← Акыда

Акыда · id 2378

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

سليمان بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (700 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إسماعيل بن مسلم المكي وقال بعد أن رواه: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى عن الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوف انتهى. ورواه أيضًا الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح غريب. وقال الترمذي في "العلل": سألت عنه محمدًا يعني البخاري فقال: هذا لا شيء، وإسماعيل ضعيف جدًّا وقال الذهبي في "الكبائر": إنه من قول جندب، وأشار مغلطاي إلى أنه - وإن كان ضعيفًا يتقوى بكثرة طرقه. وقال: خرجه جمع: منهم البغوي الكبير والصغير، والطبراني، والبزار ومن لا يحصى كثرة. قوله: (عن جندب) . ظاهر صنيع الطبراني في "الكبير" أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في "ترجمة" جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي ﷺ .... وذكره، وخالد العبد ضعيف. قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين، عن الحسن عن جندب الخير أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... ، فذكره. وجندب الخير هو جندب بن كعب - وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان - أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي. وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: "يضرب ضربة فيكون أمة وحده". قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) . روي بالهاء والتاء وكلاهما صحيح، وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن

стр. 352

عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر. وبه قال ابن المنذر وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث، ولأثر عمر الذي ذكره المصنف وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعًا. [أمر عمر ﵁ بقتل الساحر] قال: وفي " صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب! أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر". ش: هذا الأثر رواه البخاري كما ذكره المصنف، لكنه لم يذكر قتل السحرة. ولفظه: عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه ورواه الترمذي والنسائي مختصرًا، ورواه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والبيهقي مطولاً. ورواه القطيعي في الجزء الثاني من "فوائده" بزيادة، فقال: حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي، ثنا هوذة بن خليفة، ثنا عوف عن عمار مولى بني هاشم عن بجالة بن عبدة قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب أن اعرضوا على من كان قبلكم من المجوس أن يدعوا نكاح أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ويأكلوا جميعًا كيما نلحقهم بأهل الكتاب، ثم اقتلوا كل كاهن وساحر. قلت: وإسناده حسن. قوله: (عن بجالة) . هو بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التيمي العنبري بصري ثقة. قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر

стр. 353

وساحرة ... ) إلى آخره. صريح في قتل الساحر والساحرة، وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعن أحمد يستتاب فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيل، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. قلت: الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادًا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقًا قبلت توبته. قال: وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها. ش: هذا الأثر رواه مالك في "الموطأ" عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه "أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت". ورواه عبد الرزاق. وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث وماتت سنة خمس وأربعين. قال: وكذا صح عن جندب. ش: المراد به هنا قطعًا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، وهو جندب بن كعب بن عبد الله. قال أبو حاتم: جندب بن كعب

стр. 354

قاتل الساحر، ويقال: جندب بن زهير، فجعلهما واحدًا وفرق بينهما ابن الكلبي وغيره. قال ابن عبد البر: ذكره الزبير أن جندب بن زهير قاتل الساحر والصحيح أنه غيره. وأشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في "تاريخه" عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. ورواه البيهقي في "الدلائل" مطولاً وفيه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى. ورآه رجل صالح من المهاجرين، فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقًا، فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن. وذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة. قوله: (قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ . ش: أحمد هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. وقوله: عن ثلاثة أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني: عمر، وحفصة، وجندبًا والله أعلم.

стр. 355

باب بيان شيئ من أنواع السحر ... [١٩- باب بيان شيء من أنواع السحر] لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئًا من أنواعه لكثرة وقوعها وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه الأمور، فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجي منهم النفع والضر، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق.

стр. 356

فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليًّا لله تعالى، لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع. وفعل الشياطين بأناس ممن ينتسبون إلى دين وصلاح ورياسة مخالفة للشريعة، كأناس من الصوفية وكرهبان النصارى ونحوهم، فيطيرون بهم في الهواء، ويمشون بهم على الماء، ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وبحيل وأدوية، كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن النارنج. وقد يكون برؤيا صادقة فيها وما يستدل به على وقوع ما لم يقع، وهذه مشتركة بين ولي الله وعدوه. وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر، وتقع كما أخبر، وقد يكون بعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك استدراجًا والأحوال الشيطانية كثيرة. وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده، لا إله إلا هو، فإنه لا يضل من اعتصم به ولا يشقى. قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١. فذكر تعالى أن أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة. فدل أن الشخص قد يكون وليًّا لله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنًا متقيًا. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون للرسول ﷺ باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون وليًّا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا ما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطى، ومنعوا من

стр. 357

يحب أن يمنع. وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد. وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له، الذين لا يشركون بالله شيئًا وإن لم تجر على أيديهم خوارق، فإن كانت الخوارق دليلاً على ولاية الله، فلتكن دليلاً على ولاية الساحر والكاهن والمنجم والمتفرس، ورهبان اليهود والنصارى، وعباد الأصنام، فإنهم يجري لهم من الخوارق ألوف، ولكن هي من قِبَل الشياطين، فإنهم يتنَزلون عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال والأقوال كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٢. وقد طارت الشياطين ببعض من ينتسب إلى الولاية، فقال: لا إله إلا الله فسقط. وتجد عمدة كثير من الناس في اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أحيانًا، أو يمشي على الماء، أو يملأ إبريقًا من الهواء، أو يخبر في بعض الأوقات بشيء من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو يخبر بعض الناس بما سرق له، أو بحال غائب أو مريض، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته أو نحو ذلك، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها مسلم فضلاً عن أن يكون وليًّا لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر

стр. 358

به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليًّا لله، وقد يكون عدوًّا له، فإنها قد تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتكون لهؤلاء من قِبَل الشياطين أو تكون استدراجًا، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور فهو ولي لله، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، وأكثر هذه الأمور قد توجد في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي المكتوبة ولا يتنظف ولا يتطهر الطهارة الشرعية، بل يكون ملابسًا للنجاسات، معاشرًا للكلاب، يأوي إلى المزابل، رائحته خبيثة، ركابًا للفواحش، يمشي في الأسواق كاشفًا لعورته، غامزًا للشرع، مستهزئًا به وبحملته، يأكل العقارب والخبائث التي تحبها الشياطين، كافرًا بالله، ساجدًا لغير الله من القبور وغيرها، يكره سماع القرآن وينفر منه، ويؤثر سماع الأغاني والأشعار ومزامير الشيطان على كلام الرحمن. فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا عساه أن يجري فلا يكون وليًّا لله، محبوبًا عنده حتى يكون متبعًا لرسوله ﷺ باطنًا وظاهرًا. فإن قلت: فعلى هذا ما الفرق بين الكرامة وبين الاستدراج والأحوال الشيطانية؟ قيل: إن علمت ما ذكرنا عرفت الفرق، لأنه إذا كان الشخص مخالفًا للشرع، فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إما استدراج وإما من عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله، ولا يستعان بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء بل تحصل بما تحبه الشياطين كالاستغاثة بغير الله، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية، وكلما كان الإنسان أبعد عن الكتاب والسنة كانت الخوارق الشيطانية

стр. 359

له أقوى وأكثر من غيره، فإن الجن الذين يقترنون بالإنس من جنسهم. فإن كان كافرًا ووافقهم على ما يختارونه من الكفر والفسوق والضلال والإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه، وللسجود لهم وكتابة أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة فعلوا معه كثيرًا مما يشتهيه بسبب ما برطلهم به من الكفر وقد يأتونه بما يهواه من امرأة وصبي، بخلاف الكرامة، فإنها لا تحصل إلا بعبادة الله والتقرب إليه ودعائه وحده لا شريك له، والتمسك بكتابه، واجتناب المحرمات، فما يجري من هذا الضرب فهو كرامة. وقد اتفق على هذا الفرق جميع العلماء. وبالجملة فإن عرفت الأسباب التي بها تنال ولاية الله عرفت أهلها وعرفت أنهم أهل الكرامة، وإن كنت ممن يسمع بالأولياء وهو لا يعرف الولاية ولا أسبابها ولا أهلها بل يميل مع كل ناعق وساحر ﴿وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس، من الآية١٠١] . ولشيخ الإسلام كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان١". فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين. [العيافة والطرق والطيرة من الجبت] قال ﵀: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف ثنا حبان بن العلاء، ثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" ٢. قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه " المسند منه. ش: قوله: "قال أحمد". هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد ابن جعفر هو المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور،

стр. 360

ثبت في شعبة حتى فضله علي بن المديني فيه على عبد الرحمن بن مهدي بل أقر له ابن مهدي بذلك. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة١ أو أربع وتسعين ومائة. وعوف هو ابن أبي جميلة - بفتح الجيم - العبدي البصري المعروف بعوف الأعرابي ثقة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، وله ست وثمانون سنة. وحبان بن العلاء هو بالتحتية ويقال: حيان بن مخارق أبو العلاء البصري مقبول. وقطن - بفتحتين - أبو سهلة البصري صدوق. قوله: (عن أبيه) . هو قبيصة - بفتح أوله وكسر الموحدة ابن المخارق - بضم الميم وتخفيف المعجمة أبو عبد الله الهلالي، صحابي نزل البصرة. قوله: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) . قال عوف: العيافة زجر الطير. هذا التفسير ذكره غير واحد كما قال عوف وهو كذلك. قال أبو السعادات: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا وهو كثير في أشعارهم، يقال: عاف يعيف عيفًا: إذا زجر وحدس وظن. قوله: (والطرق) : الخط يخط في الأرض هكذا فسره عوف، وهو تفسير صحيح. وقال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء. قلت: وأيًّا ما كان فهو من الجبت، وأما الطيرة، فسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى قوله: "من الجبت". أي: من أعمال السحر. قال القاضي: والجبت في الأصل: الجبس الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله وللساحر والسحر. وقال الطيبي: "من" فيه إما ابتدائية أو تبعيضية، فعلى الأول المعنى الطيرة ناشئة من الساحر،

стр. 361

وعلى الثاني المعنى الطيرة من جملة السحر والكهانة، أو من جملة عبادة غير الله، أي: الشرك يؤيده قوله في الحديث الآتي: (الطيرة شرك) انتهى. وفي الحديث دليل على تحريم التنجيم، لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة؟! . قوله: (قال الحسن: رنة الشيطان) . لم أجد فيه كلامًا. قوله: (ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه) . يعني أن هؤلاء رووا الحديث واقتصروا على المرفوع منه، ولم يذكروا التفسير الذي فسره به عوف. وقد رواه أبو داود في التفسير المذكور بدون كلام الحسن. والنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي ابن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن صاحب "السنن" وغيرها من المصنفات. روى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة بن سعيد وخلق. وكان إليه المنتهى في الحفظ والعلم لعلل الحديث. مات سنة ثلاث وثلاثمائة وله ثمان وثمانون سنة. قال: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" ١. رواه أبو داود بإسناد صحيح

стр. 362

ش: هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف بإسناد صحيح، وكذا صححه النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجة. قوله: (من اقتبس) . قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبسته: إذا تعلمته. انتهى. وعلى هذا، فالمعنى من تعلم. قوله: (شعبة) ، أي: طائفة وقطعة من النجوم، والشعبة: الطائفة من الشيء والقطعة منه، ومنه الحديث: "الحياء شعبة من الإيمان" ١، أي: جزء منه. قوله: (فقد اقتبس شعبة من السحر) . أي: المعلوم تحريمه قال شيخ الإسلام: فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٢. وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة. قوله: "زاد ما زاد" يعني: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل إثم الساحر، أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاد اقتباس علم النجوم. قلت: والقولان متلازمان، لأن زيادة الإثم فرع عن زيادة السحر، وذلك لأنه تحكم على الغيب الذي استأثر الله بعلمه. فعلم أن تأثير النجوم باطل محرم، وكذا العمل بمقتضاه، كالتقرب إليها بتقريب القرابين لها كفر، قاله ابن رجب. قال: وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر، فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا، وُكِّلَ إليه" ٣. ش: هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي ولم يبين هل هو موقوف أو مرفوع؟ وقد رواه النسائي مرفوعًا وذكر المصنف عن الذهبي أنه قال: لا يصح، وحسنه ابن مفلح.

