Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1296–1325 · переход к 1301.
стр. 1296
فرجع الشابّ إلى أهله، فاشتمل «١» السيف حتى دخل على أهل أخيه فقتله، ثم جرّه وألقاه في الطريق؛ فأصبح اليهود وصاحبهم قتيل لا يدرون من قتله، فأتوا عمر بن الخطّاب فدخلوا عليه وذكروا ذلك له، فنادى عمر في النّاس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أنشد الله رجلا علم من هذا القتيل علما إلا أخبرني به؛ فقام الشابّ فأنشده الشعر وأخبره خبره؛ فقال عمر: لا يقطع الله يدك، وهدر دمه.
كان ابن عبّاس يقول: مثل المرأة السّوء: كان قبلكم رجل صالح له امرأة سوء، فعرض له رجل فقال: إني رسول الله إليك بأنّه جعل لك ثلاث دعوات، فسل ما شئت من دنيا أو آخرة ثم نهض، فرجع الرجل إلى منزله؛ فقالت له امرأته: ما لي أراك مفكّرا محزونا؟ فأخبرها؛ فقالت: ألست امرأتك وفي صحبتك وبناتك منّي! فاجعل لي دعوة، فأبى. فأقبل عليه ولده وقلن:
أمّنا، فلم يزلن به حتّى قال: لك دعوة؛ فقالت: اللهم اجعلني أحسن الناس وجها فصارت كذلك، وجعلت توطىء فراشها وهو يعظها فلا تتّعظ، فغضب يوما فقال: اللهمّ اجعلها خنزيرة، فتحوّلت كذلك؛ فلما رأين بناته ما نزل بأمّهن بكين وضربن وجوههن ونتفن شعورهن، فرقّ لهن قلبه فقال: اللهمّ أعدها كما كانت أوّلا؛ فذهبت دعواته الثلاث فيها.
قال عبد الله بن عكرمة: دخلت على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ أعوده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أجدني والله بالموت، وما موتي بأشدّ عليّ من تمتّع أمّ هشام، أخاف أن تتزوّج- يعني امرأته- فحلفت له وآلت ألّا تتزوّج بعده، فغشي وجهه نور، ثم قال: شأن الموت أن ينزل
стр. 1297
متى شاء، ثم مات، فتزوّجت بعمر بن عبد العزيز؛ فقلت:
فإن لقيت خيرا فلا يهنئنّها ... وإن تعست فلليدين وللفم «١»
فبلغها، فكتبت إليّ: قد بلغني بيتك الذي تمثّلت به، وما مثلي ومثل أخيك إلّا كما قال الشاعر: [طويل]
وهل كنت إلّا والها ذات ترحة ... قضت نحبها بعد الحنين المرجّع «٢»
متى تسل عنه تدّكر بعد طيّة ... من الأرض أو تقنع بإلف فتربع «٣»
فدع عنك من قد وارت الأرض شخصه ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
فبلغ ذلك منّي كلّ غيظ، واحتسبت حسابها، وإذا هي قد أعجلت عدّتها، وقد بقي عليها أربعة أيّام، فدخلت على عمر فأخبرته بذلك، فنقض النّكاح وعزل عن المدينة.
كان صخر بن الشريد أخو الخنساء خرج في غزوة فقاتل فيها قتالا شديدا، فأصابه جرح رغيب «٤» ، فمرض فطال به مرضه وعاده قومه، فقال عائد من عوّاده يوما لامرأته سلمى «٥» : كيف أصبح صخر اليوم؟ قالت: لا حيّا فيرجى ولا ميّتا فينسى، فسمع صخر كلامها فشقّ عليه، وقال لها: أنت القائلة كذا وكذا؟ قالت: نعم غير معتذرة إليك. ثم قال عائد آخر. لأمّه: كيف أصبح صخر اليوم؟ فقالت: أصبح بحمد الله صالحا ولا يزال بحمد الله بخير
стр. 1298
ما رأيناه سواده «١» بيننا. فقال صخر: [طويل]
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتي ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان «٢»
فأيّ امرىء ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلّا في أذى وهوان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان «٣»
لعمري لقد أنبهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
فلما أفاق عمد إلى سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتى فاضت نفسها «٤» ، ثم نكس «٥» من طعنته فمات.
وقرأت في سير العجم أنّ أردشير سار إلى الحضر «٦» ، وكان ملك السّواد متحصّنا فيها، وكان من أعظم ملوك الطوائف «٧» ، فحاصره فيها زمانا لا يجد إليه سبيلا، حتى رقيت ابنة ملك السّواد يوما، فرأت أردشير فعشقته فنزلت وأخذت نشّابة وكتبت عليها: إن أنت شرطت لي أن تتزوّجني دللتك على موضع تفتتح منه هذه المدينة بأيسر حيلة وأخف مؤونة، ثم رمت بالنّشابة نحو أردشير؛ فكتب الجواب في نشّابة: لك الوفاء بما سألت، ثم ألقاها إليها؛ فكتبت إليه تدلّه على الموضع؛ فأرسل إليه أردشير فافتتحه ودخل هو وجنوده،
стр. 1299
وأهل المدينة غارّون «١» فقتلوا ملكها وأكثر مقاتلتها وتزوّجها؛ فبينما هي ذات ليلة على فراشه أنكرت مكانها حتى سهرت لذلك عامّة ليلتها، فنظروا في الفراش فوجدوا تحت المحبس»
ورقة من ورق الآس قد أثّرت في جلدها، فسألها أردشير عند ذلك عما كان أبوها يغذوها به؛ فقالت: كان أكثر غذائي الشّهد والزّبد والمخّ؛ فقال أردشير: ما أحد ببالغ لك في الحباء والإكرام مبلغ أبيك، ولئن كان جزاؤه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته وعظم حقّه جهد إساءتك، ما أنا بآمن لمثله منك؛ ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد المراح «٣» جموح ثم يجرى؛ ففعل ذلك حتى تساقطت عضوا عضوا.
