← Акыда

Акыда · id 2378

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

سليمان بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (700 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء" ١. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن صلاتنا عليه تبلغه سواء كنا عند قبره أو لم نكن، فلا مزية لمن سلم عليه أو صلى عند قبره، كما قال الحسن بن الحسن: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وأما حديث:. فرواه البيهقي [في حياة الأنبياء ص: ١٥] ، وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي: حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره. قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا، هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر. قلت: محمد بن مروان السدي الصغير قال فيه يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وكذلك قال أبو حاتم الرازي والأزدي. وقال صالح بن محمد: كان يضع الحديث على أن معناه صحيح معلوم من أحاديث أخر، كإخباره بسماع الموتى لسلام من يسلم عليهم إذا مر على قبورهم. فإن قيل: إذا سمع سلام المسلم عليه عند قبره حصلت المزية بسماعه. قيل: هذا لو حصل الوصول إلى قبره، أما وقد منع الناس من الوصول إليه بثلاثة الجدران، فلا تحصل مزية، فسواء سلم عليه عند قبره أو في مسجده إذا دخله، أو في أقصى المشرق والمغرب، فالكل يبلغه، كما وردت به الأحاديث، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه ﷺ . ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي أمر به الله، سواء صلى عليه في مسجده أو في مدينته أو في مكان آخر، فعلم أن

стр. 317

ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولكن لا يوصل إلى قبره ﷺ . قال: وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. وقال ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإنّ تسليمكم يبلغني أين كنتم" ١. رواه في " المختارة". ش: هذان الحديثان جيدان، حسنا الإسنادين، أما الحديث الأول فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ... فذكره. ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به. قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ تعرف وتنكر. قال شيخ الإسلام ﵀: ومثال هذا قد يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة. وقال الحافظ ابن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة. وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في "المختارة". قال أبو يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا جعفر بن إبراهيم من "ولد" ذي الجناحين ثنا علي بن عمر عن

стр. 318

أبيه عن علي بن حسين ... فذكره. وعلي بن عمر: هو علي بن عمر بن علي بن الحسين. قال شيخ الإسلام: فانظر كيف هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا أضبط. قلت: وللحديثين شواهد، منها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سهيل عن جبير بن حنين قال: قال رسول الله ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ١. وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل [المدني العابد] ، قال: أتى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن الرسول ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢. ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء. ورواه القاضي إسماعيل في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ ٣. ولم يذكر: ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد: أيضًا حدثنا حبان ابن علي ثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" ٤. قال شيخ الإسلام: "فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي

стр. 319

ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندًا". قوله: (عن علي بن الحسين) . أي: ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين ﵁ وهو أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم. قال الزهري: "ما رأيت قرشيًّا أفضل منه. مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح، وأبوه الحسين سبط النبي ﷺ وريحانته، وحفظ عن النبي ﷺ واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة". قوله: (إنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة) -هو بضم الفاء وسكون الراء واحدة الفرج- وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما. قوله: (فيدخل فيها فيدعو فنهاه إلى آخر الحديث) . وهذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها كما تقدم بعض ذلك، لأن ذلك من اتخاذها عيدًا كما فهمه علي بن الحسين من الحديث. فنهى ذلك الرجل عن المجيء إلى قبر النبي ﷺ للدعاء عنده، فكيف بقبر غيره؟! ويدل أيضًا على أن قصد الرجل القبر لأجل السلام إذا لم يكن يريد المسجد من اتخاذه عيدًا المنهي عنه، ولهذا لما رأى الحسن بن الحسن سهيلا عند القبر نهاه عن ذلك وذكر له الحديث مستدلا به، وأمر بالسلام عليه عند دخول المسجد. قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدًا، أي: من علماء السلف رخص فيه، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا، ويدل أيضًا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، بل كان الصحابة والتابعون

стр. 320

يأتون إلى مسجده ﷺ فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا، أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل. وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك، أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل نهاهم بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" ١. فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام. ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر. وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم، فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج. والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر ﵁ يفعل. قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف. قال عبيد الله: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال شيخ الإسلام: إن ذلك لم ينقل عن أحد من

стр. 321

الصحابة، فكان بدعة محضة. وفي "المبسوط" قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ولكن ليسلم ويمضي. والحكاية التي رواها القاضي عياض بإسناده عن مالك في قصته مع المنصور وأنه قال لمالك: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك. فهذه الرواية ضعيفة، أو موضوعة لأن في إسنادها من يتهم محمد بن حميد ومن يجهل حاله. ونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والسلام عليه، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام. وذكر أصحاب مالك أنه يدعو مستقبلاً القبلة يوليه ظهره. وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ ومن الحجة في ذلك ما روى ابن زبالة وهو في "أخبار المدينة" عن عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان وهما ساقطان قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو. وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره ﷺ ، وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، كما وقع من عباد القبور الذين يشدون إليها الرحال، وينفقون في ذلك الكثير من الأموال، وليس لهم مقصود إلا مجرد الزيارة للقبور تبركًا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك. هذه المسألة التي أفتى فيها شيخ الإسلام أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ومشاهدهم ونقل فيها اختلاف العلماء في الإباحة والمنع، فمن مبيح لذلك كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض، وهو قول الجمهور نص عليه مالك ولم يكن يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب. فقام عليه بعض

