنينة من مدام «٢»

стр. 2605

قل لمن يملك الفؤا ... د وإن كان قد ملك قد شربناك مدّة ... وبعثنا إليك بك وقال علي بن الجهم: دخلت على أبي عثمان المازني، وعنده جارية كأنها شقّة قمر، وبيدها تفاحة معضوضة؛ فقالت: عرفت ما أراد الشاعر بقوله: خبّريني من الرسول إليك ... واجعليه من لا ينمّ عليك قلت: ما أعرفه. قالت: هو هذه. ورمت إلي بالتفاحة؛ فو اللَّه ما وجدت لها جوابا من نظير كلامها. وقال شيخ من أهل البصرة: لقيت الحسن بن وهب؛ فأردت أن أمتحن سلامة طبعه- ومعي تفاحة- فأريته إياها وسألته أن يصفها؛ فقال لي: نحن على طريق، ولكن مل بنا إلى المسجد. فملنا إليه، فأخذها وقلبها بيده، وقال: يا ربّ تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي قد بتّ في ليلتي أقلّبها ... أشكو إليها تطاول الكمد لو أنّ تفاحة بكت لبكت ... من رحمة هذه التي بيدي! عتب جارية على المأمون: وعد المأمون جارية أن يبيت عندها وأخلفها الوعد، فكتبت إليه: أرقت عيني ونامت ... عين من هنت عليه إنّ نفسي فاعذرنها ... أصبحت في راحتيه رحم اللَّه رحيما ... دلّ عينيّ عليه فلما قرأ رقعتها ضحك ولم يبت ليلته إلا عندها. عتب المأمون على جارية عتب المأمون عى جارية من جواريه وكان كلفا بها- فأعرض عنها وأعرضت عنه، ثم أسلمه الهوى وأقلقه الشوق، حتى أرسل يطلب مراجعتها، وأبطأ عليه

стр. 2606

الرسول، فلما رجع أنشأ يقول: بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنّا وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا ... فيا ليت شعري عن دنوّك ما أغنى ونزّهت طرفا في محاسن وجهها ... ومتّعت باستظراف نغمتها أذنا أرى أثرا منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا! فيا ليتني كنت الرسول وكنتني ... وكنت الذي يقصى وكنت أنا المدني ثم إن المأمون أقبل مسترضيا لها، فسلم عليها فلم تردّ ﵇، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول: تكلّم، ليس يوجعك الكلام ... ولا يؤذي محاسنك السلام أنا المأمون والملك الهمام ... ولكني بحبّك مستهام يحقّ عليك أن لا تقتليني ... فيبقى النّاس ليس لهم إمام! كتبت امرأة عمر بن عبد العزيز إلى عمر لما اشتغل عنها بالعبادة: ألا أيّها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي أراك وسعت كل الناس عدلا ... وجرت عليّ من بين العباد وأعطيت الرعيّة كلّ فضل ... وما أعطيتني غير السّهاد! فصرف؟؟؟ إليها. الرشيد وزبيدة وجارية قعد الرشيد يوما عند زبيدة. وعندها جواريها، فنظر إلى جارية واقفة عند رأسها، فأشار إليها أن تقبّله، فاعتلّت بشفتيها، فدعا بدواة وقرطاس فوقع فيه: قبّلته من بعيد ... فاعتلّ من شفتيه ثم ناولها القرطاس، فوقعت فيه: فما برحت مكاني ... حتى وثبت عليه! فلما قرأ ما كتبت استوهبها من زبيدة، فوهبتها له، فمضى بها وأقام معها أسبوعا لا يدرى مكانهما، فكتبت إليه زبيدة:

стр. 2607

وعاشق صبّ بمعشوقه ... كأنما قلباهما قلب روحاهما روح ونفساهما ... نفس، كذا فليكن الحبّ الأمين ووعد جارية حدث أبو جعفر قال: بينا محمد بن زبيدة الأمين يطوف في قصر له، إذ مر بجارية له سكرى، وعليها كساء خزّ تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن إذا كان في غد إن شاء اللَّه! فلما كان من الغد مضى إليها فقال لها: الوعد! فقالت يا أمير المؤمنين، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار؟ فضحك وخرج إلى مجلسه فقال: من بالباب من شعراء الكوفة؟ فقيل له: مصعب، والرقاشي، وأبو نواس. فأمر بهم فأدخلوا عليه. فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعرا يكون آخره. كلام الليل يمحوه النهار فأنشأ الرقاشي يقول: متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبّا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار «١» إذا استنجزت منها الوعد قالت ... كلام الليل يمحوه النهار وقال مصعب: أتعذلني وقلبك مستطار ... كئيب لا يقرّ له قرار بحبّ مليحة صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار «٢» ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار فقلت لها عديني منك وعدا ... فقالت: في غد منك المزار فلما جئت مقتضيا أجابت: ... كلام الليل يمحوه النهار

