← Акыда

Акыда · id 2378

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

سليمان بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (700 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تحتاجون معه إلى أحد، وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون. قال ابن القيم: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢. ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟! وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله، فكيف يشرك بينه وبينهم في حسب رسوله ﷺ ؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل. ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٣. فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٤. وجعل الحسب له، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٥. ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٦. فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له انتهى كلامه. وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة، لأن الله تعالى أخبر أنه حسب رسوله، وحسب أتباعه. أي: كافيهم وناصرهم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ، [الحج: من الآية: ٧٨] ، وفي ضمن ذلك أمر لهم بإفراده تعالى بالحسب، استكفاء بكفايته ﵎ وذلك هو التوكل.

стр. 457

قال: وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ١. قال ابن القيم:"أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه، فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش. وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدًا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء، وهو في الحقيقة إحسان إليه، وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يشتفى به منه. قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢. ولم يقل: فله كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه، وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله، وكادته السموات والأرض ومن فيهن، لجعل له مخرجًا، وكفاه، ونصره، انتهى. وفي أثر رواه أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه، قال الله في بعض كتبه: "بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن، والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له بذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي، فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه، كفى بي لعبدي مآلاً، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه". وفي الآية دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار، لأن الله علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط، فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه، لأنه تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبًا له، ذكره شيخ الإسلام. وفيها تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل، لأنه ﵎ ذكر التقوى، ثم ذكر التوكل، كما قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣. فجعل التقوى الذي هو قيام

стр. 458

بالأسباب المأمور بها، فحينئذ إذا توكل على الله، فهو حسبه، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. ذكر معناه ابن القيم. قال عن ابن عباس: قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ٢. رواه البخاري. ش: قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣ أي كافيه. كما قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٤. قوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: نعم الموكل إليه المتوكل عليه; كما قال ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٥. فقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة التوكل على الله والالتجاء إليه، قال ابن القيم: وهو حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير وهو نعم المولى، ونعم النصير، فمن تولاه، واستنصر به، وتوكل عليه، وانقطع بكليته إليه، تولاه، وحفظه وحرسه، وصانه، ومن خافه، واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع. قوله: "قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار"، وفي رواية عن " ابن عباس: قال: كان آخر قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار. ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٦ ". رواه البخاري، وقد ذكر الله القصة في سورة الأنبياء [٥١-٧٣] ﵈.

стр. 459

قوله: "وقالها محمد ﷺ ... " إلى آخره، وذلك بعدما كان من أمر أحد ما كان. بلغ النبي ﷺ وأصحابه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان وعبد الله ابن مسعود، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين راكبًا حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع إلى مكة، ومر به ركب من عبد قيس فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نرييد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنَّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١. والقصة مشهورة في السير والتفاسير. ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في الشدائد، ولهذا جاء في الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل". رواه ابن مردويه وأن القيام بالأسباب مع التوكل على الله لا يتنافيان، بل يجب على العبد القيام بهما، كما فعل الخليلان عليهما الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن عوف بن مالك: "أن النبي ﷺ قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال رسول الله ﷺ ردوا علي الرجل. قال: ما قلت؟ قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل فقال رسول الله ﷺ : إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. قال مجاهد في قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ . قال:

стр. 460

الإيمان يزيد وينقص، وعلى أن ما يكرهه الإنسان قد يكون خيرًا له، وأن التوكل أعظم الأسباب في حصول الخير، ودفع الشر في الدنيا والآخرة.

стр. 461

[٢٨- باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١] المراد بهذه الترجمة التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، ولذلك ذكر بعد هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ٢. هذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣. فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٤. وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥. وقال عن شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ ٦. فوكلا الأمر إلى مالكه، وقال تعالى عن الملائكة ﵈: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٧. وقال النبي ﷺ : "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" ٨. وكلما قوي إيمان العبد ويقينه قوي خوفه ورجاؤه مطلقًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٩. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ١٠. وقالت عائشة:

стр. 462

يارسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب؟ قال: "لا يا بنت الصديق هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. قال ابن القيم: الخوف من أجلِّ منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهم به أليق وله ألزم، فإن العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلاً عن الاستقامة. فإن كان مائلاً عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها، والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، الثالث: أنه لا يعلم أنه يمنع من التوبة، ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وسبب قوتها وضعفها يكون قوة الخوف، وضعفه هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد. وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوقوف بإتيانه بالتوبة النصوح، هاج من قلبه من الخوف ما لا يملكه، ولا يفارق حتى ينجو وأما إن كان مستقيمًا مع الله، فخوفه يكون من جريان الأنفاس لعلمه بأن الله مقلب القلوب. وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبي ﷺ وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب" ١. ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ٢. فأي قرار لمن هذه حاله ومن أحق بالخوف منه، بل خوفه لازم له في كل حال، وإن توارى عنه بغلبة حال أخرى عليه، فالخوف حشو قلبه، ولكن توارى عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما

стр. 463

يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم انتهى. فهذا الخوف الثاني هو من خوف المكر. إذا علمت هذا، فمعنى الآية المترجم لها أن الله ﵎ لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من عذاب الله، وعدم الخوف منه، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١ ثم بين أن ذلك بسبب الجهل والغرة بالله، فأمنوا مكره فيما ابتلاهم به من السراء والضراء، بأن يكون استدراجًا، فقال: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢. أي: الهالكون. فدل على وجوب الخوف من مكر الله. قال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه، فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعمتهم. فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر به إلا القوم الفاسقون. رواهما ابن أبي حاتم. وفي الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب; فإنما هو استدراج" ٣. رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم. وقال إسماعيل بن رافع: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة. رواه ابن أبي حاتم. قال: وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ٤. نبه المصنف ﵀ بهذه الآية على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥. فذكر سبحانه

стр. 464

أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة فأما الرجاء مع الإصرار على المعاصي، فذاك من غرور الشيطان; إذا تبين ذلك، فقوله تعالى: ومن يقنط حكاية قول إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بولده إسحاق ﵇، ف ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ١. استبعادًا لوقوع هذا في العادة مع كبر السن منه ومن زوجته ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الذي لا ريب فيه ولا مثنوية، بل هو أمر الذي ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وإن بعد مثله في العادة التي أجراها فإن ذلك عليه يسير، إذا أراده، فلا تكن من القانطين، أي لا تيأس من رحمة الله، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ٣. فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر، وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. قال السدي: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ ٤. قال: من ييأس من رحمة ربه. رواه ابن أبي حاتم ﴿إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: ﴿لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥. وفي حديث مرفوع: "الفاجر الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القانط" رواه الحكيم الترمذي والحاكم في "تاريخه". قال: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائرقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله". ش: هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ : "كان متكئًا، فدخل عليه رجل، فقال: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله" ٦. وذكر الحديث. ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فقال ابن

стр. 465

معين: ثقة، ولينه ابن أبي حاتم، ومثل هذا يكون حسنًا. وقال ابن كثير: في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا. قوله: "الشرك بالله هو أكبر الكبائر"، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين وإلههم ومالكهم وخالقهم الذي لا إله إلا هو، وعدل غيره به، كما قال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١. فهو أظلم الظلم، وأقبح القبيح، ولهذا لا يغفر إن لم يتب منه، بخلاف غيره من الذنوب، ففي مشيئة الله إن شاء غفرها، وإن شاء عذب بها. قوله: "واليأس من روح الله" أي: قطع الرجاء والأمل من الله فيما يرومه ويقصده قال تعالى: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢. وذلك إساءة ظن بكرم الله ورحمته وجوده ومغفرته. قوله: "والأمن من مكر الله" أي: من استدراجه للعبد أو سلبه ما أعطاه من الإيمان - نعوذ بالله من غضبه - وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها. واعلم أن هذا الحديث لم يرد فيه حصر الكبائر فيما ذكر، بل الكبائر كثيرة، لكن ذكر ما هو أكبرها، أو من أكبرها، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وفي رواية هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. قال: وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله". رواه عبد الرزاق. ش: هذا الأثر رواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود، قال ابن كثير: وهو صحيح إليه بلا شك، ورواه الطبراني أيضًا.

стр. 466

قوله: "أكبر الكبائر الإشراك بالله". أي: في ربوبيته أو عبادته وهذا بالإجماع. قوله: "والقنوط من رحمة الله". قال أبو السعادات: هو أشد اليأس من الشيء. قلت: فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء، فيكون القنوط من اليأس، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله بالكفر، ولأهل القنوط بالضلال. وفيه: التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس، وكان السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء، هذه طريقة أبي سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإذا كان الغالب عليه الرجاء فسد، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة إنه على كل شيء قدير.

