قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به.
وسعيد بن عبيد: هو الْهُنَائِي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد مرفوعًا.
قال ابن رجب: وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا، وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ . وروى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: " يقول الله: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا" ١ الحديث. وفيه: "ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئًا لقيته بقرابها مغفرة" ٢.
قوله: " لو أتيتني بقراب الأرض ". قراب الأرض، بضم القاف، وقيل بكسرها، والضم أشهر، وهو ملؤها أو ما يقارب ملءها.
قوله: " ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا ". شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله، وذلك هو القلب السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٣.
قال ابن رجب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالاً ومهابة وخشية وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن
стр. 72
هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات.
وقال شيخ الإسلام: الشرك نوعان: أكبر، وأصغر، فمن خلص منهما
وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر، وجبت له النار، ومن خلص من الأكبر، وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه، دخل الجنة، فإن تلك الحسنات توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر، ومن خلص من الأكبر، ولكن كثر الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار، فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر أو كان كثيرًا أصغر، والأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به.
وفي هذه الأحاديث: ١-كثرة ثواب التوحيد. ٢-وسعة كرم الله، وجوده ورحمته، حيث وعد عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد فإنه يقابله بالمغفرة الواسعة التي تسع ذنوبه. ٣-والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يقولون بالمنْزلة بين المنزلتين وهي منْزلة الفاسق، فيقولون: ليس بمؤمن ولا كافر ويخلد في النار والصواب في ذلك قول أهل السنة أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان على الإطلاق، ولا يعطاه على الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاصٍ أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وقال المصنف: ١-تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين.٢- وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على معنى قول لا إله إلا الله. ٣- وفيه التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه. ٤-وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: "إن الله حرم
стр. 73
على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ١. إذا ترك الشرك، ليس قولها باللسان. انتهى ملخصًا.
стр. 74
[م٣- باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]
أي: ولا عذاب. وتحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام بها علمًا وعملاً، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلاً، ودعاء وإخلاصًا وإجلالاً وهيبة، وتعظيمًا وعبادة. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود.
وما أحسن ما قال ابن القيم:
فلِواحِدٍ كن واحدًا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
قوله: وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبًا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇.
الأولى: أنه ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ، أي: قدوة وإمامًا معلمًا للخير، وإمامًا يقتدى به. روي معناه عن ابن مسعود. وما كان كذلك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين اللذين بهما تنال الإمامة في الدين.
стр. 75
كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١.
الثانية: أنه كان ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ ، أي: خاشعًا مطيعًا، دائمًا على عبادته وطاعته كما قال شيخ الإسلام: القنوت في اللغة: دوام الطاعة. والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت في ذلك كله. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٢ فجعله قانتًا في حال السجود والقيام. انتهى.
فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه أولاً علمًا وعملاً. وثانيا: دعوة وتعليمًا واقتداء به، وما كان يقتدى به إلا لعمله به في نفسه، ووصفه في الثانية بالاستقامة على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فتضمنت العلم والعمل والاستقامة والدعوة.
الدعوة الثالثة: أنه كان حنيفًا، والحنف الميل، أي: مائلاً منحرفًا قصدًا عن الشرك كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
الرابعة: أنه ما كان من المشركين. أي: هو موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا، فنفى عنه الشرك ـ على أبلغ وجوه النفي، بحيث لا ينسب إليه شرك وإن قل ـ، تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇.
وقال المصنف في الكلام على هذه الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ٦، لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ ٧، لا للملوك ولا للتجار المترفين ﴿حَنِيفاً﴾ لا يميل يمينًا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٨ خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. قلت: وهو من
стр. 76
أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، لكنه ينبه بالأدنى على الأعلى.
وقوله: لئلا يستوحش. تنبيه على بعض معنى الآية، وهو المنفرد وحده في الخير. وقد روى يابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا﴾ ١، كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتا﴾ ٢، ولا تنافي بينه وبين كلام ابن مسعود المتقدم.
قوله: وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الجنات بصفات، أعظمها الثناء عليهم بأنهم ﴿بربهم لا يشركون﴾ ، أي: شيئا من الشرك في وقت من الأوقات فإن الإيمان النافع مطلقًا لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقًا. ولما كان المؤمن قد يعرض له ما يقدح في إيمانه من شرك جلي أو خفي، نفى عنهم ذلك، ومن كان كذلك فقد بلغ من تحقيق التوحيد النهاية، وفاز بأعظم التجارة، ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
قال ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد، لم يتخذ ﴿صاحبة ولا ولدًا﴾ وأنه لا نظير له.
[صفات المتوكلين الذين يدخلون الجنة بغير حساب]
قال عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم، قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "٥.فقال: قد أحسن من انتهى إِلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل
стр. 77
والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منْزله فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال. سبقك بها عكاشة ".
ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرًا ومطولاً. ومسلم واللفظ له، والترمذي، والنسائي.
قوله: (عن حصين بن عبد الرحمن) ، هو: السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة، تغير حفظه في الآخر، مات سنة ست وثلاثين ومائه، وله ثلاث وتسعون سنة. وسعيد بن جبير هو الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة، وأبي موسى مرسلة، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين.
قوله: (انقض) هو بالقاف والضاد المعجمة، أي: سقط. والبارحة هي أقرب ليلة مضت. قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهكذا قال غيره، وهي مشتقة من برح: إذا زال.
قوله: (أما إني لم أكن في صلاة) . القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه ما رأى النجم إلا لأنه يصلي، فأراد أن ينفي عن نفسه إيهام العبادة، وأنه يصلي مع أنه لم يكن فعل ذلك، وهذا يدل
стр. 78
على فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص، وشدة ابتعادهم عن الرياء بخلاف من يقول: فعلت وفعلت ليوهم الأغمار أنه من الأولياء، وربما علق السبحة في عنقه، أو أخذها في يده يمشي بها بين الناس إعلامًا للناس أنه يسبح عدد ما فيها من الخرز.