стр. 2608

وقال أبو نواس: وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زيّن السّكر الوقار» وهزّ المشي أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار وقد سقط الرّدا عن منكبيها ... من التخميش وانحلّ الإزار فقلت الوعد سيّدتي، فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار فقال له: أخزاك اللَّه! أكنت معنا ومطلعا علينا؟ فقال يا أمير المؤمنين عرفت ما في نفسك، فأعربت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف درهم، ولصاحبيه بمثلها. وقال بعض الورّاقين: غضبت من قبلة بالكره جدت بها ... فها أنا جئت فاقتصيّه أضعافا لم يأمر اللَّه إلا بالقصاص فلا ... تستجوري ما رآه اللَّه إنصافا! «٢» بين الرشيد وماردة عتبت ماردة على هارون الرشيد، فكانت تظهر له الكراهة وتضمر المحبة، فقال فيها: تبدي صدودا وتخفى تحته صلة ... فالنفس راضية والطّرف غضبان يا من وضعت له خدّي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان حديث الحسن بن هانىء مع الأسود أو بكر الورّاق قال: قال الحسن بن هانىء: حججت مع الفضل بن الربيع، حتى إذا كنا ببلاد فزارة- وذلك إبّان الربيع- نزلنا منزلا بإزاء ماء لبنى تميم، ذا روض أريض «٣» ، ونبت غريض «٤» ، تخضع لبهجته الزرابي «٥» المبثوثة، والنمارق «٦» المصفوفة، فقرّت بنضرتها العيون، وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفرجت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها، وتدانى من الأرض ركامها، حتى إذا كانت كما

стр. 2609

قال أوس بن حجر حيث يقول: دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح «١» همت برذاذ، ثم بطش، ثم برش، ثم بوابل، ثم أقلعت وقد غادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، رياض مونقة، ونوافح من ريحها عبقة فسرّحت طرفي راتعا منها في أحسن منظر، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر. قال: فلما انتهينا إلى أوائلها، إذا نحن نجباء على بابه جارية مشرقة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، أشعرت حماليقه «٢» فترة وملئت سحرا، فقلت لزميلي: استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها. فاستسقاها، فقالت: نعم ونعمى عين، وإن نزلتم ففي الرحب والسعة! ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان «٣» ، أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها؛ ثم أتت بالماء فشربت منه، وصببت باقيه على يدي. ثم قلت: وصاحبي أيضا عطشان! فأخذت الإناء فذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول: إذا بارك اللَّه في ملبس ... فلا بارك اللَّه في البرقع «٤» يريك عيون الدّمى غرّة ... ويكشف عن منظر أشنع قال: وسمعت كلامي، فأتت وقد نزعت البرقع ولبست خمارا أسود، وهي تقول: ألا حيّ ربعي معشر قد أراهما ... أقاما، فما أن يعرفا مبتغاهما هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللّحظ ممن سقاهما فشبّهت كلامها بعقد درّ وهى فانتثر، فنغمة عذبة رقيقة رخيمة، لو خوطب بها صمّ الصلاب لانبجست، مع وجه يظلم من نوره ضياء العقول، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم، ويحار في بهائه طرف البصير؛ فرقت

стр. 2610

وزلت، واستبطرت وأكملت، فلو جنّ إنسان من الحسن جننت؛ فلم أتمالك أن خررت ساجدا فأطلت من غير تسبيح. فقالت: ارفع رأسك غير مأجور؛ لا تذمّ بعدها برقعا، فلربما انكشف عما يصرف الكرى، ويحلّ القوى، ويطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة، ولا درك طلبة، ولا قضاء وطّر؛ ليس إلا للحين المجلوب، والقدر المكتوب، والأهل المكذوب! فبقيت واللَّه معقول اللسان عن الجواب، حيران لا أهتدي لطريق، فالتفت إليّ صاحبي فقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته؟ أما سمعت قول ذي الرمّة: على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا! فقالت: أمّا ذهبت إليه فلا أبالك، واللَّه لأنا بقول الشاعر: منعّمة حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتجّ الروادف أهضم «١» لها أثر صاف وعين مريضة ... وأحسن إبهام وأحسن معصم خزاعيّة الأطراف سعدية الحشا ... فزاريّة العينين طائيّة الفم ... أشبه من قولك الآخر، ثم رفعت ثيابها حتى بلغت بها نحرها. وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، يهتز مثل كثيب نقا، وصدر كالوذيلة «٢» عليه كالرمانتين، وخصر لو رمت عقده لانعقد، منطوي الاندماج، على كفل رجراج، وسرّة مستديرة، يقصر فهمي عن بلوغ نعتها، من تحتها أرنب جاثم، جبهته أسد خادر، وفخذان مدملجان، وساقان خدلّجان «٣» يخرسان الخلاخيل، وقدمان كأنهما لسانان. ثم قالت: أعارا ترى لا أبالك؟ قلت: لا واللَّه، ولكن سبب القدر المتاح، ومقرّبي من الموت الذباح، يضيق على الضريح، ويتركني جسدا بغير روح!

стр. 2611

فخرجت عجوز من الخباء فقالت له: امض لشأنك، فإن قتيلها مطلول لا يودى، وأسير مكبول لا يفدى! فقالت لها: دعيه، فإنّ له مثل قولا غيلان: وإن لم يكن إلا تعلّل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها فولّت العجوز وهي تقول: وما نلت منها غير أنك نائك ... بعينيك عينيها وأيرك خائب فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل، وكرب خابل، وأنا أقول: يا حسرتا مما يجن فؤادي ... أزف الرحيل بعبرتي وبعادي فلما قضينا حجنا وانصرفنا راجعين، مررنا بذلك المنزل وقد تضاعف حسنه، وتمت بهجته؛ فقلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا! فلما أشرفنا على الخيام، وصعدنا ربوة ونزلنا وهدة، إذا هي تتهادى بين خمس ما تصلح أن تكون خادما لأدناهنّ، وهنّ يجنين من نور ذلك الزهر. فلما رأيننا وقفنا وقلنا: السلام عليكنّ. فقالت من بينهنّ: وعليك السلام، ألست صاحبي؟ قلت: بلى! قلن: وتعرفينه؟ قالت: نعم! وقصت عليهنّ القصة ما خرمت حرفا. قلن لها: ويحك! ما زوّديته شيئا يعلل به! قالت: بلى زوّدته لحدا ضامرا، وموتا حاضرا! فانبرت لها أنضرهنّ خدّا، وأرشقهنّ قدّا، وأسحرهنّ طرفا، وأبرعهنّ شكلا؛ فقالت: واللَّه ما أحسنت بدءا، ولا أجملت عودا، ولقد أسأت في الردّ، ولم تكافئيه على الودّ: فما عليك لو أسعفته بطلبته، وأنصفته في مودّته، وإنّ المكان لخال، وإن معك من لا ينم عليك؟