العتبي: سمعت أبي يحدّث عن ناس من أهل الشام: أن أخوين كان لأحدهما زوجة، وكان يغيب ويخلفه الآخر في أهله، فهويته امرأة الغائب، فأرادته على نفسها فامتنع؛ فلما قدم أخوه سألها عن حالها، فقالت: ما حال امرأة تراود في كلّ حين! فقال: أخي وابن أمّي! وإني لا أفضحه! ولكن لله عليّ ألّا أكلّمه أبدا؛ ثم حجّ وحجّ أخوه والمرأة؛ فلما كانوا بوادي الدّوم «٤» هلك الأخ ودفنوه وقضوا حجّهم ورجعوا؛ فمرّوا بذلك الوادي ليلا، فسمعوا هاتفا يقول: [طويل]
أجدّك تمضي الدّوم ليلا ولا ترى ... عليك لأهل الدّوم أن تتكلّما «٥»
وبالدّوم ثاو لو ثويت مكانه ... ومرّ بوادي الدّوم حيّا لسلّما
стр. 1300
فظنّت المرأة أنّ النّداء من السماء، فقالت لزوجها: هذا مقام العائذ، كان من أخيك ومنّي كيت وكيت؛ فقال: والله لو حلّ قتلك لوجدتني سريعا، ففارقها وضرب خيمة على قبر أخيه، وقال: [طويل]
هجرتك في طول الحياة وأبتغي ... كلامك لما صرت رمسا وأعظما «١»
ذكرت ذنوبا فيك كنت اجترمتها ... أنا منك فيها كنت أسوا وأظلما «٢»
ولم يزل مقيما حتى مات ودفن بجنب أخيه، فالقبران معروفان.
وقال الأخطل: [كامل]
المهديات لمن هوين مسبّة ... والمحسنات لمن قلين مقالا «٣»
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا ... وإذا مذلت يكنّ عنك مذالا «٤»
وإذا وعدنك نائلا أخلفنه ... ووجدت دون عداتهنّ مطالا «٥»
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهن خبالا «٦»
عن يحيى بن طفيل الجشميّ قال: كان عند رجل من قريش امرأة يحبّها، فسافر عنها، فقالت له: أشيّعك، فشيّعته ثلاث مراحل؛ فلما مضى قالت لخادمها: ناولني بعرة وروثة وحصاة، فناولها. فألقت الرّوثة وقالت:
راث خبرك «٧» ، وألقت البعرة وقالت: وعر سفرك، وألقت الحصاة وقالت:
حصّ أثرك «٨» ؛ فسمعها رجل على الماء فلحقه، فقال له: ما هذه منك؟ قال:
стр. 1301
امرأتي وأعزّ الناس إليّ؛ فأخبره بالخبر، فقام على الماء، فلما أمسى أقبل نحو منزله فوجد معها رجلا، فقتلهما جميعا.
باب الولادة والولد
خاصمت أمّ عوف- امرأة أبي الأسود الدؤليّ- أبا الأسود إلى زياد في ولدها منه: قال أبو الأسود: أنا أحقّ بالولد منها، حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه. فقالت أمّ عوف: وضعته شهوة ووضعته كرها، وحملته خفّا وحملته ثقلا؛ فقال زياد: صدقت، أنت أحقّ به، فدفعه إليها.
أنشدنا الرّياشيّ: [خفيف]
غلبت أمّه أباه عليه ... فهو كالكابليّ أشبه خاله «١»
وقال آخر: [رجز]
والله ما أشبهني عصام ... لا خلق منه ولا قوام
نمت وعرق الخال لا ينام
وقال بعض بني أسد- والقيافة «٢» فيهم-: لا يخطىء الرجل من أبيه خلّة من ثلاث: رأسه، أو صوته، أو مشيته.
قيل لرجل: ما أشبه ولدك بك!. قال: من ترك وأهله أشبهه ولده.
قال رجل للجمان: ولدت امرأتي لستة أشهر؛ فقال الجمان: كان أبوها ضاربا.
стр. 1302
عيّرت نوار- امرأة الفرزدق- الفرزدق بأنه لا ولد له؛ فقال الفرزدق: [طويل]
وقالت أراه واحدا لا أخا له ... يورّثه في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما ... بنيّ حواليّ الأسود الحوارد «١»
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو في الناس واحد «٢»
فولد بعد ذلك ولده: سبطة ولبطة وحبطة وغيرهم.
بلغني عن الزّياديّ قال: كنت مئناثا «٣» ، فقيل لي: استغفر إذا جامعت، فولد لي بضعة عشر ذكرا.
عن ابن عبّاس قال: مرّ عيسى ﵇ على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها؛ فقالت: يا كلمة الله، ادع الله أن يخلّصني؛ فقال: يا خالق النّفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلّصها؛ فألقت ما في بطنها. فإذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب لها: باسم الله، لا إله إلّا هو الكريم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله ربّ العالمين، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
«٤» ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
«٥» الآية.