وقد قال الإمام محمد بن وضاح: حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة [معها تسبيح] تسبح به فقطعه وألقاها، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد جئتم ببدعة ظلمًا، أو: لقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علمًا؟!.
قوله: (ولكني لُدغْتُ) . هو بضم أوله وكسر ثانيه مبني لما لم يسم فاعله، أي: لدغته عقرب أو نحوها.
قوله: (قلت: ارتقيت) ، لفظ مسلم: استرقيت، أي: طلبت من يرقيني
قوله: (فما حمله على ذلك؟) ، فيه طلب الحجة على صحة المذهب.
قوله: (حديث حدثناه الشعبي) ، أي: حملني عليه حديث حدثناه الشعبي، واسمه عامر بن شرحبيل الهمداني - بسكون الميم - الشعبي، ولد في خلافة عمر وهو من ثقات التابعين وحفاظهم وفقهائهم، مات سنة ثلاثة ومائة.
قوله: (عن بريدة) - بضم أوله وفتح ثانيه - تصغير بردة - بن الحصيب - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين - ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي، صحابي شهير. مات سنة ثلاث وستين. قاله ابن سعد.
قوله: " لا رقية إلا من عين أو حمة "١. هكذا روي هنا موقوفًا، وقد رواه أحمد وابن ماجة عنه مرفوعًا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعًا. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات.
стр. 79
والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه، والحمة - بضم المهملة وتخفيف الميم - سم العقرب وشبهها.
قال الخطابي: ومعنى الحديث: "لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة" وقد رقى النبي ﷺ ورقي ". قلت: وسيأتي ما يتعلق بالرقى إن شاء الله تعالى.
قوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) ، أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن، لأنه أدى ما وجب وعمل بما بلغه من العلم، بخلاف من يعمل بجهل أو لا يعمل بما يعلم فإنه مسيء آثم
وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم، وإرشادهم من أخذ بشيء - إن كان مشروعًا - إلى ما هو أفضل منه، وأن من عمل بما بلغه عن الله وعن رسوله فقد أحسن، ولا يتوقف العمل به على معرفة كلام أهل المذاهب أو غيرهم.
قوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) . هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم النبي ﷺ دعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ١. فكان كذلك. قال عمر: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد"، أي: ما بلغ عشره في العلم، مات بالطائف سنة ثمان وستين.
قال المصنف: فيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن ... كذا وكذا، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
قوله: (عرضت على الأمم) . وفي رواية الترمذي والنسائي من رواية عَبْثَر بن القاسم، عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري بالنبي ﷺ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد.
قال الحافظ: فإن كان ذلك محفوظًا، كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد
стр. 80
الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا غير الذي وقع بمكة، كذا قال، وليس بظاهر، بل قد يكون رأى ذلك ليلة الإسراء ولم يحدث به إلا في المدينة. وليس في الحديث ما يدل على أنه حدث به قريبًا من العرض عليه.
قوله: (فرأيت النبي ومعه الرهط) : هو الجماعة دون العشرة، قاله النووي.
قوله: (والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد) . فيه أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن بعضهم لا يتبعه أحد، وفيه الرد على من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصور فيهم، وليس كذلك، بل الواجب اتباع الكتاب والسنة مع من كان وأين كان.
قوله: (إذ رفع لي سواد عظيم) . السواد: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص الذي يرى من بعيد، أي: رفع لي أشخاص كثيرة.
قوله: فظننت أنهم أمتي. استشكل الإسماعيلي كونه ﷺ لم يعرف أمته حتى ظن أنهم أمة موسى ﵇ ; وقد ثبت حديث أبي هريرة: "كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ فقال: إنهم غر محجلون من أثر الوضوء" ١.
وأجاب بأن الأشخاص التي رآها في الأفق لا يدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم. وأما ما في حديث أبي هريرة فمحمول على ما إذا قربوا منه، ذكره الحافظ.
قوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) ، أي: موسى بن عمران، كليم الرحمن، وقومه: الذين اتبعوه وفيه فضيلة موسى وقومه.
قوله: (فنظرت فإذا سواد عظيم) . لفظ مسلم ـ بعد قوله: هذا موسى وقومه ـ، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك.
قوله: (ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب) ، أي: لتحقيقهم التوحيد.
стр. 81
قال الحافظ: المراد بالمعية المعنوية، فإن السبعين ألفًا المذكورين من جملة أمته، لكن لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك، فأريد الزيادة في تكثير أمته بإضافة السبعين ألفًا إليهم. قلت: وما قاله ليس بظاهر
فإن في رواية ابن فضيل: "ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفًا". وقد ورد في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وصف السبعين ألفًا بأنهم تضيء وجوهم إضاءة القمر ليلة البدر.
وفيهما عنه مرفوعًا: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة " ١. وجاء في أحاديث أخر أن مع السبعين ألفًا زيادة عليهم، فروى أحمد والبيهقي في البعث حديث أبي هريرة في السبعين ألفًا فذكره وزاد. قال: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا " ٢. قال الحافظ: وسنده جيد.
وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند [ابن] أبي عاصم قال: فهذه طرق يقوي بعضها بعضًا. قال: وجاء في أحاديث أخر أكثر من ذلك، فأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي أمامة رفعه " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين كذا ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي " ٣.
وروى أحمد وأبو يعلى من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا " ٤.قال الحافظ: وفي سنده راويان: أحدهما: ضعيف الحفظ والآخر لم يسمّ) .
قلت: وفيه أن كل أمة تحشر مع نبيها.
قوله: (ثم نهض) ، أي: قام.
