Полный текст (2 664 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فإذا تلطّف للدّخول عليهم ... راج تلقّوه بوعد كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
بين سعيد بن مسلم وأبي هفان في الحجاب
: سعيد بن مسلم، قال: كنت واليا بإرمينية، فغبر «١» أبو هفان أياما ببابي. فلما وصل إليّ مثل قائما بين السماطين وقال: والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سفّ التراب يقيم من أود «٢» أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة. إنه والله لا يثنيني عنك إلا ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعدا؛ والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه؛ وهذا الأمر الذي قد صار إليك وفي يديك قد كان في يدي غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخير إن شرا فشر. فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب وتسهيل الحجاب، فإن حبّ عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغضه، لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله.
بين أبي مسهر وابن عبد كان
: أبو مسهر قال: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان فحجبني، فكتبت إليه:
إنّي أتيتك للتّسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب
وقد علمت بأني لم أردّ ولا ... والله ما ردّ إلا العلم والأدب
فأجابني ابن عبد كان، فقال:
لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب «٣»
«ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّي حين تحتجب»
стр. 72
ابن منصور ورجل من خاصته حجب عنه
: وقف بباب محمد بن منصور رجل من خاصته فحجب عنه؛ فكتب إليه:
على أي باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وقف أبو العتاهية إلى باب بعض الهاشميين فطلب الإذن، فقيل له: تكون لك عودة، فقال:
لئن عدت بعد اليوم إنّي لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم؟
ونظير هذا المعنى للعتابي حيث يقول:
قد أتيناك للسّلام مرارا ... غير من منّا بذاك المزار
فإذا أنت في استتارك بالّلي ... ل على مثل حالنا بالنهار
أبو دلف ورجل حجب عنه
: وقف رجل بباب أبي دلف، فقام به حينا لا يصل إليه، فتلطّف في رقعة وأوصلها إليه، وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم؟
فأجابه:
إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّبات ... فلا تستعظمن حجّاب بابي
وقال حبيب الطائي في الحّجاب:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى، حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
ولا جعلت أرزاقنا بيد أمريء ... حمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
стр. 73
وأنشد أبو بكر العطار:
ما لك قد حلت عن وفائك واستبدلت يا عمرو شيمة كدره
لستم ترجّون للحساب ولا ... يوم تكون السماء منفطره «١»
قد كان وجهي لديك معرفة ... فاليوم أضحى بابا من النكره
وقال غيره:
أتيتك للتسليم؛ لا أنني امرؤ ... أردت بإتيانيك أسباب نائلك
فألفيت بوابا ببابك مغرما ... بهدم الذي وطدته من فضائلك «٢»
وقد قال قوم: حاجب المرء عامل ... على عرضه؛ فاحذر خيانة عاملك
وقال الحسن بن هانيء:
أيها الراكب المغذّ إلى الفض ... ل ترفّق فدون فضل حجاب «٣»
ونعم هبك قد وصلت إلى الفض ... ل فهل في يديك إلا التراب!
وقال آخر- وهو محمود البغدادي:
حجابك من مهابته عسير ... وخيرك في اليدين غدا يسيرا
خرجت كما دخلت إليك إلّا ... ترابا صار في خفّي كثيرا
وقال العتابي:
حجابك ليس يشبهه حجاب ... وخيرك دون مطلبه السّحاب
ونومك نوم من ورد المنايا ... فليس له إلى الدنيا إياب
وقال غيره:
أنا بالباب واقف منذ أصبح ... ت على السّرج ممسكا بعناني
وبعين البواب كلّ الذي بي ... ويراني كأنه لا يراني
стр. 74
وقال غيره:
إذا ما أتيناه في حاجة ... رفعنا الرقاع له بالقصب
له حاجب دونه حاجب ... وحاجب حاجبه محتجب «١»
بين أبي بشير وبعض كتاب العسكر
: قال أبو بشير «٢» : حجبني بعض كتاب العسكر، فكتبت إليه: إن من لم يرفعه الإذن لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأرغب بك عن هذه الخليقة.
وكل من قام في منزلك، عظم قدره أو صغر. وحاول حجاب الخليفة، أمكنه:
فتأمّل هذه الحال وانظر إليها بعين الفهم ترها في أقبح صورة وأدنى منزلة.
لابن عبد ربه:
وقد قلت في ذلك:
إذا كنت تأتي المرء تعظم حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالهجر أوسع
وفي النّاس أبدال وفي الهجر راحة ... وفي النّاس عمّن لا يواتيك مقنع
وإنّ امرءا يرضى الهوان لنفسه ... حريّ بجدع الأنف والأنف أشنع «٣»
وقال آخر:
يا أبا موسى وأنت فتى ... ماجد حلو ضرائبه «٤»
كن على منهاج معرفة ... إنّ وجه المرء حاجبه
فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
стр. 75
وأنشد حسين الجمل، وبكر إلى باب سليمان بن وهب فحجبه الحاجب وأدخل ابن سعوة وحمدويه:
ولعمري لئن حجبنا عن الشّي ... خ فلا عن وجه هناك وجيه
لا ولا عن طعامه التافه النّز ... ر الذي حوله لطام بنيه «١»
بل حجبنا به عن الخسف والمس- خ وذاك التّبريق والتّمويه
فجزى الله حاجبا لك فظّا ... كل خير عنّا إذا يجزيه
إنّ ذبحي نذالة قد تأتّي ... من صباحي بقبح تلك الوجوه
وقال أحمد بن محمد البغدادي في الحسن بن وهب الكاتب:
ومستنب عن الحسن بن وهب ... وعمّا فيه من كرم وخير «٢»
أتاني كي أخبّره بعلمي ... فقلت له سقطت على خبير
هو الرّجل المهذّب غير أنيّ ... أراه كثير إرخاء السّتور
وأكثر ما يغنّيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسّرور
«ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور» «٣»
ومن قولنا في هذا المعنى:
ما بال بابك محروسا ببوّاب ... يحميه من طارق يأتي ومنتاب «٤»
لا يحتجب وجهك الممقوت عن أحد ... فالمقت يحجبه من غير حجّاب «٥»
فاعزل عن الباب من قد ظلّ يحجبه ... فإنّ وجهك طلّسم على الباب «٦»
وقف حبيب الطائي بباب مالك بن طوق فحجب عنه؛ فكتب إليه يقول:
قل لابن طوق رحى سعد إذا خبطت ... نوائب الدّهر أعلاها وأسفلها «٧»
стр. 76
أصبحت حاتمها جودا، وأحنفها ... حلما، وكيّسها علما، ودغفلها «١»
مالي أرى القبة البيضاء مقفلة ... دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
أظنّها جنّة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها
باب الوفاء والغدر
بين مروان وعبد الحميد الكاتب
: قال مروان بن محمد لعبد الحميد الكاتب حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت إلى أن تصير مع عدّوي وتظهر الغدر بي؛ فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظنّ بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد مماتي. فقال عبد الحميد: إن الذي أمرت به أنفع الأشياء لك وأقبحها بي، وما عندي غير الصبر معك حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك. وأنشأ يقول:
أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
عبد الملك بعد قتله ابن سعيد
: أبو الحسن المدائني قال: لما قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بعد ما صالحه وكتب له أمانا وأشهد شهودا. قال عبد الملك بن مروان لرجل كان يستشيره ويصدر عن رأيه إذا ضاق به الأمر: ما رأيك في الذي كان مني؟ قال: أمر قد فات دركه «٢» ! قال: لتقولنّ! قال حزم لو قتلته وحييت. قال: أو لست بحيّ؟ فقال: ليس بحيّ من أوقف نفسه موقفا لا يوثق له بعهد ولا بعقد. قال عبد الملك: كلام لو سبق سماعه فعلي لأمسكت.