باب الطّلاق
قال رسول الله ﷺ : «إنّ أبغض الحلال إلى لله الطّلاق» .
стр. 1303
الأصمعيّ قال: كان بالمدينة قاض، يقال له: فلان «١» بن المطّلب بن حنطب المخزوميّ قد أدركته (وأمّ المطّلب: أخت مروان بن الحكم) ، خاصمت إليه امرأة زوجها، وكانت قالت: أجعتني وأسأت إليّ، والله ما تستطيع فئران بيتك أن يمشين من الجهد وما يقمن إلّا على الوطن! «٢» فقال:
أنت طالق إن كنّ ما يقمن إلّا على الوطن، فخبّرته بما قالت وقال؛ فقال ابن المطّلب يطلب له المعاذير: وربّك إنّ الإبل لتكون بالمكان الجديب الخسيس المرعى فتقيم به لحبّ الوطن؛ فقال الزوج حين رآه يحتال لئّلا يفرّق بينهما:
كأنما أشكلت عليك، هي طالق عشرين.
طلّق رجل امرأة عدد نجوم السماء؛ فقال ابن عبّاس: يكفيه من ذلك هقعة «٣» الجوزاء.
وطلّق رجل من الأعراب امرأة، وكان له منها ابن يقال له حمّاد، وندم فقال: [بسيط]
فديت بالأم حمّادا وقلت له ... أنت ابن ذلفاء منّي فادن يا ولدي «٤»
لا يقربنّ ثلاثا منكم أحد ... إني وجدت ثلاثا أشأم العدد «٥»
стр. 1304
وقال عليّ بن منظور (١) : [مجزوء الكامل المرفّل]
ما للطلاق فقدته ... وفقدت عاقبة الطّلاق «١»
طلّقت خير خليلة ... تحت السموات الطّباق «٢»
كان الأصمعيّ طلّق امرأة ثم تبعتها نفسه؛ فكتب إليها: [سريع]
وهل رأيتم بعدنا مثلنا ... فما رأينا بعدكم مثلكم
نصيب من يعجبنا خلوة ... منه ولا نجمع ما عندكم
قد اتخذنا بعدكم مبدعا ... لصونكم وليس من شكلكم
إن شئتم لم نتخذه وكا ... ن الصون والبذل جميعا لكم
وقال أعرابيّ لامرأته: [وافر]
تمنّين الطلاق وأنت منّي ... بعيش مثل مشرقة الشّمال «٣»
وطلّق أعرابيّ امرأته وقال: [مجزوء الكامل المرفّل]
رحلت أميمة بالطّلاق ... وعتقت من رقّ الوثاق «٤»
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآقي
لو لم أرح بطلاقها ... لأرحت نفسي بالإباق «٥»
ودواء ما لا تشتهي ... هـ النفس تعجيل الفراق
والعيش ليس بطيب بي ... ن اثنين في غير اتفاق
كانت لمحمد بن كناس امرأة يبغضها، فمرّ بمصلوب فقال: [طويل]
стр. 1305
أيا جذع مصلوب أتى دون صلبه ... ثلاثون حولا كاملا هل تبادل
وما أنت بالحمل الذي قد حملته ... بأضجر منّي بالذي أنا حامل
وقال آخر «١» : [منسرح]
بتّ بخسف في شرّ منزلة ... لا أنا في لذّة ولا فرسي «٢»
هذا على الخسف لا قضيم له ... وأنا ذا لا يسوغ لي نفسي «٣»
تجهّزي للطّلاق وارتحلي ... ذاك دواء الجوامح الشّمس»
لليلتي حين بنت طالقة ... ألذّ عندي من ليلة العرس «٥»
عن عيسى بن عمر قال: شكا الفرزدق امرأته، فقال له شيخ من بني مضر كان أسنّ منه: أفلا تكسعها «٦» بالمحرجات! (يعني الطلاق) ؛ فقال:
قاتلك الله! ما أعلمك من شيخ!.
قال خالد بن صفوان: ما بتّ ليلة أحبّ إليّ من ليلة طلّقت فيها نسائي، فأرجع والستور قد هتكت، ومتاع البيت قد نقل، فتبعث إليّ إحداهن بسليلة «٧» مع بنتي فيها طعامي، وتبعث لي الأخرى بفراش أنام عليه.
قيل لامرأة كانت تطلّق كثيرا: ما بالك تطلّقين؟ قالت: يريدون التّضييق علينا، ضيّق الله عليهم!.
стр. 1306
طلّق رجل امرأته؛ فقيل له: ما صنعت؟ قال: طلّقتها والأرض من ورائها. أي لا أقرب ناحية هي بها.
وقال أعرابيّ لامرأته: [متقارب]
أنوّهت باسمي في العالمين ... وأفنيت عمري عاما فعاما «١»
فأنت الطلاق وأنت الطلاق ... وأنت الطلاق ثلاثا تماما
الأصمعيّ قال: أتى رجل أبا حازم فقال: إنّ الشيطان قد أولع بي يوسوس لي ويحدّثني أني قد طلّقت امرأتي؛ فقال له: وأنا أحدّثك أنك قد طلّقتها، أو ما فعلت؟ فقال: سبحان الله يا أبا حازم! أفتكذّبني وتصدّق الشيطان!.