стр. 82
قوله: (فخاض الناس في أولئك) . قال النووي هو بالخاء والضاد المعجمتين، أي: تكلموا وتناظروا.
قال: وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق.
وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعملٍ، وفيه حرصهم على الخير; ذكره المصنف.
قوله: فقال " هم الذين لا يسترقون ". هكذا ثبت في "الصحيحين" وفي رواية مسلم التي ساقها المصنف هنا زيادة: "ولا يرقون"، وكأن المصنف اختصرها ـ كغيرها ـ لما قيل: إنها معلولة.
قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ : لا يرقون، لأن الراقي محسن إلى أخيه. وقد قال ﷺ وقد سئل عن الرقى ـ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" ١ وقال: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا" ٢. قال: وأيضا فقد "رقى جبريل النبي ﷺ "، "ورقى النبي ﷺ أصحابه" ٣.
قال: والفرق بين الراقي والمسترقي في أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. قال: وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون. وكذا قال ابن القيم; ولكن اعترضه بعضهم بأن قال: تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه.
والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المرقى، لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال: والذي يفعل به غيره ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة؛ لأنّه في مقام التشريع، وتبيين الأحكام كذا قال هذا القائل وهو خطأ من وجوه:
الأول: أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح حملها عليها كقول بعضهم: المراد لا يرقون بما كان شركًا أو
стр. 83
احتمله فإنه ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلا. وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيره; فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا.
الثاني: قوله: (فكذا يقال ... ) إلخ لا يصح هذا القياس، فإنه من أفسد القياس وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟! مع أنه قياس مع وجود الفارق الشرعي، فهو فاسد الاعتبار، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" ١. رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم أيضًا. وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببًا للسبق إلى الجنان؟! وهذا بخلاف من رقى أو رقي من غير سؤال، فقد رقى جبريل النبي ﷺ . ولا يجوز أن يقال: إنه ﵇ لم يكن متوكلاً في تلك الحال.
الثالث: قوله: (ليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ ... ) إلخ، كلام غير صحيح بل هما سيدا المتوكلين، فإذا وقع ذلك منهما، دل على أنه لا ينافي التوكل فاعلم ذلك.
قوله: "ولا يكتوون"، أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم استسلامًا للقضاء وتلذذًا بالبلاء.
أما الكي في نفسه، فجائز كما في " الصحيح " عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ بعث إلي أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه" ٢. وفي " صحيح البخاري " عن أنس: "أنه كوي من ذات الجنب والنبي ﷺ حي" ٣.
وروى الترمذي وغيره عن أنس: "أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" ٤. وفي " صحيح البخاري "عن ابن عباس مرفوعًا: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار. وأنا أنهى عن الكي" ٥. وفي لفظ: "وما أحب أن أكتوي" ٦.
стр. 84
قال ابن القيم: فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع. أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهية.
قوله: "ولا يتطيرون"، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي بيان الطيرة وما يتعلق بها في بابها إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعلى ربهم يتوكلون"١. ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد، ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء، والرضى به ربًا وإلهًا، والرضى بقضائه، بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء، وعده من النعماء، فسبحان من يتفضل على من يشاء بما يشاء، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ، [البقرة، من الآية: ١٠٥] .
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢، أي: كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببا مكروهًا، لاسيما والمريض ـ يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه ـ بخيط العنكبوت أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا؟ في " الصحيحين "
стр. 85
عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" ١.
وعن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تَدَاوَوا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء، غير داء واحد قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" ٢. رواه أحمد.
قال ابن القيم: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطشى والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزًا.
وقد اختلف العلماء في التداوي، هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟ فالمشهور عن أحمد الأول لهذا الحديث وما في معناه،
ولكن على ما تقدم لا يتم الاستدلال به على ذلك، والمشهور عند الشافعي الثاني، حتى ذكر النووي في " شرح مسلم " أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف. واختاره الوزير أبو المظفر.
قال: ومذهب أبو حنيفة أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه.
وقال شيخ الإسلام: ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد.
قوله: (فقام إليه عكاشة بن محصن) . بضم العين وتشديد الكاف
стр. 86
ويجوز تخفيفها. ومحصن بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الصاد المهملتين - ابن حرثان- بضم المهملة وسكون الراء وبعدها مثلثة- الأسدي من بني أسد بن خزيمة ومنه خلفاء بني أمية، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال - هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها. قال ابن إسحاق: وبلغني أن النبي ﷺ قال:- "خير فارس في العرب عكاشة". ومناقبه مشهورة استشهد في قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد بيدي طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم أسلم طليحة بعد ذلك.
قوله: "قال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم"١. في رواية البخاري: فقال: (اللهم اجعله منهم) . وكذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري مثله. وفي بعض الروايات: "أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم" ٢. قال الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولاً، فدعا له ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبره. وفيه طلب الدعاء من الفاضل.
قوله: (ثم قام إليه رجل آخر) . لم نقف على تسميته إلا في طريق واهية ذكرها الخطيب في "المبهمات" من رواية أبي حذيفة إسحاق بن بشر ـ أحد الضعفاء ـ من طريقين له عن مجاهد أن رسول الله ﷺ لما انصرف من غزاة بني المصطلق ... ، فساق قصة طويلة فيها ذلك. قال الحافظ: وهذا مع ضعفه وإرساله يستبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة، فإن كان محفوظًا، فلعله آخر باسم سيد الخزرج واسم أبيه، فإن في الصحابة كذلك آخر له في " مسند بقي بن مخلد " وفي الصحابة سعد بن عمارة فلعل اسم أبيه تحرف.
