← Акыда

Акыда · id 2378

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد

سليمان بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (700 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المذكور في قصة الشعبي أحد هؤلاء، بل روى الثعلبي عن ابن عباس أن المنافق اسمه بشير. قوله: "عرف أنه لا يأخذ الرشوة"، هي بتثليث الراء قال أبو السعادات: وهو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرِّشاء الذي يتوصل به إلى الماء، والراشي: من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ. قلت: فعلى هذا رشوة الحاكم هي ما يعطاه ليحكم بالباطل، سواء طلبها أم لا. وفيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله، لأن أعداءه يعلمون عدله في الأحكام، ونزاهته عن قذر الرشوة ﷺ بخلاف حكام الباطل. قوله: "فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة". لم أقف على تسمية هذا الكاهن، وفي قصة رواها ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في سبب نزول الآية قال: فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم من قريظة، وقالت قريظة: نحن أكرم منكم، فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الأسلمي وذكر القصة. قال المصنف: وقيل: ونزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله. ش: هذه القصة قد رويت من طرق متعددة من أقربها لسياق المصنف ما رواه الثعلبي وذكره البغوي عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ... ﴾ ١. قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشير خاصم يهوديًّا فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما للنبي ﷺ فقضى لليهودي فلم يرض المنافق، وقال:

стр. 527

تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنَزلت. وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، هذه القصة عن مكحول وقال في آخرها: فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: إن عمر قد قتل الرجل، وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر، فسمي الفاروق. ورواه أبو إسحاق بن دحيم في تفسيره على ما ذكره شيخ الإسلام، وابن كثير، ورواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، وذكر القصة، وفيه: فقال رسول الله ﷺ "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن" فأنزل الله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... ﴾ الآية،١ فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.. .﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ ٣. وبالجملة فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولاً يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضرها ضعف إسنادها. وكعب بن الأشرف المذكور هنا هو طاغوت من رؤساء اليهود وعلمائهم، ذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان موادعًا للنبي ﷺ في جملة من وادعه من يهود المدينة، وكان عربيًا من بني طيئ وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما قتل أهل بدر، شق ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش، وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٤. ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها

стр. 528

رسول الله ﷺ وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله" ١ وذكر قصة قتله، وقتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة وأبو عبس بن جبير، وعباد بن بشر ﵃. وفي القصة من الفوائد: أن الدعاء إلى تحكيم غير الله ورسوله من صفات المنافقين، ولو كان الدعاء إلى تحكيم إمام فاضل، ومعرفة أعداء رسول الله ﷺ بما كان عليه من العلم والعدل في الأحكام. وفيها الغضب لله تعالى، والشدة في أمر الله كما فعل عمررضي الله عنه. وفيها أن من طعن في أحكام النبي ﷺ أو في شيء من دينه قتل كهذا المنافق بل أولى. وفيها جواز تغيير المنكر باليد، وإن لم يأذن فيه الإمام، وكذلك تعزير من فعل شيئًا من المنكرات التي يستحق عليها التعزير. لكن إذا كان الإمام لا يرضى بذلك، وربما أدى إلى وقوع فرقة أو فتنة فيشترط إذنه في التعزير فقط. وفيها أن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد، فإن اليهود يعلمون أن محمدًا رسول الله ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور.

стр. 529

[٣٤- باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات] أي: من أسماء الله وصفاته، والمراد ما حكمه هل هو ناج أو هالك؟ ولما كان تحقيق التوحيد بل التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله والإيمان بأسمائه وصفاته، نبه المصنف على وجوب الإيمان بذلك وأيضًا فالتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة. والأولان وسيلة إلى الثالث، فهو الغاية والحكمة المقصود بالخلق والأمر. وكلها متلازمة فناسب التنبيه على الإيمان بتوحيد الصفات. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ... ﴾ ١. أي: يجحدون هذا الاسم، لا أنهم يجحدون الله، فإنهم يقرون

стр. 530

به كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١. والمراد بهذا كفار قريش أو طائفة منهم، فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادًا أو جهلًا، ولهذا لما قال النبي ﷺ لعلي يوم الحديبية: "اكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، وفي بعض الروايات لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة" ٢. يعنون مسيلمة الكذاب، فإنه قبحه الله كان قد تسمى بهذا الاسم. وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال بعضهم: وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق قال ابن كثير: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٣، أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من وصف الله بالرحمن الرحيم. ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه كفرًا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة، والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎ وهذا نصف كفر الذين جحدوا اسم الرحمن. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٤. أي: قل يا محمد رادًّا عليهم في كفرهم بالرحمن ﵎ هو أي: الرحمن ﴿رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٥، أي: لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٦، أي: إليه مرجعي وأوبتي، وهو مصدر من قول القائل: تبت متابًا وتوبة، قاله ابن جرير. وفي الآية دليل على أن التوكل عبادة، وعلى أن التوبة عبادة،

