يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا يعدي شيء قالها ثلاثًا. فقال الأعرابي: يا رسول الله، النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها. فقال رسول الله ﷺ فمن أجرب الأول؟ لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها" , فأخبر ﵇ أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ١.
وأما أمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك مما جرت العادة بأنه يهلك ويؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره.
وأما إذا قوي التوكل على الله، والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي: "أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه" ٢. وقد أخذ
стр. 387
به الإمام أحمد. وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃. ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من أكل السم، ومن مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر قاله ابن رجب.
قوله: "ولا طيرة"قال ابن القيم: هذا يحتمل أن يكون نفيًا أو يكون نهيًا، أي: لا تتطيروا، ولكن قوله في الحديث: "ولا عدوى ولا صفر ولا هامة" ١ يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها. والنفي في هذا أبلغ من النهي، لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله ﷺ : "ومنا أناس يتطيرون؟ فقال: ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدَّنَّكم" ٢. فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح ﷺ لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله ونزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد فقطع ﷺ علق الشرك من قلوبهم، لئلا يبقى فيها علق منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة.
فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها. قال عكرمة: "كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح. فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا لا تصحبني انتهى. ملخصًا.
стр. 388
ولكن يشكل عليه ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس مرفوعًا: "لا طيرة، والطيرة على من تطير" فظاهر هذا أنها تكون سببًا لوقوع الشر بالمتطير.
وجوابه: أن المراد بذلك من تطير تطيرًا منهيًّا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه حتى يمنعه مما يريده من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه عقوبة له، فأما من توكل على الله، ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاء، وقطعه عن الالتفات إلى غير الله. وقال: وفعل ما أمر به فإنه لا يضره ذلك. وأما من اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبًا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير به، فإنه كثيرًا ما يصاب بما يخشى به.
وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة.
منها: قوله ﵇: "الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار" ١. وفي رواية: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث ... ". الحديث وفي حديث آخر "إن كان ففي الفرس، والمرأة، والمسكن". رواهما البخاري فأنكرت عائشة ﵂ ذلك وقالت: "كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث بها ولكن رسول الله ﷺ كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه بمعناه. وقال الخطابي وابن قتيبة: هذا مستثنى من الطيرة، أي: الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه، ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم.
وقالت طائفة: لم يجزم النبي ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة، بل
стр. 389
علقه على الشرط كما ثبت ذلك في الصحيح، ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد بمفردها، قالوا: والراوي غلط.
قلت: لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدل على نفي رواية الجزم.
وقالت طائفة أخرى: الشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها فيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه، قالوا: ويدل عليه حديث أنس: "الطيرة على من تطير". وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه، كما يجعل الثقة به والتوكل عليه، وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر. وقال ابن القيم: إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشئومة على من قاربها وسكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر. وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشئومًا يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها. فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها وحصول اليمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوسًا يتنحس بها من قاربها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قاربها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سببًا لألم من قاربها من الناس، والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا لون والطيرة الشركية لون. انتهى.
قلت: ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ من شرها وشر ما جبلت عليه، وكذلك ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك
стр. 390
ولكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جار في كل مشئوم فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ وجوابه أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخصت بالذكر لذلك، ذكره في "شرح السنن".
ومنها ما روى مالك عن يحيى بن سعيد قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال، فقال النبي ﷺ دعوها ذميمة" ١. رواه أبو داود عن أنس بنحوه.
وجوابه أن هذا ليس من الطيرة المنهي عنها، بل أمرهم بالانتقال لأنهم استثقلوها واستوحشوا منها، لما لحقهم فيها ليتعجلوا الراحة مما دخلهم من الجزع، لأن الله قد جعل في غرائز الناس استثقال ما نالهم الشر فيه، وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يديه الخير لهم، وإن لم يردهم به، ولأن مقامهم فيها قد يقودهم إلى الطيرة، فيوقعهم ذلك في الشرك، والشر الذي يلحق المتطير بسبب طيرته، وهذا بمنْزلة الخارج من بلد الطاعون غير فار منه، ولو منع الناس الرحلة من الدار التي تتوالى عليهم فيها المصائب والمحن، وتعذر الأرزاق مع سلامة التوحيد في الرحلة، للزم كل من ضاق عليه رزق في بلد أو قلة فائدة صناعته أو تجارته فيها أن لا ينتقل عنها إلى غيرها.
ومنها فإن قيل: ما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء حيث رخص في الارتحال عن الدار دون موضع البلاء؟ أجاب بعضهم أن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يقع التطير منه إلا نادرًا، أو إلا مكررًا، فهذا لا يصغى إليه كنعي الغراب في السفر، وصراخ بومة في دار، وهذا كانت العرب تعتبره.
ثانيها: ما يقع به ضرر، ولكنه يعم ولا يخص ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه ولا يفر منه.
وثالثها: سبب محض ولا يعم ويلحق به الضرر لطول الملازمة كالمرأة، والفرس والدار فيباح له الاستبدال، أو التوكل على الله، والإعراض عما يقع في النفس ذكره في "شرح السنن".
стр. 391
ومنها: "حديث اللقحة لما منع النبي ﷺ حربًا ومرة من حلبها وأذن ليعيش". رواه مالك.
وجوابه: أن ابن عبد البر قال: ليس هذا عندي من باب الطيرة لأنه محال أن ينهى عن شيء ويفعله، وإنما هو من طلب الفأل الحسن. وقد كان أخبرهم عن أقبح الأسماء أنه حرب ومرة. فالمراد بذلك حتى لا يتسمى بهما أحد. وقد روى ابن وهب في "جامعه" ما يدل على هذا فإنه قال في هذا الحديث: "فقام عمر بن الخطاب فقال: أتكلم يا رسول الله أم أصمت؟ فقال: بل اصمت وأخبرك بما أردت، ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفأل الحسن".