стр. 77
أبو جعفر وابن هبيرة
: المدائني قال: لما كتب أبو جعفر أمان ابن هبيرة واختلف فيه الشهود أربعين يوما «١» ركب في رجال معه حتى دخل على المنصور، فقال: إن دولتكم هذه جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها وجنّبوهم مرارتها، لتسرع محبتكم إلى قلوبهم ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلت منتظرا لهذه الدعوة. فأمر أبو جعفر برفع الستر بينه وبينه، فنظر إلى وجهه وباسطه بالقول حتى اطمأنّ قلبه. فلما خرج قال أبو جعفر لأصحابه:
عجبا من كل من يأمرني بقتل مثل هذا! ثم قتله بعد ذلك غدرا.
أبو جعفر وسلم في قتل أبي مسلم
: وقال أبو جعفر لسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، قال: حسبك الله أبا أمية.
قال أبو عمرو بن العلاء: كانت بنو سعد بن تميم أغدر العرب، وكانوا يسمون الغدر في الجاهلية كيسان، فقال فيهم الشاعر:
إذا كنت في سعد وخالك منهم ... غريبا، فلا يغررك خالك من سعد
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
الولاية والعزل
قال النبي ﷺ : «ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة؛ فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة» .
لابن شعبة في حب الولاية وكراهيتها
: وقال المغيرة بن شعبة: أحب الإمارة لثلاث وأهجرها لثلاث: أحبها لرفع
стр. 78
الأولياء، ووضع الأعداء واستر خاص الأشياء. وأكرهها لروعة البريد، وموت العزل «١» ، وشماتة العدوّ.
بين ابن شبرمة وأبيه في موكب طارق
: وقال ولد ابن شبرمة القاضي: كنت جالسا مع أبي قبل أن يلي القضاء. فمرّ به طارق بن أبي زياد في موكب نبيل، وهو والي البصرة، فلما رآه أبي تنفس الصعداء وقال:
أراها وإن كانت تحبّ كأنها ... سحائب صيف عن قريب تقشّع «٢»
ثم قال: اللهم لي ديني ولهم دنياهم: فلما ابتلى بالقضاء قلت له: يا أبت، أتذكر يوم طارق؟ قال: يا بنيّ، إنهم يجدون خلفا من أبيك، وإن أباك لا يجد خلفا منهم: إن أباك حط في أهوائهم، وأكل من حلوائهم!
لابن الحسن في رجل غيرته الولاية
: قيل لعبد الله بن الحسن: إنّ فلانا غيّرته الولاية. قال: من ولي ولاية يراها أكبر منه تغيّر لها، ومن ولي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغيّر لها.
بين عمر والمغيرة حين عزله
: ولما عزل عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبة عن كتابة أبي موسى، قال له: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل فضل عقلك على العامة.
دعوة ابن عمر على زياد
: وكتب زياد إلى معاوية: قد أخذت العراق بيميني وبقيت شمالي فارغة- يعرّض له
стр. 79
بالحجاز- فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم اكفنا شمال زياد: فخرجت في شماله قرحة فقتلته.
بين ابن الخطاب وأبي هريرة
: ولقي عمر بن الخطاب أبا هريرة، فقال له: ألا تعمل؟ قال: لا أريد العمل.
قال: قد طلب العمل من هو خير منك يوسف ﵊، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«١» .
خالد القسري وتوليته بلالا
: المدائني قال: كان بلال بن أبي بردة ملازما لباب خالد بن عبد الله القسريّ، فكان لا يركب خالد إلا رآه في موكبه، فبرم به «٢» ، فقال الرجل من الشرط: إيت ذلك الرجل صاحب العمامة السوداء فقل له: يقول لك الأمير: مالزومك بابي وموكبي؟ لا أوّليك ولاية أبدا. فأتاه الرسول فأبلغه. فقال له بلال: هل أنت مبلغ عني الأمير كما بلغتني عنه؟ قال: نعم. قال: قل له: والله لئن وليتني لا عزلتني.
فأبلغه ذلك. فقال خالد: ماله قاتله الله! إنه ليعد من نفسه بكفاية. فدعاه فولّاه.
بين عمر وطالب عمل
: وأراد عمر بن الخطاب أن يستعمل رجلا، فبادر الرجل فطلب منه العمل، فقال له عمر: والله لقد كنت أردتك لذلك، ولكن من طلب هذا الأمر لم يعن عليه.
بين النبي ﷺ والعباس
: وطلب العباس عم النبي ﷺ من النبي ولاية، فقال له: «يا عم، نفس تحييها، خير من ولاية لا تحصيها» .
стр. 80
بين النبي ﷺ ورجل طلب عملا
: وطلب رجل من أصحاب النبي ﷺ عملا، فقال له: «إنا لا نستعين على عملنا بمن يريده» .
وتقول النصارى: لا نختار للجثلقة إلا زاهدا فيها غير طالب لها.
لزياد في أغبط الناس عيشا
: وقال زياد لأصحابه: من أغبط الناس عيشا؟ قالوا: الأمير وأصحابه! قال: كلا، إنّ لأعواد المنبر لهيبة، ولقرع لجام البريد لفزعة؛ ولكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يجري عليه كراؤها «١» ، وزوجة قد وافقته في كفاف من عيشه، لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه آخرته ودنياه.
بين معاوية والمغيرة حين كبر
: وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف أن يستبدل به:
أما بعد، فقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وسفّهني سفهاء قريش، فرأي أمير المؤمنين في عمله موفّق.
فكتب إليه معاوية: أمّا ما ذكرت من كبر سنّك، فأنت أكلت شبابك؛ وأما ما ذكرت من اقتراب أجلك، فإني لو أستطيع دفع المنية لدفعتها عن آل أبي سفيان؛ وأما ما ذكرت من سفهاء قريش، فحلماؤها أحلّوك ذلك المحل؛ وأما ما ذكرت من العمل، ف «ضحّ رويدا يدرك الهيجا حمل» «٢» وهذا مثل، وقع وقع تفسيره في كتاب الأمثال.