стр. 2612

فقالت: أما واللَّه لا أفعل من ذلك شيئا أو تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذا قسمة ضيزى «١» . تعشقين أنت وأناك أنا! قالت أخرى منهنّ: قد أطلتن الخطاب في غير أدب، فسلن الرجل عن نيته، وقصده وبغيته، فلعله لغير ما أنتن فيه قصد. فقلن: حيّاك اللَّه وأنعم عينا، ممن تكون؟ وممن أنت، وما تعاني؟ وإلام قصدت؟ فقلت: أمّا الاسم فالحسن بن هانىء، من اليمن، ثم من سعد العشيرة؛ وخير شعراء السلطان الأعظم، ومن يدنى مجلسه؛ ويتّقى لسانه، ويرهب جانبه؛ وأمّا قصدي فتبريد غلة، وإطفاء لوعة قد أحرقت الكبد وأذابتها! قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك اللَّه أمنيتك، وتنال بغيتك! ثم أقبلت عليهنّ فقالت: ما واحدة منكنّ غير ملتمسة مرغّبة؛ فتعالين نشترك فيه ونتقارع عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة! فاقترعن فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري ... فعلّق إزار على باب الغار، وأدخلت فيه وأبطأت عليّ؛ وجعلت أتشوّف لدخول إحداهنّ عليّ، إذ دخل عليّ أسود كأنه سارية، وبيده شيء كالهراوة قد أنعظ بمثل رأس الحنيذ! قلت: ما تريد؟ قال: أنيكك! ثم صحت بصاحبي وكان متأنّيا مع الجواري؛ فو اللَّه ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هنّ يتضاحكن ويتهادين إلى الخيمات! فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنما إلى جانب الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئا فدخل عليك. فقلت: أتراه كان يفعل بي شيئا؟ فقال:

стр. 2613

أتراك خلصت منه! فانصرفت وأنا أخزى الناس. قال إسماعيل: فقلت: ناكك واللَّه الأسود! فقال: مالك أبعدك اللَّه! فو اللَّه لقد كتمت هذا الحديث مخافة هذا التأويل، حتى ضاق به صدري فرأيتك موضعا له! فبحقي عليك إن أذعته! قال إسماعيل: فما فهت به حتى مات. خبر ذي الرمة قال أبو صالح الفزاري: ذكرنا ذا الرّمة، فقال عصمة بن عبد الملك- شيخ منا قد بلغ عشرين ومائة سنة-: إياي فاسألوا عنه؛ كان من أظرف الناس، آدم، خفيف العارضين، حسن الضحك، حلو المنطق، وإذا أنشد جشّ صوته، وإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه. وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود، وهشام وأوفى، وكانوا يقولون القصيدة فيزيد عليها الابيات فتذهب له. فجمعني وإياه مرتبع، فأتاني يوما، فقال لي: هيا: [يا عصمة] ؛ إنّ مية منقرية، وبنو منقر أخبث حيّ، وأقفى للأثر، فهل عندك ناقة نردار عليها مية؟ قلت: واللَّه إنّ عندي الجؤذر. قال: عليّ بها. فركبنا جميعا وخرجنا حتى أشرفنا على بيوت الحيّ، وإذا ببيت فيه ناحية، والقوم خلوف «١» ، والنساء في الرحال، فعرفن ذا الرمّة فتقوّض «٢» النساء إلى مية؛ وجئنا ثم أنخنا، ثم دنونا، فسلمنا وقعدنا نتحدّث؛ فإذا هي جارية أملود «٣» ، واردة «٤»

стр. 2614

الشعر، بيضاء تغمرها صفرة، وعليها ثوب أصفر، وطاق أخضر؛ فقلن: أنشدنا يا ذا الرمّة؛ فقال: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدتهنّ: نظرت إلى أظعان ميّ كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأعربت العينان والصدر كاتم ... بمغرورق تمت عليه سواكبه بكا وامق خاف الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومغايبه فقالت ظريفة منهنّ: لكن الآن فلنجل. قال: فنظرت إليها مية متكرهة، ثم مضيت في القصيدة، حتى انتهيت إلى قوله: إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح ... على القلب آبته جميعا عوازبه فقالت [لها] الظريفة: قتلته قاتلك اللَّه! قالت مية: ما أصحه وهنيئا له! فتنفس ذو الرمّة تنفسا ظننت معه أنّ فؤاده قد انصدع؛ ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله: وقد حلفت باللَّه ميّة ما الذي ... أقول لها إلا الذي أنا كاذبه إذا فرماني اللَّه من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه فالتفتت إليه [ميّة] فقالت: خف عواقب اللَّه! ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله: إذا راجعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الثّوب سالبه فيا لك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه «١» فقالت الظريفة: أما هذه فقد راجعتك، وقد بدا لك الوجه منها، فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك اللَّه، ما أنكر ما تجيبين به! فتحدثن ساعة، ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأنا، فقمن بنا [عنهما. فقامت، وقمن معها] وقمت معهنّ: فجلست في بيت أراهما منه، فما رأيته برح من مقعده ولا قعدته؛ فسمعتها قالت له: كذبت واللَّه! ولا أدري ما قال لها.