стр. 322

المعاصرين له كالسبكي ونحوه فنسبه إلى إنكار الزيارة مطلقًا وهو لم ينكر منها إلا ما كان بشد رحل، كما أنكره جمهور العلماء قبله، أو الزيارة التي يكون فيها دعاء الأموات والاستغاثة بهم في الملمات، مع ما ينضم إلى ذلك من أنواع المنكرات. ومما يدل على النهي عن شد الرحال إلى القبور ونحوها ما أخرجاه في "الصحيحين" عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١. فدخل في ذلك شدها لزيارة القبور والمشاهد فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا للاستحباب. وقد جاء في رواية في "الصحيح" بصيغة النهي صريحًا فتعين أن يكون للنهي. ولهذا فهم منه الصحابة المنع، كما في "الموطأ" و "السنن" عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ٢. وروى الإمام أحمد وعمر بن شبه في "أخبار المدينة" بإسناد جيد عن قزعة. قال: أتيت ابن عمر فقلت: "إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته". وروى أحمد وعمر بن شبه أيضًا عن شهر بن حوشب. قال: سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور. فقال: قال رسول الله ﷺ "لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ٣. فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي. والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله تعالى سماه

стр. 323

﴿الْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ و ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ هناك. وهذا ظاهر لا يخفى على أحد ممن يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه، وهم الجمهور والأئمة الأربعة وأتباعهم ولهذا لم يوجبوا على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم الوفاء بذلك، بل لو سافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة، مع أن النبي ﷺ كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا، وإن كان في وجوب الوفاء بنذر إتيانه خلاف والجمهور على أنه لا يجب. وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفَّى بنذره، وإن كان مقصوه مجرد زيارة القبر من غير صلاة في المسجد لم يف بنذره. قال: لأن النبي ﷺ قال: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" ١. ذكره إسماعيل ابن إسحاق في "المبسوط" ومعناه في "المدونة" و "الجلاب" وغيرهما من كتب أصحاب مالك. وبالجملة فقد تنازع العلماء في جواز شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، فالجمهور على المنع، وطائفة من المتأخرين على الجواز، فاستحباب شد الرحال إلى القبور والمشاهد والتقرب به إلى الله كما ظنه السبكي وغيره، قول مبتدع مخالف للإجماع قبله، والأحاديث التي احتج بها كحديث: "من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي"، ونحوها لا يصح منها شيء عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه البتة، بل هي ما بين ضعيف وموضوع، أو كلها موضوعة كما قد بين عِلَلَها شيخ الإسلام وغيره. وكثير منها لا يدل على محل النّزاع إذ ليس فيه إلا مطلق الزيارة. وذلك لا ينكره شيخ الإسلام ولا غيره من العلماء، لأنه

стр. 324

محمول على الزيارة الشرعية الجارية على وفق مراد النبي ﷺ وهي التي لا يكون فيها شرك ولا شد رحل إلى قبر، وبتقدير ثبوتها لا تدل على شد الرحال إلى قبر غيره، والسبكي أجاز ذلك في سائر القبور فخالف الأحاديث وخرق الإجماع، والله أعلم. قال المصنف: وفيه أنه ﷺ في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته في الصلاة والسلام. قوله: رواه في "المختارة" المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على "الصحيحين" ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي، أحد أعلام الإسلام وحفاظ الحديث. قال الذهبي أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين والورع والفضيلة التامة والثقة والإتقان، انتفع الناس بتصانيفه والمحدثون بكتبه فالله يرحمه ويرضى عنه. وقال شيخ الإسلام: تصحيحه في "مختاراته" خير من تصحيح الحاكم بلا ريب. مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

стр. 325

[١٧- باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان] ش: أراد المصنف بهذه الترجمة الرد على عباد القبور، الذين يفعلون الشرك ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فبين في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎. قال: وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١. ش: يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً﴾ ٢.