فلما انتهى الكتاب إلى المغيرة كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له فخرج
стр. 81
وخرجنا معه، فلما دخل عليه قال له: يا مغيرة، كبرت سنك ورقّ عظمك ولم يبق منك شيء، ولا أراني إلا مستبدلا بك. قال المحدّث عنه: فانصرف إلينا ونحن نرى الكآبة في وجهه، فأخبرنا بما كان من أمره. قلنا له: فما تريد أن تصنع؟ قال:
ستعلمون ذلك. فأتى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ الأنفس ليغدى عليها ويراح، ولست في زمن أبي بكر ولا عمر، فلو نصبت لنا علما من بعدك نصير إليه! فإني قد كنت دعوت أهل العراق إلى بيعة يزيد. فقال: يا أبا محمد، انصرف إلى عملك ورم هذا الأمر لابن أخيك. فأقبلنا نرّكض على النّجب «١» ، فالتفت فقال:
والله لقد وضعت رجله في ركاب طويل ألقى عليه أمة محمد ﷺ .
باب من أحكام القضاة
قال عمر بن عبد العزيز: إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل: علم بما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم عن الخصم، واقتداء بالأئمة، ومشاورة أهل العلم والرأي.
وقال عمر بن عبد العزيز: إذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه، فلا تحكم له حتى يأتي خصمه؛ فلعله قد فقئت عيناه جميعا.
كتاب عمر بن الخطاب إلى معاوية في القضاء
: وكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية في القضاء كتابا يقول فيه: إذا تقدّم إليك الخصمان فعليك بالبيّنة العادلة أو اليمين القاطعة، وإدناء الضعيف حتى يشتدّ قلبه وينبسط لسانه؛ وتعاهد الغريب! فإنك إن لم تتعاهده سقط حقّه ورجع إلى أهله؛ وإنما ضيّع حقّه، من لم يرفق به: وآس بين الناس في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يتبين لك فصل القضاء.
стр. 82
العتبي قال: تنازع إبراهيم بن المهديّ هو وبختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السّواد؛ فزرى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي أحمد بن أبي دواد، فأحفظه ذلك «١» ، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت إليه بيد، وليكن قصدك أمما، وطريقك نهجا، وريحك ساكنة؛ ووفّ مجالس الحكومة حقوقها مع التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب؛ فإن ذلك اشبه بك، وأشكل لمذهبك في محتدك «٢» وعظم خطرك؛ ولا تعجل؛ فربّ عجلة تهب ريثا. والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل «٣» ، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد. ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي عندك «٤» ، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقادر الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنذار معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، باخع «٥» بجرمه وتلك عادة عندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد وهبت حقي من هذا العقار لبختيشوع! فليت ذلك يقوم بأرش «٦» الجناية؛ ولن يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.
كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء
: وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رواها ابن عيينة: أما بعد فإنّ القضاء فريضة محكمة، وسنة متّبعة؛ فافهم إذا أدلى إليك الخصم؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في مجلسك ووجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك «٧» ولا يخاف ضعيف من جورك. البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر
стр. 83
والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا. ولا يمنعك قضاء قضيت به بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه؛ فإن الحق قديم والرجوع إليه خير من التمادي على الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك به كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ . واعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور عند ذلك ثم اعمد إلى أحبّها عند الله ورسوله وأشبهها بالحق؛ واجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بيّنته أخذت له بحقه وإلا وجّهت عليه القضاء؛ فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر. والمسلمون عدول «١» بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة أو نسب؛ فإنّ الله تولّى منكم السرائر، ودرأ «٢» عنكم بالبينات والأيمان؛ ثم إياك والتأذّي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحقوق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر، فإنه من تخلص نبته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بما يعلم الله خلافه منه هتك الله ستره.
وله أيضا يوصيه
: وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد؛ فإنّ للناس نفرة عن سلطانهم؛ فاحذر أن تدركني وإيّاك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، وأهواء متّبعة، ودنيا مؤثرة. أقم الحدود واجلس للمظالم ولو ساعة من النهار وأخف الفسّاق واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا، وإذا كانت بين القبائل نائرة «٣» فنادوا يا لفلان! فإنما تلك نجوى من الشيطان، فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا «٤» إلى أمر الله وتكون دعواتهم إلى الله والإسلام واستدم النعمة بالشكر، والطاعة بالتألّف، والمقدرة بالعفو والنّصرة بالتواضع والمحبة للناس. وبلغني أن ضبّة تنادى: يا لضبّة.
والله ما علمت أن ضبة ساق الله بها خيرا قط ولا صرف بها شرّا. فإذا جاءك كتابي
стр. 84
هذا فأنهكهم عقوبة حتى يفرقوا إن لم يفقهوا، وألصق بغيلان بن خرشة من بينهم:
وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وباشر أمورهم، وافتح بابك لهم؛ فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا وقد بلغ أمير المؤمنين أنه فشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها؛ فإيّاك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة: همّها في السّمن والسّمن حتفها. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من يشقى به الناس. والسلام.
ابن الخطاب وابن العاص والغزو في البحر
: أراد عمر بن الخطاب أن يغزو قوما في البحر، فكتب إليه عمرو بن العاص وهو عامله على مصر: يا أمير المؤمنين، إنّ البحر خلق عظيم، يركبه خلق صغير، دود على عود. فقال عمر: لا يسألني الله عن أحد أحمله فيه.
للشعبي قال: كنت جالسا عند شريح إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب وتبكي بكاء شديدا، فقلت: أصلحك الله، ما أراها إلا مظلومة. قال: وما علمك؟ قلت: لبكائها. قال: لا تفعل؛ فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون، وهم له ظالمون.
الحسن ورجل رد إياس شهادته
: وكان الحسن بن أبي الحسن، لا يرى أن يرد شهادة رجل مسلم إلا أن يجرّحه المشهود عليه؛ فأقبل إليه رجل فقال: يا أبا سعيد، إنّ إياسا ردّ شهادتي. فقام معه الحسن إليه فقال: يا أبا وائلة، لم رددت شهادة هذا المسلم وقد قال رسول الله ﷺ :
من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو المسلم: له مالنا وعليه ما علينا؟ فقال: يا أبا سعيد، إن الله يقول: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
«١» وهذا لا يرضى.