وعلى هذا تجري بقية الأحاديث التي توهم بعضهم أنها من باب الطيرة.
قوله: "ولا هامة"بتخفيف الميم على الصحيح. قال الفراء: الهامة طائر من طير الليل كأنه يعني: البومة قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي أو أحدًا من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون ذلك الطائر الصدى، وبه جزم ابن رجب قال: وهذا شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها. ولكن الذي جاءت به الشريعة أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها إلى أن يردها الله إلى أجسادها. وذكر الزبير بن بكار في "الموفقيات" أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل، ولم يؤخذ بثأره، خرجت من رأسه هامة، وهي دودة فتدور حول قبره وتقول: اسقوني. وفي ذلك يقول شاعرهم:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب.
стр. 392
قوله: "ولا صفر"، بفتح الفاء. روى أبو عبيد القاسم بن سلام في "غريب الحديث " له عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب عند العرب. فعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، ويكون عطفه على العدوى من عطف الخاص على العام. وممن قال بهذا: سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري وابن جرير، وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه. وهذا قول مالك وفيه نظر. وروى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشؤوم فأبطل النبي ﷺ ذلك، قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينتهي عن السفر فيه. والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام، كيوم الأربعاء وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة.
قوله: "ولا نوء"النوء واحد الأنواء. وسيأتي الكلام عليه في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
قوله: "ولا غول". هو بالفتح مصدر معناه: البعد والهلاك وبالضم الاسم، وجمعه أغوال وغيلان وهو المراد هنا. قال أبو السعادات: الغول واحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولاً، أي: تتلون تلونًا في صور شتى وتُغْوِلُهم، أي: تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله.
وقيل: قوله: لا غول ليس نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله. فيكون المعنى بقوله: "لا غول"، أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي سحرة
стр. 393
الجن" أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان" ١. أي: ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها، ومنه حديث أبي أيوب: كان لي تمر في سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ.
[كان رسول الله ﷺ يعجبه الفأل]
قال: ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة" ٢.
ش قوله: "ويعجبني الفأل". قال أبو السعادات: الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر، يقال: تفاءلت بكذا، وتفألت على التخفيف والقلب. وقد أولع الناس بترك الهمزة تخفيفًا، وإنما أحب الفأل، لأن الناس إذا أملوا فائدة الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي، فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء، فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر.
وأما الطيرة، فإن فيها سوء الظن بالله، وتوقع البلاء. ومعنى التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض، فيتفاءل بما يسمع من كلام فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة، فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه برئ من مرضه ويجد ضالته ومنه الحديث قيل: "يا رسول الله ما الفأل؟ فقال: الكلمة الصالحة" ٣.
قوله: "قالوا وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة" ٤. بين لهم ﷺ أن الفأل يعجبه فدل أنه ليس من الطيرة المنهي عنها.
قال ابن القيم:"ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي
стр. 394
تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب. وكان يحب الحلوى والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما. والله قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع، استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها، أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفًا وطيرة وانكماشًا وانقباضًا عما قصدت له وعزمت عليه، فأورت لها ضررًا في الدنيا، ونقصًا في الإيمان، ومقارفة للشرك"
وقال الحليمي: "إنما كان ﷺ يعجبه الفأل، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال"
قال: ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: "ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
ش: قوله: (عن عقبة بن عامر) ، هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عروة بن عامر كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد بن حنبل في روايته: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره الجهني، واختلف في صحبته فقال البارودي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال المزي: لا صحبة له تصح.
стр. 395
قوله: فقال: "أحسنها الفأل". قد تقدم أنه ﷺ كان يعجبه الفأل. وروى الترمذي وصححه عن أنس أن النبي ﷺ "كان إذا خرج لحاجته يحب أن يسمع يا نجيح يا راشد" ١ وروى أبو داود عن بريدة: "أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه فإذا أعجبه، فرح به وإن كره اسمه، رئي كراهيته ذلك في وجهه" ٢. وإسناده حسن. فهذا في استعمال الفأل. قال ابن القيم في الكلام على الحديث المشروح: أخبر ﷺ أن الفأل من الطيرة وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة الخالية عن المفسدة.
قوله: "ولا ترد مسلمًا". قال الطّيْبِي: تعريض بأن الكافر بخلافه.
قوله: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت"، أي: لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات، بل أنت
وحدك لا شريك لك، الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات. وهذا دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، ويعد من اعتقدها سفيهًا مشركًا.
قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بك"، استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببًا لوقوع المكروه وعقوبة لفاعلها، وذلك إنما يصدر من تحقيق التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات، ودفع المكروهات. والحول: التحول والانتقال من حال إلى حال، والقوة على ذلك، أي: لا حول ولا قوة على ذلك الحول إلا بك، وذلك يفيد التوكل على الله لأنه علم وعمل، فالعلم معرفة القلب بتوحد الله بالنفع والضر، وعامة
стр. 396
المؤمنين بل كثير من المشركين يعلمون ذلك، والعمل هو ثقة القلب بالله وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز ويختص به خواص المؤمنين، وهو داخل في هذه الكلمة، لأن فيها التبرؤ من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته والإقرار بقدرته على كل شيء، وبعجز العبد عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه، وهذا نهاية توحيد الربوبية الذي يثمر التوكل وتوحيد العبادة.
[الطيرة شرك]
قال: وعن ابن مسعود مرفوعًا: "الطيرة شرك الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل" ١. رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود.
