صحيحة، فإن المتكلفين من أهل الكلام متنطعون، والمتقعرون في الكلام ومخارج الحروف متنطعون، والغالون في عباداتهم متنطعون، وبالجملة فالتنطع: التعمق في قول أو فعل كما قال أبو السعادات. وقال النووي: فيه كراهة المتقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم.
قوله: (قالها ثلاثًا) . أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التحذير والتعليم، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين، فما ترك شيئًا يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا أخبرنا به، وإنما ضل الأكثرون بمخالفة هذه الأحاديث وما في معناها، فغلوا وتنطعوا فهلكوا، ولو اقتصروا على ما جاءهم من ربهم على يدي رسول الله ﷺ لسلموا وسعدوا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
стр. 282
باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ؟!
...
[باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!]
أي: عبد القبر أو الرجل الصالح، ولما كان عباد القبور إنما دُهُوا من حيث ظنوا أنهم محسنون، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ... ﴾ ١ الآية. نَوَّعَ المصنف التحذير من الافتتان بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلب، وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب، فإذا كان قصد قبور الصالحين لعبادة الله عندها فيه من
стр. 283
النهي والوعيد ما سَيَمُرُّ بك إن شاء الله، فكيف بعبادة أربابها من دون الله واعتيادها لذلك في اليوم والأسبوع والشهر مرات كثيرة.
قال: في "الصحيح" عن عائشة أن "أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ١.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل.
ش قوله: في "الصحيح". أي في "الصحيحين".
قوله: أن أم سلمة. هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية; تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، ماتت سنة اثنتين وستين.
قوله: (ذكرت لرسول الله ﷺ . كان ذكر أم سلمة هذه الكنيسة للنبي ﷺ في مرض موته، كما جاء مبينًا في رواية في "الصحيح". وفي "الصحيحين" أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ .
قوله: (كنيسة) . وفي رواية يقال: لها مارية، وهي بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى.
قوله: (أولئك) . بفتح الكاف وكسرها.
قوله: (إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح) . هذا والله أعلم شك من بعض رواة الحديث، هل قال النبي ﷺ هذا أو هذا، ففيه التحري في الرواية، وجواز رواية الحديث بالمعنى.
قوله: (بنوا على قبره مسجدًا) ، أي: موضعًا للعبادة، وإن لم يسم مسجدًا كالكنائس والمشاهد.
قوله: (وصوروا فيه تلك الصور) . الإشارة بتلك الصور إلى
стр. 284
ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها.
قوله: (أولئك شرار الخلق عند الله) . مقتضى هذا تحريم ما ذكر، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه. قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم النبي ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك. قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين....) إلى آخره. هذا من كلام شيخ الإسلام، ذكره المصنف عنه. يعني أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بها كثير من الخلق. الأولى: فتنة القبور، لأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيمًا مبتدعًا، فآل بهم إلى الشرك، وهي أعظم الفتنتين، بل هي مبدأ الفتنة. الثانية: وهي فتنة التماثيل، أي: الصور، فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين وعظموها، وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها الصور للقصد الذي ذكره القرطبي، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن هي صورته من دون الله، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين كاللات وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم من الصالحين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب
стр. 285
إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدًّا للذريعة. قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليط فيه.
وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه.
[لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد]
قال: ولهما عنها قالت: "لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا" ١ أخرجاه.
стр. 286
ش: هكذا ثبت في أول هذا الحديث "ولهما" وفي آخره: "أخرجاه" بخط المصنف، وأحد اللفظين يغني عن الآخر، لأن المراد صاحبا "الصحيحين".
قوله: (لما نزل) . هو بضم النون وكسر الزاي. أي: نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈.
قوله: (طفق) ، بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح، وبه جاء القرآن ومعناه: جعل.
قوله: (خميصة) ، بفتح المعجمة كساء له أعلام.
قوله: (فإذا اغتم بها كشفها) ، أي: إذا احتبس نفسه عن الخروج كشفها عن وجهه.
قوله: "لعن الله اليهود والنصارى" إلى آخره. لعنهم ﷺ على هذا الفعل بعينه وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي: كنائس وبيع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم وإن لم يسمها من بناها مساجد. وفيه رد على من أجاز البناء على قبور العلماء والصالحين تمييزًا لهم عن غيرهم، فإذا كان ﷺ لعن من بنى المساجد على قبور الأنبياء، فكيف بمن بناها على قبور غيرهم؟!
قوله: "يحذر ما صنعوا". الظاهر أن هذا من كلام عائشة ﵂، أي: أن الرسول ﷺ لعن اليهود والنصارى على ذلك تحذيرًا لأمته أن تصنع ما صنعوا.
قال القرطبي: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام.
قوله: (ولولا ذاك) ، أي: لولا تحذير النبي ﷺ ما صنعوا ولعن من فعل ذلك.
