بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد، وهم فيها لا يبخسون لا ينقصون، ثم نسختها و ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ " رواه النحاس في ناسخه.
وقوله: "ثم نسختها"، أي: قيدتها أو خصصتها، فإن السلف كانوا يسمون التقييد والتخصيص نسخًا، وإلا فالآية محكمة. وقال الضحاك: من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء. قال ابن القيم: وهذا القول أرجح. ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها. وقالت طائفة: هذه الآية في حق الكفار بدليل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ ١ أي: أنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ ٢. قال بعض المفسرين: أي: وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم يعني: لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفى إليهم ما أرادوا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣ أي: كان عمله في نفسه باطلاً، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له. انتهى.
فإن قيل: الآية على القول الأول تقتضي تخليد المؤمن من المريد بعمله الدنيا في النار.
قيل: إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة. فالإيمان إيمانان إيمان: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه، وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن
стр. 492
كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد. ذكره ابن القيم.
وقد سئل شيخ الإسلام المصنف عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه.
فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالاً صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالًا مثل أن يحج لمال يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.
стр. 493
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم. فهذا النوع أيضًا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالبًا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصدًا بها الدنيا مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرًا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين وهو هذا وأمثاله. انتهى. وقد أجاد وأفاد ﵀.
وفي الآية من الفوائد أن الشرك محبط للأعمال، وأن إرادة الدنيا وزينتها بالعمل كذلك، وأن الله يجازي الكافر بحسناته، وكذلك طالب الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة. الخامسة شدة الوعيد على ذلك. السادسة الفرق بين الحبوط والبطلان.
قال في: الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله
стр. 494
أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع" ١.
قوله: "في الصحيح"، أي: صحيح البخاري.
قوله: "تعس عبد الدينار"، هو بكسر العين، ويجوز الفتح، أي: سقط والمراد هنا: هلك، قاله الحافظ. وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد، أي: شقي. وقيل معنى التعس: الكبة على الوجه. قال أبو السعادات: يقال: تعس يتعس، إذا عثر، وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك.
قوله: "تعس عبد الخميصة"، قال أبو السعادات: هو ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. والخميلة بفتح الخاء المعجمة، قال أبو السعادات: الخميل والخميلة: القطيفة، وهي ثوب له خمل من أي شيء كان، وقيل: الخميل الأسود من الثياب.
قوله: "تعس وانتكس"، قال الحافظ: هو بالمهملة أي: عاوده المرض. وقال أبو السعادات، أي: انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر. وقال الطيبي: وفيه الترقي بالدعاء عليه، لأنه إذا تعس انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط.
قوله: "وإذا شيك"، أي: أصابته شوكة فلا انتقش. قال أبو السعادات، أي: إذا شاكته شوكة، فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. وقال الحافظ: أي: إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش، قال: وفي الدعاء عليه بذلك إشارة إلى عكس مقصوده، لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة، فلم يجد من يخرجها يصير عاجزًا عن السعي والحركة في تحصيل مصالح الدنيا.
стр. 495
وقال الطّيْبِي: المعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يترحم عليه، فإن من وقع في البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه، ويتسلى بعض التسلي، وهؤلاء بخلافه، بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء أو شماتتهم.
فإن قيل: لم سماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم؟
قيل: لما كان ذلك هو مقصوده ومطلوبه الذي عمل له، وسعى في تحصيله بكل ممكن حتى صارت نيته مقصورة عليه يغضب ويرضى له صار عبدًا له.
قال شيخ الإسلام: فسماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء وخبر. وهو قوله: "تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال. وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ١. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو بصورة، أو نحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده، فهو عبده ... إلى أن قال: وهكذا أيضًا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه.
وهذه الأمور نوعان: فمنها ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشربه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته بمنْزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبدوه فيكون
стр. 496
هلوعًا. ومنها ما لا يحتاج إليه العبد، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها، صار مستعبدًا لها وربما صار مستعبدًا معتمدًا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ : "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، وتعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة" ١. وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياه رضي، وإن منعه إياها سخط. وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله فهذا الذي استكمل الإيمان. انتهى ملخصًا.
قوله: "طوبى لعبد"، قال أبو السعادات: طوبى اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها. قلت: قد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن دراجًا حدثه أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد في حديث: "فقال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" ٢. رواه حرملة عنه. ورواه أحمد في مسنده من حديث عتبة بن عبد السلمي "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الحوض وذكر الجنة. ثم قال الأعرابي: "وفيها فاكهة؟ قال: نعم. وفيها شجرة تدعى طوبى ... " ٣ الحديث. قال الزجاج: في قوله: طوبى لهم. معناه: العيش الطيب. وقال ابن الأنباري: الحال المستطابة لهم، لأنه فعلى من الطيب، وقيل: معناه هنيئًا بطيب العيش لهم وهذه الأقوال ترجع إلى قول واحد.