وقال أعرابيّ وقد طلّق امرأته: [طويل]
وما أنا إذا فارقت أسماء طائعا ... بخير من السّكران رأيا ولا عقلا
وما زال صرف الدهر حتى رأيتني ... أبيت بها ضيفا كأن لم أكن بعلا
وقال آخر «٢» : [طويل]
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لأفقر منّي إنّني لفقير
لقد كثر الأخبار أن قد تزوّجت ... فهل يأتينّي بالطّلاق بشير
باب العشّاق سوى عشّاق الشعراء
محمد بن قيس الأسديّ قال: وجّهني عامل المدينة إلى يزيد بن عبد
стр. 1307
الملك وهو خليفة فخرجت، فلما قربت المدينة بليلتين أو ثلاث وإذا أنا بامرأة قاعدة على قارعة الطريق، وإذا رجل رأسه في حجرها كلّما سقط رأسه أسندته، فسلّمت فردّت ولم يردّ الشاب؛ ثم تأمّلتني فقالت: يا فتى، هل لك في أجر لا مرزئة فيه؟ قلت: سبحان الله! وما أحبّ الأجر إليّ وإن رزئت فيه!. فقالت: هذا ابني، وكان إلفا لابنة عمّ له تربّيا جميعا، ثم حجبت عنه، فكان يأتي الموضع والخباء، ثم خطبها إلى أبيها فأبى عليه أو يزوّجها؛ ونحن نرى عيبا أن تزوّج المرأة من رجل كان بها مغرما، وقد خطبها ابن عمّ لها وقد زوّجت منذ ثلاث، فهو على ما ترى لا يأكل ولا يشرب ولا يعقل، فلو نزلت إليه فوعظته! فنزلت إليه فوعظته؛ فأقبل عليّ وقال: [وافر]
ألا ما للحبيبة لا تعود ... أبخل بالحبية أم صدود «١»
مرضت فعادني قومي جميعا ... فما لك لم تري فيمن يعود
فقدت حبيبتي فبليت وجدا ... وفقد الإلف يا سكني شديد
وما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من بني عمّي عديد
فلو كنت السّقيمة جئت أسعى ... إليك ولم ينهنهني الوعيد «٢»
قال: ثم سكن عند آخر كلمته؛ فقالت العجوز: فاضت والله نفسه ثلاثا! فدخلني أمر لا يعلمه إلّا الله، فاغتممت وخفت موته لكلامي. فلما رأت العجوز ما بي قالت: هوّن عليك! مات بأجله واستراح ممّا كان فيه، وقدم على ربّ كريم؛ فهل لك في استكمال الأجر؟ هذه أبياتي منك غير بعيدة، تأتيهم فتنهاه إليهم وتسألهم حضورهم؛ فركبت فأتيت أبياتا منها على
стр. 1308
قدر ميل، فنعيته إليهم وقد حفظت الشعر، فجعل الرجل يسترجع «١» . فبينما أنا أدور إذا امرأة قد خرجت من خبائها تجرّ رداءها ناشرة شعرها، فقالت: أيّها الناعي، بفيك الكثكث «٢» ، بفيك الحجر! من تنعى؟ قلت: فلان بن فلان.
فقالت: بالذي أرسل محمدا واصطفاه، هل مات؟ قلت: نعم؛ قالت: فماذا الذي قال قبل موته؟ فأنشدتها الشعر، فو الله ما تنهنهت «٣» أن قالت: [وافر]
عداني أن أزورك يا حبيبي ... معاشر كلّهم واش حسود «٤»
أشاعوا ما سمعت من الدّواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد «٥»
وأمّا (٥) إذ ثويت اليوم لحدا ... فدور الناس كلّهم لحود
فلا طابت لي الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثرى العبيد «٦»
ثم مضت معي ومع القوم تولول حتى انتهينا إليه، فغسّلناه وكفّنّاه وصلّينا عليه، فأكبّت على قبره؛ وخرجت لطيّتي «٧» حتى أتيت يزيد بن عبد الملك، وأوصلت إليه الكتاب؛ فسألني عن أمور الناس، قال: هل رأيت في طريقك شيئا؟ قلت: نعم، رأيت والله عجبا، وحدّثته الحديث؛ فاستوى جالسا، ثم قال: لله أنت يا محمد بن قيس! امض الساعة قبل أن تعرف جواب ما قدمت له، حتّى تمرّ بأهل الفتى وبني عمّه، وتمرّ بهم إلى عامل المدينة، وتأمره أن يثبتهم في شرف العطاء، وإن كان أصابها ما أصابه، فافعل ببني عمّها ما
стр. 1309
فعلت ببني عمه، ثم ارجع إليّ حتى تخبرني بالخبر، وتأخذ جواب ما قدمت له. فمررت بموضع القبر، فرأيت إلى جانبه قبرا آخر، فسألت عنه فقيل: قبر المرأة، أكبّت على قبره، ولم تذق طعاما ولا شرابا، ولم ترفع عنه إلى ثلاثة أيام إلا ميتة؛ فجمعت بني عمّها وبني عمّه، وأثبتّهم في شرف العطاء جميعا.