стр. 287
قوله: (لأبرز قبره) ، أي: لدفن خارج بيته ومنه الحديث: "كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس. أي: جالسًا خارج بيته" ١.
قوله: (غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا) . روي بفتح الخاء وضمها بالبناء للفاعل والمفعول، قالوا: فأما رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك، وأما رواية الضم، فيحتمل أن تكون عائشة هي التي خشيت كما في لفظ آخر، غير أني أخشى. أو هي ومن معها من الصحابة. قلت: وهذا أظهر. ورواية: غير أني أخشى، لا تخالفه.
قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره.
قلت: وفي الحديثين مسائل نبه المصنف على بعضها. منها: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. ومنها: النهي عن التماثيل بتغليظ الأمر. ومنها: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. ومنها: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. ومنها: لعنه إياهم على ذلك. ومنها: مراده بذلك تحذيره إيانا عن قبره، ومنها: العلة في عدم إبراز قبره، ومنها: ما بلي به ﷺ من شدة النّزع.
قلت: ومنها التنبيه على علة تحريم ذلك، وعلة لعن من فعله.
[النهي عن اتخاذ القبور مساجد]
قال: ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن
стр. 288
يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ١. فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- مَنْ فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجدًا، وهو معنى قوله: أخشى أن يتخذ مسجدًا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا. وكل موضع قُصِدَتِ الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصَلَّى فيه يُسَمَّى مسجدًا كما قال ﷺ "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ٢.
ش: قوله: عن جندب بن عبد الله. أي: ابن سفيان البجلي أبو عبد الله، وينسب إلى جده، صحابي مشهور مات بعد الستين.
قوله: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، أي: أمتنع من هذا وأنكره. والخليل: هو المحبوب غاية المحبة، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح ... مني وبذا سمي الخليل خللاً
هذا هو الصحيح في معناه، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وغيرهم.
قال القرطبي: وإنما كان ذلك لأن قلبه ﷺ قد امتلأ من محبة الله، وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره.
قوله: "فإن الله قد اتخذني خليلاً". فيه التصريح بأن الخلة أكمل من المحبة قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد ﷺ حبيب الله، فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي ﷺ أن الله قد اتخذه خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن
стр. 289
الخطاب ﵃ وغيرهم. وأيضًا فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك.
قوله: "ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلاً" ١. فيه دليل على أن الصِّدِّيق أفضل الصحابة، حيث صرح ﷺ أنه لو اتخذ خليلاً غير ربه، لاتخذ أبا بكر، فيه رد على الرافضة وعلى الجهمية الذين هم شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد قاتلهم الله، قاله المصنف. وفيه إشارة إلى خلافته، لأن من كانت محبته لشخص أشد، فهو أحق الناس بالنيابة عنه، لا سيما وقد قال ذلك في مرض موته، خصوصًا وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب لما صلى بهم عمر.
واسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة بإجماع من يعتد به من أهل السنة، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة.
قوله: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ... ) ، إلى آخر الحديث. قال الخلخالي: وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن.
قلت: (الحديث أعم من ذلك) ، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها.
стр. 290
قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) ، أي: كما في حديث جندب.
قوله: (ثم إنه لعن) -وهو في السياق- من فعله، أي: كما في حديث عائشة.
قوله: (والصلاة عندها من ذلك) ، وإن لم يبن مسجدًا، يعني: أن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، وإن لم يبن مسجدًا، فتحرم الصلاة في المقبرة وإلى القبور، بل لا تنعقد أصلاً لما في هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها، من لعن من اتخذها مساجد.
وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ١ وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" ٢. رواه أحمد وأهل السنن، وصححه ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين، وفي "صحيح البخاري" أن: "عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر القبر". وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ما نهاهم عنه نبيهم ﷺ من الصلاة عند القبور. وفعل أنس لا يدل على اعتقاد جوازه، فإنه لعله لم يره، ولم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه، فلما نبهه عمر تنبه.
وفي هذا كله إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ ، بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ من الشرك، ويدل على
стр. 291
ذلك أن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون.
وقد لعن النبي ﷺ متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبًا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها.
قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وذرائعه، وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده جزم جزمًا لا يحتمل النقيض، أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه: صيغة: (لا تفعلوا) وصيغة: (إني أنهاكم) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه، أو عدم من تحقيق لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيمًا، وأشد فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية.
стр. 292
قلت: وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق.
قوله: فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، أي: لما علموا من تشديده في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله، فكيف يتخذون على قبره مسجدًا؟ وإنما خشوا أن يعتاده بعض الجهال للصلاة عنده، من غير شعور من الصحابة بذلك، فلذلك دفنوه في بيته.
قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا) ، أي: وإن لم يبن مسجدًا. قوله: "بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا"، الظاهر أن الأول في الأمكنة المعدة للصلاة، وإن لم يبن فيها مسجدًا. وهذا في أي موضع صلي فيه، وإن لم يعد لذلك، كالمواضع التي يصلي فيها المسافر ونحو ذلك. فعلى هذا إذا صلى عند القبور ولو مرة واحدة وإن لم يكن هناك مسجد، فقد اتخذها مساجد.
