← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقرأت في الآيين أن من إجادة الرمي بالنّشّاب في حال التعلّم إمساك المتعلم القوس بيده اليسرى بقوّة عضده الأيسر والنّشّابة بيده اليمنى وقوّة عضده الأيمن وكفّه إلى صدره وإلقاؤه ببصره إلى معلم الرمي وإجادته نصب القوس بعد أن يطأطىء من سيتها «١» بعض الطّأطأة وضبطه إيّاها بثلاث أصابع وإحناؤه السبّابة على الوتر، وإمساكه بثلاثة وعشرين كأنها ثلاثة وستون وضمه الثلاثة ضما وتحويله ذقنه إلى منكبه الأيسر وإشرافه رأسه وإرخاؤه عنقه وميله مع القوس وإقامته ظهره وإدارته عضده ومغطه القوس مترافعا ونزعه الوتر إلى أذنه ورفعه بياض عينيه من غير تصريف لأسنانه وتحويل لعينه وارتعاش من جسده واستبانته موضع زججة «٢» النّشاب. وقرأت في الآيين: من إجادة الضرب بالصّولجان أن يضرب الكرة قدما ضرب خلسة يدير فيه يده إلى أذنه ويميل صولجانه إلى أسفل من صدره ويكون ضربه متشازرا مترفّقا مترسّلا ولا يغفل الضرب ويرسل السّنان خاصة وهو الحامية لمجاز الكرة إلى غاية الغرض ثم الجرّ للكرة من موقعها، والتوخّي للضرب لها تحت محزم الدابة ومن قبل لبّتها «٣» في رفق، وشدّة المزاولة والمجاحشة على تلك الحال والترك للاستعانة في ضرب الكرة بسوط والتأثير في الأرض بصولجان والكسر له جهلا باستعماله أو عقر قوائم الدابة، والاحتراس من إيذاء من جرى معه في ميدانه، وحسن الكف للدّابة في شدّة جريه، والتوقّي من الصّرعة والصّدمة على تلك الحال، والمجانبة للغضب والسّبّ، والاحتمال والملاهاة، والتحفّظ من إلقاء كرة على ظهر بيت وإن كان

стр. 212

ستّ كرين «١» بدرهم، وترك طرد النّظّارة والجلوس على حيطان الميدان فإنّ عرض الميدان إنما جعل ستين ذراعا لئلا يحال ولا يصارّ من جلس على حائطه. وقال أبو مسلم صاحب الدّعوة لرجاله: أشعروا قلوبكم الجرأة عليهم فإنها سبب الظّفر، واذكروا الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. المسير في الغزو والسفر حدّثنا شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن معدان ابن حدير الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل «٢» يتقوّون به على عدوهم كمثل أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزل النبيّ، ﷺ ، المعرّس أمر مناديا فنادى: لا تطرقوا النساء. فتعجّل رجلان فكلاهما وجد مع امرأته رجلا. وكانت العرب تقول: السّفر ميزان القوم «٣» . وتأمر بالمحلّات وهي الدلو والفأس والسّفرة والقدر والقدّاحة، وإنما قيل لها محلّات لأن المسافر بها يحلّ حيث شاء ولا يبالي ألّا يكون بقربه أحد. حدّثني عبد الرحمن بن الحسين عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ، إذا سافرت فلا تنم على دابتّك فإنّ كثرة

стр. 213

النوم سريع في دبرها، فإذا نزلت أرضا مكلئة فأعطها حظّها من الكلأ وابدأ بعلفها وسقيها قبل نفسك وإذا بعدت عليك المنازل فعليك بالدّلج «١» فإن الأرض تطوى بالليل. وإذا أردت النزول فلا تنزل على قارعة الطريق فإنها مأوى الحيّات والسباع ولكن عليك من بقاع الأرض بأحسنها لونا وألينها تربة وأكثرها كلأ فانزلها، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس وقل: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «٢» . وإذا أردت قضاء حاجة فأبعد المذهب في الأرض وعليك بالسّترة. وإذا ارتحلت من منزل فصلّ ركعتين وودّع الأرض التي ارتحلت عنها وسلّم عليها وعلى أهلها فإنّ لكل بقعة من الأرض أهلا من الملائكة. وإذا مررت ببقعة من الأرض أو واد أو جبل فأكثر من ذكر الله فإن الجبال والبقاع ينادي بعضها بعضا: هل مرّ بكنّ اليوم ذاكر لله؟ وإن استطعت ألا تطعم طعاما حتى تتصدّق منه فافعل. وعليك بذكر الله، جلّ وعزّ، ما دمت راكبا وبالتّسبيح ما دمت صائما وبالدعاء ما دمت خاليا. وإيّاك والسّير في أوّل الليل وعليك بالتّعريس والدّلجة من نصف الليل إلى آخره. وإياك ورفع الصوت في سيرك إلا بذكر الله، وسافر بسيفك وقوسك وجميع سلاحك وخفّك وعمامتك وإبرتك وخيوطك وتزوّد معك الأدوية تنتفع بها وتنفع من صحبك من المرضى والزّمنى «٣» . وكن لأصحابك موافقا في كل شيء يقرّبك إلى الله ويباعدك من معصيته. وأكثر التبسّم في وجوههم وكن كريما على زادك بينهم وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوك فأعنهم وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم واجهد رأيك. وإذا رأيتهم يمشون فامش معهم أو يعملون فاعمل