стр. 531

وإذا كان كذلك فالتوبة إلى غيره شرك. ولما "قال سارق وقد قطعت يده للنبي ﷺ اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد قال النبي ﷺ عرف الحق لأهله" ١. رواه أحمد. قال: وفي "صحيح البخاري" "قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " ش: هذا الأثر رواه البخاري مسندًا لا معلقًا لكنه في بعض الروايات علقه أولاً ثم ذكر إسناده، وفي بعضها ساق إسناده أولاً فرواه عن عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي به ولفظه: "أتحبون أن يكذب الله ورسوله". قوله: "بما يعرفون". أي: بما يفهمون. قال الحافظ: وزاد آدم ابن أبي إياس في كتاب "العلم" له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: ودعوا ما ينكرون. أي: ما يشتبه عليهم فهمه. قال: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود: " ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". رواه مسلم قال: وممن رأى التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في "الغرائب" ومن قَبْلِهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى

стр. 532

عليه الأخذ بظاهره مطلوب انتهى. وما ذكره عن مالك في أحاديث الصفات ما أظنه يثبت عن مالك، وهل في أحاديث الصفات أكثر من آيات الصفات التي في القرآن؟ فهل يقول مالك أو غيره من علماء الإسلام: إن آيات الصفات لا تتلى على العوام، وما زال العلماء قديمًا وحديثًا من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يقرؤون آيات الصفات، وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، بل شرط الإيمان هو الإيمان بالله، وصفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ فكيف يكتم ذلك عن عوام المؤمنين؟! بل نقول: من لم يؤمن بذلك فليس من المؤمنين، ومن وجد في قلبه حرجًا من ذلك، فهو من المنافقين. ولكن هذا من بدع الجهمية وأتباعهم الذين ينفون صفات الرب ﵎، فلما رووا أحاديث الصفات مبطلة لمذاهبهم، قامعة لبدعهم تواصوا بكتمانها عن عوام المؤمنين، لئلا يعلموا ضلالهم، وفساد اعتقادهم فاعلم ذلك. وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضرر من تحديث الناس ببعض ما يعرفون فلا ينبغي تحديثهم به، وليس ذلك على إطلاق، وإن كثيرًا من الدين والسنن يجهله الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يترك العالم تحديثهم، بل يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي أحسن.

стр. 533

قال: وروى عبد الرزاق عن معمر عن [ابن] طاوس عن أبيه "عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارًا لذلك فقال: ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه". انتهى. ش: قوله: "روى عبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني"، الإمام الحافظ صاحب التصانيف ك: "المصنف" وغيره. روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وخلق لا يحصون مات سنة إحدى عشرة ومائتين. ومعمر هو ابن راشد الأزدي أبو عروة البصري، نزل اليمن، ثقة ثبت، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة. وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس اليماني، ثقة فاضل عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وأبوه طاوس بن كيسان اليماني ثقة فقيه فاضل من جلة أصحاب ابن عباس وعلمائهم، مات سنة ست ومائة. قوله: "إنه رأى رجلاً". لم يسم هذا الرجل. قوله: "انتفض"، أي: ارتعد لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ فاستنكره، إما لأن عقله لا يحتمله، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره. قوله: "فقال"، أي: ابن عباس وهو عبد اللهرضي الله عنه. قوله: "ما فرق هؤلاء". يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون "ما" استفهامية إنكارية. وفرق بفتح الفاء والراء وهو الخوف والفزع، أي: ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها؟ والمراد الإنكار عليهم، فإن الواجب على

стр. 534

العبد التسليم والإذعان والإيمان بما صح عن الله وعن رسوله ﷺ وإن لم يحط به علمًا. ولهذا قال الشافعي: "آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله". والثاني: أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها. و "ما" نافية أي: ما فرق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عرفوا ذلك، فلهذا قال: يجدون رقة وهي ضد القسوة، أي: لينًا وقبولاً للمحكم، ويهلكون عند متشابهه، أي: ما يشتبه عليهم فهمه، لأن آيات الصفات هي المتشابه كما تقوله الجهمية ونحوهم، ولأن في القرآن متشابهًا لا يعرف معناه كالألفاظ الأعجمية، فإن لفظ التشابه والمتشابه يدلان على بطلان ذلك، وإنما المراد بالمتشابه، أي: ما يشتبه فهمه على بعض الناس دون بعض، فالمتشابه أمر نسبي إضافي، فقد يكون مشتبهًا بالنسبة إلى قوم بينًا جليًا بالنسبة إلى آخرين. ولهذا قال النبي ﷺ لما خرج على قوم يتراجعون في القرآن فغضب وقال: "بهذا ضلت الأمم قبلكم; باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينْزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل لأن يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به" ١. رواه ابن سعد، وابن الضريس وابن مردويه. وأما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٢. فقال ابن كثير: يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم. فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٣، أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٤، أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد

стр. 535

تحتمل أشياء أخرى من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ١، أي: ضلال، وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ، أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينَزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه. فأما الحكم، فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ٢، أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم. انتهى. وقال ابن عباس: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ٣، يعني أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون، فلبس الله عليهم ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٤. قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٥. تقدم كلام ابن عباس. وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء من القرآن. قلت: فهذا التأويل الذي انفرد الله بعلمه هو العلم بحقائق الأشياء وما تؤول إليه وعواقبها، كالإخبار بما يكون، وما في الجنة من النعيم، وما في النار من العذاب; فإن هذه الأمور وإن علمناها لكن العلم بحقائقها مما لا يعلمه إلا الله. ولهذا قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. فعلى هذا يكون الوقف على الجلالة كما روي عن جماعة من السلف، وقيل: الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٦، أي: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. فأما أهل الزيغ فلا يعلمون تأويله، وعلى هذا فالمراد بتأويله هو تفسيره وفهم معناه، وهذا هو المروي عن ابن عباس وجماعة من السلف. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن "ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله". وقال مجاهد: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٧، يعرفون تأويله. ويقولون: آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس وغيره.

стр. 536

فقد تبين ولله الحمد أنه ليس في الآية حجة للمبطلين في جعلهم ما أخبر الله به من صفات كماله هو المتشابه، ويحتجون على باطلهم بهذه الآية، فيقال: وأين في الآية ما يدل على مطلوبكم؟ وهل جاء نص عن الله أو عن رسول الله ﷺ أنه جعل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله متشابهًا؟! ولكن أصل ذلك أنهم ظنوا أن التأويل المراد في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى ما يحتمله اللفظ لدليل يقترن بذلك، وهذا هو اصطلاح كثير من المتأخرين، وهو اصطلاح حادث، فأرادوا حمل كلام الله على هذا الاصطلاح فضلوا ضلالاً بعيدًا، وظنوا أن لنصوص الصفات تأويلاً يخالف ما دلت عليه، لا يعلمه إلا الله كما يقوله أهل التجهيل، أو يعلمه المتأولون كما يقوله أهل التأويل. وفي الأثر المشروح دليل على ذكر آيات الصفات، وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، وأن من رد شيئًا منها أو استنكره بعد صحته، فهو ممن لم يفرق بين الحق والباطل، بل هو من الهالكين وأنه ينكر عليه استنكاره. قال: ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١. ش: هكذا ذكر المصنف هذا الأثر بالمعنى، وقد روى ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج [عن مجاهد] في الآية، قال: هذا "لما كاتب رسول الله ﷺ قريشًا في الحديبية، كتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . فقالوا: لا نكتب الرحمن، ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم، فأنزل الله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ". وفيه دليل على أن من أنكر شيئًا من الصفات، فهو من الهالكين، لأن الواجب على العبد الإيمان بذلك، سواء فهمه أم لم يفهمه، وسواء قبله عقله أو أنكره. فهذا هو الواجب على العبد في كل ما صح عن الله ورسوله ﷺ وهو الذي ذكر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٢.

стр. 537

[٣٥- باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ... ﴾ ١] ش: المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله، فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في "صحيحه" عن جابر مرفوعًا: "من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" ٢. وفي رواية جيدة لأبي داود "من أبلي فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" ٣. قال المنذري "من أبلي" أي: من أنعم عليه، الإبلاء الإنعام. فإذا كان ذكر المعروف الذي يقدره الله على يدي إنسان من شكره، فذكر معروف رب العالمين، وآلائه وإحسانه ونسبة ذلك إليه أولى بأن يكون شكرًا. قال المصنف: قال مجاهد ما معناه: هو "قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي". ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولفظه كما في "الدر" قال: المساكن والأنعام وسرابيل الثياب، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم. قال ابن القيم "ما معناه: لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه". وقال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا".

стр. 538

ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ولفظه كما في "الدر" "لولا فلان ما أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا". وعون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي ثقة عابد مات قبل سنة عشرين ومائة. قوله: "لولا فلان ... "، إلى آخره. قال ابن القيم ما معناه: هذا يتضمن قطع إضافة النعمة عن من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا فضلاً عن غيره، وغايته أن يكون جزءًا من أجزاء السبب أجرى الله نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببًا هو من نعم الله عليه. فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب، فقد ينعم بدونه ولا يكون له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة. قال: وقال ابن قتيبة: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا". ش: ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الحافظ، صاحب التفسير والمعارف وغيرها. وثقه الخطيب وغيره، مات سنة سبع وستين ومائتين. أو قبلها. قوله: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا"، قال ابن القيم: هذا يتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها وأقرب الخلق إلى الله، وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه;