стр. 85
من عدل شريح القاضي
: ودخل الأشعث بن قيس على شريح القاضي في مجلس الحكومة، فقال: مرحبا وأهلا بشيخنا وسيدنا، وأجلسه معه. فبينما هو جالس عنده إذ دخل رجل يتظلم من الأشعث. فقال له شريح: قم فاجلس مجلس الخصم وكلّم صاحبك. قال بل أكلّمه من مجلسي. فقال له: لتقومنّ أو لآمرنّ من يقيمك. فقال له الأشعث: لشدّ ما ارتفعت؟ قال: فهل رأيت ذلك ضرّك؟ قال: لا. قال: فأراك تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها على نفسك.
إياس ورده لشهادة ابن أبي سود
وأقبل وكيع بن أبي سود صاحب خراسان ليشهد عند إياس بشهادة، فقال:
مرحبا وأهلا بأبي مطرّف وأجلسه معه، ثم قال له ما جاء بك؟ قال لأشهد لفلان.
فقال: مالك وللشهادة! إنما يشهد الموالي والتجار والسّوقة. قال صدقت، وانصرف من عنده فقيل له: خدعك، إنه لا يقبل شهادتك. قال: لو علمت ذلك لعلوته بالقضيب.
عدي بن أرطاة وشريح
: دخل عديّ بن أرطأة على شريح فقال: أين أنت أصلحك الله؟ قال: بينك وبين الجدار. قال: إني رجل من أهل الشام. قال: نائي المحلّ سحيق الدار. قال: قد تزوجت عندكم. قال: بالرفاء والبنين. قال: وولد لي غلام. قال: ليهنك الفارس.
قال: وأوردت أن أرحّلها. قال: الرجل أحقّ بأهله. قال: وشرطت لها دارها، قال:
الشرط أملك. قال: فاحكم الآن بيننا. قال: قد فعلت. قال: على من قضيت؟ قال:
على ابن أمك. قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك؛ يريد إقراره على نفسه.
стр. 86
شريح ورجل يخاصم في سنور
: سفيان الثوري قال: جاء رجل يخاصم إلى شريح في سنّور، قال: بيّنتك. قال:
ما أجد بينة في سنور ولدت عندنا. قال شريح: فاذهبوا بها إلى أمها فأرسلوها، فإن استقرت واستمرت ودرّت فهي سنورك، وإن هي اقشعرت وازبأرّت «١» فليست بسنورك.
سفيان الثوري قال: جاء رجل إلى شريح فقال: ما تقول في شاة تأكل الدّبى «٢» ؟
فقال: لبن طيّب وعلّف مجّان.
لشريح وقد سئل حكما
: وقيل لشريح: أيهما أطيب الجوز ينق أو اللّازينق؟ قال: لست أحكم على غائب.
الشعبي في الفصل بين رجل وامرأته
: ودخل رجل على الشّعبي في مجلس القضاء ومعه امرأة، وهي من أجمل النساء فاختصما إليه؛ فأدلت المرأة بحجتها وقرّبت بينّتها. فقال للزوج: هل عندك من مدفع؟ فأنشأ يقول:
فتن الشّعبيّ لمّا ... رفع الطّرف إليها
فتنته بدلال ... وبخطّي حاجبيها
قال للجلواز قرّبها ... وأحضر شاهديها «٣»
فقضى جورا على الخصم ... ولم يقض عليها
قال الشعبي: فدخلت على عبد الملك بن مروان، فلما نظر إليّ تبسم وقال:
فتن الشّعبيّ لما ... رفع الطّرف إليها
стр. 87
ثم قال: ما فعلت بقائل هذه الأبيات؟ قلت: أوجعته ضربا يا أمير المؤمنين؛ بما انتهك من حرمتي في مجلس الحكومة وبما افتري به عليّ! قال: أحسنت.
تم الجزء الثاني من كتاب اللؤلؤة في السلطان. ولله المنة يتلوه إن شاء الله تعالى «كتاب الفريدة في الحروب» وهو الجزء الثالث من قسمة خمسة وعشرين من قسمة للمؤلف والحمد لله أولا وآخرا. وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 88
كتاب الفريدة في الحروب ومدار أمرها
فرش كتاب الحروب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه
: قد مضى قولنا في السلطان وتعظيمه وما على الرعية من لزوم طاعته وإدامة نصحيته، وما على السلطان من العدل في رعيته والرفق بأهل مملكته. ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الحروب ومدار أمرها، وقود الجيوش وتدبيرها، وما على المدبّر لها من أعمال الخدمة، وانتهاز الفرصة، والتماس الغرّة، وإذكاء العيون، وإفشاء الطلائع، واجتناب المضايق، والتحفظ في البيات. هذا بعد معرفة أحكامها، وإحكام معرفته، وطول تجربته لها، ولمقاساة الحروب ومعاناة الجيوش، وعلمه أن لا درع كالصبر، ولا حصن كاليقين. ثم نذكر كرم الإقدام ومحمود عاقبته، ولؤم الفرار ومذموم مغبّته، والله المعين.
صفة الحروب
الحرب: رحى، ثفالها «١» الصبر؛ وقطبها المكر، ومدارها الاجتهاد، وثقافها الأناة «٢» ، وزمامها الحذر. ولكل شيء من هذه ثمرة: فثمرة المكر الظفر، وثمرة الصبر التأييد، وثمرة الاجتهاد التوفيق، وثمرة الأناة اليمن، وثمرة الحذر السلامة؛ ولكل
стр. 89
مقام مقال، ولكل زمان رجال والحرب بين الناس سجال «١» ، والرأي فيها أبلغ من القتال.
قال عمر بن الخطاب لعمرو بن معد يكرب: صف لنا الحرب. قال: مرّة المّذاق، إذا كشفت عن ساق؛ من صبر فيها عرف، ومن نكل عنها تلف، ثم أنشأ يقول:
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسهى بزينتها لكلّ جهول
حتى إذا حميت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل «٢»
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشّمّ والتقبيل «٣»
وقيل لعنترة الفوارس: صف لنا الحرب. فقال: أوّلها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى.
وقال الكميت:
والناس في الحرب شتّى وهي مقبلة ... ويستوون إذا ما أدبر القبل
كلّ بأمسيّها طبّ مولّية ... والعالمون بذي غدويّها قلل «٤»
وقال نصر بن سيار صاحب خراسان يصف الحرب ومبتدأ أمرها:
أرى خلل الرّماد وميض نار ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النّار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أولها الكلام
من حكمة لسليمان
: وفي حكمة سليمان بن داود ﵉: الشر حلو أوله، مرّ آخره.
للعرب
: والعرب تقول: الحرب غشوم؛ لأنها تنال غير الجاني.
стр. 90
وقال حبيب «١» :
والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السّفيه به بألف حليم
في ساعة لو أنّ لقمانا بها ... وهو الحيكم لكان غير حكيم
وقال أكثم بن صيفيّ حكيم العرب: لا حلم لمن لا سفيه له.
ونحو هذا هول الأحنف بن قيس: ما قلّ سفهاء قوم قطّ إلا ذلّوا.
وقال: لأن يطيعني سفهاء قومي أحبّ إليّ من أن يطيعني حلماؤهم.