стр. 326

أي: أعطوا نصيبًا أي: حظًّا ﴿مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١. روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: "لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبور٢ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدنة وأهل السقاية قال: أنتم خير، قال فنَزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر] ونزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ ... ﴾ إلى. ﴿ ... نَصِيراً﴾ ". وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقال: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار. فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ". قال عمر بن الخطاب ﵁ الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم، وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان زاد ابن عباس بالحبشية وعن ابن عباس أيضًا الجبت: الشرك،

стр. 327

وعنه الجبت: الأصنام، وعنه الجبت: حيي ابن أخطب، وعن الشعبي الجبت: الكاهن. وعن مجاهد الجبت: كعب ابن الأشرف. قلت: الظاهر أنه يعم ذلك كله كما قال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت" قال: وهذا ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في حرف واحد من غير حرف ذولقي١. قال المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في [هذا] الموضع، هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ وأما الطاغوت فتقدم الكلام عليه في أول الكتاب. قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٢. ش: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب، الطاعنين في دينكم الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، دون ما سواه ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا، هم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ٤، أي: أبعده وطرده من رحمته وغضب عليه، أي: غضبًا لا يرضى بعده، وجعل منهم القردة والخنازير، أي: مسخ منهم الذين عصوا أمره، فجعلهم قردة وخنازير، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا

стр. 328

لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ١.وذلك أن الله تعالى أخذ عليهم تعظيم السبت، والقيام بأمره، وترك الاصطياد فيه، وكانت الحيتان لا تأتيهم إلا يوم السبت، فتحيلوا اصطيادها فيه بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت الحيتان يوم السبت على عادتها نشبت تلك الحبائل فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك مسخهم الله تعالى إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، فكان جزاؤهم من جنس عملهم. قال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢ فجعل الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير. وروى مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود قال: "سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا أو قال: لم يمسخ قومًا فيجعل الله لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك" ٣. وفي هذه القصة دليل قاطع على تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال ونحو ذلك. وقوله: ﴿وعبد الطاغوت﴾ . قال شيخ الإسلام: الصواب أنه معطوف على قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ ٤. فهو فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، أي: من لعنه الله ومن غضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت. لكن الأفعال المقدمة الفاعل فيها

стр. 329

هو اسم الله مظهرًا ومضمرًا، وهنا الفاعل اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في "عبد". ولم يعد سبحانه لفظ "من" لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد وهم اليهود. قال: وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١. ش: يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه المقالة لنتخذن عليهم مسجدًا. وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين، أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أنهم المشركون. وعلى القولين فهم مذمومون. ١- لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما فعلوا" ٢. رواه البخاري ومسلم. ٢- ولما يفضي إليه ذلك من الإشراك بأصحابها كما هو الواقع. ولهذا لما فعلته اليهود والنصارى جرهم ذلك إلى الشرك، فدل ذلك على أن هذه الأمة تفعله كما فعلته اليهود والنصارى، فيجرها ذلك إلى الشرك، لأن ما فعلته اليهود والنصارى ستفعله هذه الأمة شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وبهذا يظهر وجه استشهاد المصنف بهذه الآيات. قال عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! " ٣. أخرجاه. ش: هذا الحديث أورده المصنف بهذا اللفظ معزوا

стр. 330

"للصحيحين". ولعله نقله عن غيره ولفظهما، والسياق لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟! " ١. ويحتمل أن يكون مرويًّا عند غيرهما باللفظ الذي ذكره المصنف وأراد أصله لا لفظه. قوله: (لتتبعن) ، هو بضم العين وتشديد النون. قوله: (سنن) ، بفتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم. أي: الذين قبلكم قال الْمُهَلَّب: الفتح أولى، وقال ابن التين: قرأناه بضمها. قوله: (حذو القذة بالقذة) ، هو بنصب حذو على المصدر، والقذة - بضم القاف - واحدة القذذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن متابعتهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام، لأن نوره قد بهر الأنوار وشريعته نسخت الشرائع، وهذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البيض، وأن الحائض لا تمس عجينًا، واتخاذ الأحبار والرهبان أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله، والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال

стр. 331

من السحر والفلسفة والكلام والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ ووصفه بما لا يليق به من النقائص والعيوب إلى غير ذلك مما اتبعوا فيه اليهود والنصارى. قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ، الْجحر - بضم الجيم بعدها حاء مهملة - معروف. وفي حديث آخر: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك" ١ وفي حديث آخر: "حتى لو أن أحدهم جامع أمه في الطريق لفعلتموه" صحت بذلك الأحاديث، فأخبر أن أمته ستفعل ما فعلته اليهود والنصارى وفارس من الأديان والعادات والاختلاف. قال شيخ الإسلام: هذا خرج مخرج الخبر والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يكون بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة. وقال غيره: وجمع ذلك أن كفر اليهود أشد من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملاً ولا قولاً، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون ما لا يعلمون، ففي هذه الأمة من يحذو حذو الفريقين. ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة يقولون: من فسد من علمائنا، ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وقضاء الله نافذ بما أخبر به رسوله ﷺ بما سبق في علمه، لكن ليس الحديث إخبارًا عن جميع الأمة لما تواتر عنه أنها لا تجتمع على ضلالة. قوله: "قالوا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟ " هو برفع اليهود خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سنتهم؟ وقوله: قال: "فمن" استفهام إنكار، أي: فمن هم غير أولئك؟ ثم إنه فسر هنا باليهود والنصارى، وفي رواية أبي هريرة في البخاري بفارس والروم ولا تعارض، كما قال