стр. 214

معهم وإن تصدّقوا أو أعطوا فأعط. واسمع لمن هو أكبر منك. وإن تحيّرتم في طريق فانزلوا، وإن شككتم في القصد فتثبّتوا وتآمروا، وإن رأيتم خيالا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم فإن الشخص الواحد في الفلاة هو الذي حيّركم واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وإن العاقل إذا أبصر شيئا بعينيه عرف الحق بقلبه. علّم أعرابي بنيه إتيان الغائط في السفر فقال لهم: اتّبعوا الخلاء وجانبوا الكلاء واعلوا الضّراء «١» وأفحجوا إفحاج النعامة وامسحوا بأشملكم. وقال عمرو بن العاص للحسن بن علي بن أبي طالب رحمهما الله: يا أبا محمد، هل تنعت الخراءة «٢» ؟ فقال: نعم، تبعد المشي في الأرض الضّحضح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستنج بالرّوثة ولا العظم ولا تبل في الماء الراكد. أراد الحسن البصريّ الحجّ، فقال له ثابت: بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن نصطحب. فقال: ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وفي الحديث المرفوع عن بقيّة عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «أما إنّك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحقّ أن يقتفى بك» . أتى رجل هشاما أخا ذي الرّمّة الشاعر فقال له: إني أريد السفر

стр. 215

فأوصني. قال: صلّ الصلاة لوقتها فإنك مصلّيها لا محالة فصلّها وهي تنفعك، وإياك وأن تكون كلب رفقتك فإن لكل رفقة كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا شركوه فيه وإن كان عارا تقلّده دونهم. حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إذا ضلّت لأحدكم ضالّة فليقل: اللهمّ ربّ الضالّة تهدي الضالّة وتردّ الضالّة اردد عليّ ضالتي، اللهمّ لا تبلنا بهلاكها ولا تتعبنا بطلبها، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله. يا عباد الله الصالحين، ردّوا علينا ضالّتنا. وإذا أردت أن تحمل الحمل الثقيل فقل: يا عباد الله أعينونا. وقال أبو عمرو: إذا ضلّت لأحدكم ضالة فليتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلّي ركعتين ثم يتشهد ويقول: بسم الله، اللهمّ يا هادي الضّال ورادّ الضالّ، أردد عليّ ضالّتي بعزّتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك. حدّثني محمد بن عبيد عن حمزة بن وعلة عن رجل من مراد يقال له أبو جعفر عن محمد بن علي عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا عليّ، أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «١» بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» .

стр. 216

حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب قال: أراد عمر أن يغزي البحر جيشا، فكتب إليه عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود بين غرق وبرق «١» قال عمر: لا يسألني الله عن أحد حملته فيه. وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: كان ابن عمر يقول في السّفر إذا أسحر: سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا. ويقول: اللهمّ، صاحبنا فأفضل علينا ثلاثا، اللهمّ عائذ بك من النار ثلاثا لا حول ولا قوة إلا بالله. وعن الأوزاعي عن حسّان بن عطيّة أن رسول الله ﷺ قال في سفره حين هاجر: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا مذكورا، اللهمّ أعنّي على أهاويل الدنيا وبوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض، اللهمّ، في سفري فاصحبني، وفي أهلي فاخلفني، وفيما رزقتني فبارك ليد ولك في نفسي فذلّلني، وفي أعين الصالحين فعظّمني، وفي خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحبّبني، إلى من تكلني ربّ المستضعفين وأنت ربي» . وحدّثني أيضا عن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: اللهمّ، إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل» . وزاد غيره: «اللهمّ اطو لنا الأرض وهوّن علينا السفر» . وقال مطرّف بن عبد الله لابنه: الحسنة بين السّيئتين وخير الأمور