ش: هذا الحديث رواه أيضًا ابن ماجة وابن حبان ولفظ أبي داود: "الطيرة شرك الطيرة شرك ثلاثًا" ٢.
قوله: "الطيرة شرك"، صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله. وقال ابن حمدان في "الرعاية": تكره الطيرة، وكذا قال غير واحد من أصحاب أحمد. قال ابن مفلح: والأولى القطع بتحريمها. ولعل مرادهم بالكراهة التحريم.
قلت: بل الصواب القطع بتحريمها، لأنها شرك وكيف يكون الشرك مكروهًا الكراهة الاصطلاحية؟! فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه. قال في "شرح السنن": وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًّا إذا عملوا بموجبه فكأنهم شركوه مع الله تعالى.
قوله: "وما منا إلا ... ". قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري: في الحديث إضمار والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك انتهى. وحاصله: وما منا إلا من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه. فحذف ذلك اعتمادًا على فهم السامع. وقال الخلخالي: حذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة المكروهة وهذا نوع من أدب الكلام.
стр. 397
قوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل"أي: ما منا إلا من يقع في قلبه ذلك، ولكن لما توكلنا على الله وآمنا به، واتبعنا ما جاء به الرسول ﷺ واعتقدنا صدقه، أذهب الله ذلك عنا، وأقر قلوبنا على السنة واتباع الحق.
قوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود) . قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا: "وما منا" هذا عندي من قول ابن مسعود، فالترمذي نقل ذلك عن سليمان بن حرب ووافقه على ذلك العلماء. قال ابن القيم: وهو الصواب، فإن الطيرة نوع من الشرك.
قال: ولأحمد من حديث ابن عمرو "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك" ١.
ش: هذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا وفي إسناده ابن لهيعة وفيه اختلاف، وبقية رجاله ثقات.
قوله: (من حديث ابن عمرو) . هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف.
قوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك". وذلك أن التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره، وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فيصير قلبه متعلقًا بغير الله، وذلك شرك،
стр. 398
فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة. ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة!
قوله: (فما كفارة ذلك ... ) إلى آخر الحديث. هذا كفارة لما يقع من الطيرة، ولكن يمضي مع ذلك ويتوكل على الله، وفيه الاعتراف بأن الطير خلق مسخر مملوك لله، لا يأتي بخير ولا يدفع شرًّا، وأنه لا خير في الدنيا والآخرة إلا خير الله، فكل خير فيهما فهو من الله تعالى تفضلاً على عباده، وإحسانًا إليهم وأن الإلهية كلها لله ليس فيها لأحد من الملائكة والأنبياء ﵈ شركة، فضلاً عن أن يشرك فيها ما يراه ويسمعه مما يتشاءم به.
قوله: وله من حديث الفضل بن العباس "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" ١.
ش: هذا الحديث رواه أحمد في "المسند" ولفظه حدثنا حماد بن خالد قال: ثنا ابن علاثة عن مسلمة الجهني قال: سمعته يحدث عن الفضل بن عباس قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ يومًا فبرح ظبي فمال في شقه فاحتضنته فقلت: يا رسول الله تطيرت قال: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" ٢. هكذا رواه أحمد وفي إسناده نظر. وقرأت بخط المصنف: فيه رجل مختلف فيه، وفيه انقطاع أي: بين مسلم وبين الفضل وهو ابن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وأكبر ولد العباس. قال ابن معين: قتل يوم اليرموك في عهد أبي بكر ﵁. وقال غيره: قتل يوم مرج الصفر، سنة ثلاث عشرة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة. قال أبو داود: قتل بدمشق كان عليه درع النبي ﷺ . وقال الواقدي وابن سعد: مات في طاعون عمواس.
قوله: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" ٣. هذا حد للطيرة المنهي
стр. 399
عنها بأنها ما أوجب للإنسان أن يمضي لما يريده ولو من الفأل، فإن الفأل إنما يستحب لما فيه من البشارة والملاءمة للنفس، فأما أن يعتمد عليه ويمضي لأجله مع نسيان التوكل على الله، فإن ذلك من الطيرة. وكذلك إذا رأى أو سمع ما يكره فتشاءم به ورده عن حاجته، فإن ذلك أيضًا من الطيرة.
стр. 400
[٢٣- باب ما جاء في التنجيم]
[التنجيم على ثلاثة أقسام] :
المراد هنا ذكر ما يجوز من التنجيم وما لا يجوز وما ورد فيه من الوعيد. قال شيخ الإسلام: التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية. وقال الخطابي: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معناها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، ويدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله به لا يعلم الغيب سواه.
قلت: واعلم أن التنجيم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﵇، [كما في الأنعام ٧٥-٧٩] ولهذا كانوا يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيمًا يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم، ويدعونها دعوات لا تنبغي إلا لخالقها وفاطرها وحده لا شريك له، ويبنون لكل كوكب هيكلاً، أي: موضعًا لعبادته ويصورون فيه ذلك الكوكب، ويتخذونه لعبادته
стр. 401
وتعظيمه، ويزعمون أن روحانية ذلك الكوكب تنْزل عليهم وتخاطبهم وتقضي حوائجهم. وتلك الروحانيات هي الشياطين تنَزلت عليهم، وخاطبتهم وقضت حوائجهم. وقد صنف بعض المتأخرين في هذا الشرك مصنفًا وذكر صاحب "التذكرة" فيها.
الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك، واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك. وينبغي أن يقطع بكفره، لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه.
الثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل وسيأتي الكلام عليه.
[خلق الله النجوم لثلاث] :
قوله قال البخاري في: " صحيحه " قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث، زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.
ش: هذا الأثر علقه البخاري في "صحيحه" كما قال المصنف وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ والخطيب في كتاب "النجوم" عن قتادة. ولفظه: قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يُهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا
стр. 402
علم الغيب، لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء.