стр. 2615

فلبثت قليلا ثم جاءني ومعه قارورة فيها دهن ومعه قلائد، فقال: هذا دهن طيب أتحفنا به، وهذه قلائد للجؤذر؛ ولا واللَّه ما أقلدهن بعيرا أبدا! وشدّ بهن ذوائب سيفه، وانصرفنا؛ فكنا نختلف إليها حتى انقضى الربيع ودعا الناس المصيف؛ فأتاني فقال: هيا عصمة، رحلت ولم يبق إلا الآثار والرسوم من الديار! وأنشدني: ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر المأمون ويحيى بن أكثم خرج المأمون في يوم عيد وقد ركب الجند أمامه، ومعه يحيى بن أكثم يضاحكه ويحادثه، وإذ نظر إلى غلام من الجند في غاية الفراهة «١» ، عليه ثوب حرير أخضر، وثوب موشى مزرّر بالذهب، فالتفت إلى يحيى بن أكثم فقال له: يا يحيى، ما تقول في هذه البضاعة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي! قال: فمن الذي يقول: قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس «٢» فقال: دعبل الذي يقول: ولا أرى الجور ينقضي وعلى العامّة وال لآل عباس قال: ينفى إلى السند، وإنما داعبناك. ثم أنشأ المأمون يقول: أيها الراكب ثوبا ... هـ حرير وحديد جئت للعبد وفي وج ... هك للأعين عيد أنت جندي ولكن ... فيك للحسن جنود الفضل والأمين الفضل بن الربيع قال: قعد المخلوع للناس يوما وعليه طيلسان «٣» أزرق، وتحته

стр. 2616

لبد أبيض، فوقّع في ثمانمائة قصة، فو اللَّه لقد أصاب فما أخطأ، وأسرع فما أبطأ؛ ثم قال لي: يا فضل، أتراني لا أحسن التدبير والسياسة، ولكني وجدت شمّ الآس، وشرب الكاس، واستلقاء من غير نعاس، أشهى إليّ من ذلك! أبو عيسى وأبو نواس قال ابن قتيبة: خرج أبو عيسى جبريل بن أبي عيسى إلى متنزه له بالقفص «١» ، ومعه الحسن بن هانىء، في آخر شعبان: فلما كان اليوم الذي أوفى به الشهر ثلاثين يوما، قيل له: إن هذا يوم شك، وبعض أهل العلم يصومه. فقال: لا عليك، ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر عن النبي ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. ثم قال لابن أبي عيسى: لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالحصّ «٢» نسرق هذا اليوم من شهرنا ... واللَّه قد يعفو عن اللّصّ! أبو نواس في مجلس شراب وذكروا أن أبا عيسى خرج إلى القفص متنزها ومعه الحسن بن هانىء، فحمله وخلع عليه، فأقام فيها أسبوعا، ثم قال له: بحياتي صف مجلسنا والأيام كلها. فقال في ذلك: يا طيبنا بقصور القفص مشرفة ... بها الدّساكر والأنهار تطّرد لمّا أخذنا بها الصّهباء صافية ... كأنّها النار وسط الكأس تتقد جاءتك من بيت خمّار بطينتها ... صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد وقام كالبدر مشدودا قراطقهه ... ظبي يكاد من التّهييف ينعقد «٣» فصبّها من فم الإبريق، فانبعثت ... مثل اللسان جرى وآستمسك الجسد

стр. 2617

فلم نزل في صباح السبت نأخذها ... والليل يأخذها حتى بدا الأحد واستشرقت غرّة الإثنين واضحة ... والجدي معترض والطّالع الأسد «١» وفي الثلاثاء أعملنا المطيّ بها ... صهباء ما قرعتها بالمزاج يد والأربعاء صفا فيه النّعيم لنا ... والكأس تضحك في حافاتها الزّبد ثمّ الخميس وصلناه بليلته ... وتمّ فيه لنا بالجمعة العدد يا حسننا وبحار القصف تغمرنا ... في لجّة الليل والأوتار تجتلد في مجلس حوله الأشجار محدقة ... وفي جوانبه الأطيار تغترد لا نستخف بساقينا لعزّته ... ولا يردّ عليه حكمه أحد عند الهمام أبي عيسى الذي كملت ... أخلاقه، فهي كالأوراق تنتقد أبو عيشونة الخياط أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا أبو محمد الدمشقي قال: مررت ذات ليلة أيام فتنة المستعين، والقمر يزهر بباب الشام، فإذا أنا بشيخ غليظ اصلع نشوان، قد توشح في إزار أحمر، ومال على شقة الأيمن، وفي يده خوصة يشمها ويقول: عشرون ألف فتى ما منهم أحد ... إلّا كألف فتى مقدامة بطل أضحت مزاودهم مملوءة نشبا ... ففرّغوها وأوكوها على الأمل «٢» فقلت له: أحسنت، للَّه أنت! فقال: أتحب رقيقة؟ فقلت: ما أحوجني إليها. فقال: إنما هيّج البلا ... يوم عضّ السّفرجلا وعلا الورد وجنتي ... هـ فأبدى التّخجّلا يفضح البدر في الكما ... ل إذا البدر أكملا