وقال: أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار.
للنابغة الجعدي ودعوة النبي ﷺ
: وقال النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
وأنشد هذا الشعر للنبي ﷺ ، فلما انتهى إلى هذا البيت. قال له النبي ﷺ : لا يفضض الله فاك. فعاش ثلاثين ومائة سنة لم تسقط له ثنيّة.
وقال النابغة الذّبياني يصف الحرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
يريد بقوله: «تبدو كواكبه والشمس طالعة، شدة الهول والكرب، كما تقول العامة: أريته النجوم وسط النهار. قال الفرزدق:
أريك نجوم الليل والشمس حيّة
وقال طرفة بن العبد:
وتريك النّجم يجري بالظّهر
стр. 91
وإليه ذهب جرير في قوله:
والشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
يقول: إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجوم الليل، لشدة الغم والكرب الذي فيه الناس.
لابن عبد ربه
: ومن قولنا في صفة الحرب:
ومغبرّ السماء إذا تجلّى ... يغادر أرضه كالأرجوان
كأنّ نهاره ظلماء ليل ... كواكبه من السّمر اللّدان «١»
سموت له سموّ النّقع فيه ... بكلّ مدلّق سلب السّنان «٢»
وكل مشطّب المتنين صاف ... كلون الملح منصلت يمان «٣»
وفي صفة المعترك:
ومعترك تهزّ به المنايا ... ذكور الهند في أيدي ذكور «٤»
لوامع يبصر الأعمى سناها ... ويعمى دونها طرف البصير
وخافقة الذّوائب قد أنافت ... على حمراء ذات شبا طرير «٥»
يحوّم حولها عقبان موت ... تخطّفت القلوب من الصّدّور
بيوم راح في سربال ليل ... فما عرف الأصيل من البكور
وعين الشمس ترنو في قتام ... رنوّ البكر من بين السّتور «٦»
فكم قصّرت من عمر طويل ... به، وأطلت من عمر قصير
стр. 92
العمل في الحروب
قيل لأكثم بن صيفيّ: صف لنا العمل في الحرب. قال أقلّوا الخلاف على أمراتكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل؛ فتثبّتوا؛ فإن أحزم الفريقين الرّكين. وربّ عجلة تعقب ريثا. وادّرعوا الّليل فإنه أخفى للويل، وتحفّظوا من البيات.
وقال شبيب الحروريّ: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع. وكان إذا أمسى يقول لأصحابه: أتاكم المدد.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، وسمعت منازعة أصحابها وكثرة صياحهم: المنازعة في الحرب خور «١» ، والصياح فيها فشل، وما برأيي خرجت مع هؤلاء.
وقال عتبة بن ربيعة لأصحابه يوم بدر لما رأى عسكر رسول الله ﷺ : أما ترونهم خرسا لا يتكلّمون، يتلمّظون تلمّظ الحيات «٢» .
لابن أبي طالب في العواقب
: وقال علي بن أبي طالب ﵁: من أكثر النظر في العواقب لم يشجع.
وقال النعمان بن مقرّن لأصحابه عند لقاء العدوّ: إني هازّ لكم الراية، فليصلح كلّ رجل منكم من شأنه وليشدّ على نفسه وفرسه؛ ثم إني هازّها لكم الثانية. فلينظر كل رجل منكم موقع سهمه وموضع عدوّه ومكان فرصته؛ ثم إني هازّها لكم الثالثة وحامل، فاحملوا على اسم الله.
стр. 93
لعمر بن الخطاب في ابن مقرن
: وللنعمان بن مقرّن هذا؛ يقول عمر بن الخطاب ﵁ إذ تكاملت [الخيل] وتطلع الصحابة إلى التقدم عليها: لأقلّدنّ أعنّتها رجلا يكون غدا لأول أسنّة يلقاها، فقلدها النعمان بن مقرن.
لعلي في الفرصه
: وقال علي ﵁: انتهزوا الفرصة فإنها تمرّ مرّ السحاب، ولا تطلبوا أثرا بعد عين.
وقال بعض الحكماء: انتهز الفرصة فإنها خلسة: وثب عند رأس الأمر ولا تثب عند ذنبه؛ وإياك والعجز فإنه أذلّ مركب، والشفيع المهين فإنه أضعف وسيلة.
لابن مسلم في ابن أبي سود
وخرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم فأهمه ذلك، فقيل له: ما يهمّك منهم؟ وجّه إليهم وكيع بن أبي سود فإنه يكفيهم. فقال: لا، إن وكيعا رجل به كبر يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا قلت مبالاته بأعدائه فلم يحترس منهم. فيجد عدوّه غرّة منه «١» .
لبعض الملوك في الحزم
: وسئل بعض الملوك عن وثائق الحزم في القتال فقال: مخاتلة العدو «٢» عدن الريف وإعدادا العيون «٣» على الرّصد، وإعطاء المبلّغين على الصدق، ومعاقبة المتوصّلين بالكذب، وألّا تخرج هاربا إلى قتال؛ ولا تضيّق أمانا على مستأمن، ولا تشدهنّك «٤» الغنيمة عن المحاذرة.
стр. 94
للعجم في أشد الأمور تدريبا
: وفي بعض كتب العجم: إن حكيما سئل عن أشد الأمور تدريبا للجنود وشحذا لها. فقال: تعوّد القتال، وكثرة الظّفر، وأن يكون لها موادّ من ورائها.
بين معاوية وعمرو بن العاص
: وقال عمرو بن العاص لمعاوية: والله ما أدري يا أمير المؤمنين أشجاع أنت أم جبان؟ فقال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم تكن لي فرصة فجبان
وقال الأحنف بن قيس: إن رأيت الشر يتركك إن تركته، فاتركه.
قال هدبة العذري:
ولا أتّمنى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «١»
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
الصبر والإقدام في الحرب
جمع الله ﵎ تدبير الحرب في آيتين من كتابه فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
«٢» .
للعرب في الشجاعة
: وتقول العرب: الشجاعة وقاية والجبن مقتلة. واعتبر من ذلك أن من يقتل مدبرا أكثر ممن يقتل مقبلا.
стр. 95
لأبي بكر يوصي خالدا
: ولذلك قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لخالد بن الوليد: احرص على الموت توهب لك الحياة.
للعرب
: والعرب تقول: الشجاع موقّى والجبان ملقّى.
وقال أعرابي: الله مخلف ما أتلف الناس. والدهر متلف ما جمعوا، وكم من منية علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت.
لخالد في الصبر
: وكان خالد بن الوليد يسير في صفوف يذمّر «١» الناس ويقول: يا أهل الإسلام:
إن الصبر عز، وإن الفشل عجز، وإن مع الصبر النصر.
وكتب أنو شروان إلى مرازبته: عليكم بأهل السخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظنّ بالله.