عن هاشم بن حسّان عن رجل من بني تميم قال:
خرجت في طلب ناقة لي، حتى وردت على ماء من مياه طيء، فإذا أنا بعسكرين «١» بينهما دعوة «٢» ، فإذا أنا بفتى شابّ وجارية في العسكر، وإذا هو قد سمع نبرة من كلامها وهو مريض، فرفع عقيرته «٣» وقال: [وافر]
ألا ما للمليحة لا تعود ... أبخل بالمليحة أم صدود
فلو كنت المريضة كنت أسعى ... إليك ولم ينهنهني الوعيد
فسمعت صوته فخرجت تعدو، فأمسكها النساء، وأبصرها فأقبل ينشد، فأمسكه الرجال، فأفلت وأفلتت، فاعتنقا وخرّا ميّتين؛ فخرج شيخ من تلك الأخبية حتى وقف عليهما. فاسترجع لهما، ثم قال: أما والله لئن كنتما لم تجتمعا حيّين لأجمعنّ بينكما ميّتين. قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا ابن أخي، وهذه ابنتي؛ فدفنهما في قبر واحد.
стр. 1310
عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عجلان «١» صاحب هند «٢» التي عشقها وكانت تحبّه فطلّقها: [طويل]
ألا إنّ هندا أصبحت لك محرما ... وأصبحت من أدنى حموّتها حما
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلّب بالكفّين قوسا وأسهما «٣»
ومدّ بها صوته ثم مات. قال الأصمعيّ: فيه قال الشاعر: [هزج]
إن متّ من الحبّ ... فقد مات ابن عجلان
قيل لأعرابيّ من العذريّين: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث «٤» كما ينماث الملح في الماء! أما تجلّدون؟ «٥» فقال: إننا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها.
وقيل لأعرابيّ: ممّن أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبّوا ماتوا. فقالت جارية سمعته: عذريّ وربّ الكعبة!.
عن عبد الملك بن عمير قال: كان أخوان من بني كنّة «٦» من ثقيف، أحدهما ذو أهل، والآخر عزب، وكان ذو الأهل إذا غاب خلفه العزب في أهله؛ فغاب غيبة له، فجاء العزب يوما فطلعت عليه امرأة الأخ، وهي لا تعلم
стр. 1311
بمكانه، وعليها درع يشفّ «١» ، فسترت وجهها بذراعيها، فوقعت في قلبه، وجعل يذوب حتى صار كأنه خيط؛ فقدم أخوه فقال: يا أخي، مالك؟ قال: لا أدري، واستحيا أن يذكر ما به؛ فانطلق أخوه إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب، فوصفه له؛ فقال: احمله إليّ؛ فلما نظر إليه قال: أمّا العينان فصحيحتان، وأما الجسم فذائب، ولا أظن أخاك إلا عاشقا؛ قال: ترى أخي بالموت، وتزعم أنه عاشق! قال: هو ما أقول لك، فاسقه الشراب؛ فسقاه الخمر، فقال الشعر ولم يكن الشعر من شأنه، فقال: [هزج]
ألمّا بي إلى الأبيا ... ت بالخيف أزرهنّه «٢»
غزال ما رأيت اليو ... م في دور بني كنّه
غزال أكحل العين ... وفي منطقه غنّه «٣»
فقال أخوه: والله ما أراه إلّا كما قال، ولكن لا أدري من عنى؛ فسقاه شربة أخرى، فقال: [مجزوء الخفيف]
أيّها الحيّ اسلموا ... اسلموا ثمّت اسلموا
لا تولّوا وتعرضوا ... وأربعوا «٤» كي تكلّموا
خرجت مزنة من ال ... بحر ريّا تحمحم «٥»
стр. 1312
هي ما كنّتي وتز ... عم أنّي لها حم «١»
قال: يا أخي هي طالق ثلاثا، فإن شئت فتزوّجها؛ قال: وهي طالق إن تزوّجتها. قال غيره: فلما أفاق ذهب على وجهه حياء ولم يرجع، فهو فقيد ثقيف.
عن أبي مسكين قال: خرج أناس من بني حنيفة يتنزّهون إلى جبل لهم، فبصر فتى منهم يقال له عباس بجارية فهويها، وقال لأصحابه: والله لا أنصرف حتى أرسل إليها؛ فطلبوا إليه أن يكفّ وأن ينصرف معهم فأبى، وأقبل يراسل الجارية حتى وقع في نفسها، فأقبل في ليلة إضحيانة «٢» متنكّبا «٣» قوسه وهي بين إخوتها نائمة، فأيقظها؛ فقالت: انصرف وإلا أيقظت إخوتي فقتلوك! فقال: والله للموت أيسر ممّا أنا فيه، ولكن لله عليّ إن أعطيتيني يدك حتى أضعها على فؤادي أن أنصرف؛ فأمكنته من يدها، فوضعها على فؤاده ثم انصرف؛ فلمّا كان من القابلة أتاها وهي في مثل حالها، فقالت له مثل مقالتها، وردّ عليها وقال: إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت ثم لا أعود إليك، فأمكنته من شفيتها فرشفهما ثم انصرف؛ فوقع في قلبها منه مثل النار؛ ونذر»
به الحيّ، فقالوا: ما لهذا الفاسق في هذا الجبل! انهضوا بنا إليه حتى نخرجه منه؛ فأرسلت إليه: إن القوم يأتونك الليلة فاحذر، فلما أمسى قعد على مرقب «٥» ومعه قوسه وأسهمه، وأصاب الحي من آخر النهار
стр. 1313
مطر وندى فلهوا عنه؛ فلما كان في آخر اللّيل وذهب السحاب وطلع القمر، خرجت وهي تريده وقد أصابها الطلّ، فنشرت شعرها وأعجبتها نفسها ومعها جارية من الحيّ، فقالت: هل لك في عبّاس؟ فخرجنا تمشيان، ونظر إليهما وهو على المرقب، فظنّ أنهما ممن يطلبه، فرمى بسهم فما أخطأ قلب الجارية ففلقه! وصاحت الأخرى، فانحدر من الجبل وإذا هو بالجارية في دمها؛ فقال: [مجزوء الكامل]
نعب الغراب بما كره ... ت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها ... فاصبر وإلّا فانتحر
ثم وجأ «١» في أوداجه بمشاقصه «٢» ، وجاء الحيّ فوجدوهما مقتولين فدفنوهما!.