стр. 467

[٢٩- باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله] لما كان ببديع حكمته، ولطيف رحمته، قضى أن يبتلي النوع الإنساني بالأوامر والنواهي والمصائب التي قدرها عليهم، وأمرهم بالصبر على ذلك، وافترضه عليهم تسلية لهم وتقوية على ذلك، ووعدهم عليه الثواب بغير حساب كما قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. فعلى هذا يكون الصبر ثلاثة أنواع: صبر على المأمور، وصبر عن المحظور، وصبر على المقدور، ويشملها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣. ولما كان الصبر لا

стр. 468

يحصل إلا بالله كما قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ١. أرشد ﵎ إلى الجمع بينهما. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٢. قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعًا وقال النبي ﷺ "والصبر ضياء" ٣. رواه أحمد ومسلم. وقال ﵇: "ما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" ٤. رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر "الصبر نصف الإيمان" ٥. رواه أبو نعيم والبيهقي في الشعب. وقال عمر: "وجدنا خير عيشنا بالصبر". رواه البخاري [معلّقاً قبل: ٦٤٧٠] . وقال علي بن أبي طالب: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له". والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة. واشتقاقه من صبر: إذا حبس ومنع، فالصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والسخط، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحوهما ذكره ابن القيم. قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٦. ش: أول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٧. أخبر تعالى أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في الأنفس إلا بإذن الله، أي: بقدره وأمره كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٨. "قال ابن عباس في قوله: إلا بإذن الله: إلا بأمر الله". يعني: من قدره ومشيئته ومن يؤمن بالله يهد قلبه، أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله جازاه الله تعالى بهداية قلبه التي هي أصل كل سعادة وخير في الدنيا والآخرة. وقد يخلف

стр. 469

عليه أيضًا في الدنيا ما أخذه منه أو خيرًا منه كما قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ١. قال ابن عباس: "يهد قلبه باليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه". وفي الحديث الصحيح: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" ٢. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣ تنبيه على أن ذلك صادر عن علمه المتضمن لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضى. قوله: "قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم". ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة وهو صحيح. وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ولد في حياة النبي ﷺ وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم مات بعد الستين. قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة ... " إلى آخره. هذا تفسير للإيمان المذكور في الآية لكنه تفسير باللازم وهو صحيح، لأن هذا اللازم للإيمان الراسخ في القلب، وقريب منه تفسير سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٤. يعني: يسترجع يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي الآية أن الصبر سبب لهداية القلب، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وأن الأعمال من الإيمان وفيها إثبات القدر.

стр. 470

قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" ١. ش: قوله: "هما". أي الاثنتان. قوله: "بهم كفر". أي: هما بالناس، أي: فيهم كفر. قال شيخ الإسلام: أي: هاتان الخصلتان هما كفر قائم في الناس. فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا في أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله: "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" ٢. وبين كفر منكّر في الإثبات. قوله: "الطعن في النسب" أي: عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه في ظاهر الشرع ذكره بعضهم. قوله: "والنياحة على الميت" أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك. وفيه دليل على أن الصبر واجب، لأن النياحة منافية له، فإذا حرمت دل على وجوبه وفيه أن من الكفر ما لا ينقل عن الملة. قال: ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية" ٣. ش: قوله: "ليس منا" هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهة تأويلها ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ

стр. 471

في الزجر، وقيل أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، لأن الفاعل لذلك ارتكب محرمًا، وترك واجبًا. وليس المراد إخراجه من الإسلام بل المراد المبالغة في الردع عن الوقوع في ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاقبته: لست مني ولست منك، فالمراد أن فاعل ذلك ليس من المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان. قوله: "من ضرب الخدود". قال الحافظ: خص الخد بذلك لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله، قلت: بل ولو ضرب غير الوجه كالصدر، فكما لو ضرب الخد، فيدخل في معنى ضرب الخد، إذ الكل جزع مناف للصبر فيحرم. قوله: "وشق الجيوب"، جمع جيب وهو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وكانوا يشقونه حزنًا على الميت. قال الحافظ: والمراد إكمال فتحه إلى آخره. قلت: الظاهر أن فتح بعضه كفتحه كله. قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية". قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. وقال الحافظ: أي: من النياحة ونحوها. وكذا الندب به كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم: الدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف، والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية، وكونه منتسبًا إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية. قلت: الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله، وقد جاء لعن من فعل ما في هذا الحديث عن ابن ماجة، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ : "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" ١ وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم

стр. 472

الصبر الواجب، والإضرار بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال; بشق الثياب وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله تعالى، وبدون هذا يثبت التحريم الشديد، فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب. نص عليه أحمد لما رواه في مسنده عن [عائشة] "أن أبا بكررضي الله عنه دخل على النبي ﷺ بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه" ١. وكذلك صح عن "فاطمة ﵂ أنها ندبت أباها ﷺ فقالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه". الحديث. واعلم أن الحديث المشروح لا يدل على النهي عن البكاء أصلاً، وإنما يدل على النهي عما ذكر فيه فقط. وكذلك يدل على النهي عما في معناه كالبكاء برنة، وحلق الشعر، وخمش الوجوه، ونحو ذلك. أما البكاء على وجه الرحمة والرقة ونحو ذلك فيجوز، بل قال شيخ الإسلام: البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، ولا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه. قلت: ويدل لذلك قوله ﵇ لما مات ابنه إبراهيم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" ٢. وهو في الصحيح وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد "أن رسول الله ﷺ انطلق إلى أحد بناته ولها صبي في الموت فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" ٣.

стр. 473

قال: وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" ١. ش: هذا الأثر رواه الترمذي، والحاكم، وحسنه الترمذي وفي إسناده سعد بن سنان. قال الذهبي في موضع: سعد ليس حجة وفي آخر كأنه غير صحيح. وأخرجه الطبراني، والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة، والطبراني عن عمار بن ياسر وحسنه السيوطي. قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا". قال شارح الجامع الصغير: أي: بصب البلاء والمصائب عليه جزاء لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة، كما يعلم من مقابله الآتي، ومن فعل ذلك به فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حتى يكفر بالشوكة يشاكها، حتى بالقلم يسقط من الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من دنسه. قلت: وفي الصحيح: "لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" ٢. وفي المسند وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" ٣. قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة، لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله والذل له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه. فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون

стр. 474

شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررًا في دينه بحسب ذلك. فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب رحمة للخلق، والله ﵎ محمود عليها، فإن اقترن بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية، فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية، فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه حيث قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ١. فحصل له غفران السيئات، ورفع الدرجات وهذا من أعظم النعم. فالصبر واجب على كل مصاب; فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. انتهى ملخصًا. قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه"، أي: أخر عنه العقوبة بذنبه. قوله: "حتى يوافي به يوم القيامة"، هو بضم الياء وكسر الفاء منصوبًا بحتى مبنيًّا للفاعل. قال العزيزي: "أي: لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفي الذنوب وافيها فيستوفي ما يستحقه من العقاب". قلت: وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفًا أن تكون طيباته عجلت له في الحياة الدنيا، والله تعالى لم يرض الدنيا لعقوبة أعدائه، كما لم يرضها لإثابة أوليائه بل جعل ثوابهم أن أسكنهم في جواره ورضي عنهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٢. لهذا "لما ذكر النبي ﷺ

стр. 475

الأسقام قال رجل: يا رسول الله وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط قال: قم عنا فلست منا" ١ رواه أبو داود. وهذه الجملة هي آخر الحديث. فأما قوله: وقال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء ... " إلى آخره فهو أول حديث آخر لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد عن صحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد. وفيه من الفوائد أن البلاء للمؤمن من علامات الخير خلافًا لما يظنه كثير من الناس، وفيه الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شر، وفيه تنبيه على رجاء الله وحسن الظن به فيما يقضيه لك مما تكره، وفيه معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية٢. قال المصنف: وقال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" ٣. حسنه الترمذي. ش: هذا الحديث رواه الترمذي ولفظه: حدثنا قتيبة، ثنا الليث عن يزيد ابن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير ... " ٤ الحديث الذي قبل هذا ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: "إن عظم الجزاء ... " الحديث. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه ابن ماجة وصححه السيوطي. وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعًا: "إذا أحب الله قومًا ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" ٥. قال المنذري: رواته ثقات. قوله: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء"، بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء، أي: من كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم، فعظمة الأجر وكثرة الثواب مع عظم البلاء كيفية وكمية جزاء وفاقًا.