стр. 2618

ولقد قام لحظ عي ... ني على القلب بالقلى قلت له: أبو من أعزك اللَّه؟ قال: أبو عيشونة الخياط، شهدت حروب ابن زبيدة كلها، وجاريت الفتيان في غاية كل ميدان، واعترف لي كلّ فاتك، وأذعن لي كل شاطر، ونزلت تلك الدار عشرين سنة- وأومأ إلى سجن بغداد- ثم تنفس الصعداء، وقال: أنا الذي أقول: لي فؤاد مستهام ... وجفون لا تنام ودموع اخر الدّه ... ر لعينيّ سجام «١» وحبيب كلّما خا ... طبته قال سلام فإذا ما قلت زرني ... قال لي: ذاك حرام! ثم بكى، فلما أفاق قلت: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي ولي حبيب بالبصرة علقته وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم غبت عنه ثلاثا وثلاثين سنة، فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت في شوارعها حتى رأيته، فما رأيت وجها أحسن منظرا ولا أزهى منه. ثم أنشأ يقول: مردّة في كمده ... معذّب في سهده «٢» خلا به السّقم، فما ... أسرعه في جسده يرحمه لما بدا ... من ضرّه ذو حسده. ثم ودعني ومضيت. جارية في الطواف وحدث أبو الفضل قال: إني بالطواف أمام الحجر، إذا سمعت حنينا يخرج من بين الأستار، وإذا بقائل يقول: عفا اللَّه عمّن يحفظ الودّ جهده ... ولا كان عفو اللَّه للنّاقض العهد

стр. 2619

وضعت على الأستار خدّي ذليلة ... ليجمعني مع من وضعت له خدّي قال: فرفعت الأستار، فإذا جارية منفردة، كأنها شمس تجلت عنها غمامة؛ فقلت: يا هذه، لو سألت اللَّه الجنة مع هذا التضرع والبكاء ما حرمك إياها! قال: فسترت وجهها وقالت: سبحان من خلق فسوّى، ولم يهتك العلانية والنجوى «١» ؛ أما واللَّه إني لفقيرة إلى رحمة ربي، وقد سألته أكبر الأمرين عندي، رجاء فضله، واتكالا على عفوه! ثم ولت عني، فاستعذت باللَّه من الشيطان الرجيم. مسلم بن عبد اللَّه وزبان حدث مسلم بن عبد اللَّه بن مسلم بن جندب قال: خرجت أنا وزبّان السواق إلى العقيق، فلقينا نسوة نازلات من العقيق، لهن جمال وشارة، وفيهنّ جارية حسّانة العينين «٢» ، فلما رآها زبان قال لي: يابن الكرام، دم أبيك واللَّه في ثيابها فلا تطلب أثرا بعد عين! وأنشد قول [أبيه] أبي مسلم بن جندب: ألا يا عباد اللَّه، هذا أخوكم ... قتيل، فهل منكم له اليوم ثائر؟ خذوا بدمي إن متّ كلّ مليحة ... مريضة جفن العين والطرف ساحر قال: فقالت لي الجارية: أنت ابن جندب؟ قلت: نعم. قالت: فاغتنم نفسك واحتسب أباك: فإن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى. الزبير بن بكار عن عبد اللَّه بن مسلم بن جندب قال: قلت: تعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عين لا تنام طويل قال: فطرقني عيسى بن طلحة؛ قال: إني سمعت قولك فجئت أعينك! فقلت: يرحمك اللَّه، أغفلت الإجابة حتى أتى اللَّه بالفرج.

стр. 2620

مي صاحبة ذي الرمة أبو المهلهل الخزاعي قال: ارتحلت إلى الدهناء، فسألت عن ميّ صاحبة ذي الرمّة، فدفعت إلى خيمة فيها عجوز هيفاء «١» ، فسلمت عليها وقلت: أين منزل ميّ؟ فقالت: ها أنا ميّ. فقلت: عجبا من ذي الرمّة وكثرة قوله فيك! قالت: لا تعجب، فإني سأقوم بعذره. ثم قالت: فلانة. فخرجت من الخيمة جارية ناهد» عليها برقع؛ فقالت لها؛ أسفري. فلما أسفرت تحيرت لما رأيت من حسنها وجمالها. فقالت: علقني ذو الرمّة وأنا في سنّ هذه، وكلّ جديد إلى بلى. قلت: عذرته واللَّه! واستنشدتها من شعره، فأنشدتني. ما يكتب على العصائب وغيرها أبو الحسن قال: دخلت على هارون الرشيد وعلى رأسه جوار كالتماثيل، فرأيت عصابة منظمة بالدر والياقوت مكتوبا عليها بصفائح الذهب: ظلمتني في الحبّ يا ظالم ... واللَّه فيما بيننا حاكم قال: ورأيت في عصابة أخرى: مالي رميت فلم تصبك سهامي ... ورميتني فأصبتني يا رامي؟ قال: ورأيت على أخرى: وضع الخدّ للهوى عزّ قال: ورأيت في صدر أخرى هلالا مكتوبا عليه: أفلتّ من حور الجنان ... وخلقت فتنة من يراني قال إسحاق بن ابراهيم: دخلت على الامين محمد بن زبيدة، وعلى رأسه وصائف