قال خلّاد الأرقط: سمعت مشايخنا من أهل مكة يذكرون أن القسّ «٣» ، وهو مولى لبني مخزوم، كان عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح، وأنه مرّ يوما بسلّامة «٤» وهي تغنّي، فوقف يسمع؛ فرآه مولاها فدنا منه فقال: هل لك في أن تدخل وتستمع؟ فأبى، ولم يزل به فقال: أقعدك في موضع لا تراها ولا تراك، ففعل، ثم غنت فأعجبته؛ فقال: هل لك في أن أحوّلها إليك؟ فتأبّى. ثم أجاب، فلم يزل به حتى شغف بها وشغفت به، وعلم ذلك أهل مكة. فقالت له يوما وقد خلوا: أنا والله أحبّك؛ فقال: وأنا
стр. 1314
والله أحبّك. قالت: فأنا أحبّ أن أضع فمي على فمك؛ قال: وأنا والله.
قالت: وأنا والله أحبّ أن أضع صدري على صدرك؛ قال: وأنا والله. قالت:
فما يمنعك؟ والله إن الموضع لخال! فأطرق ساعة، ثم قال: إني سمعت الله يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
«١» ، وأنا والله أكره أن تكون خلّة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة؛ ونهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها. وفيه قيل: [طويل]
لقد فتنت ريّا وسلّامة القسّا ... ولم تتركا للقسّ عقلا ولا نفسا
ومن شعره فيها: [وافر]
أهابك أن أقول بذلت نفسي ... ولو أنّي أطيع القلب قالا
حياء منك حتى شفّ جسمي ... وشقّ عليّ كتماني وطالا «٢»
وهو القائل: [كامل]
قد كنت أعذل في السّفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيّام
فاليوم أرحمهم وأعلم أنّما ... سبل الغواية والهدى أقسام
وهو القائل: [طويل]
ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا مرحت في صوتها كيف تصنع «٣»
تمدّ نظام القول ثم تردّه ... إلى صلصل في حلقها فترجّع «٤»
كتبت منية إلى قابوس: من سنّ سنّة فليرض بأن يحكم عليه بها. ومن سأل مسألة فليرض من العطيّة بقدر بذله. لكلّ عمل ثواب، ولكل فعل
стр. 1315
جزاء. ومن بدأ بالظلم كان أظلم. ومن انتصر فقد أنصف. والعفو أقرب إلى العقل. وغير مسيء من أعتب. وغير مذنب من طوّل «١» مع المخض تبدو الزّبدة. عند تناهي البلاء يكون الفرج. كلّ ذي قرح يشتهي دواء قرحه. كلّ مطمع منتظر. كل آت قريب. مع كل فرحة ترحة. من خبث سنخه «٢» غلظ كبده ونام حقده. الموت أروح من الهوى. اليأس أوّل سبب الراحة. السّحر أنفذ من الشعر. دواء كل محبّ حبيبه. مع اليوم غد. كما تدين تدان.
استشف الله لما بك، واسأله المدافعة عنك.
فأجابها:
من الكرام تكون الرحمة، ومن اللئام تكون القسوة. من كرم أصله لان قلبه ورقّ وجهه. ومن عاقب بالذنوب ترك الفضل. ومن ترك الفضل أخطأ الحظّ. ومن لم يغفر لم يغفر له. ومن حقد واضطغن اكتسب الأعداء. أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها. لكل كرب فرج، ولكل عمر ثواب.
من أحبّ رقّ لكلّ محبّ. لا داء أدوى «٣» من الهوى، ولا أوهن منه لذي القوى. لا ملكة «٤» أكرم من ملكة كريم، ولا قدرة ألأم من قدرة لئيم. ملكت فأسجحي «٥» : قدرت فاعفي. ويل للشّجيّ من الخليّ «٦» . من كان في نعمة لم يدر قدر البليّة. من سها عقله فسد عيشه، ومن فسد عيشه كان الموت راحته.
الآمال مبسوطة، والآجال معدودة. والمتوقّع الموت. وحسرة الموت من مات
стр. 1316
بغصّة. خير الخير أعجله. من أراد معروفا فلا يتطوّل «١» . الحبّ أثقل محمول.
وكتب إليها أيضا:
قلّ من حبيب كتاب، وعظم من محبّ مصاب. لكلّ آخر أوّل، مرقاة «٢» إلى مرقاة. قد ينمو القليل فيكثر، ويضمحلّ الكثير فيذهب. من طلب وجد.