قوله: "سبقك بها عكاشة"٣. قال ابن بطال: معنى قوله سبقك. أي: إلى إحراز هذه الصفات، وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه، وعدل ـ عن قوله: لست منهم، أو لست على أخلاقهم ـ تلطفًا بأصحابه، وحسن أدب معهم. وقال القرطبي: لم يكن عند الثاني
стр. 87
من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجب؛ إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرًا فيتسلسل الأمر، فسدَّ الباب بقوله ذلك، وهذا أولى من قول من قال: كان منافقًا لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.
والثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ . وكيف يصدر ذلك من منافق؟!
قلت: هذا أولى ما قيل في تأويله، وإليه مال شيخ الإسلام. قال المصنف: وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه ﷺ .
стр. 88
[م٤ باب الخوف من الشرك]
ش: لما كان الشرك أعظم ذنب عُصِيَ الله به، ولهذا رتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه; نبه المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن أقع فيه". رواه البخاري. وذلك أن من لم يعرف إلا الخير قد يأتيه الشر ولا يعرف أنه شر فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكره كما ينكره الذي عرفه، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية ".
قال شيخ الإسلام: وهو كما قال عمر، فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله، ومن نشأ في المعروف، فلم يعرف غيره، فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند مَنْ عَلِمَهُ، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم; ولهذا يوجد [في] الخبير بالشر وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز
стр. 89
عنه والجهاد لهم ما ليس عند غيره، ولهذا كان الصحابة أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقُبْح حال الكفر والمعاصي.
قال: وقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ، أي: ﴿لا يَغْفِرُ﴾ لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ، أي: من الذنوب ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ من عباده.
قلت: فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره، أي: إلا بالتوبة منه، وما عداه، فهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء غفره بلا توبة وإن شاء عذب به. وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من هذا الذنب الذي هذا شأنه عند الله، وإنما كان كذلك؟ ١-لأنه أقبح القبح وأظلم الظلم إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢. ٢-ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر منافٍ له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك. فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة، كما قال ﷺ "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" ٣ رواه مسلم.
ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق ـ تعالى وتقدس ـ في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده. فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ﴿ضرًا ولا نفعًا ولا ... موتًا ولا حياة ولا نشورًا﴾ [الفرقان]_ فضلاً عن غيره ـ شبيهًا بمن ﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾
стр. 90
كله، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كله وبيده الخير كله، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ . فَأَزِمَّة الأمور كلها بيديه سبحانه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس ﴿رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات القادر الغني بالذات، ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستعانة وغاية الحب مع غاية الذل، كل ذلك يجب عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل شيئًا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ، فهذا معنى كلام ابن القيم.
وفي الآية رد على الخوارج المكفِّرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يدخلون النار ولا بد، ولا يخرجون منها، وهم أصحاب المنْزلة بين المنْزلتين. ووجه ذلك أن الله تعالى جعل مغفرة ما دون الشرك معلقة بالمشيئة، ولا يجوز أن يحمل هذا على التأكيد، فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ١. فهنا عمم وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق؛ لأن المراد به ما لم يتب. قاله شيخ الإسلام.
قوله: وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٢.
(الصنم) : ما كان منحوتًا على صورة البشر. والوثن: ما كان منحوتًا على غير ذلك. ذكره الطبري عن مجاهد. والظاهر أن الصنم ما كان مصورًا على أي صورة، والوثن بخلافه كالحجر والبينة، وإن
стр. 91
كان الوثن قد يطلق على الصنم، ذكر معناه غير واحد، ويروى عن بعض السلف ما يدل عليه. وقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ ، أي: اجعلني ﴿وَبَنِيَّ﴾ في جانب عن عبادة الأصنام، وباعد بيني وبينها. قيل: وأراد بذلك بنيه وبناته من صلبه، ولم يذكر البنات لدخولهم تبعا في البنين، وقد استجاب الله دعاءه وجعل بنيه أنبياء وجنبهم عبادة الأصنام، وإنما دعا إبراهيم ﵇ بذلك، لأن كثيرًا من الناس افتتنوا بها، كما قال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١. فخاف من ذلك ودعا الله أن يعافيه وبنيه من عبادتها، فإذا كان إبراهيم ﵇ يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ كما قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن من البلاء بعد إبراهيم؟! رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك، لا كما يقول الجهال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ولهذا أمنوا الشرك فوقعوا فيه، وهذا وجه مناسبة الآية للترجمة.
[بيان أن الرياء من الشرك الأصغر]
قال: وفي الحديث "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء" ٢.
ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث مختصرًا غير معزوّ، وقد رواه الإمام أحمد والطبراني، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في " الزهد" ; وهذا لفظ أحمد قال: حدثنا يونس، ثنا ليث عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" ٣.
قال المنذري: ومحمود بن لبيد رأى النبي ﷺ ولم يصح له منه سماع فيما أرى. وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة. قال: وقال أبي: لا تعرف له صحبة، ورجح ابن عبد البر والحافظ أن له صحبة وقال: جل روايته عن الصحابة. وقد
стр. 92
رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع. مات محمود سنة ست وتسعين. وقيل: سنة سبع، وله تسع وتسعون سنة. قوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" ١. هذا من رحمته ﷺ لأمته وشفقته عليهم، وتحذيره مما يخاف عليهم، فإنه ما من خير إلا دلهم عليه وأمر به، وما من شر إلا وأخبرهم به وحذرهم عنه. كما قال ﷺ فيما صح عنه: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" ٢. ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنْزلة في قلوب الخلق إلا من سلم الله، كان هذا أخوف ما يخاف على الصالحين، لقوة الداعي إلى ذلك، والمعصوم مَنْ عَصَمَهُ الله، وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر، فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، ولهذا يكون. الإلقاء في النار أسهل عندهم من الكفر. وإما ضعيف، هذا مع العافية، وإما مع البلاء، ف ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . فلذلك صار خوفه ﷺ على أصحابه من الرياء أشد لقوة الداعي وكثرته، دون الشرك الأكبر لما تقدم، مع أنه أخبر أنه لا بد من وقوع عبادة الأوثان في أمته، فدل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر، إذا كان الأصغر مخوفًا على الصالحين من الصحابة مع كمال إيمانهم، فينبغي للإنسان أن يخاف الأكبر لنقصان إيمانه ومعرفته بالله، فهذا وجه إيراد المصنف له هنا مع أن الترجمة تشمل النوعين.