стр. 476

قلت: ولما كان الأنبياء ﵈ أعظم الناس جزاء كانوا أشد الناس بلاء، كما في حديث سعد: "سئل النبي ﷺ أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" ١. رواه الدارمي، وابن ماجة، والترمذي وصححه. وقد يحتج بقوله: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء". من يقول: إن المصائب والأسقام يثاب عليها غير تكفير الخطايا، ورجح ابن القيم وغيره أن ثوابها تكفير الخطايا فقط إلا إن كانت سببًا لعمل صالح كالتوبة، والاستغفار والصبر والرضى، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها كما في حديث "إذا سبقت للعبد من الله منْزلة لم يبلغها، أو قال: لم ينلها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ولده، أو في ماله، ثم صبره حتى يبلغه المنْزلة التي سبقت له من الله " ٢. رواه أبو داود في رواية ابن داسة والبخاري في تاريخه وأبو يعلى في مسنده وحسنه بعضهم. وعلى هذا فيجاب عن الأول "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء". أي: إذا صبر واحتسب. قوله: "وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم". صريح في حصول الابتلاء لمن أحبه الله، ولما كان الأنبياء ﵈ أفضل الأحباب كانوا أشد الناس بلاء، وأصابهم من البلاء في الله ما لم يصب أحدًا لينالوا بذلك الثواب العظيم والرضوان الأكبر وليأتسي بهم من بعدهم، ويعلموا أنهم بشر تصيبهم المحن والبلايا فلا يعبدونهم. فإن قلت: كيف يبتلي الله أحبابه؟! قيل: لما كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرًا لهم كما صحت بذلك الأحاديث. وفي أثر إلهي: "أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب" ولأنه زيادة في درجاتهم لما يحصل مع المصيبة للمؤمن من الأعمال الصالحة كما تقدم في

стр. 477

حديث "إذا سبقت للعبد من الله منْزلة ... " ١ الحديث. ولأن ذلك يدعو إلى التوبة فإن الله تعالى يبتلي العباد بعذاب الدنيا ليتوبوا من الذنوب كما قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه، ولأن ذلك يحصل به دعاء الله والتضرع إليه; ولهذا ذم الله من لا يستكين لربه، ولا يتضرع عند حصول البأساء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ ٣. ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم، فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين، فإن صلاح الدين في أن يعبد الله وحده ويتوكل عليه، وأن لا تدعو مع الله إلهًا آخر لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. فإذا حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده، وتطيع رسله بفعل المأمور، وترك المحظور، كنت ممن يعبد الله، وإذا حصل لك الدعاء الذي هو سؤال الله حاجاتك، فتسأله ما تنتفع به، وتستعيذ به مما تستضر به، كان هذا من أعظم نعم الله عليك، وهذا كثيرًا ما يحصل بالمصائب. وإذا كانت هذه النعم في المصائب، فأولى الناس بها أحبابه، فعليهم حينئذ أن يشكروا الله. لخصت ذلك من كلام شيخ الإسلام ﵀. قوله: "فمن رضي فله الرضى". أي: من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء فله الرضى من الله جزاءً وفاقًا. كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤. وهذا دليل على فضيلة الرضى، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه، وقد وصى النبي ﷺ رجلاً فقال: "لا تتهم الله في شيء قضاه لك" ٥. فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، دعاه ذلك إلى الرضى، قال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقال ابن عون: ارْضَ بقضاء الله من عسر

стр. 478

ويسر فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضى حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء كيف تستقضي الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك؟ ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلة علمك بالغيب، إذا كنت كذلك ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضى. ذكره ابن رجب قال: وهذا كلام حسن. قوله: "ومن سخط"، هو بكسر الخاء قال أبو السعادات: السخط الكراهية للشيء وعدم الرضى به، أي: من سخط أقدار الله فله السخط أي: من الله وكفى بذلك عقوبة. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١. وفيه دليل أن السخط من أكبر الكبائر وقد يستدل به على إيجاب الرضى كما هو اختيار ابن عقيل. واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم. قال شيخ الإسلام: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم. قال وأما ما جاء من الأثر: "من لم يصبر على بلائي، ولم يرض بقضائي فليتخذ ربًّا سواي". فهذا إسرائيلي ليس يصح عن النبي ﷺ . قلت: قد روى الطبراني في الأوسط معناه عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: "من لم يرض بقضاء الله ويؤمن بقدر الله، فليلتمس إلهًا غير الله". قال الهيثمي: فيه حزم بن أبي حزم وثقه ابن معين، وضعفه جمع وبقية رجاله ثقات. فإن ثبت هذا دل على وجوبه. قال شيخ الإسلام: وأعلى من ذلك، أي: من الرضى أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها. انتهى. واعلم أنه لا تنافي بين الرضى وبين الإحساس بالألم فكثير ممن له أنين من وجع وشدة مرض قلبه مشحون من الرضى والتسليم لأمر الله. فإن قيل: ما الفرق بين الرضى والصبر؟

стр. 479

فالجواب قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر، وقال الخواص: "الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر". قلت: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد القضاء كما في الحديث: "وأسألك الرضى بعد القضاء" ١. لأن العبد قد يعزم على الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة. قاله ابن رجب.