قوله: كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ١ أي: فسمى الأرض مسجدًا، وليست مسجدًا مبنيًّا، لكن لما كان يسجد فيها سميت مسجدًا. فدل هذا الحديث أن من صلى عند القبور أو إليها فقد اتخذها مساجد. وهذا الحديث طرف من حديث صحيح متفق عليه عن جابر.
قال البغوي في "شرح السنة": أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، وأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفًا عليهم وتيسيرًا، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس.
وقوله: (طهورا) . أراد به التيمم. وفي حديث جندب من الفوائد أيضًا، العبرة في مبالغته ﷺ في النهي عن بناء المساجد على القبور، كيف بيّن لهم ذلك أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النّزع لم يكتف بما تقدم، بل
стр. 293
لعن من فعل ذلك. فدلت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة على تحريم البناء على القبور مطلقًا، فلذلك اكتفى المصنف بإيرادها عن غيرها، كحديث جابر أن النبي ﷺ نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه مسلم وغيره وزاد أبو داود والحاكم: وأن يكتب عليه.
[شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد]
قال: ولأحمد بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ١ رواه أبو حاتم [وابن حبان] في " صحيحه".
ش: قوله: "إن من شرار الناس". هو بكسر الشين جمع شر.
قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء". أي: من تقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء، وهذا كحديثه الآخر الذي في مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق".
فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين حديث ثوبان: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق" ٢. وما في معناه.
قيل: حديث ثوبان مستغرق للأزمنة، عامّ فيها، وهذا مخصص وسيأتي زيادة لذلك عند الكلام على حديث ثوبان إن شاء الله تعالى.
قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد". "الذين" في محل نصب عطفًا على "من" الموصولة، أي: إن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها. وهذا المعنى متواتر عن النبي ﷺ معلوم بالاضطرار من دينه. وكل ذلك شفقة على الأمة وخوفًا عليهم أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وبأصحابها، كما قاد إلى ذلك اليهود والنصارى. فأبى عباد القبور إلا الضرب بهذه الأحاديث الجدار ونبذها وراء الظهر، أو الدفع في
стр. 294
صدورها وأعجازها بحمل ذلك على غير قبور الأنبياء والصالحين. أما قبورهم فتجوز الصلاة إليها وعندها، وبناء المساجد والقباب عليها رجاء أن تصل إليهم العواطف الروحانية. ولا ريب أن هذا مراغمة ومحادة لله ورسوله، وهذا هو قول اليهود: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة، النساء] ، فإن النبي ﷺ إنما لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما هو نص حديث عائشة ﵂ وغيره، وقبور غيرهم إنما أخذ النهي عن البناء عليها من هذه الأحاديث ونحوها بقياس الأولى، أو من عموم أحاديث أخر، فمن أعظم المراغمة والمناصبة والمحادة لله ورسوله، أن تحمل على غير ما وردت فيه، ويباح ما وردت بالنهي عنه، ولعن من فعله، ولكن هذا شأن عباد القبور ﴿أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقًا، وإما في المملوكة.
قال الإمام أبو محمد بن قدامة: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها".
وقال شيخ الإسلام: "أما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في
стр. 295
القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك. إلى أن قال: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، أو الملوك وغيرهم، تتعين إزالتها بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين".
وقال ابن القيم: "يجب هدم القباب التي على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ". وقال أبو حفص: "تحرم الحجرة بل تهدم. فإذا كان هذا كلامه في الحجرة فكيف بالقبة". وقال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس". وقال أيضًا: "تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض. وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم ابن الجميزي والظهير التزمنْتِي وغيرهما". وقال القاضي ابن كج: "ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة". وقال الأذرعي: "وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة، فلا ريب في تحريمه".
قلت: وجزم النووي في "شرح المهذب" بتحريم البناء مطلقًا، وذكر في "شرح مسلم" نحوه أيضًا. وقال القرطبي في حديث جابر: "نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه، وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة، واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعبد القبور ويعظمها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النص ينبغي أن يقال: هو حرام كما قال به بعض أهل العلم". وقال ابن رشد: "كره مالك البناء على القبر، وجعل البلاطة المكتوبة، وهو من بدع أهل الطول، أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة،
стр. 296
وهو مما لا اختلاف فيه". وقال الزيلعي في "شرح الكنْز": "ويكره أن يبنى على القبر. وفي "الخلاصة" ولا يجصص القبر ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء". وذكر أيضًا قاضي خان "أنه لا يجصص القبر، ولا يبنى عليه، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص وعن البناء فوق القبر، والمراد بالكراهة عند الحنفية كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب". وقد ذكر ذلك ابن نجيم في "شرح الكنْز". "ومثل هذا كثير في كلام العلماء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، والمقصود أن كلام العلماء موافق لما دلت عليه السنة الصحيحة في النهي عن البناء على القبور".