стр. 217

أوساطها وشرّ السير الحقحقة. وفي الحديث «لا تحقحق فتنقطع ولا تباطأ فتسبق ولكن اقصد تبلغ» والحقحقة أشدّ السير. وفي حديث آخر «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» وقال المرّار «١» : [وافر] تقطّع بالنزول الأرض عنّا ... وبعد الأرض يقطعه النزول الأصمعي قال: قيل لرجل أسرع في سيره: كيف كان مسيرك؟ قال: كنت آكل الوجبة وأعرّس إذا أسحرت وأرتحل إذا أسفرت وأسير الوضع وأجتنب الملع «٢» فجئتكم لمسيء سبع. قال أبو اليقظان: من السير المذكور مسير ذكوان مولى آل عمر بن الخطاب، سار من مكة إلى المدينة في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة وهو خليفة مروان على المدينة فصلّى العتمة، فقال له أبو هريرة: حاجّ غير مقبول منه. قال له: ولم؟ قال: لأنك نفرت قبل الزوال. فأخرج كتاب مروان بعد الزوال وقال: [طويل] ألم ترني كلّفتهم سير ليلة ... من آل منى نصّا إلى آل يثرب فأقسمت لا تنفكّ، ما عشت، سيرتي ... حديثا لمن وافى بجمع المحصّب «٣» ومن السير المذكور مسير حذيفة بن بدر، وكان أغار على هجائن النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسيرة ثمان، فقال قيس «٤» بن

стр. 218

الخطيم: [وافر] هممنا بالإقامة ثم سرنا ... كسير حذيفة الخير ابن بدر قال الشّرقيّ بن القطامي: خرجت من الموصل أريد الرّقّة فصحبني فتى من أهل الجزيرة وذكر أنه من ولد عمرو بن كلثوم ومعه مزود وركوة وعصا، ورأيته لا يفارقها مشاة كنّا أو ركبانا وهو يقول: إن الله جعل جماع أمر موسى وأعاجيبه وبراهينه ومآربه في عصاه، ويكثر من هذا وأنا أضحك متهاونا بما يقول، فتخلّف المكاري فكان حمار الفتى إذا وقف أكرهه بالعصا ويقف حماري ولا شيء في يدي فيسبقني إلى المنزل فيستريح ويريح ولا أقدر على البراح حتى يوافيني المكاري، فقلت: هذه واحدة. ثم خرجنا من غد مشاة فكان إذا أعيا توكّأ على العصا وربما أحضر ووضع طرفا على الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج حتى انتهينا وقد تفسّخت من الكلال وإذا فيه فضل كثير، فقلت: وهذه أخرى. فلما كان في اليوم الثالث هجمنا على حيّة منكرة فسارت إلينا فأسلمته إليها وهربت عنها فضربها بالعصا حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، وهي أعظمهنّ. وخرجنا في اليوم الرابع وبنا قرم «١» إلى اللحم فاعترضنا أرنب فحذفها بالعصا وأدركنا ذكاتها فقلت: هذه رابعة. فأقبلت عليه فقلت: لو أن عندنا نارا ما أخّرت أكلها إلى المنزل. فأخرج عويدا من مزوده ثم حكّه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار «٢» ، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء «٣» والحشيش وأوقد نارا وألقى الأرنب في جوفها فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إليّ فعلّقها بيده اليسرى ثم ضرب جنوبها بالعصا

стр. 219

وأعراضها ضربا رقيقا حتى انتثر كل شيء عليها فأكلناها وسكن القوم وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة. ثم نزلنا بعض الخانات وإذا البيوت ملآنة روثا «١» وترابا فلم نجد موضعا نظلّ فيه فنظر إلى حديدة مطروحة في الدار فأخذها فجعل العصا نصابا لها ثم قام فجرف جميع ذلك الروث والتراب وجرد الأرض حتى أظهر بياضها وطابت ريحها فقلت: وهذه سادسة. ثم نزع العصا من الحديدة فأوتدها فيا لحائط وعلّق عليها ثيابه وثيابي فقلت: هذه سابعة. فلما صرنا إلى مفرق الطريقين وأردت مفارقته قال لي: لو عدلت معي فبتّ عندي! فعدلت معه فأدخلني منزلا يتصل ببيعة «٢» فما زال يحدّثني ويطرفني الليل كلّه فلما كان السحر أخذ العصا بعينها وأخذ خشبة أخرى فقرع بها العصا فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله وإذا هو أحذق الناس به فقلت له: ويحك! أما أنت بمسلم؟ قال: بلى. قلت: فلم تضرب بالناقوس؟ قال: لأن أبي نصراني وهو شيخ كبير ضعيف فإذا شهدت بررته بالكفاية. وإذا شيطان مارد وأظرف الناس وأكثرهم أدبا فخبّرته بالذي أحصيت من خصال العصا فقال: والله لو حدّثتك عن مناقب العصا ليلة إلى الصباح ما استنفدتها. وروى يزيد عن هشام عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم في الخصب فأمكنوا الرّكاب أسنّتها ولا تغدوا المنازل وإذا كنتم في الجدب فاستنجوا «٣» وعليكم بالدّلجة فإنّ الأرض تطوى بالليل وإذا تغوّلت لكم الغيلان فنادوا بالأذان ولا تصلّوا على جوادّ الطرق «٤» ولا تنزلوا عليها فإنها