стр. 480

[٣٠- باب ما جاء في الرياء] أي: من الوعيد ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطًا في قبوله لمنافاة الشرك والرياء للتوحيد، نبه المصنف على ذلك تحقيقًا للتوحيد. والرياء مصدر راءى يرائي مراءاة ورياء; وهو أن يري الناس أنه يعمل عملاً على صفة وهو يضمر في قلبه صفة أخرى، فلا اعتداد ولا ثواب إلا بما خلصت فيه النية لله تعالى. ذكره القاضي أبو بكر بمعناه، وقال الحافظ: هو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمد صاحبها انتهى. والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس. قال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١. يقول تعالى لنبيه ﷺ : قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر مثلكم، أي: في البشرية ولكن الله مَنَّ عليّ وفضلني بالرسالة وليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له

стр. 481

كما قال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١، أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى عبادته إله واحد لا شريك له ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ٢، أي: من كان يخاف لقاء الله يوم القيامة. قال شيخ الإسلام: أما اللقاء، فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والسير وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته وأطال في ذلك واحتج له. وقال سعيد ابن جبير: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ٣. قال: من كان يخشى البعث في الآخرة رواه ابن أبي حاتم. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٤، أي: كائنًا ما كان. قال ابن القيم أي: كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء، المقيد بالسنة انتهى. وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون صوابًا خالصًا، فالصواب أن يكون على السنة وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ٥. والخالص: أن يخلص من الشرك الجلي والخفي وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٦. روى عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم عن طاوس قال: "قال رجل يا نبي الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، [الكهف، من الآية: ١١٠] ". رواه الحاكم وصححه موصولاً عن طاوس عن ابن عباس. وفي الآية دليل على الشهادتين، وأن الله تعالى فرض على نبينا ﷺ أن يخبرنا بتوحيد الإلهية، ولا فتوحيد الربوبية لم ينكره الكفار الذين كذبوه وقاتلوه ذكره المصنف. وفيها تسمية الرياء شركًا. وفيها أن من شروط الإيمان بالله واليوم الآخر أن لا يشرك بعبادة ربه أحدًا. ففيه التصريح بأن الشرك الواقع من المشركين إنما هو في العبادة لا في الربوبية. وفيها الرد على من قال: أولئك يتشفعون

стр. 482

بالأصنام ونحن نتشفع بصالح العمل لأنه قال: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ١. فليس بعد هذا بيان، افتتح الآية بذكر براءة النبي ﷺ الذي هو أقرب الخلق إلى الله وسيلة، أي: براءته من الإلهية وختمها بقوله: أحدًا. واعلم رحمك الله أن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من ميز بين توحيد الربوبية وبين توحيد الإلهية تمييزًا تامًّا وعرف ما عليه غالب الناس إما طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية الذي لم يصل إليه شرك المشركين، وإما مصدق لهم تابع لهم، وإما شاك لا يدري ما أنزل الله على رسوله، ولا يميز بين دين الرسول ﷺ وبين دين النصارى، ذكره المصنف. وفيها أن أصل دين النبي ﷺ الذي بعث به هو الإخلاص كما في هذه الآية وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٢. وذلك هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣. وذلك هو الحنيفية الإبراهيمية جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه. قال: عن أبي هريرةرضي الله عنه مرفوعًا قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ٤ رواه مسلم. ش: قوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" لما كان المرائي قاصدًا بعمله الله تعالى وغيره، كان قد جعل الله تعالى شريكًا، فإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك، فإن كماله ﵎ وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك ولا يلزم من اسم التفضيل إثبات غنى للشركاء، فقد تقع المفاضلة بين الشيئين وإن كان أحدهما لا فضل فيه كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ ٦.

стр. 483

قوله: "من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري"، أي: من قصد بذلك العمل الذي يعمله لوجهي غيري من المخلوقين تركته وشركه. وفي رواية عند ابن ماجة وغير: هـ "فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" ١. قال الطَّيْبِي: الضمير المنصوب في تركته يجوز أن يرجع إلى العمل والمراد من الشرك الشريك. قال ابن رجب: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضًا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ٢. وكذلك وصف الله الكفار بالرياء في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ٣. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، ثم ذكر أحاديث تدل على ذلك، منها الحديث الذي ذكره المصنف، وحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك بي شيئًا فإن حشده٤ وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني". رواه أحمد. وحديث الضحاك بن قيس مرفوعًا إن الله يقول: "أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ولا

стр. 484

تقولوا: هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منه شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء" رواه البزار وابن مردويه والبيهقي بسند قال المنذري: لا بأس به، وحديث أبي أمامة الباهلي: " أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : لا شيء له فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله ﷺ : لا شيء له ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه" ١. رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد. ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو٢ عن النبي ﷺ : "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم" ٣. قلت: هذا لا يدل على أنهم غزوا لأجلها فلا يدل على ثبوت الأجر لمن غزا يلتمس عرضًا. قال: وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا. قلت: ظاهر حديث أبي هريرة: "أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله ﷺ : لا أجر له. فأعاد عليه ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: لا أجر له" ٤. رواه أبو داود. يدل على أن نية الجهاد إذا خالطها نية أجرة الخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة لم يكن له أجر، ويحتمل أن يكون معنى: يريد الجهاد أي: يريد سفر الجهاد ولم ينو الجهاد، إنما نوى عرض الدنيا. قال ابن رجب، وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على

стр. 485

قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه، وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جعلاً على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس، كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك. وأما إن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن لم يعط درهمًا لم يغز، فلا خير في ذلك. قلت: هذا يدل على الفرق بين ما كانت نية الدنيا مخالطة له من أول مرة، بحيث تكون هي الباعث له على العمل، أو من جملة ما يبعث عليه، كالذي يلتمس الأجر والذكر، فهذا الأجر له وبين ما كانت النية خالصة لله من أول مرة، ثم عرض له أمر من الدنيا لا يبالي به، سواء حصل له أو لم يحصل، كالذي أجمع على الغزو سواء أعطي أو لم يعط. فهذا لا يضره. ونحوه التجارة في الحج كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١. وعلى هذا يُنَزل ما روي عن مجاهد أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء، أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: "أن رجلاً قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله [فأيّهم الشّهيد؟] ،قال: كلهم إذًا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا". وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو

стр. 486

في عمل مرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة والذكر، وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك; لم يضره. وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه "سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن" ١. رواه مسلم انتهى ملخصًا. إذا تبين هذا; فقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد بالعذاب عليه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ٢. والآية بعدها. وروى مسلم في صحيحه حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: المقاتل ليقال جريء، والمتعلم ليقال عالم، والمتصدق ليقال جواد. فأما ما رواه البزار وابن منده والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعًا: "من عمل رياء لا يكتب لا له، ولا عليه". ذكره السيوطي في الدر ولم أقف على إسناده فما أظنه يثبت، والكتاب والسنة يدلان على خلافه، بل هو موضوع. [الرياء من الشرك الخفي] قال: وعن أبي سعيد مرفوعًا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي; يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" ٣. رواه أحمد. ش: هذا الحديث رواه أحمد كما قال المصنف، ورواه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وفيه قصة، ولفظ ابن ماجة والبيهقي: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ألا أخبركم ... " ٤. الحديث وفي سنده

стр. 487

ضعف١. ومعناه صحيح. وروى ابن خزيمة في صحيحه معناه عن محمود بن لبيد٢ قال: "خرج النبي ﷺ فقال: يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر. قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الرجل إليه فذلك شرك السرائر". قوله: "عن أبي سعيد"، هو الخدري تقدمت ترجمته. قوله: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ " إنما كان الرياء كذلك، لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه لما يزينه الشيطان، والنفس الأمارة في قلب صاحبه. قوله: "قالوا": بلى. فيه الحرص على العلم، وأن من عرض عليك أن يخبرك بما فيك فلا ينبغي لك رده، بل قابله بالقبول والتعلم. قوله: "قال: الشرك الخفي"، سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي. وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر. وعن "شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب والطبراني والحاكم وصححه. فظاهره أنه من الأصغر مطلقًا، وهو ظاهر قول الجمهور. وقال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر; فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت،

стр. 488

وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى. ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء، فدل على أن كثيره أكبر، وضد الشرك الأكبر والأصغر التوحيد والإخلاص، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة باطنًا وظاهرًا كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ٣. وقيل: الإخلاص استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، أي: لملاحظة الخلق، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. قوله: "فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"٤. فسر الشرك الخفي بهذا أن يعمل الرجل العمل لله، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك، لما يرى من نظر رجل، فهذا هو الشرك الخفي، وهو الرياء، والحامل له على ذلك هو حب الرياسة، والجاه عند الناس. قال الطّيْبِي: وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق ﵎، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم،

стр. 489

وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات، وأعظم الشهوات. وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول الناقدة١. قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين. وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة. انتهى كلامه. وفي الحديث من الفوائد شفقته ﷺ على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، والحذر من الرياء ومن الشرك الأكبر، إذ كان ﷺ يخاف الرياء على أصحابه مع علمهم وفضلهم، فغيرهم أولى بالخوف.

стр. 490

[٣١- باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا] قد ظن بعض الناس أن هذا الباب داخل في الرياء، وأن هذا مجرد تكرير فأخطأ، بل المراد بهذا أن يعمل الإنسان عملاً صالحًا يريد به الدنيا كالذي يجاهد للقطيفة والخميلة ونحو ذلك، ولهذا سماه النبي ﷺ عبدًا لذلك بخلاف المرائي، فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم والقطيفة ونحو ذلك أعقل من المرائي، لأن ذلك عمل لدنيا يصيبها. والمرائي عمل لأجل المدح، والجلالة في أعين الناس، وكلاهما خاسر نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه. قال: وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ... ﴾ ١. قال ابن عباس: "من كان يريد الحياة الدنيا أي: ثوابها أي: مآلها وزينتها نوف إليهم: نوفر لهم ثواب أعمالهم

стр. 491

بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد، وهم فيها لا يبخسون لا ينقصون، ثم نسختها و ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ " رواه النحاس في ناسخه. وقوله: "ثم نسختها"، أي: قيدتها أو خصصتها، فإن السلف كانوا يسمون التقييد والتخصيص نسخًا، وإلا فالآية محكمة. وقال الضحاك: من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء. قال ابن القيم: وهذا القول أرجح. ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها. وقالت طائفة: هذه الآية في حق الكفار بدليل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ ١ أي: أنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ ٢. قال بعض المفسرين: أي: وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم يعني: لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفى إليهم ما أرادوا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣ أي: كان عمله في نفسه باطلاً، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له. انتهى. فإن قيل: الآية على القول الأول تقتضي تخليد المؤمن من المريد بعمله الدنيا في النار. قيل: إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة. فالإيمان إيمانان إيمان: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه، وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن

стр. 492

كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد. ذكره ابن القيم. وقد سئل شيخ الإسلام المصنف عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه. فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس. النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالاً صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالًا مثل أن يحج لمال يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.

стр. 493

النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم. فهذا النوع أيضًا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١. ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالبًا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصدًا بها الدنيا مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرًا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين وهو هذا وأمثاله. انتهى. وقد أجاد وأفاد ﵀. وفي الآية من الفوائد أن الشرك محبط للأعمال، وأن إرادة الدنيا وزينتها بالعمل كذلك، وأن الله يجازي الكافر بحسناته، وكذلك طالب الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة. الخامسة شدة الوعيد على ذلك. السادسة الفرق بين الحبوط والبطلان. قال في: الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله

стр. 494

أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع" ١. قوله: "في الصحيح"، أي: صحيح البخاري. قوله: "تعس عبد الدينار"، هو بكسر العين، ويجوز الفتح، أي: سقط والمراد هنا: هلك، قاله الحافظ. وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد، أي: شقي. وقيل معنى التعس: الكبة على الوجه. قال أبو السعادات: يقال: تعس يتعس، إذا عثر، وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك. قوله: "تعس عبد الخميصة"، قال أبو السعادات: هو ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. والخميلة بفتح الخاء المعجمة، قال أبو السعادات: الخميل والخميلة: القطيفة، وهي ثوب له خمل من أي شيء كان، وقيل: الخميل الأسود من الثياب. قوله: "تعس وانتكس"، قال الحافظ: هو بالمهملة أي: عاوده المرض. وقال أبو السعادات، أي: انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر. وقال الطيبي: وفيه الترقي بالدعاء عليه، لأنه إذا تعس انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط. قوله: "وإذا شيك"، أي: أصابته شوكة فلا انتقش. قال أبو السعادات، أي: إذا شاكته شوكة، فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. وقال الحافظ: أي: إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش، قال: وفي الدعاء عليه بذلك إشارة إلى عكس مقصوده، لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة، فلم يجد من يخرجها يصير عاجزًا عن السعي والحركة في تحصيل مصالح الدنيا.

стр. 495

وقال الطّيْبِي: المعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يترحم عليه، فإن من وقع في البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه، ويتسلى بعض التسلي، وهؤلاء بخلافه، بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء أو شماتتهم. فإن قيل: لم سماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم؟ قيل: لما كان ذلك هو مقصوده ومطلوبه الذي عمل له، وسعى في تحصيله بكل ممكن حتى صارت نيته مقصورة عليه يغضب ويرضى له صار عبدًا له. قال شيخ الإسلام: فسماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء وخبر. وهو قوله: "تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال. وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ١. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو بصورة، أو نحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده، فهو عبده ... إلى أن قال: وهكذا أيضًا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه. وهذه الأمور نوعان: فمنها ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشربه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته بمنْزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبدوه فيكون
следующие страницы →