стр. 539

فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنع بتأهيل المشفع له، إذ ليس كل أحد أهلاً أن يشفع له. فمن المنعم على الحقيقة سواه؟ قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ١. فالعبد لا خروج له عن نعمة الله وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ذم من آتاه شيئًا من نعمه ف ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢. قال المصنف: وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ... " ٣ الحديث. وقد تقدم وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير. ش: قوله: "وقال أبو العباس"، هو: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قوله: "قال بعض السلف"، لم أقف على تسمية هذا البعض. قوله: "كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا"، الملاح: هو سائس السفينة. والمعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريًا حسنًا نسبوا ذلك إلى طيب الريح، وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٤. فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء. وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره وإنما أراد أنه سبب. لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده; لأن غاية الأمر في ذلك أن يكون الريح والملاح سببًا، أو جزء سبب. ولو شاء الرب ﵎ لسلبه سببيته، فلم يكن سببًا

стр. 540

أصلاً. فلا يليق بالمنعم عليه المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ويضيف النعم إلى غيره، بل يذكرها مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها، وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ١. فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له. فإن ذلك من شكرها، وضده من إنكارها. ولا ينافي ذلك الدعاء والإحسان إلى من كان سببًا أو جزء سبب في بعض ما يصل إليك من النعم من الخلق. قال المصنف: وفيه اجتماع الضدين في القلب.

стр. 541

[٣٦- باب قول الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١] اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كمن يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر لا يقصدها. فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر. قيل: السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس، وغيره فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر، وفسرها أيضًا بالشرك الأكبر، وفسرها غيره بشرك الطاعة، وذلك لأن الكل شرك. ومعنى الآية: أن الله ﵎ نهى الناس أن يجعلوا له أندادًا، أي: أمثالاً في العبادة والطاعة، وهم يعلمون أن الذي فعل تلك الأفعال، فهو ربهم وخالقهم، وخالق من قبلهم، وجاعل على الأرض فراشًا، والسماء بناء، والذي أنزل من السماء ماء فأخرج به من أنواع الثمرات رزقًا لهم. فإذا كنتم تعلمون ذلك فلا تجعلوا له أندادًا. قال ابن القيم: فتأمل

стр. 542

هذه، وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة، وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال، فكيف تجعلون له أندادًا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله؟!. [صور من الشرك الأصغر] قال المصنف: قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان هذا كله به شرك" رواه ابن أبي حاتم. ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم، كما قال المصنف وسنده جيد. قوله: "هو الشرك أخفى من دبيب النمل ... " إلى آخره أي: إن هذه الأمور من الشرك خفية في الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" ١. رواه أحمد والطبراني. قوله: "وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي"، أي: إن من الحلف بغير الله، الحلف بحياة المخلوق وسيأتي الكلام عليه. قوله: "وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص"، أي: السراق.

стр. 543

والمعنى أن من الشرك نسبة عدم السرقة إلى الكلبة التي إذا رأت السراق نبحتهم، فاستيقظ أهلها وهرب السراق. وربما امتنعوا من إتيان المحل الذي هي فيه خوفًا من نباحها، فيعلم بهم أهلها كما روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن ابن عباس قال: "إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه يقول: لولاه لسرقنا الليلة". قوله: "ولولا البط في الدار لأتى اللصوص". البط بفتح الموحدة: طائر معروف يتخذ في البيوت، وإذا دخلها غريب صاح١ واستنكره، وهو الإوز بكسر الهمزة وفتح الواو ومعناها كالذي قبله. والواجب نسبة ذلك إلى الله تعالى، فهو الذي يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢. قوله: "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت"، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله. قوله: "وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان"، هكذا ثبت بخط المصنف بلا تنوين، والمعنى: لا تجعل فيها أي: في هذه الكلمة فلانًا فتقول: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله وحده، ولا تقل: لولا الله وفلان فهو نهي عن ذلك. قوله: "هذا كله به". أي: بالله شرك، وأعاد الضمير على الله، لأنه قد تقدم ذكر اسمه فتبين أن هذه الأمور ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية كما نص عليه ابن عباس ﵁. قال: وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ٣. رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.

стр. 544

ش: قوله: "عن عمر بن الخطاب". هكذا وقع في الكتاب، وصوابه عن ابن عمر كذلك أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وصححه ابن حبان. وقال الزين العراقي في "أماليه": إسناده ثقات. قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ١. قال بعضهم ما معناه: رواه الترمذي بأو التي للشك، وفي ابن حبان والحاكم عدمها. وفي رواية للحاكم: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" وفي "الصحيحين "من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" ٢. وعن بريدة مرفوعًا: "من حلف بالأمانة فليس منا" ٣. رواه أبو داود. والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد تقدم كلام ابن عباس في عده ذلك من الأنداد، وقال كعب: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره". رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت". وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله، أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره. قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع. انتهى ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن ذلك على سبيل كراهة التنْزيه، فإن هذا قول باطل. وكيف يقال ذلك لما أطلق عليه الرسول ﷺ أنه كفر أو شرك، بل ذلك محرم. ولهذا اختار ابن مسعودرضي الله عنه أن يحلف بالله كاذبًا، ولا يحلف بغيره صادقًا. فهذا يدل على أن الحلف بغير الله أكبر من الكذب. مع أن الكذب من المحرمات في جميع الملل فدل ذلك أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات. فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن. قيل: ذلك يختص بالله ﵎، فهو يقسم بما شاء من خلقه; لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته

стр. 545

وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى، فالله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله. قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر. وقال مطرف بن عبد الله: "إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها" ذكرهما ابن جرير. فإن قيل: قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال للأعرابي الذي سأله عن أمور الإسلام فأخبره، فقال النبي ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" رواه البخاري، وقال للذي سأله: "أي الصدقة أفضل أما وأبيك لَتُنَبِأَنَّه" ١. رواه مسلم ونحو ذلك من الأحاديث. قيل: ذكر العلماء عن ذلك أجوبة. أحدها: ما قاله ابن عبد البر في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر "أفلح والله إن صدق" ٢. قال: وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: "أفلح وأبيه" لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلاً، وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله: "وأبيه" من قوله: "والله" انتهى. وهذا جواب عن هذا الحديث الواحد فقط ولا يمكن أن يجاب به عن غيره. الثاني: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف ذكره

стр. 546

البيهقي وقال النووي: إنه المرضي. قلت: هذا جواب فاسد، بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد، ويؤيد ذلك أن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه حلف مرة باللات والعزى، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما، ولكنه جرى على لسانه من غير قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك، ومع هذا نهاه النبي ﷺ . غاية ما يقال: أن من جرى ذلك على لسانه من غير قصد معفو عنه، أما أن يكون ذلك أمرًا جائزًا للمسلم أن يعتاده فكلا. وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أنّ ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم، وأن النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف وأنى يوجد ذلك؟ الثالث: أن مثل ذلك يقصد به التأكيد لا التعظيم، وإنما وقع النهي عما يقصد به التعظيم. قلت: وهذا أفسد من الذي قبله، وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال، فهل يراد بالحلف إلا تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ فتأكيد المحلوف عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه. وأيضًا فالأحاديث مطلقة ليس فيها تفريق، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك جائز للتأكيد دون التعظيم وذلك معدوم. الرابع: أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، فما جاء من الأحاديث فيه ذكر شيء من الحلف بغير الله فهو قبل النسخ، ثم نسخ ذلك ونهي عن الحلف بغير الله. وهذا الجواب ذكره الماوردي. قال السهيلي: أكثر الشراح عليه، حتى قال ابن العربي: روي أنه ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك قال السهيلي: ولا يصح ذلك، وكذلك قال غيرهم. وهذا الجواب هو الحق، يؤيده أن ذلك كان مستعملاً شائعًا. حتى ورد النهي عن ذلك كما في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" ١.

стр. 547

رواه البخاري، ومسلم. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" ١. وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "ولا تحلفوا بآبائكم" ٢. رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه قال: حلفت مرة باللات والعزى، فقال النبي ﷺ : "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا وتعوذ ولا تعد" ٣. رواه النسائي، وابن ماجة، وهذا لفظه. وفي هذا المعنى أحاديث، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله، فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي عن ذلك. وقوله: "فقد كفر أو أشرك"، أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي ﷺ بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. وقال الجمهور: لا يكفر كفرًا ينقله عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: "ومن حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" ٤. وفي رواية: "فليستغفر"، فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ

стр. 548

يَمُوتُ﴾ ١ فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر شركًا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة. والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار. وقال بعض المتأخرين: تجب الكفارة بالحلف برسول الله ﷺ خاصة، وهذا قول باطل ما أنزل الله به من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع. قال المصنف: وقال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا". ش: هكذا ذكر المصنف هذا الأثر عن ابن مسعود ولم يعزه. وقد ذكره ابن جرير بغير سند أيضًا. قال: وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه، ورواه الطبراني بإسناد موقوفًا هكذا. قال المنذري: ورواته رواة الصحيح. قوله: "لأن أحلف بالله ... " إلى آخره. "أن" هي المصدرية، والفعل بعدها منصوب في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. و "أحب" خبره، ومعناه ظاهر. وإنما رجح ابن مسعودرضي الله عنه الحلف بالله كاذبًا على الحلف بغيره صادقًا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ذكره شيخ الإسلام. وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقًا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررًا إذا كان لا بد من أحدهما. قال: وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله

стр. 549

وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" ١. رواه أبو داود بسند صحيح. ش: هذا الحديث رواه أبو داود، كما قال المصنف، ورواه أحمد وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وله علة وله شواهد، وهو صحيح المعنى بلا ريب. وسيأتي الكلام على معناه في باب ما شاء الله وشئت إن شاء الله. قال: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان. هذا الأثر رواه المصنف غير معزو، وقد رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن مغيرة قال: كان إبراهيم يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويرخص أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، ويكره أن يقول: لولا الله وفلان، ويرخص أن يقول: لولا الله ثم فلان، لفظ ابن أبي الدّنيا، وذلك والله أعلم؛ لأن الواو تقتضي مطلق الجمع; فمنع منها للجمع، لئلا توهم الجمع بين الله وبين غيره، كما منع من جمع اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد. و"ثم" إنما تقتضي الترتيب فقط، فجاز ذلك لعدم المانع. ومطابقة الحديثين والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسر به ابن عباس ﵄ الآية.