واعلم أنه قد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله، ما يغضب من أجله كل من في قلبه رائحة إيمان، كما نبه عليه ابن القيم وغيره.
فمنها: اعتيادها للصلاة عندها، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
ومنها: تحري الدعاء عندها. ويقولون: من دعا الله عند قبر فلان استجاب له، وقبر فلان الترياق المجرب، وهذا بدعة منكرة.
ومنها: ظنهم أن لها خصوصيات بأنفسها في دفع البلاء وجلب النعماء. ويقولون: إن البلاء يدفع عن أهل البلدان بقبور من فيها من الصالحين، ولا ريب أن هذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع. فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الرسول وخالفوا ما أمرهم الله به، سلط الله عليهم من انتقم منهم. وكذلك أهل المدينة لما تغيروا بعض التغير، جرى عليهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ذلك
стр. 297
من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر.
ومنها: الدخول في لعن رسول الله ﷺ باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها.
ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، كما هو الواقع، ودين الله بضد ذلك.
ومنها: اجتماعهم لزيارتها واختلاط النساء بالرجال، وما يقع في ضمن ذلك من الفواحش وترك الصلوات، ويزعمون أن صاحب التربة تَحَمَّلَهَا عنهم، بل اشتهر أن البغايا يسقطن أجرتهن على البغاء في أيام زيارة المشايخ، كالبدوي وغيره تقربًا إلى الله بذلك، فهل بعد هذا في الكفر غاية؟
ومنها: كسوتها بالثياب النفيسة المنسوجة بالحرير والذهب والفضة ونحو ذلك.
ومنها: جعل الخزائن والأموال ووقف الوقوف لما يحتاج إليه من ترميمها ونحو ذلك.
ومنها: إهداء الأموال ونذر النذور لسدنتها العاكفين عليها الذين هم أصل كل بلية وكفر، فإنهم الذين يكذبون على الجهال والطغام بأن فلانًا دعا صاحب التربة فأجابه، واستغاثه فأغاثه، ومرادهم بذلك تكثير النذر والهدايا لهم.
ومنها: جعل السدنة لها كسدنة عباد الأصنام.
ومنها: الإقسام على الله في الدعاء بالمدفون فيها.
ومنها: أن كثيرًا من الزوار إذا رأى البناء الذي على قبر صاحب التربة سجد له. ولا ريب أن هذا كفر بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هذا هو عبادة الأوثان، لأن السجود للقبة عبادة لها، وهو من جنس عبادة النصارى للصور التي في كنائسهم على صور من يعبدونه بزعمهم الباطل، فإنهم عبدوها ومن هي صورته، وكذلك
стр. 298
عباد القبور لما بنوا القباب على القبور آل بهم إلى أن عبدت القباب ومن بنيت عليه من دون الله .
ومنها: النذر للمدفون فيها، وفرض نصيب من المال والولد، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ... ﴾ ١. بل هذا أبلغ فإن المشركين ما كانوا يبيعون أولادهم لأوثانهم.
ومنها: أن المدفون فيها أعظم في قلوب عباد القبور من الله وأخوف، ولهذا لو طلبت من أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبًا أو صادقًا، وإذا طلبت بصاحب التربة لم يقدم إن كان كاذبًا. ولا ريب أن عباد الأوثان ما بلغ شركهم إلى هذا الحد، بل كانوا إذا أرادوا تغليظ اليمين، غلظوها بالله كما في قصة القسامة وغيرها.
ومنها: سؤال الميت قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والإخلاص له من دون الله في أكثر الحالات.
ومنها: التضرع عند مصارع الأموات والبكاء بالهيبة والخشوع لمن فيها أعظم مما يفعلونه مع الله في المساجد والصلوات.
ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله وهي المساجد، فيعتقدون أن العبادة والعكوف فيها أفضل من العبادة والعكوف في المساجد، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين، فإنهم يعظمون المسجد الحرام أعظم من بيوت الأصنام يرون فضله عليها، وهؤلاء يرون العكوف في المشاهد أفضل من العكوف في المساجد.
ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ في زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، كما قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" ٢. والإحسان إلى المزور بالترحم عليه، والدعاء له
стр. 299
والاستغفار، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب عباد القبور الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم ونصرهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله من الدعاء والترحم عليه والاستغفار له.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله عباد القبور بها، فإنه يؤذيهم ما يفعلونه عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعله النصارى، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١.
ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكبير، والإثم العظيم، وكل هذه المفاسد العظيمة وغيرها مما لم يذكر، إنما حدثت بسبب البناء على القبور، ولهذا تجد القبور التي ليس عليها قباب لا يأتيها أحد ولا يعتادها لشيء مما ذكر إلا ما شاء الله، وصاحب الشرع أعلم بما يؤول إليه هذا الأمر، فلذلك غلظ فيه وأبدأ وأعاد، ولعن من فعله، فالخير والهدى في طاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته. والعجب ممن يشاهد هذه المفاسد العظيمة عند القبور، ثم يظن أن النبي ﷺ إنما نهى عن اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، كما يظنه بعض متأخري الفقهاء، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر المجازر والحشوش بل ذكر التحرز من البول والغائط أولى. وإنما ذلك لأجل نجاسة الشرك التي وقعت من عباد
стр. 300
القبور لما خالفوا ذلك ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون.
стр. 301
[١٥- باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]
ش: أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أمورًا:
الأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين.
الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها.
الثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانًا ولو كانت قبور الصالحين.
الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك.
وقيل: الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعني به الآخر، وأما مع الاقتران، فيفسر كل واحد بمعناه.
قال: روى مالك في "الموطأ" أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
ش: هذا الحديث رواه مالك في "باب جامع الصلاة" مرسلاً عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قاله. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به ولم يذكر عطاء. ورواه البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة من أشراف أهل المدينة روى عنه مالك والثوري وسليمان بن بلال، فالحديث صحيح عند من يحتج بمراسيل الثقات. وعند من قال
стр. 302
بالمسند لإسناد عمر بن محمد له بلفظ "الموطأ" سواء، وهو ممن تقبل زيادته. وله شاهد عند الإمام أحمد والعقيلي من طريق سفيان عن حمزة ابن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
قوله: (روى مالك في "الموطأ") ، هو الإمام مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر بن عمر الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة، وأحد المتقنين في الحديث، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر. مات سنة تسع وسبعين ومائة. وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.
قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) . قد استجاب الله دعاء رسوله ﷺ فمنع الناس من الوصول إلى قبره لئلا يعبد استجابة لدعاء رسوله ﷺ . كما قال ابن القيم:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة من الجدران
ودل الحديث على أن قبر الرسول ﷺ لو عبد لكان وثنًا، فما ظنك بقبر غيره من القبور التي عبدت هي وأربابها من دون الله، وإذا أريد تغيير شيء من ذلك أنف عبادها، واشمأزت قلوبهم، واستكبرت نفوسهم، وقالوا: تنقص أهل الرتب العالية، ورموهم بالعظائم، فماذا يقولون لو قيل لهم: إنها أوثان تعبد من دون الله؟! فالله المستعان على غربة الإسلام، وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت". قيل: غيرت السنة.
ويؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين
стр. 303
كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم. ولا نعلم أحدًا أجازه أو فعله إلا ابن عمر على وجه غير معروف عند عباد القبور، وهو إرادة التشبه برسول الله ﷺ في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك. ومع ذلك فلا نعلم أحدا وافقه عليه من الصحابة، بل خالفه أبوه وغيره، لئلا يفضي ذلك إلى اتخاذها أوثانا كما وقع. قال ابن عبد الباقي [الزّرقاني] في "شرح الموطأ" روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن في المسجد قال: "وإذا منع من ذاك فسائر آثاره أحرى بذلك". وقد كره مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى. انتهى.
قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة". قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر ﵁.
وقال "المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ، [الفيل: ١] ، و ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ، [قريش: ١] ، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فهم يصلون فيه، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها".
стр. 304
وفي "مغازي ابن إسحاق" من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة: خالد بن دينار، حدثنا "أبو العالية قال: لما فتحنا تستر [سنة: ١٧هـ] . وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله.
قال شيخ الإسلام ﵀: وهو إنكار منهم لذلك، فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا عندها
стр. 305
أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله عندها، أو ليسكن عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعًا ولا عينًا، لأن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر في طريقه بالقبور أو كمن يزورها ويسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السُّنَّة، فإن ذلك ونحوه لا بأس به.
وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا هو المنهي عنه. والفرق بين النوعين ظاهر، فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو دخل إليها ليبيت فيها مبيتًا جائزًا ودعا الله في الليل، أو أتى بعض أصدقائه ودعا الله في بيته لم يكن بهذا بأس. ولو تحرى الدعاء عند هذه المواضع لكان من العظائم بل قد يكون كفرًا.
قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١ هذه الجملة بعد الأولى تنبيه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تعبد. ففيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وفيه تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها.
وقد روى أصحاب مالك عنه أنه كره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ . وعلل وجه الكراهة بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢ فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدًّا للذريعة، وحسمًا للباب. ذكره [الْمُحِبّ] الطبري [في القرى ٦٢٩] . وفيه أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه. ذكره المصنف.
قال: ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٣. قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
ش: قوله: (ولابن جرير) . هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن
стр. 306
يزيد الطبري صاحب "التفسير" و "التاريخ" وغيرهما. قال ابن خزيمة: لا أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، وكان من الأئمة المجتهدين، لا يقلد أحدًا وله أصحاب يتفقهون على مذهبه. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ومات ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة.