وقالت الحكماء: استقبال الموت خير من استدباره.
وقال حسان بن ثابت:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا تقطر الدّما «٢»
وقال العلوي في هذا المعنى:
محرّمة أكفال خيلي على القنا ... ودامية لبّاتها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ منها في الصدور صدورها «٣»
стр. 96
وكانوا يتمادحون بالموت قعصا «١» ويتهاجمون بالموت على الفراش، ويقولون فيه:
مات فلان حتف أنفه. وأول من قال ذلك النبيّ ﵊.
عبد الله بن الزبير في مقتل أخيه مصعب
: وخطب عبد الله بن الزّبير الناس لما بلغه قتل مصعب أخيه، فقال: إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفا ولكن قعصا بأطراف الرماح وموتا تحت ظلال السيوف؛ وإن يقتل مصعب فإن في آل الزبير خلفا منه. وقال السموأل بن عادياء:
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «٢»
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا ... وليس على غير السّيوف تسيل «٣»
وقال آخر:
وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرّها فنذوقها
وقال الشّنفري:
فلا تدفنوني، إنّ دفني محرّم ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر
إذا حملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنا لك لا أبغي حياة تسرّني ... سجيس الّليالي مبسلا بالجزائر «٤»
قوله «خامري أم عامر» : هي الضبع. يعني: إذا قتلتموني فلا تدفنوني ولكن ألقوني إلى التي يقال لها: خامري أمّ عامر، وهي الضبع. وهذا اللفظ بعيد من المعنى.
стр. 97
لعلي بن أبي طالب
: وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وقيل له: أتقتل أهل الشام بالغداة وتظهر بالعشيّ في ازار ورداء؟ فقال: أبالموت تخوّفوني؟ فو الله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط عليّ.
وقال لابنه الحسن ﵉: لا تدعونّ أحدا إلى المبارزة، وإن دعيت إليها فأجب، فإن الداعي إليها باغ والباغي مصروع.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: بقية السيف أنمى عددا، وأطيب ولدا. يريد أن السيف إذا أسرع في أهل بيت كثر عددهم ونما ولدهم.
ومما يستدل به على صدق قوله: ما عمل السيف في آل الزبير وآل أبي طالب وما أكثر من عددهم.
وقال أبو دلف العجليّ:
سيفي بليلي قبسي ... وفي نهاري أنسي «١»
إنّي فتى عوّدني ... مهري ركوب الغلس
يحمدني سيفني كما ... يحمد كرّي فرسي
وقال محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب خراسان:
لست لريحان ولا راح ... ولا على الجار بنفّاح «٢»
فإن أردت الآن لي موقفا ... فبين أسياف وأرماح
ترى فتى تحت ظلال القنا ... يقبض أرواحا بأرواح
وقال أشهب بن رميلة:
أسود شرى لاقت أسود خفيّة ... تلاقوا على جرد بماء الأساود «٣»
стр. 98
للمهلب في أعجب ما رأى في حرب الأزارقة
: وقيل للمهلب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ قال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف فيقول:
وسائلة بالغيب عنّي ولو درت ... مقارعتي الأبطال طال نحيبها
إذا ما التقينا كنت أوّل فارس ... يجود بنفس أثقلتها ذنوبها
ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده، فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك.
بين هشام وأخيه مسلمة في الذعر
: وقال هشام بن عبد الملك لأخيه مسلمة: يا أبا سعد، هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدوّ؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يغشني ذعر قطّ سلبني رأيي. قال هشام: صدقت هذه والله البسالة.
وقيل لعنترة: كم كنتم يوم الفروق «١» ؟ قال: كنّا مائة لم نكثر فنتكل، ولم نقلّ فنذلّ.
ما كان يتمثل به ابن المهلب
: وكان يزيد بن المهلّب يتمثل كثيرا في الحرب بقول حصين بن الحمام:
تأخّرت أستقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
وقالت الخنساء:
نهين النّفّوس وبذل النفو ... س يوم الكريهة أبقى لها
وقيل لعبّاد بن الحصين، وكان من أشدّ أهل البصر: في أيّ عدّة كنت تريد أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجل مستأخر.
وكان مما يتمثل به معاوية رضي الله تعالى عنه يوم صفّين:
стр. 99
أبت لي شيمتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أوّ تستريحي «١»
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
ونظير هذا قول قطريّ بن الفجاءة:
[اقول لها وقد طارت شعاعا] «٢» ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي
لابن أبي طالب في صفين
: وكان علي بن أبي طالب ﵁ يخرج كل يوم بصفّين حتى يقف بين الصفّين ويقول:
أيّ يومي من الموت أفرّ ... يوم لا يقدر أو يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجى الحذر
ومثله قول جرير:
قل للجبان إذا تأخّر سرجه ... هل أنت من شرك المنيّة ناج «٣»
وهذا البيت في شعره الذي أوله:
هاج الفراق لقلبك المهتاج
ومدح فيه الحجاج، فلما أنشده:
قل للجبان إذا تأخّر سرجه
стр. 100
قال له: جرّأت عليّ الناس يا بن اللّخناء! قال: والله ما ألقيت لها بالا أيها الأمير إلا وقتي هذا.
عاصم بن الحدثان والفرزدق
: وكان عاصم بن الحدثان عالما ذكيّا، وكان رأس الخوارج بالبصرة، وربما جاء الرسول منهم من الجزيرة يسأله عن الأمر يختصمون فيه، فمرّ به الفرزدق، فقال لابنه: أنشد أبا فراس، فأنشده:
وهم إذا كسروا الجفون أكارم ... صبر وحين تحلّل الأزرار «١»
يغشون حومات المنون وإنّها ... في الله عند نفوسهم لصغار
يمشون بالخطّيّ لا يثنيهم ... والقوم إن ركبوا الرماح تجار «٢»
فقال له الفرزدق: ويحك! اكتم هذا لا يسمعه النساجون فيخرجوا علينا بحفوفهم «٣» فقال أبوه: هو شاعر المؤمنين وأنت شاعر الكافرين.
ونظير هذا مما يشجّع الجبان قول عنترة الفوارس:
بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل «٤»
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقي بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أنّي امرؤ سأموت إن لم أقتل «٥»
ومن أحسن ما قالوه في الصبر، قول نهشل بن حريّ بن ضمرة النهشليّ:
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم تكن نار وقوف على جمر «٦»
صبرنا له حتى يبوخ، وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصّبر «٧»
стр. 101
وأحسن من هذا عندي قول حبيب:
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت إخمصك الحشر
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
وأحسن من هذا قوله:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
وقوله في المعنى:
قوم إذا لبسوا الحديد حسبتهم ... لم يحسبوا أنّ المنيّة تخلق
انظر بحيث ترى السّيوف لوامعا ... أبدا وفوق رءوسهم تتألّق
وقال الجحّاف بن حكيم:
شهدن مع النبيّ مسوّمات ... حنينا وهي دامية الحوامي «١»
ووقعة راهط شهدت وحلّت ... سنابكهنّ بالبلد الحرام
تعرّض للطّعان إذا التقينا ... خدودا لا تعرّض للّطام
أخذه من قولهم: ضربة بسيف في عزّ، خير من لطمة في ذلّ.