стр. 220

مأوى السّباع والحيات ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها الملاعن» . وأراد أعرابي سفرا فقال لأمرأته: [كامل] عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشّهور فإنهنّ قصار فأجابته: [كامل] أذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهنّ صغار فأقام وترك السفر. وقال إسحاق «١» بن إبراهيم الموصلي: [وافر] طربت إلى الأصيبية الصّغار ... وهاجك منهم قرب المزار وكلّ مسافر يزداد شوقا ... إذا دنت الديار من الديار وفي الحديث المرفوع قال ابن مسعود: كنّا يوم بدر ثلاثة على بعير فكان عليّ وأبو لبابة «٢» زميلي رسول الله ﷺ ، فكان إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله؛ اركب ونمشي عنك. فيقول: «ما أنتما بأقوى منّي وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» . خطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان فقال في خطبته: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار وقصّروا الأشعار. وقالت عائشة ﵂: «لا سهر إلا لثلاثة: مصلّ أو عروس أو مسافر. وقال بعض الشعراء: [وافر] سررت بجعفر والقرب منه ... كما سرّ المسافر بالإياب وكنت بقربه إذ حلّ أرضي ... أميرا بالسّكينة والصّواب

стр. 221

كممطور ببلدته فأضحى ... غنيّا عن مطالبة السحاب وقال آخر في معناه: [بسيط] وكنت فيهم كممطور ببلدته ... فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا وقال آخر: [طويل] إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها فأنفسنا خير الغنيمة انها ... تؤوب وفيها ماءها وحياؤها وقال آخر: [وافر] رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا وما تدرين أيّ الأمر خير ... أما تهوين أم ما تكرهينا وقال بعض المحدثين: [خفيف] قبّح الله آل برمك إني ... صرت من أجلهم أخا أسفار إن يكن ذو القرنين قد مسح الأر ... ض فإني موكّل بالعيار التفويز «١» حدّثني أبي، أحسبه عن الهيثم بن عديّ قال: لما كتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إلى الشام واليا مكان أبي عبيدة بن الجرّاح، أخذ على السّماوة «٢» حتى انتهى إلى قراقر «٣» ، وبين قراقر

стр. 222

وسوى «١» خمس ليال في مفازة، فلم يعرف الطريق، فدلّ على رافع بن عميرة الطائي وكان دليلا خرّيتا «٢» فقال لخالد: خلّف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا؛ فكره خالد أن يخلّف أحدا وقال: لا بد من أن نكون جميعا. فقال له رافع: والله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرّر مخاطر بنفسه، فكيف أنت بمن معك؟ فقال: لا بدّ من ذلك. فقال الطائي لخالد: إبغني عشرين جزورا مسانّ «٣» عظاما ففعل فظمّأهنّ ثم سقاهنّ حتى روين ثم قطع مشافرهنّ وكعمهنّ «٤» لئلا تجترّ، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال فكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الجزر أربعا ثم أخذت ما في بطونها من الماء فسقيته الخيل وشرب الناس مما تزوّدوا، ففعل. فلما صار إلى آخر المفازة انقطع ذلك وجهد الناس وعطشت دوابّهم، فقال له خالد: ويحك، ما عندك؟ قال: أدركت الريّ إن شاء الله، أنظروا هل تجدوا شجرة عوسج على ظهر الطريق؟ فنظروا فوجدوها فقال: إحفروا في أصلها، فحفروا فوجدوا عينا فشربوا منها وتزوّدوا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قطّ إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال راجز المسلمين في ذلك: [رجز] لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر إلى سوى «٥» أرضا إذا سار بها الجيش بكى ... ما سارها قبلك من إنس أوى