стр. 332

بعضهم لاختلاف الجواب بحسب اختلاف المقام، فحيث قيل: فارس والروم كان ثم قرينة تتعلق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات، أصولها وفروعها كذا قال. ولا يلزم وجود قرينة، بل الظاهر أنه أخبر أن هذه الأمة ستفعل ما فعلته الأمم قبلها من الديانات والعادات والسياسات مطلقًا، والتفسير ببعض الأمم لا ينفي التفسير بأمة أخرى، إذ المقصود التمثيل لا الحصر. ووجه مطابقة الحديث للترجمة واضح؛ لأن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع. [إخبار الرسول ﷺ بأن أمر أمته سيتسع] قال: ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنْزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" ١. ورواه البرقاني في " صحيحه " وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎"٢. ش: هذا الحديث رواه أبو داود في "سننه" وابن ماجة بالزيادة التي زكرها المصنف، ورواه الترمذي مختصرًا ببعضها.

стр. 333

قوله: (عن ثوبان) . هو ثوبان مولى النبي ﷺ صحبه ولازمه ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين. قوله: (زوى لي الأرض) . قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب. وحاصله أن الله طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره. وقال القرطبي: "أي جمعها لي حتى أبصرت ما تملك أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة فأدرك البعيد من موضعه كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه. وكما قال: "إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ". ويحتمل أن يكون مثلها الله له، والأول أولى". قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) . قال القرطبي: "هذا الخبر وجد مخبره كما قاله، فكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة، بالنون والجيم الذي هو منتهى عمارة المغرب وإلى أقصى المشرق، ما وراء خراسان والنهر وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر ﵇ أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه". وقوله: (زوى) ، يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، وأن يكون مبنيًّا للمفعول والأول أظهر. قوله: (وأعطيت الكنْزين: الأحمر والأبيض) ، قال القرطبي: يعني بهما كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنْز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما. وقد دل على ذلك قوله ﵇ حين أخبر عن هلاكهما: "والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" وعبر بالأحمر عن كنْز قيصر، لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنْز كسرى لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. وقد ظهر ذلك ووجد كذلك في زمان الفتوح في

стр. 334

إمارة عمر ﵁، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده. كذا قال في الغالب على كنوز كسرى وقيصر وعكس ذلك التوربشتي والخلخالي. والأبيض والأحمر منصوبان على البدل. قوله: (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة) ، هكذا ثبت في أصل المصنف بعامة بالباء وهي رواية صحيحة في أصل "مسلم" وفي بعض أصوله بسنة عامة بحذفها. قال القرطبي: "وكأنها زائدة لأن عامة صفة لسنة فكأنه قال: بسنة عامة. ويعني بالسنة: الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط سنة ويجمع على سنين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ ١. أي: بالجدب المتوالي. قوله: (من سوى أنفسهم) . أي: من غيرهم يعني الكفار. قوله: (فيستبيح بيضتهم) . قال الجوهري: بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض، وهو جوانبها. وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم. قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الله تعالى لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا) . فأما إذا وجدت هذه الأوصاف، فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم وإمامهم كما وقع. قوله: (وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) . قال بعضهم: أي: إذا حكمت حكمًا مبرمًا فإنه نافذ لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، بل كل جميع الخلق تمضي عليهم الأقدار

стр. 335

طوعًا وكرهًا كما قال النبي ﷺ : "لا راد لما قضيت". قلت: الظاهر أنه سواء في ذلك المبرم والمعلق، فالكل لا يرد فإن هذا إخبار عن عدم الرد لجنس القضاء، والنبي ﷺ سأل ذلك مطلقًا فأجيب بهذا، واستجاب له دعاءه ما لم يوجد الشرط المقتضي لتسليط العدو، فإذا وجد ذلك وجد القضاء المعلق. قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ... ) إلى آخره. أي: حتى يوجد ذلك منهم فإن وجد فإنه يسلط عليهم عدوهم من الكفار، فيستبيح جماعتهم وإمامهم ومعظمهم لا كل الأمة، ثم أيضًا تكون العاقبة لهذه الأمة إن رجعوا عما هم فيه من الأسباب الموجبة للتسليط، وكذلك وقع، فإن هذه الأمة لما جعل بأسها بينها اقتتلوا فأهلك بعضهم بعضًا، وسبى بعضهم بعضًا، فلما فعلوا ذلك تفرقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، واستولوا عليهم، كما وقع ذلك في المائة السابعة في المشرق والمغرب، فاختلفت ملوك المشرق وتخاذلوا واستولى التتار على غالب أرض خراسان، وعلى العراق وديار الروم، وقتلوا الخليفة والعلماء والملوك الكبار، وكذلك ملوك المغرب اختلفوا وتخاذلوا واستولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس والجزر القريبة منها، فهي في أيديهم إلى اليوم، بل استولوا على كثير من بلدان الشام حتى استنقذها منهم صلاح الدين ابن أيوب وغيره. [خوف الرسول صلى الله عيه وسلم من الأئمة المضلين] قوله: ورواه البرقاني في "صحيحه". البرقاني هو الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربع مائة. قال الخطيب: كان ثبتًا ورعًا، لم نر في شيوخنا أثبت منه،