قال المصنف: وفيه أن الرياء من الشرك، وأنه من الأصغر، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، وفيه قرب الجنة والنار، والجمع بين قربهما في حديث واحد على عمل واحد متقارب في الصورة.
стр. 93
قال: وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار" ١. رواه البخاري.
ش: قال ابن القيم: (الند) : الشبه، يقال: فلان ند فلان ونديده، أي: مثله وشبهه انتهى. وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٣.
أي: من مات وهو يدع لله ندًا، أي: يجعل لله ندًا فيما يختص به تعالى ويستحقه من الربوبية والإلهية، دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله تعالى هو المستحق للعبادة لذاته، لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر إليه، مقهور بالعبودية له، تجري عليه أقداره وأحكامه ﴿طوعًا وكرهًا﴾ ، فكيف يصلح أن يكون ندًا؟ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الأِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ٤. وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٦. فبطل أن يكون له نديد من خلقه، تعالى عن ذلك ﴿علوًا كبيرًا﴾ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧.
واعلم أن دعاء الند على قسمين: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الأكبر. والأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك. فقد ثبت "أن النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" ٨. رواه أحمد وابن أبي شيبة، والبخاري في " الأدب المفرد " والنسائي، وابن ماجة، وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد.
стр. 94
[من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار]
قال: ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ١.
ش: جابر: هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام ـ بمهملتين ـ الأنصاري ثم السلمي بفتحتين، صحابي جليل مكثر، ابن صحابي، له ولأبيه مناقب مشهورة ﵄. مات بالمدينة بعد السبعين، ـ وقد كف بصره ـ وله أربع وتسعون سنة.
قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا". قال القرطبي: أي: من لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة. ومن المعلوم ـ من الشرع المجمع عليه عند أهل السنة ـ أن من مات على ذلك، فلا بد له من دخول الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين.
وقال النووي: أما دخول المشرك إلى النار، فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة من المرتدين والمعطلين، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولاً، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها، فهو تحت المشيئة، فإن عفا عنه دخل الجنة أولاً، وإلا عذب في النار ثم أخرج فيدخل الجنة.
وقال غيره: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله، فقد كذب الله، ومن كذب الله، فهو مشرك، وهو قولك: من توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشروط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع
стр. 95
ما يجب الإيمان به إجمالاً في الإجمالي، وتفصيلاً في التفصيلي.
قلت: قد تقدم بعض ما يتعلق بذلك في باب فضل التوحيد.
قال المصنف: وفيه تفسير لا إله إلا الله، كما ذكره البخاري في "صحيحه" يعني أن معنى لا إله إلا الله: ترك الشرك، وإفراد الله بالعبادة، والبراءة ممن عبد سواه، كما بينه الحديث، وفيه فضيلة من سلم من الشرك.
стр. 96
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله
...
[م٥ باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله]
ش: لما بين المصنف ﵀ الأمر الذي خلقت له الخليقة وفضله وهو التوحيد، وذكر الخوف من ضده الذي هو الشرك، وأنه يوجب لصاحبه الخلود في النار، نبّه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه كما يظن الجهال; ويقولون: اعمل بالحق واترك الناس وما يعنيك من الناس، بل يدعو إلى الله ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ والمجادلة ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، كما كان ذلك شأن المرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين، وكما جرى للمصنف وأشباهه من أهل العلم والدين والصبر واليقين.
وإذا أراد الدعوة إلى ذلك، فليبدأ بالدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى شهادة أن: لا إله إلا الله، إذ لا تصح الأعمال إلا به، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد، لم ينفع العمل، بل هو حابط، إذ لا تصح العبادة مع الشرك، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ١. ولأن معرفة معنى هذه الشهادة هو أول واجب على العباد، فكان أول ما يبدأ به في الدعوة.
قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ٢.
ش: قال ابن كثير: يقول تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له أن يخبر
стр. 97
الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان ـ هو وكل من اتبعه ـ يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة وبرهان عقلي شرعي.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ . أي: وأنزه الله وأجل وأعظم عن أن يكون له شريك ونديد، ﵎ عن ذلك ﴿علوًا كبيرًا﴾ . قلت: فتبين وجه المطابقة بين الآية والترجمة. قيل: ويظهر ذلك إذا كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطفًا على الضمير في ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله تعالى، وإن كان عطفًا على الضمير المنفصل، فهو صريح في أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون من عداهم، والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين، فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون إلى الله.
وفي الآية مسائل نبه عليها المصنف:
منها: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا ولو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه.
ومنها: أن البصيرة من الفرائض، ووجه ذلك أن اتباعه ﷺ واجب، وليس اتباعه حقًا إلا
أهل البصيرة، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه، فتعين أن البصيرة من الفرائض.
ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنْزيه لله عن المسبة.
ومنها: أن من أقبح الشرك كونه مسبة لله.
ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير معهم ولو لم يشرك، وكل هذه الثلاث في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ ... ﴾ الآية.
[وصية الرسول لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن]
قال: وعن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" ١.
وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم
стр. 98
أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة; فإن أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم: واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه.
ش: قوله: "لما بعث معاذًا إلى اليمن". قال الحافظ: كان ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي ﷺ كما ذكره المصنف - يعني البخاري - في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك. رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه. ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها; واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول. قلت: الظاهر أنه كان واليًا قاضيًا.