стр. 550

باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله ... [٣٧- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله] أي: من الوعيد; لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك.

стр. 551

قال: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حَلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله" ١. رواه ابن ماجة بسند حسن. ش: هذا الحديث رواه ابن ماجة في "سننه" وترجم عليه "من حُلف له بالله فليرض" ٢. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان، عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" ٣ الحديث. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم عند الحاكم وغيره، فإنه متصل ورواته ثقات، بل قد روى مسلم عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا" ٤. وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" ٥. وليس فيه هذه الزيادة. قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" ٦. تقدم ما يتعلق به في الباب قبله. قوله: "من حلف بالله فليصدق" ٧، أي: وجوبًا; لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله فكيف إذا أكده باسم الله؟ . قوله: "ومن حُلف له بالله فليرض" ٨ أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من اللَّه" ٩. ولفظ ابن ماجة: "ومن لم يرض بالله فليس من الله" ١٠. وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ١١. قال ابن كثير: أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يفض إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها فلا يقبل حلفه, ولهذا لما "رأى عيسى ﵇ رجلاً يسرق فقال له: سرقت قال:

стр. 552

كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني" ١. رواه البخاري وفيه وجهان. أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى ﵇ للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالاً من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء". قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي ﷺ "رأى عيسى رجلاً يسرق"، فأثبت ﷺ سرقته. الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم ﵇ صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح [كما في الأعراف ٢١] ". قلت: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي، كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى.

стр. 553

[٣٨- باب قول: ما شاء الله وشئت] أي ما حكم التكلم بذلك، هل يجوز أم لا؟ وإذا قلنا: لا يجوز فهل هو من الشرك أم لا؟ . قال: عن قتيلة "أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت" ١. رواه النسائي وصححه. ش: هذا الحديث رواه النسائي في "السنن" و "اليوم

стр. 554

والليلة". وهذا لفظه في "اليوم والليلة" أخبرنا يوسف بن عيسى قال: ثنا الفضل بن موسى قال: أنا مسعر عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة امرأة من جهينة "أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون و [إنّكم] تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﵇ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة، ويقول أحدكم: ما شاء الله ثم شئت". ورواه عن أحمد بن حفص حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة عن معبد بن خالد عن قتيلة امرأة من جهينة قالت: دخلت يهودية على عائشة فقالت: إنكم تشركون وساق الحديث، ولم يذكر عبد الله بن يسار، والمشهور ذكره، وقد رواه ابن سعد، والطبراني، وابن منده، وأشار ابن سعد إلى أنها ليس لها غيره. قوله: "عن قتيلة"، هو بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرًا بنت صيفي الجهنية، أو الأنصارية صحابية. قوله: "إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت". هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي ﷺ أقر اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديدًا أو شركًا. ونهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك. وقول: "ما شاء الله ثم شئت"، وإن كان الأولى قول: ما شاء الله وحده، كما يدل عليه حديث ابن عباس وغيره، وعلى النهي عن قول: ما شاء الله وشئت جمهور العلماء، إلا أنه حكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز ذلك احتجاجا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١. وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ٢. ونحو ذلك. والصواب القول الأول، فإن النبي ﷺ أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: أجعلتني لله ندًّا. وأقر اليهودي على تسميته تنديدًا وشركا، ومن المحال أن يكون هذا أمرًا جائزًا. وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين:

стр. 555

أحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا. الثاني: أن قوله: "ما شاء الله وشئت"، تشريك في مشيئة الله، وأما الآية فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول ﷺ حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذا الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي ﷺ أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه. فإن قلت: قد ذكر النحاة أن "ثم" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم؟ ومنع منه الواو. وغاية ما يقال: إن "ثم" تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة الاشتراك قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعًا، وهذا لا يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ. وأما المعنى، فلله تعالى ما يختص به من المشيئة، وللمخلوق ما يختص به، فلو أتى بثم وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة كلولا الله ثم فلان، مثلاً لم يوجد ذلك فالنهي باق بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو مع عدم هذا الاعتقاد. ويشبه ذلك الجمع بين اسم الله واسم غيره في ضمير واحد، ولهذا "أنكره النبي ﷺ على الخطيب قال: ومن يعصهما فقد غوى، فقال له: بئس الخطيب أنت" ١. قوله: "فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة"، تقدم ما يتعلق بالحلف بغير الله قريبًا. وفي الحديث من الفوائد: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وكثير ممن يدعي الإسلام لا يعرف الشرك الأكبر، بل يصرف خالص العبادات من الدعاء والذبح، والنذر لغير الله ويظن أن ذلك