стр. 336

عارفًا بالفقه كثير التصنيف، صنف مسندًا ضمنه ما اشتمل عليه "الصحيحان" وجمع حديث الثوري، وحديث شعبة، وطائفة وكان حريصًا على العلم منصرف الهمة إليه. قلت: وهذا "المسند" الذي ذكره الخطيب هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف. قوله: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) . أي: الأمراء والعلماء والعباد، الذين يقتدي بهم الناس، ويحكمون فيهم بغير علم فيضلون ويضلون، فهم ضالون عن الحق مضلون لغيرهم، كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٣. ولشدة الضرورة إلى اتباع أئمة الهدى ومعرفتهم، والتفريق بينهم وبين أئمة الضلال المغضوب عليهم والضالين، أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى سلوك صراط أئمة الهدى، وهم المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم؛ الذين يعلمون الحق ولا يعملون به، ولا الضالين الذين يعملون على غير شرع من الله، بل بما تهوى أنفسهم. فصراط المنعم عليهم هو الجامع بين العلم بالهدى والعمل به، وقد وصف النبي ﷺ أئمة الهدى لما ذكر التفرق من بعده، بأنهم الذين كانوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما رواه أبو داود وغيره. فمن كان على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فهو من الأئمة المهديين، ومن خالفهم فهو من الضالين، كالذي يقول لأصحابه من كانت له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب، أو نحو هذا كالذي يدعي أنه يخلص أصحابه ومريديه من النار، وأنه يحفظ الناس ويكلأهم إذا اعتقدوه، ويضر بهم إذا كفروا

стр. 337

به وحاربوه، ويدعي أن ذلك من كراماته. وكالذي يمشي في الأسواق عريانًا، ولا يشهد بصلاة ولا ذكر الله ولا علمًا، بل يعيب علماء الشرع، ويغمزهم ويسميهم أهل علم الظاهر، ويدعي أنه صاحب علم الباطن، وربما يدعي أنه يسعه الخروج من شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، ونحو ذلك من الكفر والهذيان. وكالذي يدعي أن العبد يصل مع الله إلى حال تسقط عنه التكاليف، أو يدعي أن الأولياء يدعون، ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، أو أنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم، أو يجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وإيقادها بالسرج والشموع، وكسوتها بالحرير والديباج، والفرش النفيسة، أو يدعي أن من عمل بالقرآن والسنة في أصول الدين وفروعه، فقد ضل وأضل وابتدع، أو أن ظواهر القرآن في آيات الصفات تشبيه وتمثيل، وأن الهدى لا يؤخذ منه في هذا الباب ولا في غيره، وإنما يؤخذ من الشبهات الوهمية التي يسميها بزعمه براهين عقلية. فكل هؤلاء وأشباههم من أئمة الضلال الذين خاف النبي ﷺ على أمته وحذر منهم. والضابط في الفرق بين أئمة المتقين وبين الأئمة المضلين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١ فافهم عن ربك وكن على بصيرة، ولا يغرك جلالة شخص أو عظمته في النفوس، فربك أعظم واتباعك لكلامه وكلام رسوله ﷺ هو الفرض، والعصمة منتفية عن غير الرسول، وربك أدرى بما في الضمائر، فرب مَنْ تعتقده إمام هدى ليس كذلك، وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.

стр. 338

فكل مَن أتى بشيء يخالف ما جاء عن الله وعن رسوله، فهو من أهواء الذين لا يعلمون، ومن لم يستجب للرسول ﷺ فإنما يتبع هواه. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين". رواه الدارمي. وقال يزيد بن عميرة: "كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسًا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط هلك المرتابون". الحديث. وفيه: "واحذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا". رواه أبو داود وغيره وما أحسن ما قال ابن المبارك ﵁: وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها. قوله: (وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) . أي: إذا وقعت الفتنة والقتال بينهم بقي إلى يوم القيامة، وكذلك وقع، فإن السيف لما وضع فيهم بقتل عثمان ﵁ لم يرتفع إلى اليوم، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى. قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) . الحي واحد الأحياء، وهي القبائل وفي رواية أبي داود:

стр. 339

"ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين" ١ والمعنى: أنهم ينْزلون معهم في ديارهم، ويصيرون منهم بالردة ونحوها. [لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من الناس الأوثان] قوله: (وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) . الفئام - مهموز - الجماعات الكثيرة، قاله أبو السعادات، وفي رواية أبي داود: (وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) ، ومعناه ظاهر. وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة. وفي معنى هذا ما في "الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة" ٢. قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية. وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتًا مبنيًّا مغلقًا. وفي "صحيح مسلم" عن عائشة مرفوعًا: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" ٣ وقيل: إن القبر المنسوب إلى ابن عباس بالطائف إنه قبر اللات، وكانوا يعبدونه، ويطوفون به ويقربون إليه القرابين وينذرون له النذور ويسألونه قضاء حاجتهم وتفريج كربتهم. إخباره ﷺ بأنه سيكون في هذه الأمة دجالون كذابون قوله: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون) ، كلهم يزعم أنه نبي. قال القرطبي: وقد جاء عددهم معينًا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون، منهم أربع نسوة". أخرجه أبو نعيم. وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام. قلت: حديث ثوبان أصح من هذا. قال القاضي عياض: عُدَّ من تنبأ من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك، وعرف واتبعه جماعة على ضلالته، فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا. وقال الحافظ: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة

стр. 340

أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي ﷺ ، وقتل مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر ﵁، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في زمن عمر ﵁. ويقال: إن سجاح تابت أيضًا. ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فاتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه. ومنهم: الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا؛ فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر. قوله: (وأنا خاتم النبيين) . الخاتم - بفتح التاء- بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى فاعل الطبع والختم. قال الحسن: خاتم الذي ختم به، أي: آخر النبيين، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ وإنما ينْزل عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان حاكماً بشريعة محمد ﷺ مصليًا إلى قبلته، فهو كآحاد أمته كما قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنْزير، وليضعن الجزية" ٢. قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم

стр. 341

مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم" ١. قال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وكذلك قال: إنهم أهل الحديث عبد الله ابن المبارك، وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم. وقال المديني في رواية: هم العرب، واستدل برواية من روى هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة، لأن العرب هم الذين يستقون بها. قلت: ولا تعارض بين القولين، إذ يمتنع أن تكون الطائفة المنصورة لا تعرف الحديث، ولا سنن رسول الله ﷺ بل لا يكون منصورًا على الحق إلا من عمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهم أهل الحديث من العرب وغيرهم. فإن قيل: فلم خصصه بالعرب؟ قيل: المراد التمثيل لا الحصر، أي: أن العرب إن استقاموا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهم الطائفة المنصورة حال استقامتهم. قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة، لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة. وقال المصنف: وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم مَنْ خذلهم ولا مَنْ خالفهم. والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة. قوله: (حتى يأتي أمر الله) . الظاهر أن المراد بأمر الله ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس كما روى الحاكم. وأصله في "مسلم" عن عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة بن عامر لعبد الله: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة على ذلك. فقال عبد الله: ويبعث الله ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة" ٢.

стр. 342

وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ١. وفي "صحيحه" أيضًا: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" ٢ وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام. وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، رواه أحمد. ويؤيده حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على مَنْ ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال" ٣ رواه أبو داود والحاكم. وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه من الأحاديث "حتى تأتيهم الساعة". ساعتهم وهي وقت موتهم بهبوب الريح، ذكره الحافظ وهو المعتمد. وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال: إنّها تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة، كما روى الطبري من حديث أبي أمامة: "قيل يا رسول الله وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس) " وقال معاذ بن جبل ﵁: (هم بالشام) . وهذا قول أكثر الشارحين. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر، لكن لا تخلو الأرض منها حتى يأتي أمر الله. قلت: وهذا هو الحق فإنه ليس في الشام منذ أزمان أحد بهذه الصفات، بل ليس فيه إلا عباد القبور، وأهل الفسق وأنواع الفواحش والمنكرات، ويمتنع أن يكونوا هم الطائفة المنصورة، وأيضًا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدًا من أهل الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم. وعلى هذا فقوله في الحديث: (هم ببيت المقدس) . وقول معاذ: (هم بالشام) . المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون بعض، وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا٤.

стр. 343

قوله: ﵎ . قال ابن القيم: البركة نوعان: أحدهما بركة وهي فعله ﵎، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له ، فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك. كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ ١. فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك، وأما صفة تبارك، فمختصة به كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. أفلا تراها كيف اطّردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاءت تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك، دال على كمال بركته وعظمته وسعتها. وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك: تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة واعلم أن هذا الحديث بجملته مما عد من الأدلة على الشهادتين فإن كل جملة منه وقعت كما أخبر بها ﷺ .

стр. 344

[١٨- باب ما جاء في السحر] ش: السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرا". وسمي السحور سحورًا، لأنه يقع خفيًا آخر الليل. وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ١، أي أخفوا عنهم علمهم. ولما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدونه، ولهذا جاء في الحديث: "ومن سحر فقد أشرك" ٢. أدخله "المصنف" في كتاب "التوحيد" ليبين ذلك تحذيرًا منه كما ذكر غيره من أنواع الشرك. قال أبو محمد المقدسي في "الكافي": السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق ... المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه. قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٤. يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه. وروت عائشة: "أن النبي ﷺ سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي. فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن أعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان" ٥. رواه البخاري. انتهى. وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة كما يفهم مما تقدم.