стр. 2621

في قراطق «١» مفروجة، بيد وصيفة منهن مروحة مكتوب عليها: بي طاب العيش في الصيف، وبي طاب السّرور ... ممسكي ينفى أذى الحرّ إذا اشتد الحرور «٢» النّدى والجود في وجه أمين اللَّه نور «٣» ... ملك أسلمه الشّبه وأخلاه النّظير وفي عصابة: ألا باللَّه قولوا يا رجال ... أشمس في العصابة أم هلال وفي أخرى: أتهوون الحياة بلا جنون ... فكفوا عن ملاحظة العيون وكتبت ورد جارية الماهاني على عصابتها، وكانت تجيد الغناء مع فصاحتها وبراعتها: تمت وتم الحسن في وجهها ... فكلّ شيء ما سواها محال للناس في الشهر هلال ولي ... في وجهها في كلّ يوم هلال وكتبت في عصابتها بيتين من شعر الحسن بن هانىء، وهما: يا راميا ليس يدري ما الذي فعلا ... عليك عقلي، فإنّ السهم قد قتلا «٤» أجريته في مجاري الرّوح من بدني ... فالنفس في تعب والقلب قد شغلا قال علي بن الجهم: خرجت علينا عالج جارية خالصة، كأنها خوط بان وهي تميس في رقة، وعلى طرّتها مكتوب بالغالية، وكانت من مجان أهل بغداد مع علمها بالغناء: يا هلالا من القصور تجلّى ... صام طرفي لمقلتيك وصلّى لست أدري ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلّى «٥»

стр. 2622

لو تفرّغت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت محلا قال: وخرجت إلينا منال وعليها درع خام، على جانبه الأيمن مكتوب: كتب الطرف في فؤادي كتابا ... هو بالشوق والهوى مختوم وعلى الأيسر مكتوب: كان طرفي على فؤادي بلاء ... إنّ طرفي على فؤادي مشوم قال: وكان على عصابة ظبي، جارية سعيد الفارسي، مكتوب بالذهب: العين قارئة لما كتبت ... في وجنتيّ أنامل الشجن «١» قال: وحدثني الحسن بن وهب قال: كتبت شعب على قلنسوة جاريتها شكل: لم ألق ذا شجن يبوح بحبّه ... إلا حسبتك ذلك المحبوبا حذرا عليك، وإنني بك واثق ... ألّا ينال سواي منك نصيبا وكتب شفيع، خادم المتوكل، على عاتق قبائه الأيمن: بدر على غصن نضير ... شرق الترائب بالعبير «٢» وعلى عاتقه الأيسر: خطّت صحيفة وجهه ... في صفحة القمر المنير وكتبت وصيف، جارية الطائي، على عصابتها: فما زال يشكو الحبّ حتى حسبته ... تنفّس في أحشائه وتكلما فأبكي لديه رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما وكان على عصابة مزاج، وهي من مواجن أهل بغداد وفتّاكها: قالوا عليك دروع الصبر قلت لهم ... هيهات إنّ سبيل الصبر قد ضاقا ما يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا وكتبت عنان جارية الناطفي على عصابتها: الكفر والسّحر في عيني إذا نظرت ... فاغرب بعينيك يا مغرور عن عيني فإنّ لي سيف لحظ لست أغمده ... من صنعة اللَّه لا من صنعة القين

стр. 2623

وكتبت حدائق في كفها بالحناء: ليس حسن الخضاب زين كفّي ... حسن كفي زين لكلّ خضاب قال: وخرجت علينا جارية حمدان، وقد تقلدت سيفا محلى، وعلى رأسها قلنسوة مكتوب عليها: تأمّل حسن جارية ... يحار بوصفها البصر مذكّرة مؤنثّة ... فهي أنثى وهي ذكر وعلى حمائل سيفها مكتوب بالذهب: لم يكفه سيف بعينيه ... يقتل من شاء بحديه حتى تردّى مرهفا صارما ... فكيف أبقى بين سيفيه فلو تراه لابسا درعه ... يخطر فيها بين صفيه علمت أن السيف من طرفه ... أقتل من سيف بكفيه وكتبت واجد على منطقة جاريتها منصف الكوفية: تكّتي من غمزة العين ... إذا ما مست تنحلّ «١» وفؤادي رقّ حتى ... كاد من صدري ينسلّ بعض ما بي يصدع القلب. فما ظنّك بالكل ومن قولي فيما كتبت على كأس مذهبة: اشرب على منظر أنيق ... وامزج بريق الحبيب ريقي واحلل وشاح الكعاب رفقا ... واحذر على خصرها الدقيق «٢» وقل لمن لام في التّصابي ... إليك خلّي عن الطريق وقف صريع الغواني بباب محمد بن منصور فاستسقى، فأمر وصيفا له فأخرج إليه خمرا في كأس مذهبة، فلما نظر إليها في راحته قال: ذهب في ذهب را ... ح بها غصن لجين

стр. 2624

فأتت قرّة عيني ... من يدي قرة عين قمر يحمل شمسا ... مرحبا بالقمرين لا جرى بيني ولا ... بينهما طائر بين وبقينا ما بقينا ... أبدا متفقين في غبوق وصبوح ... لم نبع نقدا بدين «١» محمد بن اسحاق قال: حدثني أحمد بن عبد اللَّه قال: رأيت على مروحة مكتوبا: الحمد للَّه ووحده ... وللخيفة بعده وللمحبّ إذا ما ... حبيبه بات عنده وقال: ورأيت في مجلس سريرا مكتوبا عليه بالذهب: أشهى وأعذب من راح ومن ورد ... إلفان قد وضعا خدّا على خدّ وضمّ أحدهما أحشاء صاحبه ... حتى كأنهما للقرب في عقد هذا يبوح بما يلقاه من حزن ... وذاك يظهر ما يخفي من الوجد «٢» وفي عصابة أخرى: وإن يحجبوها بالنهار فمن لهم ... بأن يحجبوا بالليل عني خيالها قال أبو عبيدة: ورأيت [جارية] على جبينها مكتوبا: كتبت في جبينها ... بعبير على قمر في سطور ثلاثة: ... لعن اللَّه من عذر وتناولت كفّها ... ثم قلت اسمعي الخبر كلّ شيء سوى الخيا ... نة في الحبّ يغتفر قال الأصمعي: رأيت على باب الرشيد وصائف على عصابة واحدة منهن مكتوبا: نحن حور نواعم ... من أراض مقدّسه