قوله: "أخذ بعنان فرسه في سبيل الله"، أي: في طريق الجهاد.
قوله: "أشعث رأسه"، هو بنصب أشعث صفة لعبد لأنه غير مصروف للصفة ووزن الفعل، ورأسه مرفوع على الفاعلية لأشعث، وهو مغبر الرأس. وفيه فضل إصابة الغبار في سبيل الله.
стр. 497
قوله: "مغبرة قدماه"، هو كأشعث في الإعراب والمراد به كثرة الغبار له في سبيل الله لكثرة جهاده ومصابرته.
قوله: "إن كان في الحراسة". قال بعضهم: هو بكسر الحاء أي: حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يهجم عليهم عدوهم.
قوله: "كان في الحراسة"، أي: امتثل غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ونحوهما.
قوله: "وإن كان في الساقة كان في الساقة"، أي: إن جعل في مؤخرة الجيش صار فيها ولزمها. وقال ابن الجوزي: المعنى: أنه خامل الذكر، لا يقصد السمو، فأي موضع اتفق له كان فيه. وقال الخلخالي: المعنى ائتماره لما أمر، وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه، وإنما ذكر الحراسة والساقة، لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة. قلت: وفيه فضيلة الحرس في سبيل الله.
قوله: "إن استأذن لم يؤذن له"، أي: إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم يأذنوا له، لأنه ليس بذي جاه ولا يقصد بعمله الدنيا فيطلبها منهم، ويتردد إليهم لأجلها بل هو مخلص لله.
قوله: "وإن شَفَّع" بفتح أوله وثانيه مبني للفاعل، ويشفع بتشديد الفاء، مبني للمفعول، والمراد والله أعلم أنه لا يشفع عند الملوك ونحوهم، لعدم جاهه عندهم وعلى تقدير شفاعته إن شفع لم يشفع بل يردّون شفاعته.
قال بعضهم: قيل: إن هذا إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث لا يبتغي مالاً ولا جاهًا عند الناس، بل يكون عند الله وجيهًا ولم يقبل الناس شفاعته، ويكون عند الله شفيعًا مشفعًا، كما في الحديث الذي رواه أحمد [عن أنس بنحوه] ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" ١. وقال الحافظ: فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع.
стр. 498
قلت: وفيه أن هذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله بل لكرامته، وفيه الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. قاله المصنف.
стр. 499
[٣٢- باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]
[لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق]
ش: لما كانت الطاعة من أنواع العبادة بل هي العبادة فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﵈ ; نبه المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالاً. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ ١ أي: علماءهم ﴿أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٣.
قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء وهما روايتان عن أحمد. قال ابن القيم: والتحقيق بأن الآية تعم الطائفتين.
قيل: إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله، فكان العلماء مبلغين لأمر الله وأمر رسوله، والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله كما قال ﷺ : "لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف" ٤. وقال: "على المرء المسلم
стр. 500
السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ١. حديثان صحيحان فليس في هذه الآية ما يخالف آية براءة.
قال: "وقال ابن عباس: "يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
ش: قوله: "يوشك"، بضم أوله وكسر الشين المعجمة. قال أبو السعادات أي: يقرب ويدنو ويسرع، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج. وكان ابن عباس يأمر بها، فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها، أي: هما أعلم منك وأحق بالاتباع. فقال هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد المتابعة للرسول ﷺ وإن خالفه من خالفه كائنًا من كان، كما قال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما [هما] ٢ فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول ﷺ بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله، وما خالفه رده، أو تأوله فالله المستعان. وما أحسن ما قال بعض المتأخرين:
فإن جاءهم فيه الدليل موافقًا ... لما كان للآبا إليه ذهاب.
رضوه وإلا قيل: هذا مؤول ... ويركب للتأويل فيه صعاب.
ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ﴾ ٣.
[التحذير من مخالفة الرسول]
قال المصنف، وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد
стр. 501
وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ١. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
ش: هذا الكلام عن أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب.
قال الفضل عن أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ٢ الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه، فيهلكه وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٣.
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي سفيان؟ فقال: أعجب٤. لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره. قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥. وتدري ما الفتنة؟ الكفر قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٦. فيدعون الحديث عن رسول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي. ذكر ذلك شيخ الإسلام.
قلت: وكلام أحمد في ذمه التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور.
قوله: "عرفوا الإسناد"، أي: إسناد الحديث وصحته، أي: صحة الإسناد وصحته دليل على صحة الحديث.
قوله: "يذهبون إلى رأي سفيان"، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع.