ومن أدمن الاستفتاح فتحت له الأغلاق. أولى الأمور بالنجاح المواظبة. قد يتبع الظّفر البصر، ويتبع البصر التغير والاستثقال، ويتبع الاستثقال الاستبدال؛ ولن يدوم شيء على حال. ولكلّ همّ فرج. والعناء مقرون بالرجاء. قد يستخرج بالكلمة الحيّة، وتنشأ من الحبّة الشجرة. وفي اللقاء شفاء الغليل، وتنفّس الهموم. ارتاد امرؤ قبل حلوله، وتثبّت قبل إقدامه. مع العجلة تكون النّدامة، وفي التثبّت تكون السلامة. العاقل من ابتدأ عملا في غير حينه فبلغ في حين وقته. لا ينال بغير دواء شفاء. الصعب يمكن بعد منع. الرّفق سبب القدرة. الخرق «٣» مفتاح الحرمان. من أسرّ «٤» أسراره دامت له لذّاته. ربّ أكلة تمنع أكلات، ولقية تصدّ عن لقيات.
стр. 1317
أبيات في الغزل حسان
[طويل]
يقرّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود «١»
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى فقد ملّ السّرى كلّ واحد «٢»
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسمّ الأساود «٣»
قال أبو صخر الهذليّ «٤» : [طويل]
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي ... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما لم يكن بلغ الهجر
ويا حبّها زدني جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر «٥»
وصلتك حتى قيل لا يعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر «٦»
عجبت لسعى الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر «٧»
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض الصعفور بلله القطر «٨»
стр. 1318
هل الوجد إلّا أنّ قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرّمح لاحترق الجمر
وقال آخر «١» : [طويل]
أيا خلّة النّفس التّي ليس دونها ... لنا من أخلّاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبّه لم يطع به ... عدوّ ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النّوى ... وجور العدا فيه إليك سبيل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة ... فأفنيت علّاتي فأيش أقول «٢»
وما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... وما كلّ يوم لي إليك رسول
وقال المجنون «٣» : [طويل]
وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا «٤»
وأخرج من بين الجلوس لعلّني ... أحدّث عنك النفس في السّرّ خاليا
وقال أيضا:
فأدنيتني حتى إذا ما ملكتني ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح «٥»
تجافيت عنّي حين لا لي حيلة ... وخلّفت ما خلّفت بين الجوانح
ونحوه قول العبّاس بن الأحنف: [بسيط]
أشكو الذي أذاقوني مودّتهم ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلمّا قمت منتهضا ... من ثقل ما حمّلوني في الهوى قعدوا
стр. 1319
وقال بعض المحدثين: [مجتث]
من كان يبكي لما بي ... من طول وجد رسيس «١»
فالآن قبل وفاتي ... «لا عطر بعد عروس» «٢»
وقال العبّاس بن جرير من ولد خالد بن عبد الله: [مديد]
ظلّت الأحزان تكحلني ... مضضا طالت له سنتي «٣»
من هوى ظبي كأنّ له ... أربا بالصدّ في ترتي «٤»
قد حمى عني محاسنه ... وحمى تقبيله شفتي
شركت عيناه ظالمة ... في دمي من عظم ما جنت «٥»
وقال ابن الطّثريّة: [طويل]
وإن كنتم ترجون أن يذهب الهوى ... يقينا وتروى بالشراب فننقعا «٦»
فردوا هبوب الريح أو غيّروا الجوى ... إذا حلّ ألواذ الحشا فتمنّعا «٧»
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «٨»
стр. 1320
وقال ابن ميّادة «١» : [طويل]
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم يزل ... له سكتة حتى يقال مريب
وقال عليّ بن الجهم في رقعة أتته بخطّ جارية: [سريع]
ما رقعة جاءتك مثنيّة ... كأنّها خدّ على خدّ «٢»
نبذ سواد في بياض كما ... ذرّ فتيت المسك في الورد «٣»
ساهمة الأسطر مصروفة ... عن ملح الهزل إلى الجدّ «٤»
يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليه حسبي منك ما عندي
وقال جرير: [طويل]
أتجمع قلبا بالعراق فريقه ... ومنه بأظلال الأراك فريق «٥»
أوانس أمّا من أردن عناءه ... فعان ومن أطلقن فهو طليق
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهنّ صديق
وقال آخر: [بسيط]
لذّان تضنيهما للبين فرقته ... ولا يملّان طول الدّهر ما اجتمعا «٦»
مستقبلان بساه من شبابهما ... إذا دعا دعوة الدّاعي الهوى شمعا «٧»
стр. 1321
لا يعجبان لقول النّاس عن عرض ... بل يعجبان لما قالا وما سمعا «١»
وقال أعرابيّ: [طويل]
وقلن لها سرّا وقيناك لا يقم ... صحيحا فإن لم تقتليه فألممي
فأذرت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم «٢»