стр. 2625

أحسن اللَّه رزقنا ... ليس فينا منحسه فاتق اللَّه يا فتى ... لا تدعني موسوسه الكرماني والمأمون وقال أبو جعفر الكرماني يوما للمأمون: أتأذن لي في دعابة؟ قال: هاتها ويحك، فما العيش إلا فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنك ظلمتني وظلمت غسان ابن عباد. قال: وكيف ذلك ويلك؟ قال: رفعت غسان فوق قدره، ووضعتني دون قدري، إلا أنك لغسان أشدّ ظلما. قال: وكيف؟ قال: لأنك أقمته مقام هر، وأقمتني مقام رخمة. فاستظرف ذلك منه ورفع درجته. بين عطاء وعبد الملك أبو زيد قال: كان عطاء بن أبي رباح مع ابن الزبير، وكان أملح الناس جوابا فلما قتل ابن الزبير أمّنه عبد الملك بن مروان، فقدم عليها فسأل الإذن، فقال عبد الملك: لا أريده يضحكني، قد أمّنته فلينصرف. قال أصحابه: فنحن نتقدم اليه ألا يفعل. فأذن له عبد الملك، فدخل وسلم عليه وبايعه، ثم ولّى، فلم يصبر عبد الملك أن صاح به: يا عطاء، أما وجدت أمّك اسما إلا عطاء؟ قال: قد واللَّه استنكرت من ذلك ما استنكرته يا أمير المؤمنين لو كانت سمتني باسم المباركة صلوات اللَّه عليها مريم! فضحك عبد الملك، وقال: اخرج. هارون ولاعب شطرنج لعب رجل بين يدي هارون بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه وفاوضه الكلام قال: ولّني نهر بوق. قال: بل أوليك نصفه؛ اكتبوا عهده على بوق. قال: فولّني على أرمينية. قال: أخشى أن يبطىء عليّ خبرك. قال: فغيرها. قال: لا أريد أن أبعدك عن نفسي.

стр. 2626

سعد بن الرابية وزياد اختصم إلى زياد بنو راسب وبنو طفاوة في غلام ادعوه، وأقاموا جميعا البينة عند زياد؛ فأشكل على زياد أمره، فقال سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع أصلح اللَّه الأمير، قد تبين لي في هذا الغلام القضاء؛ ولقد شهدت البينة لبني راسب والطفاوة، فولني الحكم بينهما. قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يلقى في النهر، فإن رسب فهو لبني راسب، وإن طفا فهو لبني الطفاوة، فأخذ زياد نعليه وقام وقد غلبه الضحك، ثم أرسل إليه: إني أنهاك عن المزاح في مجلسي. قال: أصلح اللَّه الأمير، حضرني أمر خفت أن أنساه. فضحك زياد وقال: لا تعودن. أفصح أهل البصرة وأجملهم أبو زيد قال: لم يكن بالبصرة أفصح لسانا ولا أظهر جمالا من الحسن بن أبي الحسن البصري، وزرعة بن أبي حمزة الهلالي. المتوكل وعبادة المخنث قال: وأخبرني الوليد بن عبيد البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل يوما وبين يديه عبادة المخنث، فأمر به فألقي في بعض البرك في الشتاء، فابتل وكاد يموت بردا؛ قال: أخرج من البركة وكسي، وجعل في ناحية في المجلس، فقال له: يا عبادة، كيف أنت؟ وما حالك؟ قال: يا أمير المؤمنين، جئت من الآخرة! فقال له: كيف تركت أخي الواثق؟ قال: لم أجز بجهنم! فضحك المتوكل وأمر له بصلة. نوادر أشعب قال أشعب: فيّ وفي أبي الزناد عجب؛ كنت أنا وهو في كفالة عائشة بنت عثمان، فما زال يعلو وأسفل حتى بلغنا غايتنا هذه! قيل لأشعب: لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك. قال: قد فعلت: قالوا له: فما حفظت من الحديث؟ قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي

стр. 2627

صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان فيه خصلتان كتب عند اللَّه خالصا مخلصا» . قالوا إن هذا حديث حسن؛ فما هاتان الخصلتان؟ قال: نسى نافع واحدة! ونسيت أنا الأخرى! وقال أشعب: رأيت رؤيا نصفها حق ونصفها باطل. قالوا كيف ذلك؟ قال: رأيتني أحمل بدرة «١» ، فمن شدة ثقلها عليّ كنت اسلح في ثيابي، ثم انتهيت، فإذا أنا بالسلح ولا بدرة! ساوم أشعب رجلا بقوس، فقال: أقلّ ثمنها دينار. قال أشعب: واللَّه لو أنك إذا رميت بها طائرا في السماء وقع مشويا بين رغيفين، ما اشتريتها منك بدينار أبدا! وقيل لأشعب: خففت صلاتك. قال: لأنها صلاة لا يخالطها رياء! وضرب الحجاج أعرابيا سبعمائة سوط، وهو يقول عند كل سوط: شكرا لك يا رب! فلقيه أشعب فقال: أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: ما أدري. قال: لكثرة شكرك؛ اللَّه تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٢» فقال: يا ربّ لاشكر فلا تزدني ... أسأت في شكرك فاعف عني باعد ثواب الشاكرين مني وسأل رجل أشعب أن يسلفه ويؤخّره، فقال هاتان حاجتان، فإذا قضيت لك إحداهما فقد أنصفت. قال الرجل: رضيت. قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك! أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي القعقاع قال: رأيت أشعب في السوق يبيع قطيفه «٣» ويقول للمشتري: أريد أن أبرأ إليك من عيب. قال: وما ذاك؟ قال: يحترق تحتها من دفن فيها. قال أشعب: من بال ولم يضرط كتب من الكاظمين الغيظ. وقيل لأشعب: هل خلق خلق أطمع منك؟ قال: نعم، أمّي، فإني كنت إذا جئتها