قوله: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب) .
قال القرطبي: يعني به اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب، وإنما نبهه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم، ويعد الأدلة لامتحانهم، لأنهم أهل علم سابق، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان.
وقال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها، ثم ذكر معنى كلام القرطبي. قلت: وفيه أن مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل، والتنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة في دينه، لئلا يبتلى بمن يورد عليه شبهة من علماء المشركين، ففيه التنبيه على الاحتراز من الشبه، والحرص على طلب العلم.
قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". يجوز رفع "أول " مع نصب " شهادة " وبالعكس.
قوله: وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله"، هذه الرواية في التوحيد من " صحيح البخاري " وفي بعض الروايات: "فادعهم
стр. 99
إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ١. وفي بعضها وأن محمدًا رسول الله وأكثر الروايات فيها ذكر الدعوة إلى الشهادتين.
وأشار المصنف ﵀ بإيراد هذه الرواية إلى التنبيه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، إذ معناها توحيد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه. فلذلك جاء الحديث مرة بلفظ "شهادة أن لا إله إلا الله" ومرة "إلى أن يوحدوا الله". ومرة "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات" ٢. وذلك هو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله الذي قال الله فيه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ٣.
ومعنى الكفر بالطاغوت: هو خلع الأنداد والآلهة ـ التي تدعى من دون الله ـ من القلب، وترك الشرك بها رأسًا، وبغضه وعداوته.
ومعنى الإيمان بالله: هو إفراده بالعبادة التي تتضمن غاية الحب بغاية الذل والانقياد لأمره، وهذا هو الإيمان بالله المستلزم للإيمان بالرسل ﵈، المستلزم لإخلاص العبادة لله تعالى، وذلك هو توحيد الله تعالى ودينه الحق المستلزم للعلم النافع، والعمل الصالح، وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وحقيقة المعرفة بالله، وحقيقة عبادته وحده لا شريك له.
فلله ما أفقه من روى هذا الحديث بهذه الألفاظ المختلفة لفظًا المتفقة معنى! فعرفوا أن المراد من شهادة أن لا إله إلا الله هو الإقرار بها علمًا ونطقًا وعملاً، خلافًا لما يظنه بعض الجهال أن المراد من هذه الكلمة هو مجرد النطق بها، أو الإقرار بوجود الله أو ملكه لكل شيء من غير شريك، فإن هذا القدر قد عرفه عباد الأوثان وأقروا به، فضلاً عن أهل الكتاب، ولو كان كذلك لم يحتاجوا إلى الدعوة إليه.
وفيه دليل على أن التوحيد ـ الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه ـ هو أول واجب، فلهذا كان أول ما
стр. 100
دعت إليه الرسل ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ﵀: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، والمباح دمه وماله معصومَ الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه، فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه، فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان، وفيه البداءة في الدعوة والتعليم بالأهم فالأهم، واستدل به من قال من العلماء: إنه لا يشترط في صحة الإسلام النطق بالتبري من كل دين يخالف دين الإسلام، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك ... ، وفي ذلك تفصيل.
وفيه: أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين. قال شيخ الإسلام: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها.
قلت: هذا ـ والله أعلم ـ فيمن لا يقر بهما أو بإحداهما، أما من كُفْرُهُ مع الإقرار بهما ... ففيه بحث، والظاهر أن إسلامه هو توبته عما كفر به.
وفيه أن الإنسان قد يكون قارئًا عالمًا وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، أو يعرفه ولا يعمل به، نبه عليه المصنف.
وقال بعضهم: هذا الذي أمر به النبي ﷺ معاذًا، هو الدعوة قبل القتال التي كان يوصي بها النبي ﷺ أمراءه.
قلت: فعلى هذا فيه استحباب الدعوة قبل القتال لمن بلغته الدعوة، أما من لم تبلغه فتجب دعوته.
стр. 101
قوله: (فإن هم أطاعوك لذلك) ، أي: شهدوا وانقادوا لذلك.
قوله: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) ، فيه أن الصلاة ـ بعد التوحيد والإقرار بالرسالة ـ أعظم الواجبات وأحبها، واستُدِلَ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع؛ حيث دعاهم أولًا إلى التوحيد فقط، ثم دعوا إلى العمل ورتب ذلك عليها بالفاء، وأيضًا فإن قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم"، يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لم يجب عليهم شيء.
قال النووي: وهذا الاستدلال ضعيف، فإن المراد أعلمهم بأنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، قال: ثم اعلم أن المختار أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين.
قلت: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ١ الآيات.
وفيه دليل على أن الوتر ليس بفرض إذ لو كان فرضًا لكان صلاة سادسة لا سيما وهذا في آخر الأمر.
قوله: "فإن هم أطاعوك" لذلك، أي: آمنوا بأن الله افترضها عليهم وفعلوها.
قوله: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وأنها تؤخذ من الأغنياء، وتصرف إلى الفقراء، وإنما خص النبي ﷺ الفقراء بالذكر ـ مع أنها تدفع إلى المجاهد والعامل ونحوهما وإن كانوا أغنياء ـ؛ لأن الفقراء - والله أعلم - هم أكثر من تدفع إليهم، أو لأن حقهم آكد. وفيه أن الإمام هو الذي يتولى قبض
стр. 102
الزكاة وصرفها إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع عن أدائها إليه أخذت منه قهرًا.
قيل: وفيه دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد كما هو مذهب مالك وأحمد. وعلى ما تقدم لا يكون فيه دليل. وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا كافر، وأن الفقير لا زكاة عليه، وأن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًا وقابله بالفقير. ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه فهو غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثني، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما هو قول الجمهور لعموم قوله: من أغنيائهم.
قوله: "فإياك وكرائمَ أموالهم"١ هو بنصب كرائم على التحذير، والكرائم جمع كريمة، أي: نفيسة. قال صاحب " المطالع [ابن قلقل] ". وهي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة، أو كثرة لحم وصوف. ذكره النووي. وفيه أنه يحرم على العامل أخذ كرائم المال في الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على صاحب المال إخراج شر المال، بل يخرج: الوسط، فإن طابت نفسه بإخراج الكريمة جاز.
قوله: "واتق دعوة المظلوم" أي: احذر دعوة المظلوم واجعل بينك وبينهم وقاية بفعل العدل وترك الظلم، لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه
تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم إشارة إلى أن أخذها ظلم، ذكره الحافظ.
قوله: فإنه- أي الشأن - ليس بينها وبين الله حجاب. أي: لا تحجب عن الله تعالى، بل ترفع إليه فيقبلها وإن كان عاصيًا، كما في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه" ٢. وإسناده حسن، قاله
стр. 103
الحافظ.
وقال أبو بكر بن العربي: هذا وإن كان مطلقًا، فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له [في الآخرة] أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قيد مطلق قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ١. بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ ٢.وفي الحديث أيضا قبول خبر الواحد العدل ووجوب العمل به، وأن الإمام يبعث العمال لجباية الزكاة وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله، ويعلمهم ما يحتاجون إليه، وينهاهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته والتنبيه على التعليم بالتدريج، ذكره المصنف.
واعلم أنه لم يذكر في هذا الحديث ونحوه الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم، فأشكل ذلك على كثير من العلماء.
قال شيخ الإسلام: أجاب بعض الناس أن الرواة اختصر بعضهم الحديث وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة، لأن هذا إنما يقع في الحديث الواحد مثل حديث عبد القيس ـ حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره ـ. فأما الحديثان المنفصلان، فليس الأمر فيهما كذلك، ولكن عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتان. ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث إنما جاء في الأحاديث المتأخرة. قلت: وهذا من الأحاديث المتأخرة ولم يذكر فيها الجواب.
الثاني: أنه كان ﷺ يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة الصلاة والصيام إن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل فرض الحج، كما في حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه.
стр. 104
وأما الصلاة والزكاة، فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما، لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم، فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن عليه الناس، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة: ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم وأن يأكل سرًا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، بخلاف الصلاة والزكاة، وهو ﷺ يذكر في الإعلام الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها، ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصيام، وإن كان واجبًا كما في آيتي (براءة١١) فإن (براءة) نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس.
وكذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصيام؛ ـ لأنه تبع وهو باطن ـ ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة. انتهى ملخصًا بمعناه
قوله: أخرجاه، أي: أخرجه البخاري [٤٣٤٧] ومسلم [١٩] في " الصحيحين " وأخرجه أيضًا أحمد [٢٠٧٠] وأبو داود [١٥٨٤] والترمذي [٦٢٩] والنسائي [٢٢٨٤] وابن ماجة [١٧٨٤] .
إعطاء الرسول الراية لعلي بن أبي طالب يوم خيبر.
قال: ولهما عن سهل بن سعد: "أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله; يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ وكلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه، ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجَع، فأعطاه الراية. وقال: انفذ على رسلك حتى تنْزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" ١. يدوكون أي: يخوضون.
стр. 105
ش: قال شيخ الإسلام: هذا الحديث أصح ما روي لعلي ﵁ من الفضائل أخرجاه في " الصحيحين " من غير وجه.
قوله: (عن سهل) . هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضًا. مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة.
قوله: (قال يوم خيبر) ، أي: في غزوة خيبر. في " الصحيحين " واللفظ لمسلم عن سلمة بن الأكوع قال: "كان علي ﵁ قد تخلف عن النبي ﷺ في خيبر، وكان رمدًا، فقال: أنا تخلفت عن رسول الله ﷺ فخرج علي ﵁ فلحق بالنبي ﷺ فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها" قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية، أو ليأخذن بالراية غدًا رجل يحبه الله ورسوله أو قال: يحب الله ورسوله يفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه. فقالوا: هذا علي: فأعطاه رسول الله ﷺ الراية، ففتح الله عليه" ١. وهذا يبين أن عليًا ﵁ لم يشهد أول خيبر، وأنه ﵇ قال هذه المقالة مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها.
قوله: "لأعطين الراية". قال الحافظ في رواية بريدة: "إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله" ٢. والراية بمعنى اللواء، وهو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر. وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما، لكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. ومثله عند الطبراني عن بريدة، وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو ظاهر في التغاير فلعل التفرقة بينهما عرفية.
стр. 106
قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁ لأن النبي ﷺ شهد له بذلك، ولكن ليس هذا من خصائصه. قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصًا بعلي ولا بالأئمة، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذي يتبرؤون منه ولا يتولونه، بل لقد يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج. لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، لكن هذا باطل فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم أنه يموت كافرًا. وفيه إثبات صفة المحبة لله، وفيه إشارة إلى أن عليًا تام الاتباع لرسول الله ﷺ حتى أحبه الله، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق ذكره. الحافظ بمعناه.
قوله: "يفتح الله على يديه". صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه، فكان الأمر كذلك، ففيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله.
قوله: (فبات الناس يدوكون ليلتهم) ، هو بنصب " ليلتهم " على الظرفية، ويدوكون. قال المصنف: يخوضون. والمراد أنهم باتوا تلك الليلة في خوض واختلاف فيمن يدفعها إليه، وفيه حرص الصحابة على الخير ومزيد اهتمامهم به، وذلك يدل على علو مراتبهم في العلم والإيمان.
قوله: أيهم يعطاها. فهو برفع " أي " على البناء.
قوله: "فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها" ١. وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: "أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ".
فإن قلت: إن كانت هذه الفضيلة لعلي ﵁
стр. 107
ليست من خصائصه; فلماذا تمنى بعض الصحابة أن يكون له ذلك؟ قيل الجواب كما قال شيخ الإسلام أن في ذلك شهادة النبي ﷺ لعلي بإيمانه باطنًا وظاهرًا، وإثبات لموالاته لله ورسوله، ووجوب موالاة المؤمنين له، وإذا شهد النبي ﷺ لمعين بشهادة أو دعا له بدعاء أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة، ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي ﷺ يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو به لخلق كثير، وكان تعيينه لذلك المعين من أعظم فضائله ومناقبه، وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام وغيرهما، ـ وإن كان قد شهد بالجنة لآخرين ـ، والشهادة لمحبة الله ورسوله للذي ضرب في الخمر. قلت: وفي هذه الجملة أيضًا حرص الصحابة على الخير.
قوله: فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ ". قال بعضهم: كأنه ﷺ استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن، لا سيما وقد قال: "لأعطين الراية"، إلى آخره وقد حضر الناس وكلهم طمع بأن يكون هو الذي يفوز بذلك الوعد. وفيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقده أحوالهم وسؤاله عنهم في مجامع الخير.
قوله: (فقيل له: هو يشتكي عينيه) ، أي: من الرمد كما في " صحيح مسلم " عن سعد بن أبي وقاص فقال: "ادعوا لي عليًا، فأتي به أرمد فبصق في عينيه" ١.
قوله: قال: "فأرسلوا إليه". بهمزة قطع، أمر من الإرسال، أمرهم بأن يرسلوا إليه فيدعوه له. ولمسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: "فأرسلني إلى علي ... ، فجئت به أقوده ... أرمد ... ، فبصق في عينيه فبرأ".
قوله: " فبصق "، بفتح الصاد، أي: تفل.
قوله: "ودعا له فبرأ". وهو بفتح الراء والهمزة، بوزن ضرب،
стр. 108
ويجوز الكسر بوزن علم، أي: عوفي في الحال عافية كاملة، كأن لم يكن به وجع من رمد ولا ضعف بصر أصلاً. وعند الطبراني من حديث علي: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي النبي ﷺ الراية. وفيه دليل على الشهادتين.
قوله: "فأعطاه الراية". قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع، ومنعها عمن سعى، وفيه التوكل على الله، والإقبال بالقلب إليه، وعدم الالتفات إلى الأسباب، وإن فعلها لا ينافي التوكل.
قوله: "وقال انفُذ على رسلك". أما " انفذ " فهو بضم الفاء، أي: امض لوجهك. ورسلك: ـ بكسر الراء وسكون السين ـ، أي: على رفقك ولينك من غير عجلة، يقال لمن يعمل الشيء برفق. وساحتهم: فناء أرضهم، وهو حواليها. وفيه الأدب عند القتال، وترك الطيش والأصوات المزعجة التي لا حاجة إليها، وفيه أمر الإمام عماله بالرفق واللين من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة كما يشير إليه قوله: "حتى تنْزل بساحتهم".
قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام"، أي: الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن هذا الوجه طابق الحديث الترجمة.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، فأعطاه الراية. وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ١.
стр. 109
وفيه أن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، المراد بها الدعوة إلى الإخلاص بها وترك الشرك وإلا فاليهود يقولونها، ولم يفرق النبي ﷺ في الدعوة إليها بينهم وبين من لا يقولها من مشركي العرب، فعلم أن المراد من هذه الكلمة هو اللفظ بها، واعتقاد معناها، والعمل به، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ، [الرّعد، من الآية: ٣٦] . وذلك هو معنى قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام " الذي هو الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بفعل التوحيد وترك الشرك. وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء، لأن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وتستحب دعوتهم لهذا الحديث وما في معناه، وإن كانوا لم تبلغهم وجبت دعوتهم.
وقوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه". أي.: في الإسلام، أي: إذا أجابوا إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه التي لا بد من فعلها، كالصلاة، والزكاة، وهذا كقوله في حديث أبي هريرة: " فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٢ وقد فسره أبو بكر الصديق لعمر ﵄ لما قاتل أهل الردة الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقال له عمر: "كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟! قال أبو بكر: فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها"٣.
стр. 110
وحاصله أنهم إذا أجابوا إلى الإسلام الذي ـ هو التوحيد ـ فأخبرهم بما
يجب عليهم بعد ذلك من حق الله تعالى في الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام الظاهرة وحقوقه؛ فإن أجابوا إلى ذلك فقد أجابوا إلى الإسلام حقًا، وإن امتنعوا عن شيء من ذلك فالقتال باق بحاله إجماعًا. فدل على أن النطق بكلمتي الشهادة دليل العصمة لا أنه عصمة، أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ الآية، ولو كان النطق بالشهادتين عاصمًا لم يكن للتثبت معنى، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ ، أي: عن الشرك وفعلوا التوحيد ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢ فدل على أن القتال يكون على هذه الأمور.
وفيه أن لله تعالى حقوقًا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلمًا، كإخلاص العبادة له والكفر بما يعبد من دونه. وفيه بعث الإمام الدعاة إلى الله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يفعلون. وفيه تعليم الإمام أمراءه وعماله ما يحتاجون إليه.
قوله: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم"٣ أن: هي المصدرية، واللام قبلها مفتوحة، لأنها لام القسم، ومدخولها مسبوك بمصدر مرفوع على أنه مبتدأ خبره " خير ".
وحمر بضم المهملة وسكون الميم. والنعم بفتح النون والعين المهملة. أي: خير لك من الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء. قيل: المراد خير من أن تكون لك فتتصدق بها. وقيل تقتنيها وتملكها. قلت: هذا هو الأظهر، والأول لا دليل عليه. أي أنكم تحبون متاع الدنيا، وهذا خير منه.
قال النووي: وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها، وأمثالها معها.