قوله: خلق الله هذه النجوم لثلاث. إلى آخره. هذا مأخوذ من القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٢. وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا كما هو ظاهر الآية، وفيه حديث رواه ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أما السماء الدنيا، فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وزينها بمصابيح النجوم، وجعلها رجومًا للشياطين وحفظًا من كل شيطان رجيم".
وقوله: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ ، أي: دلالات على الجهات والبلدان ونحو ذلك يُهتدى بها بصيغة المجهول. أي: يهتدي بها الناس في ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٣. وليس المراد: يهتدون بها في علم الغيب ولهذا قال: فمن تأول فيها [غير] ذلك، أي: زعم فيها غير ما ذكر الله تعالى في هذه الثلاث، فادعى بها علم الغيب، فقد أخطأ، أي: حيث تكلم رجمًا بالغيب وأضاع نصيبه، أي: حظه من عمره، لأنه اشتغل بما لا فائدة فيه، بل مضرة محضة، وتكلف ما لا علم له به، أي: تعاطى شيئًا لا يتصور علمه، لأن أخبار السماء، والأمور المغيبة لا تعلم إلا من طريق الكتاب والسنة، وليس فيهما أزيد مما تقدم. قال الداوودي: قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله: أخطأ وأضاع نصيبه، فإنه قصر في ذلك، بل قائل ذلك كافر.
فإن قلت: إن المنجمين قد يصدقون بعض الأحيان.
قيل: صدقهم كصدق الكهان يصدقون مرة ويكذبون مائة، وليس في صدقهم مرة ما يدل على أن ذلك علم صحيح كالكهان.
стр. 403
وقد استدل بعض المنجمين بآيات من كتاب الله على صحة علم التنجيم ١-منها قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١
والجواب أنه ليس المراد بهذه الآية أن النجوم علامات على الغيب يهتدي بها الناس في علم الغيب، وإنما المعنى وعلامات، أي: دلالات على قدرة الله وتوحيده. وعن قتادة ومجاهد أن من النجوم ما يكون علامة لا يهتدى إلا بها، وقيل: إن هذا من تمام الكلام الأول وهو قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ﴾ ٢، أي: وألقى لكم معالم يعلم بها الطريق والأراضي من الجبال الكبار والصغار يستدل بها المسافرون في طرقهم. وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣. قال ابن عباس في الآية: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يعني: معالم الطرق بالنهار ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٤. قال: يهتدون به في البحر في أسفارهم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. فهذا القول ونحوه هو معنى الآية، فالاستدلال بها على صحة علم التنجيم استدلال على ما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام بما لا يدل عليه لا نصًّا ولا ظاهرًا، وذلك أفسد أنواع الاستدلال، فإن الأحاديث جاءت عن النبي ﷺ بإبطال علم التنجيم وذمه، منها حديث "من اقتبس شعبة من علم النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر" ٥. الحديث وقد تقدم. وعن عبد الله بن محيريز التابعي الجليل أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: لو علمت علم النجوم فازددت إلى علمك. فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم". وعن رجاء بن حيوة أن النبي ﷺ قال: "مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة". رواهما عبد بن حميد. فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان
стр. 404
على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله. وعن أبي محجن مرفوعًا: "أخاف على أمتي من بعدي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر". رواه ابن عساكر وحسنه السيوطي. وعن أنس مرفوعًا: "أخاف على أمتي بعدي خصلتين تكذيبًا بالقدر، وإيمانًا بالنجوم". رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب في كتاب "النجوم" وحسنه السيوطي أيضًا.
وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر مرفوعًا: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله: ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" ١. لفظ البخاري. وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم". رواه ابن مردويه. وعن ابن عمر مرفوعًا: "تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا" ٢. وعن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن النظر في النجوم". رواهما ابن مردويه والخطيب.
وعن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أما بعد: فإن ناسًا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وأنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر من يحدث له منهم توبة". رواه أبو داود. وفي الباب أحاديث وآثار غير ما ذكرنا. فتبين بهذا أن الاستدلال بالآية على صحة أحكام النجوم من أفسد أنواع الاستدلال.
стр. 405
٢- ومنها قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ١.
والجواب: أن هذا من جنس استدلاله بالآية الأولى في الفساد، فأين فيها ما يدل على صحة أحكام النجوم بوجه من وجوه الدلالات؟! وهل إذا رفع إنسان بصره إلى النجوم، فنظر إليها، دل ذلك على صحة علم النجوم عنده؟! وكل الناس ينظرون إلى النجوم، فلا يدل ذلك على صحة علم أحكامها. وكأن هذا ما شعر أن إبراهيم ﵇ إنما بعث إلى الصابئة المنجمين مبطلاً لقولهم مناظرًا لهم على ذلك.
فإن قيل على هذا: فما فائدة نظرته في النجوم؟.
قيل: نظرته في النجوم من معارض الأفعال ليتوصل به إلى غرضه من كسر الأصنام كما كان قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٢. فمن ظن أن نظرته في النجوم ليستنبط منها علم الأحكام، وعلم أن طالعه يقضي عليه بالنحس، فقد ضل ضلالاً بعيدًا. ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح أنه ﵇ يقول: "لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن" وعدها العلماء قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ . قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ . وقوله لسارة: هي أختي.