стр. 502
ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته، ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني، فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلاً إلا عن علم، وإما بأن ذلك اجتهاد، ويشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بكتاب الله عالمًا بسنة رسول الله ﷺ وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالمًا بوجوه الدلالات، عالمًا بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ﵄، كما قاله المصنف، فيقال له: هذا إن صح، فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطًا في جواز العمل بالكتاب والسنة، فكذب على الله، وعلى رسوله ﷺ وعلى أئمة العلماء، بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا ﷺ وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم١ كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣. فشهد تعالى لمن أطاع الرسول ﷺ بالهداية، وعند جفاة المقلدين أن من أطاعه ﷺ ليس بمهتد إنما المهتدي من عصاه، وعدل عن أقواله، ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ذلك، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدعي العلم والمعرفة بالعلوم، ويصنف التصانيف في
стр. 503
الحديث والسنن، ثم بعد ذلك تجده جامدًا على أحد هذه المذاهب، ويرى الخروج عنها من العظائم.
وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، إنما المذموم المنكر الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنما يقرءون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا، أو لكون بعض الموقفين وقف على من قرأ البخاري مثلاً، فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في قول الله تعالى:
﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾
١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ... ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ٣.
فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول ﷺ فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤.
فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله، ثم إذا٥ قضى الله ورسوله أمرًا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد حرجًا، ثم إذا قضى الرسول ﷺ بأمر لم تسلم له، وإذا
стр. 504
قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم الله تعالى سبحانه وهو أصدق القائلين بأجل مقسم به، وهو نفسه ﵎ أنك لست بمؤمن والحالة هذه وبعد ذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ، [سورة القيامة، الآيتان: ١٤١٥-] .
على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور السنة.
كلام أحمد الذي ذكره المصنف كاف عن تكثير النقل عنه.
وقال أبو حنيفة: "إذا جاء الحديث عن الرسول ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين، فنحن رجال وهم رجال".
وفي روضة العلماء سئل أبو حنيفة إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول ﷺ قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة، فلم يقل: هذا الإمام ما يدعيه جفاة المقلدين له أنه لا يقول قولاً يخالف كتاب الله، حتى أنزلوه بمنْزلة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
وروى البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: "إذا قلت قولاً وكان عن النبي ﷺ خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله ﷺ أولى فلا تقلدوني". وقال الربيع: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت". وتواتر عنه أنه قال: "إذا صح الحديث أي: بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط".
стр. 505
وقال مالك: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ".
وكلام الأئمة مثل هذا كثير. فخالف المقلدون ذلك، وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ مع أن كثيرًا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالاً لهم منصوصًا عليها، وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم، ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ، بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول ﷺ ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، [سورة النّجم، الآيتان: ٣-٤] . فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى؟!
قوله: "لعله"، أي: لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله ﷺ .
قوله: "إذا رد بعض قوله"، أي: قول النبي ﷺ .
قوله: "أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". هذا تنبيه على أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، فإذا كانت إساءة الأدب معه في الخطاب سببًا لحبوط الأعمال كما قال تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١. فما ظنك برد أحكامه وسنته لقول أحد من الناس كائنًا من كان؟. قال شيخ الإسلام: فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيًا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من استخفاف بحق الآمر، كما فعل إبليس لعنه الله.
فإذا علمت أن المخالفة عن أمره ﷺ سبب للفتنة، التي هي
стр. 506
الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، علمت أن من رد قوله وخالف أمره لقول أبي حنيفة، أو مالك أو غيرهما، لهم النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية، وهذا الوعيد على مخالفة أمره ﷺ وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل على استحبابه.
قال: عن "عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، [التّوبة، من الآية: ٣١] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت بلى قال: فتلك عبادتهم" ١. رواه أحمد٢ والترمذي وحسنه.
ش: هذا الحديث قد روي من طرق٣. فرواه ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في السنن وفيه قصة اختصرها المصنف.
قوله: "عن عدي بن حاتم"، أي: الطائي المشهور وهو ابن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره
стр. 507
جيم، مات مشركًا وعدي يكنى أبا طريف بفتح المهملة صحابي شهير، حسن الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة.
قوله: "فقلت: إنا لسنا نعبدهم"، عن ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: إنا لسنا نعبدهم.
قوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ... " إلى آخره.
صرح ﷺ في هذا الحديث بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه يكونون على وجهين.
أحدهما: أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" ١.
ثم نقول: اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول ﷺ لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا الخطأ
стр. 508
فيما جاء به رسول الله ﷺ ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول ﷺ فله نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول ﷺ . فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ، فليتبوأ مقعده من النار. انتهى ملخصًا.
قال المصنف: وفيه تغير الأحوال إلى هذه الغاية [حتّى] صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
قوله: "صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال". يشير إلى ما يعتقده كثير من الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع، والعطاء والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر ونحو ذلك وهو الشرك.