стр. 363

قوله: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر) . اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر، عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدونه من السحر. ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١. يعني: السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو دون التفل وهو مرتبة بينهما، والنفث فعل الساحر. فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخًا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك. وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، فيصيبه السحر بإذن الله الكوني الشرعي، لا الإذن القدري قاله ابن القيم. قوله: (ومن سحر فقد أشرك) . نص في أن الساحر مشرك إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم. قوله: (ومن تعلق شيئًا وُكِّلَ إليه) . أي: من تعلق قلبه شيئًا بحيث يتوكل عليه، ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء. فإن تعلق العبد على ربه وإلهه وسيده ومولاه، رب كل شيء ومليكه وكله إليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه، و ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ، [لأنفال، من الآية: ٤٠] ، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٢. ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله إليهم فأهلكوه في الدنيا والآخرة. وبالجملة فمن توكل على غير الله كائنًا من كان وكل إليه، وأتاه الشر في الدنيا والآخرة من جهته مقابلة له بنقيض قصده، وهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل، وعادته التي لا تحول، أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه، أو ركن إلى مخلوق يدبره، أجرى الله تعالى

стр. 364

له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله. وهذا أمر معلوم بالنص والعيان. ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق بعين البصيرة النافذة رأى ذلك عيانًا. وفائدة هذه الجملة بعد ما قبلها الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير الله، فإنه متعلق على الشياطين. قال: وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العضه هي النميمة القالة بين الناس" ١ رواه مسلم. ش: قوله: (هل أنبئكم) ، أي: أخبركم. قوله: (ما العضه؟) ، هو بفتح العين المهملة وسكون المعجمة. قال أبو السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث. والذي جاء في كتب الغريب ألا أنبئكم ما العضة بكسر العين وفتح الضاد. وفي حديث آخر "إياكم والعضة" قال الزمخشري: أصلها العضهة فعلة من العضه، وهو البهت فحذفت لامه، كما حذفت من السنة والشفة وتجمع على عضين. ثم فسره بقوله: هي النميمة القالة بين الناس. وعلى هذا فأطلق عليها العضه، لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا، ذكره القرطبي. قلت: ظاهر إيراد المصنف لهذا الحديث هنا يدل على أن معنى العضه عنده هنا هو السحر، ويدل على ذلك حديث: "كادت النميمة أن تكون سحرًا". رواه ابن لالٍ في "مكارم الأخلاق" بإسناد ضعيف. وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. وقال أبو الخطاب في "عيون المسائل": ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس. قال في "الفروع" ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكنه يقال: الساحر إنما

стр. 365

كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة انتهى ملخصًا. وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة. والحديث دليل على تحريم الغيبة والنميمة، وهو كذلك بالإجماع. وقد قال أبو محمد بن حزم: اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة، وفيه دليل على أنها من الكبائر. وقوله: (القالة بين الناس) . قال أبو السعادات: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكى للبعض عن البعض، ومنه الحديث "ففشت القالة بين الناس" ١. قال: ولهما عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرًا" ٢. ش: البيان: البلاغة والفصاحة، قال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله أما قوله: (إن من البيان لسحرًا) ، فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وقال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم، لأن السحر مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح، لأن الله تعالى مدح البيان. قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال: "هذا والله السحر الحلال". قلت: الأول أصح وهو أنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله، وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحد، أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق ونحو ذلك، فسماه سحرًا لأنه يستميل القلوب كالسحر، ولهذا قال ﷺ لما جاءه رجلان من

стр. 366

المشرق، فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله ﷺ "إن من البيان لسحرًا" ١. كما رواه مالك والبخاري وغيرهم. وأما جنس البيان، فمحمود بخلاف الشعر فجنسه مذموم إلا ما كان حكمًا، ولكن لا يحمد البيان إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، أو تصوير الباطل في صورة الحق، فإذا خرج إلى هذا الحد فهو مذموم. وعلى هذا تدل الأحاديث كقوله ﷺ : "إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها" ٢. رواه أحمد وأبو داود. وقوله: (لقد رأيت أو لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير) . رواه أبو داود.

стр. 367

[٢٠- باب ما جاء في الكهان ونحوهم] اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم، لكنهم قليل بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية، لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب، ولم يبق من استراقهم إلا ما يخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب. وأما ما يخبر به الجني مواليه من الإنس بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا فكثير جدًّا في أناس ينتسبون إلى الولاية والكشف، وهم من الكهان إخوان الشياطين لا من الأولياء. ولما ذكر المصنف شيئًا مما يتعلق بالسحر ذكر ما جاء في الكهان ونحوهم كالعراف لمشابهة هؤلاء للسحرة. والكهانة: ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب. والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة، فتلقيه في أذن الكاهن، والكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب الحصى والمنجم. وقال في "المحكم": الكاهن: القاضي بالغيب.