قوله: (عن سفيان) . هو أحد السفيانين، إما ابن عيينة وإما الثوري، فإن كان ابن عيينة فقد تقدمت ترجمته، وإن كان الثوري وهو الأظهر فهو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة عابد. وكان مجتهدًا، له أتباع وأصحاب يتفقهون على مذهبه. مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
قوله: (عن منصور) . هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب -بمثناة ثقيلة ثم موحدة- الكوفي، ثقة ثبت فقيه. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: (عن مجاهد هو ابن جبر) -بالجيم والموحدة- أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، أخذ التفسير عن ابن عباس وغيره.
مات سنة أربع ومائة، قاله يحيى القطان، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁.
قوله: (كان يلت لهم السويق فمات) ، فعكفوا على قبره. لت السويق هو خلطه بسمن ونحوه. وقد قيل: إن اسم الرجل صرمة بن غنم، وعن ابن عباس: كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه، رواه ابن أبي حاتم.
وعن مجاهد: كان اللات رجلاً في الجاهلية، وكان له غنم فكان يسلؤ من رسلها
стр. 307
ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسًا ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات. وكان يقرأ اللات مشددة، رواه سعيد بن منصور والفاكهي.
قوله: (وكذا قال أبو الجوزاء ... ) إلى آخره. هو أوس بن عبد الله الربعي، بفتح الراء والباء، ثقة مشهور، مات سنة ثلاث وثمانين.
وهذا الأثر ذكره المصنف ولم يعزه، وقد رواه البخاري، ولا تخالف بين هذا التفسير والقراءة وبين قراءة من قرأ بالتخفيف. وقال: إنه كان حجرًا فعبدوه، واشتقوا له من اسم الله الإله، كما تقدم تقريره في باب: من تبرك بشجرة. وأيضا فيجاب على الأول بأن أصله التشديد، وخفف لكثرة الاستعمال، وأما كونهم اشتقوا هذا الاسم من اسم الله الإله، فلا ينافي ذلك أيضًا، فقد رأيت أن سبب عبادة اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثنًا يعبد، كما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم، وكما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين من الأموات وغيرهم اليوم، فإنهم غلوا فيهم، وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذًا لقضاء المآرب.
وبالجملة فالغلو أصل الشرك في الأولين والآخرين إلى يوم القيامة. وقد أمرنا الله تعالى بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم، فلا نرفعهم فوق منْزلتهم، ولا نحطهم منها لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد العظيم، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم، فإن الشرك بهم غلو فيهم، وأنزلوهم منازل الإلهية، وعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، فتجد أكثر هؤلاء الغالين فيهم، العاكفين على قبورهم،
стр. 308
معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، عائبين لها مشتغلين بقبورهم عما أمروا به ودعوا إليه.
وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم دون عبادتهم وعبادة قبورهم، والعكوف عليها كالذين يعكفون على الأصنام واتخاذها أعيادًا ومجامع للزيارات والفواحش وترك الصلوات، فإن من اقتفى آثارهم كان متسببًا في تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم; فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر.
فأي تعظيم لهم واحترام في هذا؟!
قال: وعن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١. رواه أهل السنن.
ش: قوله: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" ٢. أي: من النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة. وقيل في تعليل ذلك: إنه يخرجها إلى الجزع والندب والنياحة والافتتان بها وبصورتها وتأذي الميت ببكائها، كما في حديث آخر: "فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت". وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببًا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع.
ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدًّا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها.
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم عن حسان بن ثابت مرفوعًا: "لعن رسول الله زوارات القبور" ٣. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ "لعن زوارات القبور" ٤. رواه أحمد
стр. 309
وابن ماجة، والترمذي وصححه، وضعفه عبد الحق، وحسنه ابن القطان. ولا يعارض هذا حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم وغيره; لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه، فهو عامّ والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين.
قوله: "والمتخذين عليها المساجد" ١ تقدم في الباب قبله شرحه وتعليله.
قوله: (والسرج) . هذا دليل على تحريم اتخاذ السرج على القبور.
قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، لأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور، أشبه تعظيم الأصنام. وقال ابن القيم: اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر.
ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله، هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان في اللعنة، فدل ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، بل لأجل نجاسة الشرك، ولذلك قرن بينه وبين من لا سراج عليها، وليس النهي عن الإسراج لأجل النجاسة، فكذلك البناء.
قوله: (رواه أهل "السنن") يعني هنا أبا داود، وابن ماجة، والترمذي فقط، ولم يروه النسائي.
стр. 310
[١٦- باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]
الجناب: هو الجانب. واعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئًا من حمايته ﷺ لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته
стр. 311
الخاصة. ولقد بالغ ﷺ وحذر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه الله بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، كما قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع في العمل.
قال: وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ... ﴾ ١.
ش: قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ ٢. هذا خطاب من الله تعالى للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديده نعمه عليهم، إذ جاءهم بلسانهم، وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة، وشرفوا به أبد الآبدين.
وقوله: رسول، أي: رسول عظيم أرسله الله إليكم من أنفسكم، أي: ترجعون معه إلى نفس واحدة، لأنه وأنتم من أب قريب، كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. وذلك أقرب وأسرع إلى فهم الحجة، وأبعد من المحْكِ واللجاجة، وهذا يقتضي مدحا لنسب النبي ﷺ وأنه من صميم العرب.
قال جعفر بن محمد في قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية.
وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ ٤ أي: شديد عليه جدا ما عنتم، أي: عنتكم وهو لحاق الأذى الذي يضيق به الصدر، ولا يهتدي للمخرج، وهي هنا لفظ عام أي: ما شق عليكم من كفر وضلال وقتل وأسر وامتحان بسبب الحق. و"ما" مصدرية وهي مبتدأ، و "عزيز" خبر مقدم، ويجوز أن يكون "ما عنتم" فاعلاً ب "عزيز" و "عزيز" صفة للرسول، وهذا أصوب.
стр. 312
وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بليغ الحرص عليكم، أي: على نفعكم وإيمانكم وهداكم. والمعنى: شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه.
وروى الطبراني بإسناد جيد عن أبي ذر ﵁ قال: "تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهوى إلا وهو يذكر لنا منه علمًا. قال: وقال: "ما بقي شيء يقرِّب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم".
وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال: "فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار. هَلُمَّ عن النار، هَلُمَّ عن النار، فتغلبونني وتَقَحَمُّون فيها" ١.
وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: لا بغيرهم، كما يفيده تقديم الجار رؤءوف، أي: بليغ الشفقة. قال أبو عبيدة: الرأفة أرق الرحمة (رحيم) . أي: بليغ الرحمة، كما هو اللائق بشريف منصبه، وعظيم خلقه، فتأمل هذه الآية وما فيها من أوصافه الكريمة ومحاسنه الجمة التي تقتضي أن ينصح لأمته، ويبلغ البلاغ المبين، ويسد الطرق الموصلة إلى الشرك، ويحمي جناب التوحيد غاية الحماية، ويبالغ أشد المبالغة في ذلك لئلا تقع الأمة في الشرك، وأعظم ذلك الفتنة بالقبور، فإن الغلو فيها هو الذي جر الناس في قديم الزمان وحديثه إلى الشرك، لا جرم فعل النبي ﷺ ذلك، وحمى جناب التوحيد حتى في قبره الذي هو أشرف القبور، حتى نهى عن جعله عيدًا، ودعا الله أن لا يجعله وثنًا يعبد.
وفي الآية مسائل:
منها: التنبيه على هذه النعمة العظيمة، وهي
стр. 313
إرسال الرسول ﷺ فينا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
ومنها: كونه منا نعمة أخرى عظيمة.
ومنها: كونه بهذه الصفات نعم متعددة.
ومنها: مدح نسبه ﷺ فهو أشرف العرب بيتًا ونسبًا.
ومنها: رأفته بالمؤمنين.
ومنها: غلظته على الكفار والمنافقين.
قال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلُّوا عَلَيَّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. رواه أبو داود بإسناد حسن. رواته ثقات.
ش قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" ٣. قال شيخ الإسلام نور الله ضريحه: أي: لا تعطّلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنْزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم.
وفي "الصحيحين" عن ابن عمر مرفوعا "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" ٤.
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر مرفوعًا "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه" ٥.
وفيه أن الصلاة في المقبرة لا تجوز، وأن التطوع في البيت أفضل منه في المسجد. وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرنا كراهة القراءة في المقابر، وكل هذا إبعاد لأمته عن الشرك.
قوله: "ولا تجعلوا قبري عيدًا" ٦. قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك وتقدم ذلك".
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "العيد ما يعتاد مجيئه
стр. 314
وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإن كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام العيد فيها عيدًا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوّض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام مني، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر".
وقال غيره: "هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه، ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه كالعيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت".
قال ابن القيم ﵀: "وهذا مراغمة ومحادة ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التلبيس والتدليس بعد التناقض، فقاتل الله أهل الباطل أنَّى يؤفكون. ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: لا تجعلوا عيدًا، فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، وهكذا غُيِّرَت أديان الرسل، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابّين عنه، لجرى عليه، ما جرى على الأديان قبله. ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها؟! ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا، وكيف يقول: "لا تجعلوا قبري
стр. 315
عيدًا، وصلُّوا عليّ حيثما كنتم" ١. وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟! وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي ﵄، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. انتهى.
قلت: وكيف يريد النبي ﷺ هذا المعنى ويعبر عنه بهذا الكلام، مع أنه أفصح الخلق وأنصحهم، وكان يمكنه أن يقول: أكثروا زيارة قبري، أو اجعلوه عيدًا تعتادون المجيء إليه والعبادة عنده؟! فظهر بطلان هذا القول.