فلو كان قوله: إني سقيم أخذه من علم النجوم لم يعتذر من ذلك، وإنما هي من معاريض الأفعال، فلهذا اعتذر منها كما اعتذر من قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ ، ذكر ذلك ابن القيم. لكن قوله: وعدها العلماء. يدل على أنه لم يستحضر الحديث الوارد في عدها. وقد رواه أحمد والبخاري وأصحاب "السنن" وابن جرير وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 406
"لم يكذب إبراهيم ﵇ غير ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله في سارة هي أختي" لفظ ابن جرير.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعًا: "في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، فقال: إني سقيم، وقال: بل فعله كبيرهم هذا، وقال للملك حين أراد امرأته: هي أختي". وفي إسناده ضعف. وقال قتادة في الآية: العرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم قال ابن كثير: يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يكذبهم به فقال: إني سقيم، أي: ضعيف.
قال: وكره قتادة تعلم منازل القمر ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
ش: هذا هو القسم الثالث من علم التنجيم وهو تعلم منازل الشمس والقمر، للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول، وهو كما ترى من اختلاف السلف فيه، فما ظنك بذينك القسمين؟! ومنازل القمر ثمانية وعشرون كل ليلة في منْزلة منها، فكره قتادة وسفيان بن عيينة تعلم المنازل، وأجازه أحمد وإسحاق وغيرهما.
قال الخطابي: "أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والْخُبْر الذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة، فالشمس هابطة من وسط السماء
стр. 407
نحو الأفق الغربي. وهذا علم يصح دركه بالمشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوا له من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته، وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها. مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة، ويشاهدوها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفته".
وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل منازل القمر قلت: لأنه لا محذور في ذلك. وعن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. رواه ابن المنذر.
قال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره. وأما علم التسيير، فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء، ومعرفة القبلة، والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما وقع من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي اعتقاده إلى خطإ السلف في صلاتهم وهو باطل. انتهى مختصرًا".
قلت: وهذا هو الصحيح إن شاء الله، ويدل على ذلك الآيات والأحاديث التي تقدمت. وهل يدخل في النهي وقت الكسوف الشمسي والقمري أم لا؟ رجح ابن القيم أنه لا يدخل.
قوله: (ذكره حرب عنهما) . هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد الكرماني الفقيه من أجلة أصحاب الإمام
стр. 408
أحمد روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وغيرهم، وله مصنفات جليلة منها كتاب "المسائل" التي سئل عنها الإمام أحمد وغيره وأورد فيها الأحاديث والآثار، وأظنه روى أثر قتادة وابن عيينة فيها. مات سنة ثمانين ومائتين.
وإسحاق هو [ابن] إبراهيم بن مخلد أبو يعقوب الحنظلي النيسابوري الإمام المعروف بابن راهويه، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم قال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وروى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضًا عن أحمد مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
[ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر]
قال: وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر" ١. رواه أحمد وابن حبان في " صحيحه".
ش: هذا الحديث رواه أيضًا الطبراني والحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبي: وتمام الحديث: "ومن مات وهو مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن" ٢.
قوله: (عن أبي موسى) ، هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة أبو موسى الأشعري، صحابي جليل استعمله النبي ﷺ وأمره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين مات سنة خمسين.
قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة"، هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف تأويلها وقالوا: أمروها كما جاءت. وإن كان صاحبها لا ينتقل عن الملة عندهم، وكأن المصنف ﵀ يميل إلى هذا القول. وقالت طائفة: هو على ظاهره فلا يدخل الجنة أصلاً مدمن الخمر ونحوه، ويكون هذا مخصصًا لعموم الأحاديث الدالة على خروج
стр. 409
الموحدين من النار ودخولهم الجنة، وحمله أكثر الشراح على من فعل ذلك مستحلاً، أو على معنى أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد العذاب إن لم يتوبوا والله أعلم.
قوله: (مدمن الخمر) ، أي: المداوم على شربها.
قوله: (وقاطع الرحم) . أي: القرابة كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ١.
قوله: "ومصدق بالسحر"مطلقًا ويدخل فيه التنجيم لحديث: "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس علمًا من السحر" ٢. وهذا وجه مطابقة الحديث للباب. قال الذهبي في "الكبائر": ويدخل فيه تعلم السيمياء وعملها، وهو محض السحر، وعقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة قال: وكثير من الكبائر بل عامتها إلا الأقل يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغه الزجر فيه، ولا الوعيد عليه، فهذا الضرب فيهم تفصيل، فينبغي للعالم أن لا يجهل على الجاهل، بل يرفق به ويعلمه سيما إذا قرب عهده بجهله، كمن أسر وجلب إلى أرض الإسلام وهو تركي فبالجهد أن يتلفظ بالشهادتين فلا يأثم أحد إلا بعد العلم بحاله وقيام الحجة عليه.
стр. 410
[٢٤- باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء]
أي: من الوعيد، والمراد نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء وهي منازل القمر. قال أبو السعادات: وهي ثمانية وعشرون منْزلة ينزل القمر كل ليلة منْزلة منها ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ١، يسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة. وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنْزلة
стр. 411
وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءًا، أي: نهض وطلع.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في "المختارة" عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ، يقول: شكركم: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا" وهذا أولى ما فسرت به الآية. وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم. وهو قول جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية على الترجمة، فالمعنى على هذا: وتجعلون شكركم لله على ما أنزل إليكم من الغيث والمطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه إلى غيره. وقال ابن القيم: أي: وتجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به يعني: القرآن. قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. قلت: والآية تشمل المعنيين.
[أربع من أمر الجاهلية]
قال: عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ٢. وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" ٣ رواه مسلم.
ش: قوله: (عن أبي مالك الأشعري) اسمه الحارث بن الحارث الشامي صحابي تفرد عنه بالرواية أبو سلام، وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا، جزم به الحافظ.