стр. 345

قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١. ش: أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله لمن اشتراه، أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة رسله، ما له في الآخرة من خلاق. قال ابن عباس: من نصيب. قال قتادة: وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة. وقال الحسن: ليس له دين. فدلت الآية على تحريم السحر، وهو كذلك، بل هو محرم في جميع أديان الرسل ﵈ كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٢. واستدل بها بعضهم على كفر الساحر لعموم قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ يدل عليه قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٣. وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمه. وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم شيئًا من السحر قليلاً كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله" وهذا مرسل. واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر. وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل

стр. 346

الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ٢. وفي حديث مرفوع رواه رزين: "الساحر كافر". وقال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٣. وذلك أنهما علّماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر. وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا. قال: وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٤. ش: تقدم الكلام عليها في الباب الذي قبله، ووجه إيرادها هنا ظاهر، لأن السحر من الجبت، كما قال عمر بن الخطاب. قال "المصنف": قال عمر بن الخطاب: "الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان". ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره، وفيه معرفة الجبت والطاغوت والفرق بينهما. قال: وقال جابر: "الطواغيت كهان كان ينْزل عليهم الشيطان في كل حي واحد". ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن مُنَبّه. قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها. قال: إن في جهينة واحدًا، وفي أسلم واحدًا، وفي هلال واحدًا، وفي كل حي واحدًا، وهم كهان تَنَزَّل عليهم الشياطين". قوله: (قال جابر) . هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله الأنصاري ثم السلمي بفتحتين. صحابي جليل ابن صحابي

стр. 347

جليل مكثر عن النبي ﷺ . مات بالمدينة بعد السبعين، وقد كف بصره وله أربع وتسعون سنة. قوله: (الطواغيت كهان ... ) إلى آخره. المراد بهذا أن الكهان من الطواغيت لا أنهم الطواغيت لا غير. وقوله: (كان ينْزل عليهم الشيطان) ، أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس فقط، بل تتنَزّل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم ببعض الغيب، مما يسترقونه من السمع فيصدقون مرة ويكذبون مائة. قوله: (في كل حي واحد) . الحي: واحد الأحياء، وهم القبائل، أي: في كل قبيلة من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه، ويسألونه عن الغيب. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي ﷺ فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بالشهب. ومطابقة هذا للترجمة ظاهر من جهة أن الساحر طاغوت من الطواغيت؛ إذ كان هذا الاسم يطلق على الكاهن فالساحر أولى، لأنه أشر وأخبث. [أمره ﷺ باجتناب السبع الموبقات] قال: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ١. ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم. قوله: (اجتنبوا السبع) . أي: أبعدوا، وهو أبلغ من: لا تفعلوا، لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة. ذكره الطَّيْبِي. قوله: (السبع الموبقات) . بموحدة وقاف، أي: المهلكات: وسميت الكبائر موبقات، لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. قلت: هكذا ثبت في هذه الرواية عن السبع الموبقات، وكذلك في كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه

стр. 348

النسائي وابن حبان في "صحيحه" والطبراني من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الفرائض والديات والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن. الحديث بطوله. وفيه: وكان في الكتاب: "وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث أبي هريرة سواء. وأخرجه البزار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: "الكبائر: الشرك بالله وقتل النفس". الحديث. وذكر بدل السحر الانتقال إلى الأعرابية بعد الهجرة، وكذلك في حديث عند الطبراني، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن [مَن سمع] الحسن قال: "الكبائر الإشراك بالله ... " فذكر مثل الأول سواء، إلا أنه قال: (اليمين الفاجرة) ، بدل السحر. وفي حديث ابن عمر عند البخاري في "الأدب المفرد" والطبري في "التفسير" وعبد الرزاق مرفوعًا وموقوفًا قال: "الكبائر تسع" فذكر السبع المذكورة وزاد: "والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين". وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: (هن عشر) فذكر السبع التي في الأصل وزاد: "عقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر". ولابن أبي حاتم عن علي قال: الكبائر. فذكر السبع إلا مال اليتيم. وزاد: "العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكث الصفقة". وللطبراني عن أبي أمامة أنهم "تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول والربا. فقال رسول الله ﷺ : "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً؟! " وقد جاء في أحاديث غير ما ذكرنا جملة من الكبائر منها اليمين الغموس، وشهادة الزور والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله وسوء الظن بالله، والزنا، والسرقة وغير ذلك. قال الحافظ: "ويحتاج عندها إلى الجواب عن

стр. 349

الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو جواب ضعيف، أو بأنه أعلم أولاً بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك". وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟ فقال: هن أكثر من سبع. وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية: إلى السبعمئة. وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد، لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد انتهى. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله. قوله: قال: (الشرك بالله) . هو أن يجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، وبدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به كما في "الصحيحين" عن ابن مسعود سألت النَّبِيّ ﷺ أيّ ذنبٍ أعظ عن الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" ١. قوله: (والسحر) . تقدم معناه، وهذا وجه إيراد المصنف لهذا الحديث في الباب. قوله: (وقتل النفس التي حرم الله) . أي: حرم قتلها إلا بالحق، أي: بفعل موجب للقتل، كقتل المشرك المحارب، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ٢ وسواء في ذلك القتل عمدًا أو شبه عمد، كما صرح به طائفة من الشافعية بخلاف قتل الخطإ، فإنه لا كبيرة ولا صغيرة، لأنه غير معصية. قلت: ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة."الحديث.