إذا تبين ذلك، فمعنى الحديث نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع معهود كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص، في زمان مخصوص. وذلك يدل على المنع في جميع القبور وغيرها، لأن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان. قال المصنف: وفيه النهي عن الإكثار من الزيارة.
قوله: "وصلُّوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. قال شيخ الإسلام: يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا. انتهى.
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلِّم عَلَيَّ إلا رد الله عَلَيَّ روحي حتى أرد ﵇" ٣؟ وعن أوس بن أوس مرفوعًا: "أكثروا من الصلاة علي يوم
стр. 316
الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء" ١. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن صلاتنا عليه تبلغه سواء كنا عند قبره أو لم نكن، فلا مزية لمن سلم عليه أو صلى عند قبره، كما قال الحسن بن الحسن: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
وأما حديث:. فرواه البيهقي [في حياة الأنبياء ص: ١٥] ، وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي: حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره. قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا، هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر.
قلت: محمد بن مروان السدي الصغير قال فيه يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وكذلك قال أبو حاتم الرازي والأزدي.
وقال صالح بن محمد: كان يضع الحديث على أن معناه صحيح معلوم من أحاديث أخر، كإخباره بسماع الموتى لسلام من يسلم عليهم إذا مر على قبورهم.
فإن قيل: إذا سمع سلام المسلم عليه عند قبره حصلت المزية بسماعه.
قيل: هذا لو حصل الوصول إلى قبره، أما وقد منع الناس من الوصول إليه بثلاثة الجدران، فلا تحصل مزية، فسواء سلم عليه عند قبره أو في مسجده إذا دخله، أو في أقصى المشرق والمغرب، فالكل يبلغه، كما وردت به الأحاديث، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه ﷺ . ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي أمر به الله، سواء صلى عليه في مسجده أو في مدينته أو في مكان آخر، فعلم أن
стр. 317
ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولكن لا يوصل إلى قبره ﷺ .
قال: وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. وقال ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإنّ تسليمكم يبلغني أين كنتم" ١. رواه في " المختارة".
ش: هذان الحديثان جيدان، حسنا الإسنادين، أما الحديث الأول فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ... فذكره. ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به. قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ تعرف وتنكر. قال شيخ الإسلام ﵀: ومثال هذا قد يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة.
وقال الحافظ ابن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة.
وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في "المختارة".
قال أبو يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا جعفر بن إبراهيم من "ولد" ذي الجناحين ثنا علي بن عمر عن
стр. 318
أبيه عن علي بن حسين ... فذكره.
وعلي بن عمر: هو علي بن عمر بن علي بن الحسين. قال شيخ الإسلام: فانظر كيف هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا أضبط.
قلت: وللحديثين شواهد، منها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سهيل عن جبير بن حنين قال: قال رسول الله ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ١. وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل [المدني العابد] ، قال: أتى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن الرسول ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢. ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء. ورواه القاضي إسماعيل في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ ٣. ولم يذكر: ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء.
وقال سعيد: أيضًا حدثنا حبان ابن علي ثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" ٤. قال شيخ الإسلام: "فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي
стр. 319
ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندًا".
قوله: (عن علي بن الحسين) . أي: ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين ﵁ وهو أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم.
قال الزهري: "ما رأيت قرشيًّا أفضل منه. مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح، وأبوه الحسين سبط النبي ﷺ وريحانته، وحفظ عن النبي ﷺ واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة".
قوله: (إنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة) -هو بضم الفاء وسكون الراء واحدة الفرج- وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما.
قوله: (فيدخل فيها فيدعو فنهاه إلى آخر الحديث) . وهذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها كما تقدم بعض ذلك، لأن ذلك من اتخاذها عيدًا كما فهمه علي بن الحسين من الحديث. فنهى ذلك الرجل عن المجيء إلى قبر النبي ﷺ للدعاء عنده، فكيف بقبر غيره؟!
ويدل أيضًا على أن قصد الرجل القبر لأجل السلام إذا لم يكن يريد المسجد من اتخاذه عيدًا المنهي عنه، ولهذا لما رأى الحسن بن الحسن سهيلا عند القبر نهاه عن ذلك وذكر له الحديث مستدلا به، وأمر بالسلام عليه عند دخول المسجد. قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدًا، أي: من علماء السلف رخص فيه، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا، ويدل أيضًا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك.
قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، بل كان الصحابة والتابعون
стр. 320
يأتون إلى مسجده ﷺ فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا، أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل. وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك، أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل نهاهم بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" ١. فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام. ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر. وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم، فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج.
والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر ﵁ يفعل. قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف. قال عبيد الله: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر.
وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال شيخ الإسلام: إن ذلك لم ينقل عن أحد من