стр. 412
قوله: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن". أي: من أفعال أهلها بمعنى أنها معاصي ستفعلها هذه الأمة، إما مع العلم بتحريمها، وإما مع الجهل بذلك كما كان أهل الجاهلية يفعلونها. والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، سموا بذلك لفرط جهلهم، وكل ما يخالف ما جاءت به الأنبياء والمرسلون فهو جاهلية منسوبة إلى الجاهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل. قال شيخ الإسلام: أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذمًّا لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم، فهو مذموم في دين الإسلام وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها. ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ١ فإن في ذلك ذمًّا للتبرج، وذمًّا لحال الجاهلية الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
قوله: "الفخر بالأحساب"، أي: التشرف بالآباء والتعاظم بعدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم وذلك جهل عظيم، إذ لا شرف إلا بالتقوى كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ... ﴾ ٢ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣. وروى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون
стр. 413
على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" ١. والأحساب جمع حسب وهو ما يعده الإنسان له ولآبائه من شجاعة وفصاحة ونحو ذلك.
قوله: "والطعن في الأنساب". أي: الوقوع فيها بالذم والعيب أو يقدح في نسب أحد من الناس فيقول: ليس هو من ذرية فلان أو يعيره بما في آبائه من المطاعن، ولهذا لما عير أبو ذر ﵁ رجلاً بأمه، قال النبي ﷺ لأبي ذر: "أعيرته بأمه؟! إنك امرؤٌ فيك جاهلية" ٢. متفق عليه. فدل ذلك أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية، وأن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره وفسقه. قاله شيخ الإسلام.
قوله: "والاستسقاء بالنجوم". أي: نسبة السقيا ومجيء المطر إلى النجوم والأنواء، وهذا هو الذي خافه النبي ﷺ على أمته، كما روى الإمام أحمد وابن جرير عن جابر السوائي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أخاف على أمتي ثلاثًا: استسقاء بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبًا بالقدر" ٣.
إذا تبين هذا، فالاستسقاء بالنجوم نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنَزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٤. وليس هذا معنى الحديث، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينَزل المطر، فهو كافر.
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنَزل له، إلا أنه أجرى
стр. 414
وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه، والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي ﷺ وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي ﷺ حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك ولو بالعبادات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، كما قال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده" ١.
وفيه التنبيه على ما هو أولى بالمنع من نسبة السقيا إلى الأنواء كدعاء الأموات، وسؤالهم الرزق والنصر والعافية ونحو ذلك من المطالب، فإن هذا من الشرك الأكبر، سواء قالوا: إنهم شفعاؤنا إلى الله، كما قال المشركون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، [يونس: من الآية: ١٨] ، أو اعتقدوا أنهم يخلقون، ويرزقون وينصرون استقلالاً على سبيل الكرامة، كما ذكره بعض عباد القبور في رسالة صنفها في ذلك، لأنه إذا منع من إطلاق نسبة السقيا إلى الأنواء مع عدم القصد والاعتقاد، فلأن يمنع من دعاء الأموات والتوجه إليهم في الملمات مع اعتقاد أن لهم أنواع التصرفات أولى وأحرى.
قوله: (والنياحة) . أي: رفع الصوت بالندب على الميت، لأنها سخط لقضاء الله ومعارضة لأحكامه وسوء أدب مع الله، ولا كذلك ينبغي أن يفعل المملوك مع سيده، فكيف يفعله مع ربه وسيده ومالكه وإلهه الذي لا إله له سواه! الذي كل قضائه عدل، وأيضًا ففيها تفويت الأجر مع ذهاب المصيبة.
وفي الحديث دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن هذه الأخبار من أنباء الغيب، فأخبر بها النبي ﷺ فكان كما أخبر.
стр. 415
قوله: وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها". فيه تنبيه على أن الوعيد والذم لا يلحق مَنْ تاب من الذنب، وهو كذلك بالإجماع، فعلى هذا إذا عرف شخص بفعل ذنوب توعد الشرع عليها بوعيد لم يجز إطلاق القول بلحوقه لذلك الشخص المعين، كما يظنه كثير من أهل البدع، فإن عقوبات الذنوب ترتفع بالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة نبيهم ﷺ فيهم، وعفو الله عنهم.
وفيه أن مَنْ تاب قبل الموت ما لم يغرغر، فإن الله يتوب عليه، كما في حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" ١. رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في "صحيحه".
قوله: "تقام يوم القيامة"، أي: تبعث من قبرها، وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. قال القرطبي: السربال. واحد السرابيل، وهي الثياب والقمص، يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيصير لهن كالقميص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم ورائحتهن أنتن وألمها بسبب الجرب أشد. وروي عن "ابن عباس أن القطران هو النحاس المذاب"وروى الثعلبي في "تفسيره" عن "عمر بن الخطاب أنه سمع نائحة فأتاها، فضربها بالدرة حتى وقع خمارها، فقيل يا أمير المؤمنين: المرأة المرأة قد وقع خمارها. قال: إنها لا حرمة لها".
قال: ولهما عن زيد بن خالد قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس. فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما مَنْ قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر
стр. 416
بالكوكب، وأما مَنْ قال: مُطِرْنَا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١.
ش: قوله: (عن زيد بن خالد) . أي: الجهني المدني، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين بالكوفة، وقيل غير ذلك، وله خمس وثمانون سنة.
قوله: (صلى لنا) ، أي: صلى بنا، فاللام بمعنى الباء. قال الحافظ: وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا، وإنما الصلاة لله.
قوله: (بالحديبية) . بالمهملة والتصغير وتخفف ياؤها وتثقل.
قوله: (على إثر) . بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهورة، وهو ما يعقب الشيء.
قوله: (سماء) . أي: مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينْزل من جهة السماء.
قوله: (فلما انصرف) . أي: من صلاته لا من مكانه، كما يدل عليه.