стр. 368

وقال الخطابي: الكهان فيما علم بشهادة الامتحان: قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات. ] من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا] . قال: وروى مسلم في " صحيحه " عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" ١. ش: هذا الحديث رواه مسلم كما قال المصنف، ولفظه: حدثنا محمد بن المثنى العنْزي، ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله - في نسخة: عبد الله - عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا وليلة" ٢. هكذا رواه، وليس فيه "فصدقه". قوله: (عن بعض أزواج النبي ﷺ . هي حفصة، على ما ذكره أبو مسعود الدمشقي، لأنه ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها وكذلك سماه بعض الرواة. قوله: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء) . العراف سيأتي بيانه وهو من أنواع الكهان، وظاهر الحديث أن هذا الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله سواء صدقه، أو شك في خبره، لأن إتيان الكهان منهي عنه، كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي "قلت: يا رسول الله إن منا رجالاً يأتون الكهان قال: فلا تأتهم" ٣. رواه مسلم. ولأنه إذا شك في خبره، فقد شك في أنه لا يعلم الغيب، وذلك موجب للوعيد، بل يجب عليه أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله. قوله: (لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) ، إذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ قال النووي وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى

стр. 369

إعادة، ونظير هذه الصلاة في أرض مغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء، لكن لا ثواب له فيها، قاله جمهور أصحابنا. قالوا: فصلاة الفرض إذا أتى بها على وجهها الكامل، ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض، وحصول الثواب. فإذا أداها في أرض مغصوبة، حصل له الأول دون الثاني ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة فوجب تأويله، هذا كلامه. وهو مبني على الملازمة بين الإجزاء وعدم الإعادة. والصواب أن عدم الإعادة لا يستلزم الإجزاء، لكن الصلاة في الأرض المغصوبة في إجزائها نزاع، والمشهور من مذهب أحمد أنها لا تجزئ وتجب إعادتها. وفي الحديث النهي عن إتيان الكاهن ونحوه قال القرطبي: يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم على من يتعاطى شيئًا من ذلك من التعزيرات. وينكر عليهم أشد النكير وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور. [من أتى كاهنًا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد] قال: وعن أبي هريرة. عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ " ١. رواه أبو داود. ش: هذا الحديث رواه أبو داود ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد. ح وحدثنا مسدد ثنا يحيى عن حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَن أتى كاهنًا قال موسى في حديثه: فصدقه بما يقول أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته حائضًا، أو أتى امرأة. قال مسدد: يعني: امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ "، ورواه

стр. 370

الترمذي والنسائي وابن ماجة بنحوه وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الأثرم، وضعف محمد هذا الحديث من جهة إسناده. وقال البغوي: سنده ضعيف، وقال الذهبي: ليس إسناده بالقائم. قلت: أطال أبو الفتح اليعمري في بيان ضعفه وادعى أن متنه منكر، وأخطأ في إطلاق ذلك، فإن إتيان الكاهن له شواهد صحيحة، منها ما ذكره المصنف بعده، وكذلك إتيان المرأة في الدبر له شواهد، منها ما رواه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن طاووس "أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال: تسألني عن الكفر؟ ". ومنها ما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في "صحيحه". وصححه ابن حزم عن ابن عباس مرفوعًا: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر" ١. والأحاديث في ذلك كثيرة. وغاية ما ينكر من متنه ذكر إتيان الحائض والله أعلم. قال: وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن ... "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢. ش: هكذا بيض المصنف اسم الراوي. وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظ أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة والحسن عن النبي ﷺ ... فذكره. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري فقد روي عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة، حديث "أن موسى كان رجلاً حييا ... " الحديث. قال العراقي في أماليه: حديث صحيح. وقال الذهبي: إسناده قوي. وعلى هذا فعزو المصنف إلى الأربعة ليس كذلك، فإنه لم يروه أحد منهم، وأظنه تبع في ذلك الحافظ، فإنه عزاه في "الفتح" إلى أصحاب السنن والحاكم فوهم، ولعله أراد الذي قبله. قوله: "من أتى كاهنًا ... " ٣ إلى آخره. قال بعضهم: لا تعارض

стр. 371

بين هذا الخبر، وبين حديث: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ١. إذ الغرض في هذا الحديث أنه سأله معتقدًا صدقه وأنه يعلم الغيب فإنه يكفر، فإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما سمعته من الملائكة، أو أنه بإلهام فصدقه من هذه الجهة لا يكفر كذا قال، وفيه نظر. وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ذلك من قِبَل الشياطين، أو من قِبَل الإلهام لا سيما وغالب الكهان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين. وفي حديث رواه الطبراني عن واثلة مرفوعًا: "من أتى كاهنًا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه بما قال كفر". قال المنذري: ضعيف. فهذا - لو ثبت - نص في المسألة لكن ما تقدم من الأحاديث يشهد له، فإن الحديث الذي فيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه. قوله: "فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". قال الطيبي: المراد بالمنزل الكتاب والسنة، أي: من ارتكب هذه فقد برئ من دين محمد ﷺ وما أُنزل عليه انتهى. وهل الكفر في هذا الموضوع كفر دون كفر أو يجب التوقف؟ فلا يقال: ينقل عن الملة. ذكروا فيها روايتين عن أحمد وقيل: هذا على التشديد والتأكيد، أي: قارب الكفر والمراد كفر النعمة، وهذان القولان باطلان. قال: ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا. ش: أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف ك: "المسند" وغيره روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق وكان من الأئمة الحفاظ مات سنة سبع وثلاثمائة. وهذا الأثر رواه البزار أيضًا وإسناده على شرط مسلم ولفظه: "من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢. وفيه دليل على كفر