قوله: "وعبادة الأحبار هي العلم والفقه"، أي: هي التي تسمى اليوم العلم والفقه المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك سواء وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل يريدون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلدوه، ويصرحون بأنه لا يحل العمل بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى عندهم
стр. 509
هو ما وجدوه في هذه الكتب. بل أعظم من ذلك وأطم رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده، ويسمونها ظواهر لفظية، ويسمون ما وضعه الفلاسفة المشركون القواطع العقلية، ثم يقدِّمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين، وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النّزاع بالبدعة أو الكفر.
قوله: "ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين"، وذلك كاعتقادهم في كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب.
وقوله: "وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين"، وذلك كاعتقادهم العلم في أناس من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم، ويظنون أنهم علماء مصلحون ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١.
стр. 510
[٣٣- باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِ لَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ... ﴾ ١] .
ش: لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملاً على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا جعلهما النبي ﷺ ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
стр. 511
رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ١. نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النّزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا إله إلا الله، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد ﷺ .
فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النّزاع، فقد كذب في شهادته.
وإن شئت قلت: لما كان التوحيد مبنيًا على الشهادتين، إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى لتلازمهما، وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، التي تتضمن حق الرسول ﷺ فإنها تتضمن أنه عبد لا يعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع، لأنه المبلغ عن الله تعالى. فله ﵊ منصب الرسالة، والتبليغ عن الله، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله ومحبته على النفس، والأهل والمال والوطن، وليس له من الإلهية شيء، بل هو عبد الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ ٢ وقال ﷺ : "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٣.
ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النّزاع، وترك التحاكم إلى غيره، كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به، ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة، وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين.
إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: أن الله ﵎ أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء
стр. 512
قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها. قال ابن القيم: والطاغوت: كل من تعدى به حده من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده. ومن هذا كل من عبد شيئًا دون الله فإنما عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله ﷺ فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت. وتعلل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله ﷺ ، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله ﷺ ، ويتحاكم إليه عند النّزاع وفي ضمن قوله: يزعمون نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير الله تعالى ورسوله ﷺ . ولم يقل فيهم يزعمون فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، أو منَزل منْزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ١.
أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٢.
أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير. وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوى
стр. 513
الكتاب والسنة من الفرائض وأن التحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ١.
أي: إذا دُعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضًا مستكبرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢ قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين. ويصدون هنا لازم لا متعد، وهو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدوداً، ومصدر المتعدي صدًّا. فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؟! ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك، والتوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين الكتاب والسنة.
قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣.قال ابن كثير: أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك. وقال ابن القيم قيل: المصيبة فضيحتهم إذا أنزل القرآن بحالهم،
стр. 514
ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول ﵊، أعظمها مصائب القلب والدين، فيرى المعروف منكرًا، والهدى ضلالاً، والرشاد غيًّا، والحق باطلاً، والصلاح فسادًا، وهذا من المصيبة التي أصيب بها في قلبه، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول ﷺ وتحكيم غيره، قال سفيان الثوري في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ١. قال: هي أن تطبع على قلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ ٢.
قال ابن كثير: أي: يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة. وقال غيره: إلا إحسانًا، أي: لا إساءة، وتوفيقًا، أي: بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطًا لحكمك.
قلت: فإذا كان هذا حال المنافقين يعتذرون عن أمرهم، ويلبسونه لئلا يظن أنهم قصدوا المخالفة لحكم النبي ﷺ أو التسخط، فكيف بمن يصرح بما كان المنافقون يضمرونه حتى يزعم أنه من حكم الكتاب والسنة في موارد النّزاع، فهو إما كافر وإما مبتدع ضال!؟ وفعل المنافقين الذي ذكره الله عنهم في هذه الآية هو بعينه الذي يفعله المحرفون للكلم عن مواضعه الذين يقولون: إنما قصدنا التوفيق بين القواطع العقلية بزعمهم التي هي الفلسفة والكلام، وبين الأدلة النقلية، ثم يجعلون الفلسفة التي هي سفاهة وضلالة الأصل، ويردون بها ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة، زعموا أن ذلك يخالف الفلسفة التي يسمونها القواطع، فتطلبوا له وجوه التأويلات البعيدة، وحملوه على شواذ اللغة التي لا تكاد تعرف.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٣.
стр. 515
قال ابن كثير: أي: هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله أعلم بما في قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم ببواطنهم وظواهرهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ ١.
قال ابن القيم: أمر الله رسوله ﷺ فيهم بثلاثة أشياء:
أحدها: الإعراض عنهم إهانة لهم، وتحقيرًا لشأنهم، وتصغيرًا لأمرهم لا إعراض متاركة وإهمال، وبهذا يعلم أنها غير منسوخة.
الثاني: قوله: وعظهم وهو تخويفهم عقوبة الله وبأسه ونقمته إن أصروا على التحاكم إلى غير رسوله ﷺ وما أنزل عليه.