стр. 556

من دين الإسلام، فعلمتَ أن اليهود في ذلك الوقت أحسن حالاً ومعرفة منهم. وفيه فهم الإنسان إذا كان له هوى كما نبه عليه المصنف، وأن المعرفة بالحق لا تستلزم الإيمان ولا العمل، وقبول الحق ممن جاء به، وإن كان عدوًّا مخالفًا في الدين، وإن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به الإنسان من الإسلام. قال: وله أيضًا عن ابن عباس "أن رجلاً قال للنبي ﷺ ما شاء اللَّه وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًّا ما شاء الله وحده" ١. ش: هذا الحديث رواه النسائي، كما قال المصنف لكن في "اليوم والليلة" وهذا لفظه: أخبرنا علي بن خشرم عن عيسى، عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فكلمه في بعض الأمر فقال: ما شاء اللَّه وشئت فقال النبي ﷺ : أجعلتني لله عدلاً؟ قل: ما شاء الله وحده" ٢. ورواه ابن ماجة في الكفارات من "السنن" عن هشام بن عمار، عن عيسى نحوه. ولفظه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت ... " ٣ الحديث. وقد تابع عيسى على هذا الحديث سفيان الثوري، وعبد الرحمن وجعفر بن عون عن الأجلح وكلهم ثقات. وخالفهم القاسم بن مالك وهو ثقة فرواه عن الأجلح، عن أبي الزبير عن جابر، والأول أرجح. ويحتمل أن يكون عن الأجلح عنهما جميعًا. قوله: "أجعلتني لله ندًّا"، هذه رواية ابن مردويه، والرواية عند النسائي وابن ماجة "أجعلتني لله عدلاً" والمعنى واحد. قال ابن القيم: ومن ذلك أي: من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث المشروح. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة - كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ٤.

стр. 557

فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من يركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانًا. فوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندًّا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله ﷺ في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندًّا لرب العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي "مسند" الإمام أحمد: "أن رجلاً أتى به النبي ﷺ قد أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: عرف الحق لأهله" ١. قلت: إذا كان هذا كلامه ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت فكيف بمن يقول فيه [البوصيري في البردة] ؟!: ١٥٤-فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم. ويقول في همزيته: ٤٢٧-هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء. وأشباه هذا من الكفر الصريح. قال: ولابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَيْر بن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم

стр. 558

تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". ش: هذا الحديث لم يروه ابن ماجة بهذا اللفظ عن الطفيل، إنما رواه عن حذيفة ولفظه: حدثنا هشام بن عمار ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان "أن رجلاً من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلاً من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" ١. ورواه أحمد والنسائي بنحوه. وفي رواية للنسائي أن الراوي لذلك هو حذيفة نفسه. هذه رواية ابن عيينة، ثم ذكر ابن ماجة حديث الطفيل هذا فساق إسناده ولم يذكر اللفظ. فقال: حدثنا ابن أبي الشوارب، ثنا ابن عوانة عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، عن النبي ﷺ بنحوه، هذا لفظ ابن ماجة. وهكذا رواه حماد بن سلمة وشعبة وابن إدريس عن عبد الملك، فقالوا: عن الطفيل وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: ابن عيينة وهم في قوله: عن حذيفة فقد تبين أن هذا الحديث المذكور لم يروه ابن ماجة بهذا اللفظ، لكن رواه أحمد والطبراني بنحو مما ذكره المصنف.

стр. 559

قوله: "عن الطفيل" هو ابن سخبرة وفي حديثه هذا أنه أخو عائشة لأمها، وكذا قال الحربي. وقال: الذي عندي أن الحارث بن سخبرة قدم مكة، فحالف١ أبا بكر فمات، فخلف أبو بكر على أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وكان لها من الحارث الطفيل بن الحارث، فهو أخو عائشة لأمها. وقيل غير ذلك. وهو صحابي ليس له إلا هذا الحديث قال البغوي: لا أعلم له غيره. قوله: "رأيت فيما يرى النائم". كما روى أحمد، والطبراني. قوله: "على نفر من اليهود" وفي رواية أحمد، والطبراني: "كأني مررت برهط من اليهود فقلت: من أنتم فقالوا: نحن اليهود. والنفر رهط الإنسان وعشيرته"، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. قاله أبو السعادات. قوله: "فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله"، أي: نعم القوم أنتم لولا ما أنتم عليه من الشرك، والمسبة لله بنسبة الولد إليه وهذا لفظ الطبراني، ولفظ أحمد قال: أنتم القوم. قوله: "قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد". عارضوه بذكر شيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر فقالوا له: هذا الكلام، أي: نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من الشرك. وكذلك جرى له مع النصارى. قوله: "فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت". وفي رواية أحمد: "فلما أصبح أخبر بها من أخبر"، وفي رواية الطبراني: "فلما أصبحت أخبرت بها أناسًا".