стр. 372

الكاهن والساحر والمصدق لهما، لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضًا. قال: وعن عمران بن الحصين مرفوعًا "ليس منا من تطير أو تطير له، [أو تكهن] أو تكهن له، [أو سحر] أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". رواه البزار بإسناد جيد. ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: (ومن أتى ... ) إلى آخره. ش: هذا الحديث رواه الطبراني كما قال "المصنف" في "الأوسط" قال المنذري: إسناد الطبراني حسن وإسناد البزار جيد. قوله: (ليس منا) أي: ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا العاملين باتباعنا المقتفين لشرعنا. قوله: (من تطير) أي: فعل الطيرة أو تطير له، أي: أمر من يتطير له، وكذلك معنى تكهن أو تكهن له [أو سحر] أو سحر له. قوله: (رواه البزار) . اسمه أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار البصري صاحب "المسند الكبير" الذي عزا إليه المصنف، روى عن ابن بشار وابن المثنى وخلق. قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه مات سنة اثنين وتسعين ومائتين. [تعريف الكاهن والعراف] قوله: قال البغوي [في شرح السّنة ٣٢٥٩] : "العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وقال أبو العباس ابن تيمية: "العرّاف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق". ش: البغوى بفتحتين اسمه الحسين بن مسعود بن الفراء

стр. 373

المعروف بمحيي السنة الشافعي صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان وكان ثقة فقيهًا زاهدًا مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة. قوله: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور ... ) إلى آخره. هذا تفسير حسن وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة، وأحسن منه كلام شيخ الإسلام: أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف. وقال أيضًا: "والمنجم يدخل في اسم العراف وعند بعضهم هو في معناه". وقال أيضًا: "والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء وحكى ذلك عن العرب وعند آخرين من جنس الكاهن وأسوء حالاً منه، فيلحق به من جهة المعنى"، وقال الإمام أحمد: "العراف طرف من السحر والساحر أخبث". وقال أبو السعادات: "العراف المنجم والحازر الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به". وقال ابن القيم: "من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا وعرافًا. والمقصود من هذا معرفة أن من يدعي علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف. ومنه ما هو من الشياطين ويكون بالفأل والزجر والطير والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ . فإن هذه علوم قوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل ﵈. وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنًا أو عرافًا أو في معناهما فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد.

стр. 374

وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وادعوا أنهم أولياء وأن ذلك كرامة، ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن المتقي، إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها بخلاف من يدعي أنه ولي لله ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن مثل هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب وإن كانت أسبابًا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا قال ﷺ في وصف الكهان: "فيكذبون معها مائة كذبة" ١. فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس مع أن نفس دعواه دليل على كذبه، لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢. وليس هذا من شأن الأولياء، بل شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها وخوفهم من ربهم. فكيف يأتون الناس يقولون: اعرفوا أنا أولياء، وأنا نعلم الغيب. وفي ضمن ذلك طلب المنْزلة في قلوب الخلق، واقتناص الدنيا بهذه الأمور؟! وحسبك بحال الصحابة والتابعين وهم سادات الأولياء أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟! لا والله. بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كالصديق. وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فيمرض منها ليالي يعوده الناس، وكان تميم الداري يتقلب في فراشه لا يستطيع النوم إلا قليلاً خوفًا من النار، ثم يقوم إلى صلاته ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكر الله تعالى من صفاتهم في سورة الرعد [٢٠، ٢٢، ٢٨] ، والمؤمنين [١، ٩، ٥٧، ٦١] ، والفرقان [٦٣، ٧٤] ، والذاريات [١٦، ١٩] ، والطور [٢٦، ٢٨] ، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء لا أهل الدعوى

стр. 375

والكذب، ومنازعة رب العالمين فيما اختص من الكبرياء والعظمة، وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فكيف يكون المدعي لذلك وليًّا لله؟! ولقد عظم الضرر، واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش البصائر. نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة". فإن قلت: كيف يكون علم الخط من الكهانة؟ وقد روى أحمد ومسلم عن "معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله ﷺ ومنا رجال يخطون فقال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" ١. قلت: قال النووي: "معناه أن من وافق خطه، فهو مباح له، لكن لا طريق لنا إلى العلم باليقين بالموافقة، فلا يباح. والقصد أنه لا يباح إلا بيقين الموافقة وليس لنا يقين". وقال غيره: "المراد به النهي عنه والزجر عن تعاطيه، لأن خط ذلك النبي كان معجزة وعَلَمًا لنبوته، وقد انقطعت نبوته ولم يقل: فذلك الخط حرام دفعًا لتوهم أن خط ذلك النبي حرام". قلت: ويحتمل أن المعنى أن سبب إصابة صاحب الخط هو موافقته لخط ذلك النبي، فمن وافق خطه أصاب. وإذا كان كذلك وكانت الإصابة نادرة بالنسبة إلى الخط، ولا طريق إلى اليقين بالموافقة صار ذلك بالنسبة إلى من يتعاطاه من أنواع الكهانة لمشاركته لها في المعنى إذا علمت ذلك، فاعلم أن مذهب الإمام أحمد أن حكم الكاهن والعراف الاستتابة، فإن تابا وإلا قتلا. ذكره غير واحد من الأصحاب. فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فقال في "الكافي" ذكرهما أصحابنا في السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وقد توقف أحمد لما سئل عن الرجل يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه، فنفض يده وقال: ما أدري ما هذا؟!. قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل؟ قال: ما أدري

стр. 376

ما هذا؟!. قال: وهذا يدل على أنه لا يكفر صاحبه، ولا يقتل. قلت: إن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن، فإنه يكفر ويقتل، ونص أحمد لا يدل على أنه لا يكفر، فإنه قد يقول مثل هذا في الحرام البين. قوله: وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أَُرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق. ش: هذا الأثر ذكره المصنف عن ابن عباس، ولم يعزه، وقد رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا، وإسناده ضعيف، ولفظه: "رب معلم حروف أبي جاد دارس في النجوم ليس له عند الله من خلاق يوم القيامة". ورواه أيضًا حميد بن زنجويه عنه بلفظ "رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق". قوله: (ما أَُرى) . يجوز فتح الهمزة من "أرى" بمعنى: لا أعلم له عند الله من خلاق، أي: من نصيب، ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن ذلك لاشتغاله بما فيه من اقتحام الخطر والجهالة وادعاء علم الغيب الذي استأثر الله به، وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف. ولبعض المبتدعة فيه مصنف، فأما تعليمها للتهجي وحساب الجمل، فلا بأس بذلك. قوله: (وينظرون في النجوم) . هذا محمول على علم التأثير لا التسيير، كما سيجيء في باب التنجيم، وفيه عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.