فراح وما أدري أفي طلعة الضّحى ... يروّح أم داج من الليل مظلم
وقال آخر: [بسيط]
يا أحسن الناس من قرن إلى قدم ... لم ألق مثلك في حلّ ولا حرم «٣»
يا من تلبّس حسن الغانيات به ... قد خطّ قبلك فيما خطّ بالقلم
وقال ذو الرّمّة «٤» : [طويل]
وقد كنت أبكي والنّوى مطمئنّة ... بنا وبكم من علم ما البين صانع
وأشفق من هجرانك ويشفّني ... مخافة وشك البين والشمل جامع «٥»
وأهجركم هجر البغيض وحبّكم ... على كبدي منه شؤون صوادع «٦»
وقال أيضا: [طويل]
وقد كنت أخفي حبّ ميّ وذكرها ... رسيس الهوى حتى كأن لا أريدها
فما زال يغلوا حبّ ميّة عندنا ... ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها
стр. 1322
وقال: [طويل]
وما زلت أطوي النفس حتى كأنّها ... بذي الرّمث لم تخطر على بال ذاكر «١»
حياء وإشفاقا من الركب أن يروا ... دليلا على مستودعات الضمائر
وقال آخر: [خفيف]
قل لحادي المطيّ روّح قليلا ... نجعل العيس سيرهنّ ذميلا «٢»
لا تقفها على السبيل ودعها ... يهدها شوق من عليها السّبيلا
وقال آخر: [طويل]
فإن يرتحل صحبى بجثمان أعظمي ... يقم قلبي المحزون في منزل الرّكب
ونحوه: [مجزوء الكامل المرفّل]
جسد مقيم في الدّيا ... ر وروحه في الظاعنين
وقال آخر: [طويل]
لعمر أبي المحضير أيّام نلتقي ... بما لا نلاقيها من الدّهر أكثر
يعدّون يوما واحدا إن أتيتها ... وينسون ما كانت من الدهر تهجر
وقال حميد بن ثور: [طويل]
وقلن لها قومي فديناك فاركبي ... فأومت بلالا غير ما أن تكلّما «٣»
يهادينها حتى لوت بزمامه ... بنانا كهدّاب الدّمقس ومعصما «٤»
من البيض عاشت بين أمّ عزيزة ... وبين أب برّ أطاع وأكرما
стр. 1323
منعّمة لو يصبح الذرّ ساريا ... على جلدها نضّت مدارجه دما «١»
فما ركبت حتى تطاول يومها ... وكانت لها الأيدي إلى الحدب سلّما «٢»
فجرجر لما كان في الخدر نصفها ... ونصف على دأياته ما تحرّما «٣»
وما كاد لمّا أن علته يقلّها ... بنهضته حتى اطمأنّ وأعصما «٤»
وحتى تداعت بالنّقيض جباله ... وهمّت بواني زوره أن تحطّما «٥»
وأثّر في صمّ الصّفا نفثاته ... ورمّت سليمى أمره ثم صمّما «٦»
فسبّحن واستهللن لما رأينه ... بها ربذا سهل الأراجيح مرجما «٧»
من البيض مكسال إذا ما تلبّست ... بحبل امرىء لم ينج منها مسلّما «٨»
رقود الضّحى لا تقرب الجيرة القصى ... ولا الجيرة الأدنين إلّا تجشّما
وليست من اللّاتي يكون حديثها ... أمام بيوت الحيّ إنّ وإنّما
وقال قيس بن ذريح «٩» : [طويل]
تعلّق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنّا نطافا وفي المهد «١٠»
стр. 1324
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... فليس وإن متنا بمنفصم العهد «١»
ولكنّه باق على كلّ حادث ... وزائرنا في ظلمة القبر واللّحد
يكاد حباب الماء يخدش جلدها ... إذا اغتسلت بالماء من رقّة الجلد «٢»
ولو لبست ثوبا من الورد خالصا ... لخدّش منها جلدها ورق الورد
يثقّلها لبس الحرير للينها ... وتشكو إلى جاراتها ثقل العقد
وأرحم خدّيها إذا ما لحظتها ... حذارا للحظي أن يؤثّر في الخدّ
تمّ كتاب النساء، وهو الكتاب العاشر من عيون الأخبار، لابن قتيبة رحمة الله عليه، وتمّ بتمامه كتاب عيون الأخبار. وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر ابن محمد بن عليّ الواعظ الجزريّ، في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خير خلقه ومظهر حقه محمد وآله أجمعين جاء في أوّل الجزء العاشر على ظهر الصفحة الأولى من النسخة الخطية التي نقل عنها الأصل الفتوغرافي ما يأتي: [خفيف]
قال لي قائل وقد لاح في فو ... ديّ مستشرقا بياض القتير «٣»
لم يعاف البياض بيض الغواني ... قلت علمي وأنت عين الخبير
ليس كره النساء للشّيب إلّا ... أنه منذر بنوم الأيور
روي عن عليّ ﵇ أنه سئل عن صفة الجماع فقال: عورات تجتمع وحياء يرتفع، إذا ظهر للعيون كان أشبه شيء بالجنون. الإقامة عليه
стр. 1325
هرم، والإفاقة منه ندم؛ ثمرة حلاله الولد، إن عاش أفتن «١» ، وإن مات أحزن: [طويل]
إذا لم يكن في منزل المرء حرّة ... مدبّرة ضاعت مروءة داره
وقيل: اجتمع جماعة من الشعراء عند عبد الملك بن مروان فتذاكروا بيت نصيب وهو قوله: [طويل]
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدي
فما في القوم إلا من عابه وأزرى على نصيب فيه، فقال عبد الملك:
فما كنتم تقولون أنتم؟ فقال واحد منهم: كنت أقول يا أمير المؤمنين:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي
فقال له عبد الملك: أنت أسوأ رأيا من نصيب. فقالوا: فماذا كنت تقول أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي
فقالوا: أنت والله أشعر الثلاثة يا أمير المؤمنين.