стр. 560

قوله: "ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته". فيه حسن خلقه ﷺ وعدم احتجابه عن الناس كالملوك بحيث إذا أراد أحد الوصول إليه أمكنه ذلك بلا كلفة ولا مشقة، بل يصلون إليه ويقضي حاجتهم ويخبرونه بما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، ويقصون عليه ما يرونه في المنام، بل كان ﷺ يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ " ١. قوله: "فحمد الله وأثنى عليه". وفي رواية أحمد: "فلما أصبحوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه". وفي رواية الطبراني: "فلما صلى الظهر قام خطيبًا". ففيه مشروعية حمد الله والثناء عليه في الخطب، وفيه الخطبة في الأمور المهمة. وأما معنى الحمد، فقد تقدم في باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ ٢. وأما الثناء فقال ابن القيم: هو تكرار المحامد. قوله: "ثم قال: أما بعد". في رواية أحمد، والطبراني: "ثم قال: إن طفيلاً رأى رؤيا"، ولم يذكر أما بعد. وفي رواية للطبراني: فقام نبي الله على المنبر فقال: "إن أخاكم رأى رؤيا قد حدثكم بما رأى". فيه مشروعية "أما بعد" في الخطب في هذا الحديث، وإلا فلا يضر فإنها ثابتة في خطبه ﵇، وفي غيره. قوله: "وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" وفي رواية أحمد، والطبراني "وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها" ٣. وهذا الحياء منهم ليس على سبيل الحياء من الإنكار عليهم، بل كان ﷺ يكرهها ويستحيي أن يذكرها، لأنه لم يأمر بإنكارها، فلما جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة أنكرها، ولم يستحي في ذلك. وفيه دليل على أنها من الشرك الأصغر، إذ لو كانت من الأكبر لأنكرها من أول مرة قالوها. وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الحياء وأنه من الأخلاق المحمودة.

стр. 561

قوله: "فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" ١. هذا على سبيل الاستحباب وإلا فيجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان كما تقدم. وفيه أن الرؤيا قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات.

стр. 562

[٣٩- باب من سب الدهر فقد آذى الله] ش: مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، لأن سب الدهر يتضمن الشرك كما سيأتي بيانه. ولفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره، وضعف أثره من الشرك والمكروه. ذكره الخطابي. قال شيخ الإسلام: وهو كما قال. وهذا بخلاف الضرر، فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ ١. فبين سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور. وقال وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ... ﴾ ٢. ش: قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٣. قال ابن جرير: أي: ما حياة إلا حياتنا التي نحن فيها، ولا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الموت ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٤. قال ابن كثير: أي: يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدأة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. فزعموا أن هذا قد تكرر

стр. 563

مرات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١. قال ابن جرير: أي: وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام، وطول العمر إنكارًا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم. ثم روى بإسناد على شرط "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا". فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٢. قال فيسبون الدهر فقال الله ﵎: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" ٣. قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ٤. قال ابن جرير: يعني: من يقين علم ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٥. قال ابن كثير: يتوهمون ويتخيلون. فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرًا عن الدهرية المشركين؟ قيل: المطابقة ظاهرة، لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد. [النهي عن سب الدهر] قال في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" ٦. وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله" ٧. ش: قوله: في "الصحيح"، أي: "صحيح البخاري". ورواه أحمد بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم بلفظ آخر. قوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر"، فيه أن سب الدهر يؤذي الله ﵎. قال الشافعي في تأويله والله أعلم: إن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنْزل بهم، من موت، أو هرم، أو تلف، أو غير ذلك، فيقولون: إنما يهلكنا

стр. 564

الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم، ويفعل بهم. قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الدهر" ١. على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء، فإنما تسبون الله ﵎، فإنه فاعل هذه الأشياء. انتهى. قلت: والظاهر أن المشركين نوعان. أحدهما: من يعتقد أن الدهر هو الفاعل، فيسبه لذلك. فهؤلاء هم الدهرية. الثاني: من يعتقد أن المدبر للأمور هو الله وحده لا شريك له، ولكن يسبون الدهر لما يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث، فيضيفون ذلك إليه من إضافة الشيء إلى محله، لا لأنه عندهم فاعل لذلك. والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام. كقول ابن المعتز: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا. وقول أبي الطيب: قبحا لوجهك يا زمان كأنه ... وجه له من كل قبح برقع. وقول الطرفي: إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم ... عليك دهر لأهل الفضل قد خانا. وقول الحريري: ولا تأمن الدهر الخئون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه. ونحو ذلك كثير. وكل هذا داخل في الحديث. قال ابن القيم: وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة: أحدها: سبه من ليس أهلاً للسب، فإن الدهر خلق مسخر من

стр. 565

خلق الله مقاد لأمره، متذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. والثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى. انتهى. وأشار ابن أبي جمرة١ إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق، إلا ما أذن الشرع فيه، لأن العلة واحدة. قوله: "وأنا الدهر"، قال الخطابي: معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفًا لمواقع الأمور. قلت: ولهذا قال في الحديث: "وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب
следующие страницы →