стр. 350

قوله: (وأكل الربا) . أي: تناوله بأي وجه كان كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ... ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢. قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك. قوله: (وأكل مال اليتيم) . يعني التعدي فيه، وعبر بالأكل، لأنه أهم وجوه الانتفاع كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٣. قوله: (والتولي يوم الزحف) ، أي: الإدبار من وجوه الكفار وقت ازدحام الطائفتين في القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٤. قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) . هو بفتح الصاد المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه. والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك بالإجماع كما ذكره الحافظ، إلا إن كانت دون تسع سنين، والمراد رميهن بزنا أو لواط. والغافلات، أي: عن الفواحش وما رمين به، لا خبر عندهن من ذلك، فهو كناية عن البريئات، لأن الغافل بريء عما بهت به من الزنا، والمؤمنات، أي: بالله تعالى احترازًا عن قذف الكافرات، فإنه من الصغائر. [ما ورد في حد الساحر] قال: وعن جندب مرفوعًا "حد الساحر ضربة بالسيف" ٥. رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف. ش: هذا الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف من طريق

стр. 351

إسماعيل بن مسلم المكي وقال بعد أن رواه: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى عن الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوف انتهى. ورواه أيضًا الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح غريب. وقال الترمذي في "العلل": سألت عنه محمدًا يعني البخاري فقال: هذا لا شيء، وإسماعيل ضعيف جدًّا وقال الذهبي في "الكبائر": إنه من قول جندب، وأشار مغلطاي إلى أنه - وإن كان ضعيفًا يتقوى بكثرة طرقه. وقال: خرجه جمع: منهم البغوي الكبير والصغير، والطبراني، والبزار ومن لا يحصى كثرة. قوله: (عن جندب) . ظاهر صنيع الطبراني في "الكبير" أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في "ترجمة" جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي ﷺ .... وذكره، وخالد العبد ضعيف. قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين، عن الحسن عن جندب الخير أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... ، فذكره. وجندب الخير هو جندب بن كعب - وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان - أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي. وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: "يضرب ضربة فيكون أمة وحده". قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) . روي بالهاء والتاء وكلاهما صحيح، وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن

стр. 352

عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر. وبه قال ابن المنذر وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث، ولأثر عمر الذي ذكره المصنف وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعًا. [أمر عمر ﵁ بقتل الساحر] قال: وفي " صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب! أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر". ش: هذا الأثر رواه البخاري كما ذكره المصنف، لكنه لم يذكر قتل السحرة. ولفظه: عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه ورواه الترمذي والنسائي مختصرًا، ورواه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والبيهقي مطولاً. ورواه القطيعي في الجزء الثاني من "فوائده" بزيادة، فقال: حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي، ثنا هوذة بن خليفة، ثنا عوف عن عمار مولى بني هاشم عن بجالة بن عبدة قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب أن اعرضوا على من كان قبلكم من المجوس أن يدعوا نكاح أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ويأكلوا جميعًا كيما نلحقهم بأهل الكتاب، ثم اقتلوا كل كاهن وساحر. قلت: وإسناده حسن. قوله: (عن بجالة) . هو بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التيمي العنبري بصري ثقة. قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر

стр. 353

وساحرة ... ) إلى آخره. صريح في قتل الساحر والساحرة، وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعن أحمد يستتاب فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيل، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. قلت: الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادًا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقًا قبلت توبته. قال: وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها. ش: هذا الأثر رواه مالك في "الموطأ" عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه "أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت". ورواه عبد الرزاق. وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث وماتت سنة خمس وأربعين. قال: وكذا صح عن جندب. ش: المراد به هنا قطعًا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، وهو جندب بن كعب بن عبد الله. قال أبو حاتم: جندب بن كعب

стр. 354

قاتل الساحر، ويقال: جندب بن زهير، فجعلهما واحدًا وفرق بينهما ابن الكلبي وغيره. قال ابن عبد البر: ذكره الزبير أن جندب بن زهير قاتل الساحر والصحيح أنه غيره. وأشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في "تاريخه" عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. ورواه البيهقي في "الدلائل" مطولاً وفيه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى. ورآه رجل صالح من المهاجرين، فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا، فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن. وذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة. قوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ . ش: أحمد هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. وقوله: عن ثلاثة أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني: عمر، وحفصة، وجندبًا والله أعلم.

стр. 355

باب بيان شيئ من أنواع السحر ... [١٩- باب بيان شيء من أنواع السحر] لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئًا من أنواعه لكثرة وقوعها وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه الأمور، فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجي منهم النفع والضر، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق.
следующие страницы →