стр. 2628

بفائدة قد أعطيتها قالت: ما جئت به؟ فأتهجى لها الشيء حرفأ حرفا! ولقد أهدي لنا مرة غلام، فقالت: ما أهدي لنا؟ قلت: «غين» ؛ قالت: ثم ماذا؟ قلت: «لام» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ألف» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ميم» ؛ فأغمى عليها وجعلت تضرط، ولو أجملت لها الحروف لماتت فرحا! وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان إلا حسبت أنهما يأمران لي بشيء! ونظر أشعب إلى شيخ قبيح الوجه، فقال: ألم ينهكم سليمان بن داود عن أن تخرجوا بالنهار! ومر أشعب على رجل نجار يعمل طبقا، فقال له: زد فيه طوقا واحدا تتفضل به علي! قال: وما يدخل عليك؟ قال: لعل يوما يهدى إليّ فيه شيء! قال الأصمعي، أخبرني هارون بن زكريا عن أشعب قال: أدركت الناس يقولون قتل عثمان. قال الأصمعي: وعاش أشعب إلى زمان المهدي ورأيته. نوادر أبي محمد الأعمش دخل رجل على الأعمش يسأله عن مسألة، فردّ عليه فلم يسمع؛ فقال له: زدني في السماع. قال: ما ذلك لك ولا كرامة. قال: فبيني وبينك رجل من المسلمين قال: فخرجا إلى الطريق، فمر بهما شريك القاضي؛ فقال [الأعمش] : إني حدثت هذا بحديث فلم يسمع، فسألني أن أزيده في السماع لأنه ثقيل السمع، وزعم أن ذلك واجب له، فأبيت. قال له شريك: عليك أن تزيده، لأنك تقدر أن تزيد في صوتك؛ ولا يقدر أن يزيد في سمعه! أتت ليلة الشك من رمضان، فكثر الناس عند الأعمش يسألونه عن الصوم فضجر، ثم بعث إلى بيته فجيء إليه برمانة، فشقها ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر

стр. 2629

الى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، تناول حبة فأكلها، فيكفي الرجل السؤال ونفسه الردّ! قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوما، فقالت امرأته من وراء ستر: احملوا عنه، فواللَّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريّه «١» أو يشتم رفيقه. طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالردّ، فقالت: واللَّه ما أعجب منك، ولكني أعجب من قوم زوّجوك! ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: واللَّه إنا لنأتيك فما تنفعنا، ونتخلف عنك فما تضرّنا، وإن الوقوف إليك لذلّ، وإن تركك لحسرة؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط «٢» الخردل، وما أشبهك إلا بالصماخيفون «٣» ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة! فرفع الأعمش رأسه وقال: من هذا المتكلم؟ فقيل له: رقبة بن مصقلة فنكس رأسه. وقال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته، فمضى معي وأنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟ قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا. ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما ودعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك. فأدخلته الحمام، فلما جئت لأصبّ الماء الحارّ على رأسه، قال: ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه! وكثر الشعر على الأعمش، فقلت له: لم لا تأخذ من شعرك؟ قال: لا أجد حجّاما يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام ونتقدّم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا!

стр. 2630

قال: فأتيناه بحجام واعذرنا إليه ألا يتكلم حتى ينقضي أمره فبدأ الحجام بحلقه، فلما أمعن في حلقه سأله عن مسألة، فنفض ثيابه وقام بنصف رأسه محلوقا حتى دخل بيته، ثم جئناه بغير، فقال: لا واللَّه لا أخرج إليه حتى تحلفوه! فحلّفناه ألّا يسأله عن شيء؛ فخرج إليه. نوادر محمد بن مطروح الأعرج ولمحمد بن مطروح الأعرج من التبرم والملح والضجر والترفّع ما هو أحسن من هذا وأوقع. قال له رجل يوما: ما تقول يرحمك اللَّه في رجل مات يوم الجمعة، أيعذب عذاب القبر؟ قال: يعذّب يوم السبت! وقال له آخر: أتجد في بعض الحديث أنّ جهنم تخرب؟ قال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها! واستسقى بالناس يوما فأسرع بالصلاة قبل أن يتوافى الناس: فلما انصرف تلقاه بعض الوزراء فقال له: أسرعت أبا عبد اللَّه. قال: ليس علينا أن ننتظر حتى تشربوا وتأكلوا! وكانت لقومس الكاتب منه منزلة وجوار، وكان يتحفه ويتفقده بما أمكنه من الهدايا، وكانت صلاته معه في الجامع، والأعرج صاحب الصلاة، فإذا حضرت الصلاة ولم يحضر قومس، قال لبعض القومة: أنت يا شيطان، كلّم هؤلاء الكلاب لا يقيمون الصلاة حتى يأتي ذلك الخنزير. فكان برّه في حبس الصلاة عليه برّا العقوق خير منه. وكان يجلس إليه خصي لزرياب، قد حج وتنسك ولزم الجامع، فيتحدّث في مجلسه بأخبار زرياب، ويقول: كان أبو الحسن رحمة اللَّه يقول كذا وكذا. فقال له
следующие страницы →