ومن أحسن ما وصفت به رجال الحرب قول الشاعر «٢» :
رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان «٣»
تلاقوا رجالا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت في فنا الميدان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة أرض أو لأيّ مكان
ونظير هذا قول الآخر:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان «٤»
стр. 102
وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشمس بالفرسان
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلّب العلّات بالعيدان «١»
بل يسفرون وجوههم فترى لها ... عند السّؤال كأحسن الألوان
ومن أحسن المحدّثين تشبيها في الحرب، مسلم بن الوليد الأنصاري في قوله ليزيد بن مزيد:
تلقي المنيّة في أمثال عدّتها ... كالسّيل يقذف جلمودا بجلمود
تجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها ... والجود بالنّفس أقصى غاية الجود
وقوله أيضا:
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنّه أجل، يسعى إلى أمل «٢»
ينال بالرّفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل
وقال أبو العتاهية:
كأنّك عند الكرّ في الحرب إنّما ... تفرّ عن السّلم الذي من ورائكا
كأنّ المنايا ليس تجري لدى الوغى ... إذا التقت الأبطال إلّا برأيكا
فما آفة الآجال غيرك في الوغى ... وما آفة الأموال غير حبائكا «٣»
وقال زيد الخيل:
وقد علمت سلامة أنّ سيفي ... كريه كلّما دعيت نزال
أحادثه بصقل كلّ يوم ... وأعجمه بهامات الرجال
وقال أبو محلّم السعديّ:
تقول وصكّت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس «٤»
стр. 103
فقلت لها لا تعجلي وتبيّني ... بلائي إذا التفّت عليّ الفوارس
ألست أردّ القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين نائس «١»
إذا هاب أقوام تقحّمت غمرة ... يهاب حميّاه الألدّ المداعس «٢»
لعمر أبيك الخير إنّي لخادم ... لضيفي وإنّي إن ركبت لفارس
وقال آخر يمدح المهلّب بالصبر:
وإذا جددت فكلّ شيء نافع ... وإذا حددت فكلّ شيء ضائر «٣»
وإذا أتاك مهلّبيّ في الوغى ... في كفّه سيف فنعم الناصر
ومن قولنا في القائد أبي العباس في الحرب:
نفسي فداؤك والأبطال واقفة ... والموت يقسم في أرواحها النّقما
شاركت صرف المنايا في نفوسهم ... حتى تحكّمت فيها مثل ما احتكما
لو تستطيع العلا جاءتك خاضعة ... حتى تقبّل منك الكفّ والقدما
ومن قولنا في وصف الحرب:
سيوف يقيل الموت تحت ظباتها ... لها في الكلى طعم وبين الكلي شرب «٤»
إذا اصطفّت الرايات حمرا متونها ... ذوائبها تهفو فيهفو لها القلب
ولم تنطق الأبطال إلّا بفعلها ... فألسنها عجم وأفعالها عرب
إذا ما التقوا في مأزق وتعانقوا ... فلقياهم طعن وتعنيقهم ضرب
ومن قولنا في رجال الحرب وأنّ الوغى قد أخذت منهم ومن أجسامهم فهي مثل السيوف في رقّتها وصلابتها:
سيف تقلّد مثله ... عطف القضيت على القضيب
стр. 104
هذا تجزّ به الرّقا ... ب وذا تجرّ به الخطوب
ومن قولنا أيضا:
تراه في الوغى سيفا صقيلا ... يقلّب صفحتي سيف صقيل
ومن قولنا أيضا:
سيف عليه نجاد سيف مثله ... في حدّه للمفسدين صلاح
ومن قولنا أيضا في الحرب وذكر القائد:
مقيلك تحت أظلال العوالي ... وبيتك فوق صهوات الجياد
تبختر في قميص من دلاص ... وترفل في رداء من نجاد «١»
كأنّك للحروب رضيع ثدي ... غذتك بكلّ داهية نآد «٢»
فكم هذا التّمني للمنايا ... وكم هذا التّجلّد للجلاد
لئن عرف الجهاد بكلّ عام ... فإنّك طول دهرك في جهاد
وإنّك حين أبت بكلّ سعد ... كمثل الرّوح آب إلى الفؤاد
رأينا السّيف مرتديا بسيف ... وعاينّا الجواد على الجواد
وقد وصفنا الحرب بتشبيه عجيب لم يتقدّم عليه، ومعنى بديع لا نظير له، فمن ذلك قولنا:
وجيش كظهر اليمّ تنفحه الصّبا ... يعبّ عبابا من قنا وقنابل «٣»
فتنزل أولاه وليس بنازل ... وترحل أخراه وليس براحل
ومعترك ضنك تعاطت كماته ... كئوس دماء من كلى ومفاصل
يديرونها راحا من الرّوح بينهم ... ببيض رقاق أو بسمر ذوابل «٤»
стр. 105
وتسمعهم أمّ المنيّة وسطها ... غناء صليل البيض تحت المناصل «١»
ومن قولنا في هذا المعنى:
سيف من الحتف تردّى به ... يوم الوغى سيف من الحزم
مواصلا أعداءه عن قلى ... لا صلة القربى ولا الرّحم «٢»
وصل يحنّ الإلف من بغضه ... شوقا إلى الهجران والصّرم
حتى إذا نادمهم سيفه ... بكلّ كأس مرّة الطّعم
ترى حميّاها بها ماتهم ... تغور بين الجلد والعظم «٣»
على أهازيج ظبا بينها ... ما شئت من حذف ومن خرم «٤»
طاعوا له من بعد عصيانهم ... وطاعة الأعداء عن رغم
وكم أعدّوا واستعدّوا له ... هيهات ليس الخضم كالقضم «٥»
ومن قولنا في شبهه:
كم ألحم السّيف في أبناء ملحمة ... ما منهم فوق متن الأرض ديّار «٦»
وأورد النّار من أرواح مارقة ... كادت تميّز من غيظ لها النّار «٧»
كأنّما صال في ثنيي مفاضته ... مستأسد حنق الأحشاء هدّار «٨»
لما رأى الفتنة العمياء قد رحبت ... منها على النّاس آفاق وأقطار
وأطبقت ظلم من فوقها ظلم ... ما يستضاء بها نور ولا نار
قاد الجياد إلى الأعداء سارية ... قباّ طواها كطيّ العصب إضمار «٩»
стр. 106
ملمومة تتبارى في ململمة ... كأنّها لاعتدال الخلق أفهار «١»
تزورّ عند احتماس الطّعن أعينها ... وهنّ من فرجات النّقع نظاّر «٢»
تفوت بالثّأر أقواما وتدركه ... من آخرين إذ لم يدرك الثّار
فانساب ناصر دين الله يقدمهمّ ... وحوله من جنود الله أنصار
كتائب تتبارى حول رايته ... وجحفل كسواد الليل جرّار
قوم لهم في مكرّ اللّيل غمغمة ... تحت العجاج وإقبال وإدبار «٣»