стр. 377

[٢١- باب ما جاء في النشرة] لما ذكر المصنف حكم السحرة والكهانة ذكر ما جاء في النشرة، لأنها قد تكون من قبل الشياطين والسحرة، فتكون مضادة للتوحيد، وقد تكون مباحة، كما سيأتي تفصيله. قال أبو السعادات: النشرة ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من كان يظن أن به مسًّا من الجن، سميت نشرة، لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي: يكشف ويزال. وقال الحسن: النشرة من السحر، وقد نشرت عنه تنشيرًا، ومنه الحديث: "فلعل طبا أصابه ثم نشره ب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ " أي: رقاه. وقال غيره: ونشره أيضًا إذا كتب له النشرة، وهي كالتعويذ والرقية. وقال ابن الجوزي: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر. [النشرة من عمل الشيطان] قال: عن جابر "أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: هي من عمل الشيطان" ١. رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، قال: سئل أحمد عنها، فقال ابن مسعود: يكره هذا كله. ش: هذا الحديث رواه أحمد، ورواه عنه أبو داود في "سننه" والفضل بن زياد في كتاب "المسائل" عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن عمه وهب بن منبه عن جابر، فذكره، قال ابن مفلح: إسناده جيد، وحسن الحافظ إسناده، ورواه ابن أبي شيبة، وأبو داود في المراسيل عن الحسن رفعه "النشرة من عمل الشيطان" ٢. قوله: (سئل عن النشرة) . الألف واللام في النشرة للعهد، أي:

стр. 378

النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان، لا النشرة بالرقى والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة، فإن ذلك جائز كما قرره ابن القيم فيما سيأتي. قوله: (وقال: سئل أحمد عنها فقال ابن مسعود: يكره هذا كله) . مراد أحمد - والله أعلم - أن ابن مسعود يكره النشرة التي من عمل الشيطان والنشرة التي بكتابة وتعليق كالتمائم، فإن ابن مسعود كان يكره التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، أما النشرة بالتعويذ والرقى بأسماء الله وكلامه من غير تعليق، فلا أعلم أحدًا كرهه، وكذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم والرقى والنشر. محمول على ما ذكرنا. قال وفي " البخاري " عن قتادة قلت لابن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه؟ . ش: هذا الأثر علقه البخاري، ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب "السنن" من طريق أبان العطار عن قتادة مثله، ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ: (يلتمس من يداويه) . فقال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع. قوله: (عن قتادة) ، هو ابن دعامة بكسر الدال السدوسي البصري ثقة ثبت فقيه من أحفظ التابعين، يقال: إنه ولد أكمه مات سنة بضع عشرة ومائة. قوله: (رجل به طب) ، بكسر الطاء، أى: سحر، يقال: طب الرجل بالضم: إذا سحر، ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلاً، كما قالوا للديغ: سليم، وقال ابن الأنباري: الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، يقال له: طب. قوله: (أو يؤخذ) . بفتح الواو مهموز، وتشديد الخاء المعجمة

стр. 379

وبعدها ذال معجمة، أي: يحبس عن امرأته، ولا يصل إلى جماعها والأخذ بضم الهمزة: الكلام الذي يقوله الساحر. قوله: (يحل) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول. قوله: (وينشر) ، بتشديد المعجمة. قوله: (قال لا بأس به ... ) إلى آخره يعني أن النشرة لا بأس بها لأنهم يريدون بها الإصلاح، أي: إزالة السحر، ولم ينه عما يراد به الإصلاح، إنما ينهى عما يضر. وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟ فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح، فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر والله أعلم. قال: وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر. ش: هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في "جامع المسانيد" بغير إسناد، ولفظه: (لا يطلق السحر إلا ساحر) ، وروى ابن جرير في "التهذيب" من طريق يزيد بن زريع عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح، قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال: فقال سعيد بن المسيب: إنما نهى الله عما يضر، ولم ينه عما ينفع. قوله: (عن الحسن) ، هو ابن أبي الحسن، واسمه يسار بالتحتانية والمهملة البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه إمام فاضل من خيار التابعين. مات سنة عشر ومائة، وقد قارب التسعين. [أنواع النشرة] قوله: قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور. وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان. وعليه

стр. 380

يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة، فهذا جائز. ش: هذا الثاني هو الذي يحمل عليه كلام ابن المسيب، أو على نوع لا يدرى هل هو من السحر أم لا؟ وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة، فإنه محمول على ذلك وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، بل لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه؟ فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل له: أفترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال لا أدري ما هذا؟ وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه. وكيف يجيزه؟! وهو الذي روى الحديث أنها من عمل الشيطان. ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركًا بين الجائزة والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك. ومما جاء في صفة النشرة الجائزة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تقرأ في إناء فيه ماء ثم تصب على رأس المسحور الآية التي في يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، [يونس: من الآيتان: ٨١-٨٢] . وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ... ﴾ ١، إلى آخر أربع آيات. وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٢. وقال ابن بطال: في كتاب وهب بن منبه أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.

стр. 381

[٢٢- باب ما جاء في التطير] مصدر تطير يتطير والطيرة أيضًا - بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن - مصدر تطير، يقال: تطير طيرة وتخير خيرة ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم. فإذا أرادوا أمرًا، فإن رأوا الطير مثلاً طار يمنة، تيمنوا به، وإن طار يسرة، تشاؤموا به، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره. قال والذي يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك هو القاعد والقعيد. ولما كانت الطيرة بابًا من الشرك منافيًا للتوحيد أو لكماله، لأنها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ذكره المصنف في كتاب "التوحيد" تحذيرًا منها وإرشادًا إلى كمال التوحيد بالتوكل على الله. واعلم أن ما كان معتنيًا بها قابلاً بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه، فالواجب على العبد التوكل على الله ومتابعة رسول الله ﷺ وأن يمضي لشأنه لا يرده شيء من الطيرة عن حاجته فيدخل في الشرك. قال: وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ش: أول الآية قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ... ﴾ ٢ الآية. المعنى أن آل فرعون إذا أصابتهم ﴿الْحَسَنَةُ﴾ ، أي: الخصب والسعة والعافية

стр. 382

على ما فسره مجاهد وغيره قالوا: لنا هذه، أي: نحن الجديرون الحقيقون به، ونحن أهله وإن تصبهم سيئة، أي: بلاء وضيق وقحط يطيروا بموسى ومن معه، فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقوله المتطير لمن يتطير به. فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده فقال: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. قال ابن عباس: طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم. وفى رواية ذكرها ابن جرير عنه قال: الأمر من قبل الله، وفي رواية: شؤمهم عند الله ومن قبله، أي: إنما جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله. وقيل: المعنى أن الشؤم العظيم هو الذي عند الله من عذاب النار لا هذا الذي أصابهم في الدنيا. والظاهر أن هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٢، أي: أن الكل من الله لكن هذا الشؤم الذي أجراه عليهم من عنده هو بسبب أعمالهم لا بسبب موسى ﵇ ومن معه. وكيف يكون ذلك وما جاء به خير محض؟ والطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، أي: أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو فهموا أو عقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى ﵇ شيء يقتضي الطيرة. وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ألا إنمّا طائر آل فرعون وغيرهم - وذلك أنصباؤهم من الرخاء والخصب وغير ذلك من أنصباء الخير والشر - إلا عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك كذلك، فلجهلهم بذلك كانوا يتطيرون بموسى ومن معه. قال: وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ... ﴾ ٤ الآية. ش: المعنى والله أعلم، أي: حظكم وما نالكم من خير وشر معكم بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعداوتكم فطائر الباغي الظالم معه وهو عند الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ

стр. 383

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ١. ولو فقهوا أو فهموا لما تطيروا بما جئت به، لأنه ليس فيما جاء به الرسول ﷺ ما يقتضي الطيرة، كأنه خير محض لا شر فيه، وصلاح لا فساد فيه، وحكمة لا عيب فيها، ورحمة لا جور فيها. فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا، لأن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير المحض والحكمة والرحمة، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم وهو عند الله كسائر حظوظهم، وأنصبائهم التي ينالونها منه بأعمالهم. ويحتمل أن يكون المعنى ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ، أي: راجع عليكم، فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم، وهذا من باب القصاص في الكلام ونظيره قوله ﵇: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" ٢. ذكره ابن القيم. وقوله: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ٣ أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له قابلتمونا بهذا الكلام؟! وتوعدتمونا بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ ومطابقة الآيتين لمقصود الباب ظاهر، لأن الله تعالى لم يذكر الطير إلا عن أعدائه، فهو من أمر الجاهلية، لا من أمر الإسلام. [لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر] قال: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" ٤. أخرجاه. زاد مسلم عن جابر: "ولا نوء ولا غول" ٥. ش: قوله: (لا عدوى) . قال أبو السعادات: العدوى اسم من الأعداء كالدعوى والبقوى من الادعاء والإبقاء. يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء. وذلك أن يكون ببعير جرب مثلاً يتقي مخالطته بإبل أخرى حَذَار أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه. انتهى.

стр. 384

وفي بعض روايات هذا الحديث: "فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟ قال: فمن أعدى الأول" ١. وفي رواية في "مسلم" أن أبا هريرة كان يحدث بحديث: "لا عدوى" ويحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يورد ممرِض على مصِح" ٢. ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث "لا يورد ممرض على مصح" ٣ وأمسك عن حديث: "لا عدوى"، فراجعوه فيه، فقالوا: سمعناك تحدثه، فأبى أن يعترف به. قال أبو سلمة الراوي عن أبي هريرة: فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر. وقد روى حديث: "لا عدوى"، جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، والسائب بن يزيد وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة له لا يضر. وفي بعض روايات هذا الحديث: "وفر من المجذوم كما تفر من الأسد". وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا. فردت طائفة حديث: "لا عدوى"، بأن أبا هريرة رجع عنه. قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر فالمصير إليها أولى، وهذا ليس بشيء، لأن حديث: "لا عدوى"، قد رواه جماعة كما تقدم. وعكست طائفة هذا القول، ورجحوا حديث: "لا عدوى"، وزيفوا ما سواه من الأخبار، وأعلوا بعضها بالشذوذ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" ٤. وبأن عائشة أنكرته كما روى ابن جرير عنها: أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: "لا عدوى" ٥. وقال: "فمن أعدى الأول" ٦. قالت: وكان لي مولى به

стр. 385

هذا الداء، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي. وهذا أيضًا ليس بشيء، فإن الأحاديث في الاجتناب ثابتة. وحملت طائفة أخرى الإثبات والنفي على حالتين مختلفتين، فحيث جاء (لا عدوى) كان المخاطب بذلك من قوي يقينه، وصح توكله بحيث لا يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل واحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وهذا كما أن قوة الطبيعة تدفع العلة وتبطلها. وحيث جاء الإثبات كان المراد به ضعيف الإيمان والتوكل ذكره بعض أصحابنا واختاره وفيه نظر. وقال مالك لما سئل عن حديث "فر من المجذوم": ما سمعت فيه بكراهية وما أرى ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن شيء. ومعنى هذا أنه نفى العدوى أصلاً، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة، لئلا يحدث للمخاطب شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع. وإلى هذا ذهب أبو عبيد وابن جرير والطحاوي وذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد. قلت: وأحسن من هذا كله ما قاله البيهقي، وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم أن قوله: (لا عدوى) على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح مَنْ به شيء من هذه العيوب سببًا لحدوث ذلك. ولهذا قال: "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" وقال: "لا يورد ممرض على مصح". وقال في الطاعون: "من سمع به بأرض فلا يقدم عليه" ١. وكل ذلك بتقدير الله تعالى كما قال: "فمن أعدى الأول" ٢.

стр. 386

يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا يعدي شيء قالها ثلاثًا. فقال الأعرابي: يا رسول الله، النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها. فقال رسول الله ﷺ فمن أجرب الأول؟ لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها" , فأخبر ﵇ أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ١. وأما أمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك مما جرت العادة بأنه يهلك ويؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره. وأما إذا قوي التوكل على الله، والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي: "أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه" ٢. وقد أخذ

стр. 387

به الإمام أحمد. وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃. ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من أكل السم، ومن مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر قاله ابن رجب. قوله: "ولا طيرة"قال ابن القيم: هذا يحتمل أن يكون نفيًا أو يكون نهيًا، أي: لا تتطيروا، ولكن قوله في الحديث: "ولا عدوى ولا صفر ولا هامة" ١ يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها. والنفي في هذا أبلغ من النهي، لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله ﷺ : "ومنا أناس يتطيرون؟ فقال: ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدَّنَّكم" ٢. فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح ﷺ لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله ونزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد فقطع ﷺ علق الشرك من قلوبهم، لئلا يبقى فيها علق منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة. فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها. قال عكرمة: "كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح. فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا لا تصحبني انتهى. ملخصًا.

стр. 388

ولكن يشكل عليه ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس مرفوعًا: "لا طيرة، والطيرة على من تطير" فظاهر هذا أنها تكون سببًا لوقوع الشر بالمتطير. وجوابه: أن المراد بذلك من تطير تطيرًا منهيًّا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه حتى يمنعه مما يريده من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه عقوبة له، فأما من توكل على الله، ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاء، وقطعه عن الالتفات إلى غير الله. وقال: وفعل ما أمر به فإنه لا يضره ذلك. وأما من اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبًا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير به، فإنه كثيرًا ما يصاب بما يخشى به. وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة. منها: قوله ﵇: "الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار" ١. وفي رواية: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث ... ". الحديث وفي حديث آخر "إن كان ففي الفرس، والمرأة، والمسكن". رواهما البخاري فأنكرت عائشة ﵂ ذلك وقالت: "كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث بها ولكن رسول الله ﷺ كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه بمعناه. وقال الخطابي وابن قتيبة: هذا مستثنى من الطيرة، أي: الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه، ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم. وقالت طائفة: لم يجزم النبي ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة، بل

стр. 389

علقه على الشرط كما ثبت ذلك في الصحيح، ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد بمفردها، قالوا: والراوي غلط. قلت: لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدل على نفي رواية الجزم. وقالت طائفة أخرى: الشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها فيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه، قالوا: ويدل عليه حديث أنس: "الطيرة على من تطير". وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه، كما يجعل الثقة به والتوكل عليه، وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر. وقال ابن القيم: إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشئومة على من قاربها وسكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر. وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا مشئومًا يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها. فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها وحصول اليمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوسًا يتنحس بها من قاربها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قاربها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سببًا لألم من قاربها من الناس، والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا لون والطيرة الشركية لون. انتهى. قلت: ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ من شرها وشر ما جبلت عليه، وكذلك ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك

стр. 390

ولكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جار في كل مشئوم فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ وجوابه أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخصت بالذكر لذلك، ذكره في "شرح السنن". ومنها ما روى مالك عن يحيى بن سعيد قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال، فقال النبي ﷺ دعوها ذميمة" ١. رواه أبو داود عن أنس بنحوه. وجوابه أن هذا ليس من الطيرة المنهي عنها، بل أمرهم بالانتقال لأنهم استثقلوها واستوحشوا منها، لما لحقهم فيها ليتعجلوا الراحة مما دخلهم من الجزع، لأن الله قد جعل في غرائز الناس استثقال ما نالهم الشر فيه، وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يديه الخير لهم، وإن لم يردهم به، ولأن مقامهم فيها قد يقودهم إلى الطيرة، فيوقعهم ذلك في الشرك، والشر الذي يلحق المتطير بسبب طيرته، وهذا بمنْزلة الخارج من بلد الطاعون غير فار منه، ولو منع الناس الرحلة من الدار التي تتوالى عليهم فيها المصائب والمحن، وتعذر الأرزاق مع سلامة التوحيد في الرحلة، للزم كل من ضاق عليه رزق في بلد أو قلة فائدة صناعته أو تجارته فيها أن لا ينتقل عنها إلى غيرها. ومنها فإن قيل: ما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء حيث رخص في الارتحال عن الدار دون موضع البلاء؟ أجاب بعضهم أن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا يقع التطير منه إلا نادرًا، أو إلا مكررًا، فهذا لا يصغى إليه كنعي الغراب في السفر، وصراخ بومة في دار، وهذا كانت العرب تعتبره. ثانيها: ما يقع به ضرر، ولكنه يعم ولا يخص ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا لا يقدم عليه ولا يفر منه. وثالثها: سبب محض ولا يعم ويلحق به الضرر لطول الملازمة كالمرأة، والفرس والدار فيباح له الاستبدال، أو التوكل على الله، والإعراض عما يقع في النفس ذكره في "شرح السنن".
следующие страницы →