الثالث: قوله: وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا، أي: يبلغ تأثيره إلى قلوبهم ليس قولاً لينًا لا يتأثر به المقول له، وهذه المادة تدل على بلوغ المراد بالقول، فهو قول يبلغ به مراد قائله من الزجر والتخويف ويبلغ تأثيره إلى نفس المقول له، ليس هو كالقول الذي يمر على الأذن صفحًا.
وهذا القول البليغ يتضمن ثلاثة أمور:
أحدها: عظم معناه، وتأثر النفوس به.
الثاني: فخامة ألفاظه وجزالتها.
الثالث: كيفية القائل في إلقائه إلى المخاطب فإن القول كالسهم، والقلب كالقوس الذي يدفعه وكالسيف، والقلب كالساعد الذي يضرب به.
وفي متعلق قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قولان:
أحدهما: بقوله ﴿بَلِيغاً﴾ أي: قولاً بليغًا في أنفسهم، وهذا حسن من جهة المعنى، ضعيف من جهة الإعراب، لأن صفة الموصوف لا تعمل فيما قبلها.
والقول الثاني: أنه متعلق بقل وفي المعنى على هذا قولان:
أحدهما: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم بل
стр. 516
مسرًّا لهم النصيحة.
والثاني: أن معناه قل لهم في معنى أنفسهم، كما يقال: قل لفلان في كيت وكيت، أي: في ذلك المعنى.
قلت: وهذا القول أحسن.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. قال ابن كثير: أي: إنما فرضت طاعته على من أرسله إليهم. وقال ابن القيم: هذا تنبيه على جلالة منصب الرسالة، وعظم شأنها، وأنه سبحانه لم يرسل رسله عليهم الصلاة والسلام إلا ليطاعوا بإذنه، فتكون الطاعة لهم لا لغيرهم، لأن طاعتهم طاعة مرسلهم، وفي ضمنه أن من كذب رسوله محمدًا ﷺ فقد كذب الرسل. والمعنى أنك واحد منهم تجب طاعتك، وتتعين عليهم كما وجبت طاعة من قبلك من المرسلين، فإن كانوا قد أطاعوهم كما زعموا وآمنوا بهم، فما لهم لا يطيعونك، ويؤمنون بك؟! والإذن ههنا هو الإذن الأمري لا الكوني، إذ لو كان إذنًا كونيًا قدريًا لما تخلفت طاعتهم، وفي ذكره نكتة وهي أنه بنفس إرساله تتعين طاعته، وإرساله نفسه إذن في طاعته، فلا تتوقف على نص آخر سوى الإرسال بأمر فيه بالطاعة، بل متى تحققت رسالته، وجبت طاعته. فرسالته نفسها متضمنة للإذن في الطاعة. ويصح أن يكون الإذن ههنا إذنًا كونيًا قدريًا، ويكون المعنى: ليطاع بتوفيق الله وهدايته، فتضمن الآية الأمرين الشرع والقدر، ويكون فيها دليل على أن أحدًا لا يطيع رسله إلا بتوفيقه وإرشاده وهدايته، وهذا حسن جدًّا. والمقصود أن الغاية من الرسل هي طاعتهم ومتابعتهم، فإذا كانت الطاعة والمتابعة لغيرهم، لم تحصل الفائدة المقصودة من إرسالهم.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ٢.
قال ابن القيم: لما علم سبحانه أن المرسل إليهم لا بد لهم من ظلم لأنفسهم، واتباع لأهوائهم، أرشدهم إلى ما يدفع عنهم شر ذلك
стр. 517
الظلم وموجبه، وهو شيئان:
أحدهما: منهم، وهو استغفارهم ربهم .
والثاني: من غيرهم وهو استغفار الرسول ﷺ لهم إذا جاءوه، وانقادوا له، واعترفوا بظلمهم، فمتى فعلوا ذلك وجدوا الله توابًا رحيمًا يتوب عليهم فيمحو أثر سيئاتهم ويقيهم شرها، ويزيدهم مع ذلك رحمته وبره وإحسانه.
فإن قلت: فما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي ﷺ من هذه الآية؟ وهل كلام بعض الناس في دعوى المجيء إلى قبره ﷺ والاستغفار عنده، والاستشفاع به، والاستدلال بهذه الآية على ذلك صحيح أم لا؟ .
قيل: أما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي ﷺ من هذه الآية فالاستغفار، وأن يتوب إلى الله توبة نصوحًا في كل زمان ومكان، ولا يشترط في صحة التوبة المجيء إلى قبره، والاستغفار عنده بالإجماع. وأما المجيء إلى قبره، والاستغفار عنده، والاستشفاع به، والاستدلال بالآية على ذلك، فهو استدلال على ما لا تدل الآية عليه بوجه من وجوه الدلالات، لأنه ليس في الآية إلا المجيء إليه ﷺ لا المجيء إلى قبره، واستغفاره لهم، لاستشفاعهم به بعد موته، فعلم أن ذلك باطل، يوضح ذلك أن الصحابة الذين هم أعلم الناس بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما فهموا هذا من الآية، فعلم أن ذلك بدعة. وأكثر ما استدل به من أجاز ذلك رواية العتبي عن أعرابي مجهول على أن القصة لا نعلم لها إسنادًا. ومثل هذا لو كان حديثًا، أو أثرًا عن صحابي لم يجز الاحتجاج به، ولم يلزمنا حكمه لعدم صحته، فكيف يجوز الاحتجاج في هذا بقصة لا تصح عن بدوي لا يعرف؟!.