قوله: (أقبل على الناس) . أي: التفت إليهم بوجهه الشريف، ففيه دليل على أنه لا ينبغي للإمام إذا صلى أن يجلس مستقبل القبلة، بل ينصرف إلى المأمومين، كما صحت بذلك الأحاديث.
قوله: (هل تدرون؟) ، لفظ استفهام، ومعناه التنبيه. وفي رواية النسائي "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ " ٢ وهذا من الأحاديث القدسية
قال الحافظ: وهي تحمل على أن النبي ﷺ أخذها عن الله بواسطة أو بلا واسطة، وفيه إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليخبرهم، وإخراج العالم التعليم للمسألة بالاستفهام فيها ذكره المصنف.
قوله: "قالوا: الله ورسوله أعلم"فيه حسن الأدب للمسئول عما لا يعلم، وأنه يقول ذلك أو نحوه، ولا يتكلف ما لا يعنيه.
قوله: قال: "أصبح من عبادي". الإضافة هنا للعموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر.
стр. 417
فإن قيل: هذا يدل على أن المراد بالكفر هنا هو الأكبر. قيل: ليس فيه دليل إذ الأصغر يصدر من الكفار.
قوله: "مؤمن بي وكافر". المراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنَزل له بدليل قوله في الحديث "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ... "إلى آخره، فلو كان المراد هو الأكبر، لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباء السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سببًا. وفي رواية: "فأما من حمدني على سقياي وأثنى علي، فذاك من آمن بي" ١. فلم يقل فأما من قال: إني المنَزل للمطر، فذاك من آمن بي، لأن المؤمنين والكفار يقولون ذلك. فدل على أن المراد إضافة ذلك إلى غير الله، وإن كان يعتقد أن الفاعل لذلك هو الله. وروى النسائي والإسماعيلي نحوه. وقال في آخره: "وكفر بي أو كفر نعمتي" وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم: "قال الله تعالى: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين" ٢. وله من حديث ابن عباس "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ... " ٣ الحديث. وفي حديث معاوية الليثي مرفوعًا: "يكون الناس مجدبين فينَزل الله عليهم رزقًا من رزقه فيصبحون مشركين، يقولون: مُطِرْنَا بنوء كذا" ٤. رواه أحمد، فبين الكفر والشرك المراد هنا بأن نسبة ذلك إلى غيره تعالى، بأن يقال: مطرنا بنوء كذا، قال ابن قتيبة: كانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك، فكفره كفر شرك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة، فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة، لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين.
стр. 418
وقال الشافعي: من قال: مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، وغيره من الكلام أحب إلي منه.
قلت: قد يقال: إن كلام الشافعي لا يدل على جواز ذلك، وإنما يدل على أنه لا يكون كفر شرك، وغيره من الكلام أحسن منه. أما كونه يجوز إطلاق ذلك أو لا يجوز، فالصحيح أنه لا يجوز، لما تقدم أن معنى الحديث هو نسبة السقيا إلى الأنواء لفظًا، وإن كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنَزل للمطر، فهذا من باب الشرك الخفي في الألفاظ، كقوله: لولا فلان لم يكن كذا، وفيه معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ ١. فإن كثيرًا من النعم قد تجر الإنسان إلى شر، كالذين قالوا: مطرنا بنوء كذا بسبب نزول النعمة.
وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضع. ذكره المصنف، يشير إلى أن المراد به هنا نسبة النعمة إلى الله وحمده عليها، كما في قوله تعالى: "فأما من حمدني على سقياي وأثنى علي فذاك مَنْ آمن بي"، وقوله: "فأما من قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته" الحديث.
وفيه أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة. ذكره المصنف.
قوله: (فأما مَنْ قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته) . أي: من نسبه إلى الله واعتقد أنه أنزله بفضله ورحمته من غير استحقاق من العبد على ربه وأثنى به عليه، فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، وفي الرواية الأخرى: "فأما مَنْ حمدني على سقياي، وأثنى علي فذاك من آمن بي" ٢. وهكذا يجب على الإنسان أن لا يضيف نعم الله إلى غيره ولا يحمدهم عليها بل يضيفها إلى خالقها ومقدرها الذي أنعم بها على العبد بفضله ورحمته، ولا ينافي ذلك الدعاء لمن أحسن بها إليك، وذكر ما أولاكم من المعروف إذا سلم لك دينك، والسر في ذلك -والله أعلم- أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له من جهته وإن كان لا صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من ذلك.
стр. 419
قوله: (وأما من قال: مُطِرْنَا بنوء كذا ... ) إلى آخره. كالصريح فيما ذكرنا أن المراد نسبة ذلك إلى غير الله، وإن كان يعتقد أن المنَزل للمطر هو الله. ولهذا لم يقل: فأما من قال: أنزل علينا المطر أو أمطرنا بنوء كذا. قال المصنف: وفيه التفطن للكفر في هذا الموضع، يشير إلى أن المراد بالكفر هنا هو نسبة النعمة إلى غير الله كالنوء ونحوه على ما تقدم، ولما كان إنزال الغيث من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لما اشتمل عليه من منافعهم، فلا يستغنون عنه أبدًا كان من شكره الواجب عليهم أن يضيفوه إلى البر الرحيم المنعم، ويشكروه فإن النفوس قد جبلت على حب من أحسن إليها، والله تعالى هو المحسن المنعم على الإطلاق الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ١.
[تفسير قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم]
قال: ولهما من حديث ابن عباس معناه.
وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ... ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿ ... تُكَذِّبُونَ﴾ .
ش قوله: (ولهما) . الحديث لمسلم فقط، ولفظه عن ابن عباس قال: "مطر الناس على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال فنَزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ٣ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ .
قوله: (قال بعضهم) : ذكر الواقدي في "مغازيه" عن أبي قتادة أن عبد الله بن أبي هو القائل في ذلك الوقت: مطرنا بنوء الشعرى، وفي صحة ذلك نظر.
قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ٤. هذا قسم
стр. 420
من الله يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمة المقسم به وتشريفه.
وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، ويكون جوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ١، فعلى هذا تكون "لا" صلة لتأكيد النفي، فتقدير الكلام: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم.
قال ابن جرير: "قال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فلا أقسم﴾ ، فليس الأمر كما تقولون، ثم استؤنف القسم بعد، فقيل: أقسم ; ومواقع النجوم. قال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا في السنين بعد، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء، وقيل: النجوم هي الكواكب، ومواقعها: مساقطها عند غروبها، قال مجاهد: مواقع النجوم يقال: مطالعها ومشارقها، واختاره ابن جرير. وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه:
أحدها: أنّ النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الغي والجهل، فتلك هداية في الظلمات الحسية، وآيات القرآن هداية في الظلمات المعنوية، فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الزينة الظاهرة للعالم وفي القرآن من الزينة الباطنة، ومع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن، والنجوم آياته المشهودة العيانية، والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النّزول، ذكره ابن القيم.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٢. قال ابن كثير: أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم عليه.
стр. 421
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ١. هذا هو المقسم عليه، وهو القرآن أي: إنه وحي الله وتنْزيله وكلامه، لا كما يقول الكفار: إنه سحر وكهانة أو شعر، بل هو قرآن كريم، أي: عظيم كثير الخير، لأنه كلام الله. قال ابن القيم: فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته، فإن الكريم هو البهي الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سبحانه وصف نفسه بالكرم [الانفطار ٦، والنّحل ٤٠] ، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه [المؤمنون ١٦] ، ووصف به ما كثر خيره، وحسن منظره من النبات وغيره، ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن، قال الأزهري: الكريم: اسم جامع لما يحمد، والله تعالى كريم جميل الفعال، إنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان، والعلم والحكمة.
وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٢. قال ابن كثير: أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر. وقال ابن القيم: اختلف المفسرون في هذا فقيل: هو اللوح المحفوظ، والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٣. ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٤. فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه.
стр. 422
وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ١. قال "ابن عباس: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢. قال: الكتاب الذي في السماء"وفي رواية:" ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٣، يعني: الملائكة وقال قتادة: لا يمسه عند الله إلا المطهرون". أما في الدنيا، فإنه يمسه المجوسي النجس والمنافق الرجس. قال: وهي في قراءة ابن مسعود: ما يمسه إلا المطهرون. واختار هذا القول كثيرون منهم: ابن القيم ورجحه. وقال ابن زيد: زعمت قريش أن هذا القرآن تنَزلت به الشياطين فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ... ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿لَمَعْزُولُون﴾ . وقال ابن كثير: وهذا قول جيد وهو لا يخرج عن القول قبله.
وقال البخاري في "صحيحه" في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به. قال ابن القيم: وهذا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من يشهد أنه كلام الله تكلم به حقًا، وأنزله على رسوله وحيًا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه منه حرج بوجه من الوجوه.
وقال آخرون: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ، [الواقعة: ٧٩] ، أي: من الجنابة والحدث قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناه الطلب. قالوا: والمراد بالقرآن هنا المصحف، كما في حديث ابن عمر مرفوعًا: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو" ٥. واحتجوا على ذلك بما رواه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر".
وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٦. قال ابن كثير: أي: هذا القرآن منَزل من الله رب العالمين، وليس كما يقولون: إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق
стр. 423
نافع. وفي هذه الآية ١-إثبات أنه كلام الله تكلم به. قال ابن القيم: ونظيره ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ١ وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ٢. ٢-وإثبات علو الله سبحانه على خلقه، فإن النّزول والتنْزيل الذي تعقله العقول، وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولا يرد عليه قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ٣. لأنا نقول: إن الذي أنزلها من فوق سماواته قد أنزلها لنا بأمره. قال ابن القيم: وذكر التنْزيل مضافًا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة لملكه لهم، وتصرفه فيهم، وحكمه عليهم، وإحسانه وإنعامه عليهم، وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى، ويدعهم هملاً، ويخلقهم عبثًا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم؟! فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن نزله على رسوله، واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به. وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس، وتلك إنما تكون لخواص العقلاء.
وقوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ٤ قال مجاهد: أي: أتريدون أن تمالؤوهم فيه وتركنوا إليهم. قال ابن القيم: ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الأدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع به، ويفرق به، ويعض عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر، وتعقد عليه القلوب والأفئدة، ويحارب ويسالم لأجله، ولا يلتوي عنه يمنة ولا يسرة، ولا يكون للقلب التفات إلى غيره، ولا محاكمة إلا إليه، ولا مخاصمة إلا به، ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره، ولا شفاء إلا به. فهو روح الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائد الفلاح، وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر، فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه؟! ولم
стр. 424
ينْزل للمداهنة، وإنما أنزل بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا تمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق، ويلتزم بعض الباطل. فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن فيه؟!
وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١، تقدم الكلام عليها أول الباب، والله أعلم.
стр. 425
باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾
...
[٢٥- بابقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١]
[أقسام المحبة وأنواعها] .
ش: لما كانت محبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام، الذي يدور عليه قطب رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف ﵀ على وجوبها على الأعيان، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ... ". الحديث رواه الترمذي والحاكم. وفي حديث آخر: "أحبوا الله بكل قلوبكم". وفي حديث معاذ بن جبل في حديث المنام: "وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك". رواه أحمد والترمذي وصححه.
وما أحسن ما قال ابن القيم في وصفها: هي المنْزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، وإلى عملها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها، فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده، ففي بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه، حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها، فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها، فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم