← Акыда

Акыда · id 2378

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

سليمان بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (700 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أن الله وصانا بهذه الوصايا لنعقلها عنه، ونعمل بها، كما قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١. وفي تفسير الطبري الحنفي: ذكر أولاً ﴿تَعْقِلُونَ﴾ ثم ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ ثم ﴿تَتَّقُونَ﴾ ؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا واتقوا المهالك. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٢. قال ابن عطية: هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ما يحسن؛ وهو التشمير والسعي في نمائه. قال مجاهد: ﴿التي هي أحسن﴾ : التجارة فيه، فمن كان من الناظرين، له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثَمَّر مال اليتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرهما، ومَن كان من الناظرين لا مال له، ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره، ـ وإلا دعت الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر ـ، فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف. قاله ابن زيد. وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . قال مالك وغيره: هو الرشد، وزوال السفه مع البلوغ. قال ابن عطية: وهو أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع. قلت: وقد روي نحوه عن زيد بن أسلم، والشعبي، وربيعة، وغيرهم، ويدل عليه قوله تعالى،: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٣. فاشترط تعالى للدفع إليهم ثلاثة شروط: الأول: ابتلاؤهم، وهو اختبارهم وامتحانهم بما يظهر به معرفتهم لمصالح أنفسهم وتدبير أموالهم. والثاني: البلوغ. والثالث: الرشد. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ٤. قال ابن كثير: يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد عليه في قوله: ﴿وَيْلٌ

стр. 37

لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان. وقال غيره: القسط: العدل. وقد روى الترمذي (١٢٤٠) ، وغيره بإسناد ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: "إنكم وليتم أمرًا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم" ٢. وروي عن ابن عباس موقوفًا بإسناد صحيح. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣. قال ابن كثير: أي: مَن اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده، فلا حرج عليه. وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب مرفوعًا: " ﴿أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ قال: مَن أوفى على يده في الكيل والميزان - والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما - لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها ". قال: هذا مرسل غريب. قلت: وفيه رد على القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٤. هذا أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد. قال الحنفي: العدل في القول في حق الولي والعدو، لا يتغير بالرضى والغضب، بل يكون على الحق والصدق، وإن كان ذا قربى فلا يميل إلى الحبيب، ولا إلى القريب ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٦. قال ابن جرير: يقول: وبوصية الله التي وصاكم بها فأوفوا وانقادوا لذلك، بأن تطيعوه فيما أمر به ونهاكم عنه، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله، وكذا قال غيره. قلت: وهو حسن، ولكن الظاهر أن الآية فيما هو أخص،

стр. 38

كالبيعة والذمة والأمان والنذر ونحو ذلك، وهذه الآية كقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ١. فهذا هو المقصود بالآية، وإن كانت شاملة، لما قالوا بطريق العموم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. يقول تعالى: هذا وصاكم وأمركم به وأكّد عليكم فيه ﴿لعلكم تذكرون﴾ ، أي: تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه. قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٣. ش: قال القرطبي: هذه آية عظيمة عطفها الله على ما تقدم، فإنه لما نهى وأمر، حذر عن اتباع غير سبيله، وأمر فيها باتباع طريقه على ما بينته الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. (وأن) في موضع نصب، أي: ﴿و﴾ اتلوا، ﴿أن هذا صراطي﴾ عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضًا، أي: ﴿وصاكم به ... و﴾ ب ﴿أن هذا صراطي﴾ . قال: و (الصراط) : الطريق الذي هو دين الإسلام. ﴿مستقيمًا﴾ ، نصب على الحال، ومعناه: مستويًا قويمًا لا اعوجاج فيه، فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد ﷺ وشرعه، ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق، فمَن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٤. أي: تميل. انتهى. وروى أحمد (٤١٤٣) ، والنسائي (١١١٧٥) ، والدارمي (١/٦٧) ، وابن أبي حاتم، والحاكم (٢/٣١٨) ، وصححه، عن ابن مسعود قال: " خط رسول الله ﷺ خطًا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .

стр. 39

وعن النواس بن سمعان مرفوعا قال: " ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداعٍ يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم "١ رواه أحمد (١٧٦٠٣) ، والترمذي (٣٠٣١) ، والنسائي، وابن جرير وابن أبي حاتم. وعن مجاهد في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ٢. قال: البدع والشبهات. رواه ابن جوير، وابن أبي حاتم. وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم، كما قال النبي ﷺ " مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "٣. وفي رواية: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " ٤. حديث صحيح. قال ابن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم والتنطّع والتعمّق والبدع، وعليكم بالعتيق. رواه الدارمي (١/٥٤) . قلت: العتيق هو القديم، يعني: ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه من الهدي، دون ما حدث بعدهم، فالهرب الهرب، والنجاء النجاء، والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، وهو الذي كان عليه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح، قاله القرطبي. وقال سهل بن عبد الله التّستري: عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ﷺ والاقتداء به

стр. 40

في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه. قلت: رحم الله سهلاً ما أصدق فراسته! فلقد كان ذلك وأعظم، وهو أن يكفر الإنسان بتجريد التوحيد والمتابعة، والأمر بإخلاص العباد لله، وترك عبادة ما سواه والأمر بطاعة رسول الله وتحكيمه في الدقيق والجليل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولنذكر في الصراط المستقيم قولاً وجيزًا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه، وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلاً لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلاً لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول ﷺ وهذا معنى قول بعض العارفين: إن السعادة كلها والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبة، وحسن معاملة. وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فأي شيء فسر به الصراط المستقيم، فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به، فقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيَّتُها وقطب رحاها. [الأمر بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به] قال: وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١.

стр. 41

هكذا أثبت في نسخة بخط شيخنا ولم يذكر الآية. قال ابن كثير: يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته. قلت: هذا أول أمر في القرآن، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١. وتأمل كيف أمر تعالى بعبادته، أي: فعلها خالصة له، ولم يخص بذلك نوعًا من أنواع العبادة، لا دعاء ولا صلاة ولا غيرهما، ليعم جميع أنواع العبادة، ونهى عن الشرك به، ولم يحض أيضًا نوعًا من أنواع العبادة بجواز الشرك فيه. ١- وفي هذه الآية واللواتي قبلها دليل على أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه، وإلا فكان المشركون يعبدون الله ويعبدون غيره، فأمروا بالتوحيد، وهو عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه. ٢- وفيهن دليل على أن التوحيد أول واجب على المكلف، وهو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله المستلزم لعبادته وحده لا شريك له، وأن مَن عبد غير الله بنوع من أنواع العبادة فقد أشرك، سواء كان المعبود ملكًا أو نبيًا أو صالحًا أو صنما. قال ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ ﴿تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، [الأنعام الآيات: ١٥١-١٥٣] . ابن مسعود هو: عبد الله بن مسعود بن غافل ـ بمعجمة وفاء ـ ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل من السابقين

стр. 42

الأولين وأهل بدر وبيعة الرضوان، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمرّه عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين. وهذا الأثر رواه الترمذي (٣٢٧٨) ، وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني (١٠٠٦٠) بنحوه، وروى أبو عبيد وعبد بن حميد عن الربيع بن خثيم نحوه. قال بعضهم ما معناه. أي: من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها، ثم طويت فلم تغير ولم تبدل، تشبيهًا لها بالكتاب الذي كتب ثم ختم عليه فلم يزد فيه ولم ينقص، لأن النبي ﷺ كتبها وختم عليها وأوصى بها، فإن النبي ﷺ لم يوص إلا بكتاب الله، كما قال فيما رواه مسلم (١٢١٨) : " وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله "١. قلت: وقد روى عبادة بن الصامت, قال: قال رسول الله ﷺ : " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ حتى فرغ من ثلاث آيات، ثم قال: من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه " رواه ابن أبي حاتم، والحاكم (٢/٣٧١) وصححه، فهدا يدل على أن النبي ﷺ يعتني بهن، ويبالغ في الحث على العمل بهن. [حق الله على العباد وحق العباد على الله] . وعن معاذ بن جبل قال: " كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال: لا تبشرهم فيتكلوا "٢. أخرجاه في "الصحيحين". هذا الحديث في "الصحيحين" وبعض رواياته نحو ما ذكر المصنف. ومعاذ هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن صحابي مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم

стр. 43

بالأحكام والقرآن ﵁، مات سنة ثمان عشرة بالشام. قوله: كنت رديف النبي ﷺ ، فيه جواز الإرداف على الدابة، وفضيلة لمعاذ من جهة ركوبه خلف النبي ﷺ . قوله: "على حمار"، في رواية اسمه: عفير بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة. قال ابن الصلاح: وهو الحمار الذي كان له ﷺ . قيل: إنه مات في حجة الوداع، وفيه تواضعه ﷺ للإرداف ولركوب الحمار، خلاف ما عليه أهل الكبر. قوله: " أتدري ما حق الله على العباد"؟ الدراية هي المعرفة وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها، ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه ﷺ . وحق الله على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتمًا. وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة، لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده، ووعده حق، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، [آل عمران، من الآية٩، والرّعد، من الآية: ٣١] . وقال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ولكن أهل السنة يقولون: هو الذي ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ، [الأنعام، من الآية: ١٢] ، وأوجب هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه القدرية والجبرية أتباع جهم والقدرية النافية.

стр. 44

قوله:"فقلت: الله ورسوله أعلم ". فيه حسن أدب المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك، بخلاف أكثر المتكلفين. قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" أي: يوحدوه بالعبادة وحده ولا يشركوا به شيئًا. وفائدة هذه الجملة: ١- بيان أن التجرد من الشرك لا بدّ منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيا بعبادة الله بل مشرك، وهذا هو معنى قول المصنف: إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه. ٢- وفيه معرفة حق الله على العباد، وهو عبادته وحده لا شريك له. فيا مَنْ حق سيده الإقبال عليه، والتوجه بقلبه إليه، لقد صانك وشرفك عن إذلال قلبك ووجهك لغيره، فما هذه الإساءة القبيحة في معاملته مع هذا التشريف والصيانة! فهو يعظمك ويدعوك إلى الإقبال وأنت تأبى إلا مبارزته بقبائح الأفعال. في بعض الآثار الإلهية: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي. وكيف يعبده حق عبادته مَنْ صرف سؤاله ودعاؤه وتذلله واضطراره وخوفه ورجاءه وتوكله وإنابته وذبحه ونذره لمن لا يملك لنفسه ﴿ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ ، [الفرقان، من الآية: ٣] ، ولا ﴿مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ، [الفرقان، من الآية: ٣] ، من ميت رميم في التراب، أو بناء مشيد من القباب، فضلاً مما هو شر من ذلك. قوله: "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" قال الخلخالي: تقديره: أن لا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئًا والعبادة هي الإتيان بالأوامر، والانتهاء عن المناهي، لأن مجرد عدم الإشراك لا يقتضي نفي العذاب، وقد علم ذلك من القرآن والأحاديث الواردة في تهديد الظالمين والعصاة. وقال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك، لأنه يستدعي التوحيد

стр. 45

بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، إذ مَنْ كذب رسول الله، فقد كذب الله، ومَنْ كذب الله، فهو مشرك، وهو مثل قول القائل: من توضأ صحت صلاته، أي: مع سائر الشروط، فالمراد: من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به. قلت: وسيأتي تقرير هذا في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. قوله:"أفلا أبشر الناس"، فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار، بمثل هذا نبه عليه المصنف. قوله: قال: " لا تبشرهم فيتكلوا"، وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا"، أي: يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة. وفي رواية: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا، أي: تحرجًا من الإثم. قال الوزير أبو المظفر [بن هبيرة] : لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس ـ الذين إذا سمعوا بمثل هذا ازدادوا في الطاعة، ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة ـ فلا وجه لكتمانها عنهم. وقال الحافظ: دل هذا على أن النهي للتبشير ليس على التحريم، وإلا لما أخبر به أصلاً، أو أنه ظهر له أن المنع إنما هو من الأخبار عمومًا، فبادر قبل موته فأخبر بها خاصًا من الناس وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم: ١- التنبيه على عظمة حق الوالدين. ٢-وتحريم عقوقهما. ٣-والحث على إخلاص العبادة لله تعالى. ٤- وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمى عبادة شرعًا. ٥-والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات في سورة الأنعام، ذكره المصنف. ٦-وجواز كتمان العلم للمصلحة، ولا سيما أحاديث الرجاء التي إذا سمعها الجهال ازدادوا من الآثام.

стр. 46

كما قال بعض: فأكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم. ٧-وتخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. ٨-وفضيلة معاذ، ومنْزلته من العلم، لكونه خص بما ذكر. ٩-واستئذان المتعلم في إشاعة ما خص به من العلم. ١٠-والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. ١١-وأن الصحابة لا يعرفون مثل هذا إلا بتعليمه ﷺ ذكره المصنف. قوله: أخرجاه في "الصحيحين" أي: أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" وإنما أضمرهما للعلم بهما. والبخاري هو: الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي مولاهم، الحافظ الكبير صاحب "الصحيح"، و "التاريخ"، و "الأدب المفرد" وغير ذلك من مصنفاته. روى عن الإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وابن المديني وطبقتهم. وروى عنه مسلم والترمذي، والنسائي، والفربري، راوي "الصحيح" وغيرهم. ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ومات سنة ست وخمسين ومائتين. ومسلم هو: ابن الحجاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري صاحب "الصحيح"، و "العلل"، و"الوحدان" وغير ذلك روى عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، وطبقتهم. روى عنه الترمذي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان. راوي "الصحيح" وغيرهم. ولد سنة أربع ومائتين، ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمه الله تعالى.

стр. 47

[م٢ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب] باب: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا باب بيان فضل التوحيد، وبيان ما يكفر من الذنوب، و " ما " يجوز أن تكون

стр. 48

موصولة، أي: وبيان ما يكفره من الذنوب. ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وبيان تكفيره الذنوب، وهذا أرجح، لأن الأول يوهم أن ثم ذنوبًا لا يكفرها التوحيد، وليس بمراد، ولما ذكر معنى التوحيد، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب ترغيبًا فيه وتحذيرًا من الضد. وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١. قال بعض الحنفية في تفسيره: هذا ابتداء. قال [عبد الرّحمن] ابن زيد وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه. قال الزجاج: سأل إبراهيم وأجاب بنفسه. وعن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: فأينا لم يظلم؟ قال ﵇: " ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ". [البخاري ٣٦٣٦] وكذا عن أبي بكر الصديق أنه فسره بالشرك، فيكون الأمن من تأييد العذاب. وعن عمر أنه فسره بالذنب، فيكون الأمن من كل عذاب. وقال الحسن والكلبي: ﴿أولئك لهم الأمن﴾ في الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ في الدنيا. انتهى. وإنما ذكرته، لأن فيه شاهدًا لكلام شيخ الإسلام الآتي في الحديث الذي ذكره حديث صحيح في "الصحيح" [البخاري ٣٦٣٦] ، و"المسند" [٣٥٨٨] ، وغيرهما. وفي لفظ لأحمد عن عبد الله [بن مسعود] قال: " لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٢ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون "، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:. يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم إنما هو الشرك ". قال شيخ الإسلام: والذي شق عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد لنفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبيّن لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانهم بهذا الظلم، فمن لم يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان من

стр. 49

أهل الاصطفاء في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ١. وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب، كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ٢ وقد سأل أبو بكر ﵁ النبي ﷺ عن ذلك فقال: " يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال: " يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به " ٣. فبيَّن أن المؤمن الذي إذا مات دخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه، قال: فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة، يعني: الظلم الذي هو الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلم نفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء، بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، ليس مراد النبي ﷺ بقوله: " إنما هو الشرك " أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف، لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة. وقوله: "إنما هو الشرك"، إن أراد به الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله، فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وهو مهتد إلى ذلك، وإن كان مراده جنس الشرك فيقال: ظلم العبد نفسه، كبخله - لحب المال - ببعض الواجب وهو شرك أصغر، وحبه ما يبغض الله حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا فاته من

стр. 50

الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار. انتهى ملخصًا. وبه تظهر مطابقة الآية للترجمة، فدلت على فضل التوحيد وتكفيره للذنوب، لأن من أتى به تامًا فله الأمن التام والاهتداء التام، ودخل الجنة بلا عذاب، ومَن أتى به ناقصًا بالذنوب التي لم يتب منها، فإن كانت صغائر كفرت باجتناب الكبائر، لآية (النّساء: ٣١) ، و (النّجم: ٣٢) وإن كانت كبائر فهو في حكم المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، ومآله إلى الجنة، والله أعلم. عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " ١ أخرجاه. عبادة هو ابن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، أحد النقباء بدري مشهور من جلة الصحابة، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون سنة. وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله "، أي: من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، كما دل عليه قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع. وفي الحديث ما يدل على هذا، وهو قوله: " من شهد "، إذ كيف يشهد وهو لا يعلم، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. قال بعضهم: أداة الحصر لقصر الصفة على الموصوف قصر إفراد، لأن معناه: الألوهية في الله الواحد في مقابلة من يزعم اشتراك غيره معه،

стр. 51

وليس قصر قلب، لأن أحدًا من الكفار لم ينفها عن الله، وإنما أشرك معه غيره. وقال النووي: هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع ـ أو من أجمع ـ الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه ﷺ جمع فيه ما يخرج عن ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر ﷺ في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم. انتهى. ومعنى " لا إله إلا الله"، أي: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. فصح أن معنى الإله هو المعبود، ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣. وقال قوم هود: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤. وهو إنما دعاهم إلى " لا إله إلا الله "، فهذا هو معنى لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وهو الكفر بالطاغوت، وإيمان بالله. فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلهًا وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا. وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي أو يستشهد من ليس أهلاً لذلك، ويدع مَنْ هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد، المفتي فلان، والشاهد فلان، فإن هذا أمر منه ونهي. وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تأله

стр. 52

القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفراد الله تعالى بها، كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك ولو نطق بـ: لا إله إلا الله، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص. ذكر نصوص العلماء في معنى الإله، قال ابن عباس ﵁: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال الوزير أبو المظفر [بن هبيرة] في "الإفصاح"، قوله: " شهادة أن لا إله إلا الله "، يقتضي أن يكون الشاهد عالمًا بأن: لا إله إلا الله، كما قال: الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١. وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدًا فيها، فقد قال الله ما أوضح به أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالمًا بما شهد به، فإنه غير بالغ من الصدق به مع من شهد من ذلك بما يعلمه في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. قال: واسم الله تعالى مرتفع بعد " إلا " من حيث إنه الواجب له الإلهية. فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما فيه أمارة للحدث، فإنه لا يكون إلهًا، فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فيلزمك إفراده سبحانه بذلك وحده. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية، وأثبت الإيجاب لله سبحانه، كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. وقال أبو عبد الله القرطبي في" التفسير": ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، أي. لا معبود إلا هو. وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - اسم يقع على كل معبود بحق أو بباطل، ثم غلب على المعبود بحق.

стр. 53

وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع. وقال أيضا في (لا إله إلا الله) : إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته، ففيها إثبات إحسانه إلى العباد. فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. وقال ابن القيم ﵀: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وإنابة وإكرامًا وتعظيمًا وذلاً وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلاً. وقال ابن رجب ﵀: - الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً ومحبة، وخوفًا ورجاء، وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك. وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. وقال الطيبي: الإله فِعَالٌ بِمعنى: مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة، أي: عبد عبادة. وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود، خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو

стр. 54

فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله، كدعاء الأموات، والاستغاثة بهم في الكربات، وسؤالهم قضاء الحاجات، والنذر لهم في الملمات، وسؤالهم الشفاعة عند رب الأرض والسموات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات، وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات، فليهن أبو جهل وأبو لهب ومن تبعهما بحكم عباد القبور، وليهن أيضًا إخوانُهم عباد ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، إذ جعل هؤلاء دينهم هو الإسلام المبرور. ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال، لم يكن بين الرسول ﷺ وبينهم نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابته، ويلبون دعوته، إذ يقول لهم: قولوا: لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا قادر على الاختراع إلا الله. فكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ ... ﴾ ٣ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. لكنَ القومَ أهلُ اللسان العربي، فعلموا أنها تهدم عليهم دعاء الأموات والأصنام من الأساس، وتكب بناء سؤال الشفاعة من غير الله، وصرف الإلهية لغيره لأم الرأس، فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤. ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥. ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٦. فتبًا لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بـ: " لا إله إلا الله ". قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٧. فعرفوا أنها تقتضي ترك عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بالعبادة، وهكذا يقول عباد القبور إذا طلبت منهم إخلاص الدعوة والعبادة لله وحده: أنترك سادتنا وشُفعاءنا في

стр. 55

قضاء حوائجنا؟! فيقال لهم: نعم وهذا الترك والإخلاص هو الحق، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١. فـ: " لا إله إلا الله " اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سواه من الملائكة والأنبياء فضلاً عن غيرهم، فليس بإله، ولا له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره، أي: لا يقصده بشيء من التأله وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة، كالدعاء والذبح والنذر وغير ذلك وبالجملة فلا يأله إلا الله، أي: لا يعبد إلا هو، فمن قال هذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها، من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به، فهذا هو المسلم حقًا، فإن عمل به ظاهرًا من غير اعتقاد، فهو المنافق، وإن عمل بخلافها من الشرك، فهو الكافر ولو قالها، ألا ترى أن المنافقين يعملون بها ظاهرًا وهم ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾ ، [النّساء، من الآية: ١٤٥] ، واليهود يقولونها وهم على ما هم عليه من الشرك والكفر، فلم تنفعهم، وكذلك من ارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها، فإنها لا تنفعه، ولو قالها مائة ألف، فكذلك من يقولها ممن يصرف أنواع العبادة لغير الله، كعباد القبور والأصنام، فلا تنفعهم ولا يدخلون في الحديث الذي جاء في فضلها، وما أشبهه من الأحاديث. وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: " وحده لا شريك له "، تنبيهًا على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك، كاليهود والمنافقين وعباد القبور، لما رأوا أن النبي ﷺ دعا قومه إلى قول: " لا إله إلا الله "، ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط، وهذا جهل عظيم، وهو ﵇ إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها، ويتركوا عبادة غير الله، ولهذا قالوا: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢. وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ ٣. فلهذا أبوا عن النطق بها، وإلا فلو قالوها

стр. 56

وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة لم يكونوا مسلمين، ولقاتلهم ﵇ حتى يخلعوا الأنداد، ويتركوا عبادتها، ويعبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع. وأما عبادة القبور فلم يعرفوا معنى هذه الكلمة، ولا عرفوا الإلهية المنفية عن غير الله الثابتة له وحده لا شريك له، بل لم يعرفوا من معناها إلا ما أقرّ به المؤمن والكافر، اجتمع عليه الخلق كلهم من أن معناها: لا قادر على الاختراع، أو أن معناها: الإله، هو الغني عما سواه، الفقير إليه كل ما عداه، ونحو ذلك، فهذا حق، وهو من لوازم الإلهية، ولكن ليس هو المراد بمعنى: " لا إله إلا الله "، فإن هذا القدر قد عرفه الكفار، وأقروا به، ولم يدعوا في آلهتهم شيئًا من ذلك، بل يقرون بفقرهم، وحاجتهم إلى الله، وإنما كانوا يعبدونهم على معنى أنهم وسائط وشفعاء عند الله في تحصيل المطالب ونجاح المآرب، وإلا فقد سلموا الخلق والملك والرزق والإحياء والإماتة، والأمر كله لله وحده لا شريك له، وقد عرفوا معنى: " لا إله إلا الله "، وأبوا على النطق والعمل بها، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في الإلهية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١.وعباد القبور نطقوا بها وجهلوا معناها، وأبوا عن الإتيان به، فصاروا كاليهود الذين يقولونها ولا يعرفون معناها، ولا يعملون به، فتجد أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بالحب والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل والدعاء عند الكرب، ويقصده بأنواع العبادة الصادرة عن تأله قلبه لغير الله مما هو أعظم مما يفعله المشركون الأولون، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الإيمان صادقًا أو كاذبًا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظم في قلبه من رب الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة

стр. 57

القسامة التي وقعت في الجاهلية، وهي في "صحيح البخاري [٣٨٤٥] ". وكثير منهم وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره أنفع وأنجح من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكايات عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين، وكلهم إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب، وهتفوا بأسمائهم، ودعوهم ليكشفوا ضر المصاب في البر والبحر والسفر والإياب، وهذا أمر ما فعله الأولون، بل هم في هذه الحال يخلصون ل ﴿الكبير المتعال﴾ ، فاقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢.وكثير منهم قد عطلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، أخذ في دعاء صاحبه باكيًا خاشعًا ذليلاً خاضعًا، بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيام الليل وإدبار الصلوات، فيسألونهم مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب والنجاة من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظن عاقل ـ فضلاً عن عالم ـ أن التلفظ بـ: " لا إله إلا الله " مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم؟! ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضًا بشهادة أن محمدا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج، ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئًا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه. وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب " الدر الثمين في شرح المرشد المعين [ميارة] " من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا؟ لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين.

стр. 58

فإن قيل: قد تبين معنى الإله والإلهية، فما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلاً. الثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقًا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حق وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع، فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية. قوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله"، أي: وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله، فتكون الشهادة واقعة على هذه الجملة وما قبلها وما بعدها، فإن العامل في المعطوف وما عطف عليه واحد، ومعنى " العبد" هنا يعني المملوك العابد، أي: مملوك لله تعالى، وليس له من الربوبية والإلهية شيء، إنما هو عبد مقرب عند الله ورسوله، أرسله الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ١.قيل: وقدم العبد هنا على الرسول ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى، وجمع بينهما لدفع الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن عيسى ﵇، وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " ٢ رواه البخاري عن عمر بن الخطاب. وذلك يتضمن تصديقه فيما

стр. 59

أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، فلا يكون كامل الشهادة له بالرسالة من ترك أمره وأطاع غيره، وارتكب نهيه. [تفسير قوله تعالى وروح منه] . قوله: " وإن عيسى عبد الله ورسوله"، وفي رواية "وابن أمته"، أي: خلافًا لما يعتقده النصارى أنه الله، أو ابن الله، تعالى الله عن ذلك ﴿علوًا كبيرا﴾ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ فيشهد بأنه عبد الله، أي: عابد مملوك لله، لا مالك، فليس له من الربوبية ولا من الإلهية شيء. ورسول صادق، خلافًا لقول اليهود: إنه ولد بغي، بل يقال فيه ما قال عن نفسه كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٣ قال القرطبي: ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم. قوله: " ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ "، إنما سمي ﵇ كلمة الله، لصدوره بكلمة ﴿كن﴾ بلا أب. قاله قتادة وغيره من السلف. قال الإمام أحمد فيما أملاه في الرد على الجهمية: الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: ﴿كن﴾ فكان عيسى بـ ﴿كن﴾ ، وليس عيسى هو كن، ولكن ب: كن كان، فـ: كن من الله قول، وليس: كن، مخلوقًا، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته، إلا أن الكلمة مخلوقة. وقالت النصارى، عيسى روح الله من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب. وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليسى عيسى هو الكلمة. انتهى. يعني به ما قال قتادة وغيره.

стр. 60

قوله: " ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ، [النّساء، من الآية: ١٧١] ، قال ابن كثير: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها في روحه بإذن ربه ، فكان عيسى بإذن الله ، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها، بمنزلة لقاح الأب الأم، والجميع مخلوق لله . ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبرائيل ﵇. قوله: ﴿وروح منه﴾ قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ١، بعثه الله إلى مريم فدخل مَن فيها. رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" [٢١٢٤] وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم. وقال أبو روق [عطية بن الحارث] ﴿وروح منه﴾ ، أي: نفخة منه، إذ هي من جبرائيل بأمره، وسمي روحًا، لأنه حدث من نفخة جبرائيل ﵇. وقال الإمام أحمد: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٢ يقول: من أمره. وقال شيخ الإسلام: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره المخلوقات، وجب أن يكون صفة لله تعالى، قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإن كان المضاف عينًا قائمة بنفسها، كعيسى وجبرائيل ﵇ وأرواح بني آدم، امتنع أن يكون صفة لله تعالى، لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما: أن تكون تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماه الله، وأرض الله، ومن هذا الباب، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله، وجميع البيوت والنوق لله.

стр. 61

الوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال عن مال الفيء والخمس: هو مال الله ورسوله، ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه. انتهى ملخصًا. والمقصود منه أن إضافة روح إلى الله هو من الوجه الثاني، والله أعلم. قوله: "والجنة حق والنار حق" أي: وشهد أن الجنة ـ التي أخبر بها الله في كتابه أنه أعدها لمن آمن به وبرسوله حق، أي: ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار ـ التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها للكافرين به وبرسله حق كذلك، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢.وفيهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: لا يخلقان إلا في يوم القيامة، وفيه دليل على المعاد وحشر الأجساد. قوله:"أدخله الله الجنة على ما كان، من العمل"، هذه الجملة جواب الشرط وفي رواية: " أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية " قال القاضي عياض: وما ورد في حديث عبادة يكون خصوصا لمن قال ما ذكره ﷺ وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة. [فضل من قال لا إله إلا الله] قال: ولهما من حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". قوله: ولهما، أي للبخاري [٤٢٥] ن ومسلم [٢٦٣] في "صحيحيهما".

стр. 62

وهذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان كما قال المصنف. وعتبان - بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة - ابن مالك بن عمر بن العجلان الأنصاري من بني سالم بن عوف صحابي شهير، مات في خلافة معاوية. قوله: "فإن الله حرم على النار. الحديث". اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار، كهذا الحديث، وحديث أنس قال: كان النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: "يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال. "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، إلا حرمه على النار." قال: يا رسول الله ألا أخبر بها الناس فيستبشروا.؟ قال: "إذًا يتكلوا" ١. فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا. أخرجاه. ولمسلم عن عبادة مرفوعًا: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار." ٢ ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، وليس فيها أنه يحرم على النار. منها حديث عبادة الذي تقدم قبل هذا، وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي ﷺ : في غزوة تبوك ... الحديث. وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍّ فيحجب عن الجنة" ٣ رواه مسلم. وحديث أبي ذر في " الصحيحين " مرفوعًا: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ... " ٤.وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن

стр. 63

حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحًا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدًا أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: - سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١. وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلاً، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذًا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبًا إلا يُمحى كما يُمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلاً، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به

стр. 64

على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصًا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في

стр. 65

القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرًا قبل منه، ومن قال شرًا وعمل شرًا لم يقبل منه. وقال بكر بن عبد الله المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه. فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبًا وسيئات، وكان صادقًا في قولها موقنًا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرًا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرًا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرًا على سيئة أصلاً أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فَقَوْلُها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصًا. وقد ذكر معناه غيره كابن القيم، وابن رجب، والمنذري، والقاضي عياض، وغيرهم. وحاصله: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع. ولهذا قيل للحسن إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقال وهب بن منبه، لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح.

стр. 66

ويدل على ذلك أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وكذلك النبي ﷺ كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب: "أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" ١. وفي " المسند " عن بشر بن [معبد] بن الخصاصية قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين، فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: "فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟! "قلت: يا رسول الله أبايعك عليهن كلهن" ٢ ففي الحديث: أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد، والصلاة، والحج، والصيام. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وبالعكس. وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصًا لله تعالى. [فضل لا إله إلا الله ورجحانها في الميزان] قال: وعن أبي سعيد الخدري عن رسول ﷺ قال: "قال موسى: يارب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضون السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" رواه ابن حبان، والحاكم وصححه. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، وأبوه أيضًا كذلك، استصغر أبو سعيد بأحد، ثم شهد ما بعدها، مات بالمدينة سنة ـ ثلاث أو أربع أو خمس ـ وستين. وقيل: أربع وسبعين.

стр. 67

قوله: (أذكرك) . هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنا أذكرك. وقيل: بل هو صفة، وأدعوك معطوف عليه، أي: أثني عليك وأحمدك به، وأدعوك، أي: أتوسل به إليك إذا دعوتك. قوله: "قل يا موسى: لا إله إلا الله". فيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ولا يقتصر على لفظ الجلالة كما يفعله جهال المتصوفة، ولا يقول أيضًا: هو كما يقوله غلاة جهالهم، فإذا أرادوا الدعاء قالوا: يا هو، فإن ذلك بدعة وضلالة. وقد صنف جهالهم في المسألتين، وصنف ابن عربي كتابًا سماه بـ: "الهو". قوله: "كل عبادك يقولون هذا"، هكذا ثبت في المصنف، يقولون بالجمع مراعاة لمعنى كل، والذي في الأصول: (يقول) بالإفراد مراعاة للفظها دون معناها، لكن قد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو هذا الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف أطول منه. وفي " سنن النسائي [١٠٦٧٠] " و " الحاكم " و " شرح السنة [١٢٧٣] " بعد قوله: (كل عبدك يقولون هذا) وإنما أريد أن تخصني به"، أي: بذلك الشيء من بين عموم عبادك فإن من طبع الإنسان أن لا يفرح فرحا شديدًا إلا بشيء يختص به دون غيره، كما إذا كانت عنده جوهرة ليست موجودة عند غيره. مع أن من رحمة الله وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة، كان أكثر وجودًا، كالبر والملح، والماء ونحو ذلك دون الياقوت واللؤلؤ، ولما كان بالناس ـ بل بالعالم كله ـ من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية في الضرورة فوقه كانت أكثر الأذكار وجودًا، وأيسرها حصولاً، وأعظمها معنى. والعوام والجهال يعدلون عنها إلى الأسماء الغريبة،

стр. 68

والدعوات المبتدعة التي لا أصل لها في الكتاب والسنة كالأحزاب والأوراد التي ابتدعها جهلة المتصوفة. قوله: "وعامرهن غيري"، هو بالنصب عطف على السماوات، أي: لو أن السماوات السبع ـ ومن فيهم من العمار غير الله والأرضين السبع ومن فيهن ـ وضعوا في كفة الميزان، ولا إله إلا الله في الكفة الأخرى، مالت بهن لا إله إلا الله. وروى الإمام أحمد [٦٥٨٠] عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أن نوحًا ﵇ قال لابنه عند موته: " آمرك بـ: " لا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله ". وفيه دليل على أن الله تعالى فوق السماوات. قوله: (في كفة) بكسر الكاف وتشديد الفاء من كفة الميزان. قال بعضهم: ويطلق لكل مستدير. قوله: "مالت بهن لا إله إلا الله"، أي: رجحت عليهن، وذلك لما اشتملت عليه من توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال، وأساس الملة، ورأس الدين، فمن قالها بإخلاص ويقين، وعمل بمقتضاها ولوازمها، واستقام على ذلك، فهو من ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٦٢] ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ١. والحديث يدل على أن: " لا إله إلا الله " أفضل الذكر، كما في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير

стр. 69

ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" ١. رواه أحمد والترمذي. وعنه أيضًا مرفوعًا: "يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة، فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة". رواه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الذهبي في "تلخيصه": صحيح. قال ابن القيم: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. قال: تأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات، فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا قط إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر" ٢ رواه الترمذي وحسنه والنسائي، والحاكم وقال: على شرط مسلم. قوله: (رواه ابن حبان، والحاكم) . (ابن حبان) : اسمه محمد بن حبان -بكسر المهملة وتشديد الموحدة- بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي الحافظ صاحب التصانيف كـ " الصحيح "

стр. 70

و " التاريخ " و " الضعفاء " و " الثقات " وغير ذلك. قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة بمدينة بست بالمهملة. وأما الحاكم، فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد الضبي النيسابوري أبو عبد الله الحافظ، ويعرف بابن البيِّع. ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وصنف التصانيف كـ " المستدرك " و " تاريخ نيسابور " وغيرهما، مات سنة خمس وأربعمائة. [بيان سعة مغفرة الله تعالى] قال: وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة " ١. الترمذي، اسمه: محمد بن عيسى بن سورة - بفتح المهملة - ابن موسى ابن الضحاك السلمي أبو عيسى صاحب " الجامع " وأحد الأئمة الحفاظ، كان ضرير البصر. روى عن قتيبة وهناد والبخاري وخلق، ومات سنة تسع وسبعين ومائتين. وأنس هو: ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ فقال: " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " ٢ ومات سنة اثنتين ـ وقيل: ثلاث ـ وتسعين. وقد جاوز المائة. والحديث قطعة من حديث رواه الترمذي من طريق كثير بن فائد: حدثنا سعيد بن عبيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدثنا أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض.... " ٣ الحديث.

стр. 71

قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به. وسعيد بن عبيد: هو الْهُنَائِي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد مرفوعًا. قال ابن رجب: وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا، وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ . وروى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: " يقول الله: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا" ١ الحديث. وفيه: "ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئًا لقيته بقرابها مغفرة" ٢. قوله: " لو أتيتني بقراب الأرض ". قراب الأرض، بضم القاف، وقيل بكسرها، والضم أشهر، وهو ملؤها أو ما يقارب ملءها. قوله: " ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا ". شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو القلب السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٣. قال ابن رجب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالاً ومهابة وخشية وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن

стр. 72

هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات. وقال شيخ الإسلام: الشرك نوعان: أكبر، وأصغر، فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر، وجبت له النار، ومن خلص من الأكبر، وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه، دخل الجنة، فإن تلك الحسنات توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر، ومن خلص من الأكبر، ولكن كثر الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار، فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر أو كان كثيرًا أصغر، والأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به. وفي هذه الأحاديث: ١-كثرة ثواب التوحيد. ٢-وسعة كرم الله، وجوده ورحمته، حيث وعد عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد فإنه يقابله بالمغفرة الواسعة التي تسع ذنوبه. ٣-والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يقولون بالمنْزلة بين المنزلتين وهي منْزلة الفاسق، فيقولون: ليس بمؤمن ولا كافر ويخلد في النار والصواب في ذلك قول أهل السنة أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان على الإطلاق، ولا يعطاه على الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاصٍ أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. وقال المصنف: ١-تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين.٢- وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على معنى قول لا إله إلا الله. ٣- وفيه التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه. ٤-وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: "إن الله حرم

стр. 73

على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ١. إذا ترك الشرك، ليس قولها باللسان. انتهى ملخصًا.

стр. 74

[م٣- باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب] أي: ولا عذاب. وتحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام بها علمًا وعملاً، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلاً، ودعاء وإخلاصًا وإجلالاً وهيبة، وتعظيمًا وعبادة. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود. وما أحسن ما قال ابن القيم: فلِواحِدٍ كن واحدًا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. قوله: وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبًا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇. الأولى: أنه ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ، أي: قدوة وإمامًا معلمًا للخير، وإمامًا يقتدى به. روي معناه عن ابن مسعود. وما كان كذلك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين اللذين بهما تنال الإمامة في الدين.

стр. 75

كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١. الثانية: أنه كان ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ ، أي: خاشعًا مطيعًا، دائمًا على عبادته وطاعته كما قال شيخ الإسلام: القنوت في اللغة: دوام الطاعة. والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت في ذلك كله. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٢ فجعله قانتًا في حال السجود والقيام. انتهى. فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه أولاً علمًا وعملاً. وثانيا: دعوة وتعليمًا واقتداء به، وما كان يقتدى به إلا لعمله به في نفسه، ووصفه في الثانية بالاستقامة على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فتضمنت العلم والعمل والاستقامة والدعوة. الدعوة الثالثة: أنه كان حنيفًا، والحنف الميل، أي: مائلاً منحرفًا قصدًا عن الشرك كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥. الرابعة: أنه ما كان من المشركين. أي: هو موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا، فنفى عنه الشرك ـ على أبلغ وجوه النفي، بحيث لا ينسب إليه شرك وإن قل ـ، تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇. وقال المصنف في الكلام على هذه الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ٦، لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ ٧، لا للملوك ولا للتجار المترفين ﴿حَنِيفاً﴾ لا يميل يمينًا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٨ خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. قلت: وهو من
следующие страницы →