ثم قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١.
قال ابن القيم: أقسم سبحانه بأجل مقسم به، وهو نفسه
стр. 518
على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يحكم لرسوله ﷺ في جميع موارد النّزاع، وفي جميع أبواب الدين فإن لفظة "ما" من صيغ العموم، ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا، وهو الضيق والحصر من حكمه، بل يقبلون حكمه بالانشراح، ويقابلونه بالقبول، لا يأخذونه على إغماض، و] لا] ١ يشربونه على قَذَى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضى، وانشراح صدر. ومتى أراد العبد شاهدًا فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها ﴿بَلِ الأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢، فسبحان الله! كم من حزازة في نفوس كثير من النصوص، وبودهم أن لو لم ترد، وكم من حرارة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم من موردها، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٣ فذكر الفعل مؤكدًا له بالمصدر القائم مقام ذكره مرتين، وهو الخضوع والانقياد لما حكم به طوعًا ورضى وتسليما، لا قهرًا أو مصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليماته. انتهى.
وقد ورد في "الصحيح" أن سبب نزولها قصة الزبير لما اختصم هو والأنصاري في شراج الحرة، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان سبب نزولها مخاصمة في مسيل ماء قضى فيه رسول الله ﷺ بقضاء، فلم يرضه الأنصاري،
стр. 519
فنفى تعالى عنه الإيمان بذلك، فما ظنك بمن لم يرض بقضائه ﷺ وأحكامه في أصول الدين وفروعه؟! بل إذا دعوا إلى ذلك تولوا وهم معرضون، ولم يكفهم ذلك حتى صدوا الناس عنه، ولم يكفهم ذلك حتى كفروا، أو بدعوا من اتبعه ﷺ وحكَّمه في أصول الدين وفروعه، ورضي بحكمه في ذلك، ولم يبغ عنه حولاً.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ١.المعنى والله أعلم أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ٢. وهذا توبيخ لمن لم يحكم الرسول ﷺ في موارد الشجار، أي: نحن لم نكتب عليهم ذلك، بل إنما أوجبنا عليهم ما في وسعهم، فما لهم لا يحكمونك، ولا يرضون بحكمك؟! .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٣.
قال ابن القيم: "أخبر تعالى أنهم لو فعلوا ما يعظهم به، وهو أمره ونهيه المقرون بوعده ووعيده لكان فعل أمره، وترك نهيه خيرًا لهم في دينهم ودنياهم، وأشد تثبيتًا لهم على الحق، وتحقيقًا لإيمانهم، وقوة لعزائمهم وإراداتهم، وثباتًا لقلوبهم عند جيوش الباطل، وعند واردات الشبهات المضلة، والشهوات المردية. فطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ هي سبب ثبات القلب، وقوته قوة عزائمه وإراداته، ونفاذ بصيرته، وهذا دليل على أن طاعة الرسول ﷺ تثمر الهداية، وثبات القلب عليها، ومخالفته تثمر زيغ القلب، واضطرابه، وعدم ثباته".
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ
стр. 520
صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ١، فهذه أربعة أنواع من الجزاء المرتب على طاعة الرسول ﷺ :
أحدها: حصول الخير المطلق بها.
الثاني: التثبت والقوة المتضمن للنصر والغلبة.
والثالث: حصول الأجر العظيم لهم في الآخرة.
والرابع: هدايتهم الصراط المستقيم. وهذه الهداية هي هداية ثانية أوجبتها طاعة الرسول ﷺ فطاعته ﷺ ثمرة الهداية السابقة عليها فهي محفوفة بهدايتين: هداية قبلها وهي سبب الطاعة، وهداية بعدها هي ثمرة لها، وهذا يدل على انتفاء هذه الأمور الأربعة عند انتفاء طاعة الرسول ﷺ .
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ٢.
قال ابن القيم: "فأخبر سبحانه أن طاعته وطاعة رسوله ﷺ توجب مرافقة المنعم عليهم، وهم أهل السعادة الكاملة، وهم أربعة أصناف: النبيون وهم أفضلهم ثم الصديقون وهم بعدهم في الدرجة، ثم الشهداء، ثم الصالحون فهؤلاء المنعم عليهم النعمة التامة وهم السعداء الفائزون، ولا فلاح لأحد إلا بموافقتهم، والكون معهم، ولا سبيل إلى مرافقتهم إلا بطاعة الرسول ﷺ ولا سبيل إليها إلا بمعرفة سنته وما جاء به فدل على أن من عدم العلم بسنته وما جاء به، فليس له إلى مرافقة هؤلاء سبيل، بل هو ممن يعض على يديه يوم القيامة، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ ، [الفرقان، من الآية: ٢٧] ".