يستقبلون كراديسا مكردسة ... كما تدافع بالتّيّار تيّار «٤»
من كلّ أروع لا يرعى لهاجسة ... كأنّه مخدر في الخيل هصّار «٥»
في قسطل من عجاج الحرب مدّ له ... بين السماء وبين الأرض أستار
فكم بساحتهم من شلو مطّرح ... كأنه فوق ظهر الأرض إجّار «٦»
كأنّما رأسه أفلاق حنظلة ... وساعداه إلى الزّندين جمّار «٧»
وكم على النّهر أوصالا مفرّقة ... تقّسمتها المنايا فهي أشطار
قد فلّقت بصفيح الهند هامهم ... فهنّ بين حوامي الخيل أعشار»
ومن قولنا في الحروب:
وحومة عادرت فرسانها ... في مبرك للحرب جعجاع «٩»
مستلحم بالموت مستشعر ... مفرّق للشّمل جمّاع
стр. 107
وبلدة صحصحت منها الرّبا ... لفيلق كالسّيل دفّاع «١»
كأنّما باضتّ نعام الفلا ... منهم بهام فوق أدراع
تراهم عند احتماس الوغى ... كأنّهم جنّ بأجراع «٢»
بكلّ مأثور على متنه ... مثل مدبّ النّمل في القاع
يرتدّ طرف العين من حدّه ... عن كوكب للموت لمّاع
ومن قولنا في الحروب:
وربّ ملتفّة العوالي ... يلتمع الموت في ذراها «٣»
إذا توطّت حزون أرض ... طحطحت الشّمّ من رباها «٤»
يقودها منه ليث غاب ... إذا رأى فرصة قضاها
تمضي بآرائه سيوف ... يستبق الموت في ظباها «٥»
بيض تحلّ القلوب سودا ... إذا انتضى عزمه انتضاها «٦»
تتبعه الطّير في الأعادي ... تجني كلا العشب من كلاها «٧»
أقدم إذا كاع كلّ ليث ... عن حومة الموت إذا رآها «٨»
فأقحم الخيل في غمار ... تفغر بالموت لهوتاها «٩»
عنت له أوجه المنايا ... فعافها القوم واشتهاها
стр. 108
فرسان العرب في الجاهلية والإسلام
ابن مكدم وقول حسان فيه
: كان فارس العرب في الجاهلية ربيعة بن مكدّم. من بني فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وكان يعقر على قبره في الجاهلية. ولم يعقر على قبر أحد غيره. وقال حسان بن ثابت وقد مرّ على قبره:
نفرت قلوصي من حجارة حرّة ... بنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنّه ... شرّيب خمر مسعر لحروب
لولا السّفار وطول قفر مهمه ... لتركتها تحبو على عرقوب «١»
فراس بن غنم وكلمة لعلي فيهم
: وكان بنو فراس بن غنم بن كنانة أنجد العرب. كان الرجل منهم يعدل عشرة من غيرهم. وفيهم يقول عليّ بن أبي طالب ﵁ لأهل الكوفة: من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب، أبدلكم الله بي من هو شرّ لكم، وأبدلني بكم من هو خير منكم. وددت والله أنّ لي بجميعكم- وأنتم مائة ألف- ثلاثمائة من بني فراس بن غنم.
ومن فرسان العرب في الجاهلية عنترة الفوارس، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ وأبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وزيد الخيل، وبسطام بن قيس، والأحيمر السعدي، وعامر بن الطّفيل، وعمرو بن عبد ودّ، وعمرو بن معد يكرب.
وفي الإسلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، والزبير، وطلحة، ورجال الأنصار: عبد الله بن خازم السّلمي، وعباد بن الحصين، وعمير بن الحباب، وقطريّ بن الفجاءة، والحريش بن هلال السعدي، وشبيب الحروريّ.
стр. 109
للعرب في بعض فرسانهم
: وقالوا: ما استحيا شجاع قطّ أن يفرّ من عبد الله بن خازم وقطريّ بن الفجاءة، صاحب الأزارقة.
وقالوا: ذهب حاتم بالسخاء، والأحنف بالحلم، وخريم بالنعمة، وعمير بن الحباب بالشدّة.
ابن خازم مع ابن زياد في جرذ
: وبينا عبد الله بن خازم عند عبيد الله بن زياد إذ دخل عليه بجرذ أبيض، فعجب منه عبيد الله، وقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا؟ ونظر إليه، فإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، واصفرّ كأنه جرادة ذكر فقال عبيد الله:
أبو صالح يعصى الرحمن، ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الليث، ويلقى الرماح بنحره، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أن الله على كل شيء قدير.
وكان شبيب الحروريّ: يصيح في جنبات الجيش فلا يلوي أحد على أحد. وفيه يقول الشاعر:
إنّ صاح يوما حسبت الصّخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم
ولما قتل أمر الحجاج بشق صدره. فإذا له فؤاد مثل فؤاد الجمل. فكانوا إذا ضربوا به الأرض ينزو كما تنزو المثانة المنفوخة «١» .
لابن عباس في الأنصار
: ورجال الأنصار أشجع الناس؛ قال عبد الله بن عباس: ما استلّت السيوف، ولا زحفت الزحوف، ولا أقيمت الصفوف، حتى أسلم ابنا قيلة: يعني الأوس والخزرج، وهما الأنصار من بني عمرو بن عامر من الأزد.
стр. 110
أبو براء لما أسن
: العتبي: لما أسنّ أبو براء عامر بن مالك وضعّفه بنو أخيه وخرّفوه. ولم يكن له ولد يحميه، أنشأ يقول:
دفعتكم عنيّ وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل
يضعّفني حلمي وكثرة جهلكم ... عليّ وأنّي لا أصول بجاهل «١»
لعلي في همدان
: وقال علي بن أبي طالب ﵁، إذ رأى همدان وغناءها في الحرب يوم صفين:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنّى فتحة الباب «٢»
كالهندوانيّ لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجّاب «٣»
وقال ابن برّاقة الهمداني:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم «٤»
متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما ... وأنفا حمياّ تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
وقال تأبط شرا:
قليل التّشكّي للمهمّ يصيبه ... كثير النوى شتّ الهوى والمسالك
يبيت بموماة ويضحى بغيرها ... جحيشا ويعروري ظور المهالك «٥»
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كاليء من قلب شيحان فاتك «٦»
следующие страницы →