قلت: ما لمن لم يحكم الرسول ﷺ في موارد النّزاع إلى مرافقة هؤلاء المنعم عليهم سبيل، وكيف يكون له سبيل إلى ذلك، وعنده أن من حكّم الرسول ﷺ في موارد النّزاع، فهو إما زنديق أو مبتدع، وأنى له بطاعة الله ورسوله، وهذا أصل اعتقاده الذي بنى عليه دينه، ومع ذلك َ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إذا حكّموا غير الرسول ﷺ ونبذوا حكمه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 521
قال المصنف وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ١.
قال أبو بكر بن عياش في الآية: "إن الله بعث محمدًا ﷺ إلى أهل الأرض، وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد ﷺ فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض". وقال ابن القيم: "قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره. فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا.
وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ﷺ فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع له ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، وفتنة وبلاء، وقحط وتسليط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى غير الله ورسوله". انتهى.
وبهذا يتبين وجه مطابقة الآية للترجمة، لأن من يدعو إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإلى الرسول، فقد أتى بأعظم الفساد.
قال وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ٢.
قال أبو العالية في الآية "يعني: لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية لله، لأن من عصى الله في الأرض، أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء
стр. 522
بالطاعة. قلت: ومطابقة الآية للترجمة ظاهر، لأن من دعا إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقد أتى بأعظم الفساد. وفي الآية دليل على وجوب إطراح الرأي مع السنة، وإن ادعى صاحبه أنه مصلح، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله، والحذر من العجب بالرأي.
قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... ﴾ ١.
قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير وعدل، الناهي عن كل شر إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكزخان الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من الملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه شرعًا يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك، فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ أي: يريدون. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها فإنه تعالى العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.
قلت وفي الآية إشارة إلى أن من ابتغى غير حكم الله ورسوله، فقد ابتغى حكم الجاهلية كائنًا ما كان.
[لا يؤمن العبد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول]
قال: عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح.
стр. 523
ش: هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب "الحجة على تارك المحجة" بإسناد صحيح كما قال المصنف عن النووي، وهو كتاب يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. ورواه الطبراني وأبو بكر بن [أبي] عاصم، والحافظ أبو نعيم في "الأربعين" التي شرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار.
وقال ابن رجب: "تصحيح هذا الحديث بعيدًا جدًّا من وجوه ... " ذكرها، وتعقبه بعضهم.
قلت: ومعناه صحيح قطعًا وإن لم يصح إسناده. وأصله في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣. وغير ذلك من الآيات، فلا يضر عدم صحة إسناده.
قوله: "لا يؤمن أحدكم"، أي: لا يحصل له الإيمان الواجب ولا يكون من أهله.
قوله: "حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". قال بعضهم: هواه بالقصر، أي: ما يهواه، أي: تحبه نفسه وتميل إليه، ثم المعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق ومنه ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤. وقد يطلق على الميل والمحبة ليشمل الميل للحق وغيره، وربما استعمل في محبة الحق خاصة، والانقياد إليه، كما في حديث صفوان بن عسال أنه سئل هل سمعت النبي ﷺ يذكر الهوى. الحديث.
قال ابن رجب: "أما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون
стр. 524
مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله تعالى، أو أحب ما كره الله كما قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢. فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلاً. وأن يكره ما كرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فازدادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلاً.
فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله. ويرضى بما يرضى به الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة. فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه الله وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ . فيجب على المؤمن محبة ما يحبه الله من
стр. 525
الملائكة والرسل والصديقين، والأنبياء والشهداء والصالحين عمومًا. ولهذا كان علامة وجود حلاوة الإيمان "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله" ١. وتحرم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عمومًا، وبهذا يكون الدين كله لله. و "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان". ومن كان حبه، وبغضه، وعطاؤه، ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فتجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومرادها. انتهى ملخصًا.
ومطابقة الحديث للباب ظاهرة من جهة أن الرجل لا يؤمن حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ في كل شيء حتى في الحكم وغيره. فإذا حكم بحكم أو قضى بقضاء، فهو الحق الذي لا محيد للمؤمن عنه، ولا اختيار له بعده.
قال المصنف: وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنَزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ... ﴾ ٢.
ش: هذا الأثر رواه ابن جرير، وابن المنذر بنحوه.
قوله: "كان بين رجل من المنافقين، ورجل من اليهود خصومة"، لم أقف على تسمية هذين الرجلين، وقد روى ابن إسحاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد وبشير، كانوا يدعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ... ﴾ ٣ الآية. فيحتمل أن يكون المنافق
стр. 526
المذكور في قصة الشعبي أحد هؤلاء، بل روى الثعلبي عن ابن عباس أن المنافق اسمه بشير.
قوله: "عرف أنه لا يأخذ الرشوة"، هي بتثليث الراء قال أبو السعادات: وهو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرِّشاء الذي يتوصل به إلى الماء، والراشي: من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ.
قلت: فعلى هذا رشوة الحاكم هي ما يعطاه ليحكم بالباطل، سواء طلبها أم لا. وفيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن أعداءه يعلمون عدله في الأحكام، ونزاهته عن قذر الرشوة ﷺ بخلاف حكام الباطل.
قوله: "فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة". لم أقف على تسمية هذا الكاهن، وفي قصة رواها ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في سبب نزول الآية قال: فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم من قريظة، وقالت قريظة: نحن أكرم منكم، فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الأسلمي وذكر القصة.
قال المصنف: وقيل: ونزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله.
ش: هذه القصة قد رويت من طرق متعددة من أقربها لسياق المصنف ما رواه الثعلبي وذكره البغوي عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ... ﴾ ١. قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشير خاصم يهوديًّا فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما للنبي ﷺ فقضى لليهودي فلم يرض المنافق، وقال:
стр. 527
تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنَزلت.
وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، هذه القصة عن مكحول وقال في آخرها: فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: إن عمر قد قتل الرجل، وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر، فسمي الفاروق. ورواه أبو إسحاق بن دحيم في تفسيره على ما ذكره شيخ الإسلام، وابن كثير، ورواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، وذكر القصة، وفيه: فقال رسول الله ﷺ "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن" فأنزل الله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... ﴾ الآية،١ فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.. .﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ ٣.
وبالجملة فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولاً يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضرها ضعف إسنادها.
وكعب بن الأشرف المذكور هنا هو طاغوت من رؤساء اليهود وعلمائهم، ذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان موادعًا للنبي ﷺ في جملة من وادعه من يهود المدينة، وكان عربيًا من بني طيئ وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما قتل أهل بدر، شق ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش، وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٤. ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها
стр. 528
رسول الله ﷺ وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله" ١ وذكر قصة قتله، وقتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة وأبو عبس بن جبير، وعباد بن بشر ﵃.
وفي القصة من الفوائد: أن الدعاء إلى تحكيم غير الله ورسوله من صفات المنافقين، ولو كان الدعاء إلى تحكيم إمام فاضل، ومعرفة أعداء رسول الله ﷺ بما كان عليه من العلم والعدل في الأحكام.
وفيها الغضب لله تعالى، والشدة في أمر الله كما فعل عمررضي الله عنه.
وفيها أن من طعن في أحكام النبي ﷺ أو في شيء من دينه قتل كهذا المنافق بل أولى.
وفيها جواز تغيير المنكر باليد، وإن لم يأذن فيه الإمام، وكذلك تعزير من فعل شيئًا من المنكرات التي يستحق عليها التعزير. لكن إذا كان الإمام لا يرضى بذلك، وربما أدى إلى وقوع فرقة أو فتنة فيشترط إذنه في التعزير فقط.
وفيها أن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد، فإن اليهود يعلمون أن محمدًا رسول الله ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور.
стр. 529
[٣٤- باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]
أي: من أسماء الله وصفاته، والمراد ما حكمه هل هو ناج أو هالك؟ ولما كان تحقيق التوحيد بل التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله والإيمان بأسمائه وصفاته، نبه المصنف على وجوب الإيمان بذلك وأيضًا فالتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة. والأولان وسيلة إلى الثالث، فهو الغاية والحكمة المقصود بالخلق والأمر. وكلها متلازمة فناسب التنبيه على الإيمان بتوحيد الصفات.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ... ﴾ ١. أي: يجحدون هذا الاسم، لا أنهم يجحدون الله، فإنهم يقرون
стр. 530
به كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١. والمراد بهذا كفار قريش أو طائفة منهم، فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادًا أو جهلًا، ولهذا لما قال النبي ﷺ لعلي يوم الحديبية: "اكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، وفي بعض الروايات لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة" ٢. يعنون مسيلمة الكذاب، فإنه قبحه الله كان قد تسمى بهذا الاسم. وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال بعضهم:
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
قال ابن كثير: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٣، أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من وصف الله بالرحمن الرحيم.
ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه كفرًا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة، والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎ وهذا نصف كفر الذين جحدوا اسم الرحمن.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٤. أي: قل يا محمد رادًّا عليهم في كفرهم بالرحمن ﵎ هو أي: الرحمن ﴿رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٥، أي: لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٦، أي: إليه مرجعي وأوبتي، وهو مصدر من قول القائل: تبت متابًا وتوبة، قاله ابن جرير. وفي الآية دليل على أن التوكل عبادة، وعلى أن التوبة عبادة،