стр. 223

قال ولما مرّ خالد بموضع يقال له البشر طلع على قوم يشربون وبين أيديهم جفنة «١» وأحدهم يتغنّى: [طويل] ألا علّلاني قبل جيش أبي بكر ... لعلّ منايانا قريب وما ندري ألا علّلاني بالزّجاج وكرّرا ... عليّ كميت اللون صافية تجري أظنّ خيول المسلمين وخالدا ... سيطرقكم قبل الصباح من البشر فهل لكم في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر فما هو إلا أن فرغ من قوله شدّ عليه رجل من المسلمين بالسيف فضرب عنقه فإذا رأسه في الجفنة، ثم أقبل على أهل البشر فقتل منهم وأصاب من أموالهم. ابن الكلبي قال: أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي، ﷺ ، فأضلّوا الطريق ووقعوا على غير ماء فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء فجعل الرجل منهم يستذري بفيء السّمر «٢» والطّلح يأسا من الحياة، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس: [طويل] لمّا رأت أنّ الشريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظّل عرمضها «٣» طامي فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس. قال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فجثوا على الرّكب فإذا ماء غدق وإذا عليه

стр. 224

العرمض والظلّ يفيء عليه فشربوا منه ريّهم وسقوا وحملوا حتى بلغوا الماء، فأتوا النبي، ﷺ ، فأخبروه وقالوا: يا رسول الله، أحيانا بيتان من شعر امرىء القيس قال: «ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار» . حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي عن رجل من بني سليم أن رفقة ماتت من العطش بالشّجي، فقال الحجاج: إني أظنهم قد دعوا الله حين بلغهم الجهد فاحفروا في مكانهم الذي ماتوا فيه لعل الله يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: أيها الأمير، قد قال الشاعر: [طويل] تراءت له بين اللّوى وعنيزة ... وبين الشّجى مما أحال على الوادي «١» والله ما تراءت له إلا وهي على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا فحفر فأنبط «٢» ، ويقال: إنه لم يمت قوم قطّ عطشا إلا وهم على ماء.

стр. 225

قالت العرب: «أن ترد الماء بماء أكيس» «١» . ويقال في مثل: «برد غداة غرّ عبدا من ظمأ» «٢» . في الطّيرة «٣» والفأل حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان «٤» فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول: [رجز] لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة «٥» مطّار أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام السّاري حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني سعيد بن سلم بن قتيبة عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدّق بالطيرة ويعيبها أشدّ العيب وقال: فرقت لنا ناقة وأنا

стр. 226

بالطّفّ «١» فركبت في إثرها فلقيني هانىء بن عتبة «٢» من بني وائل يركض وهو يقول: [منسرح] والشرّ يلقى مطالع الأكم ثم لقيني رجل آخر من الحي فقال وهو للبيد «٣» : [مجزوء الكامل] ولئن بعثت لهم بغا ... ة ما البغاة بواجدينا ثم دفعت إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد، فقلت له: هل ذكرت من ناقة فارق؟ قال: هنها أهل بيت من الأعراب فانظر. فوجدناها قد نتجت ومعها ولدها. يقال: ناقة فارق: قد ضربها الطّلق، وسحابة فارق: قد دنا هراقة مائها. قال المرقّش «٤» : [مجزوء الكامل] ولقد غدوت، وكنت لا ... أغدو، على واق وحاتم «٥» فإذا الأشائم كالأيا ... من، والأيامن كالأشائم «٦»

стр. 227

وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم وقال آخر: [طويل] وليس بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم «١» وقال آخر: [وافر] تعلّم أنه لا طير إلّا ... على متطيّر وهو الثّبور «٢» بلى، شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير حدّثني الرياشي عن الأصمعي قال: سألت ابن عون «٣» عن الفأل فقال: هو أن تكون مريضا فتسمع: يا سالم، أو باغيا فتسمع: يا واجد. وفي الحديث المرفوع «أصدق الطّيرة الفأل» . وفيه «الطّير تجري بقدر» . أراد أبو العالية أن يخرج من البصرة لعلّة كانت به فسمع مناديا ينادي: يا متوكل، فحطّ رحله وأقام. وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عمر وابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. قال كعب لابن عباس: ما تقول في الطّيرة قال: وما عسيت أن أقول فيها؟ لا طير إلا طير الله ولا خير إلا خير الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوّة

стр. 228

إلا بالله. قال كعب: إن هذه الكلمات في كتاب الله المنزل. يعني التوراة. حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ «١» قال: حدّثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة ﵂ فقالا: إن أبا هريرة يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: إنما الطّيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم قالت: كذب، والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم، من حدّث بهذا عن رسول الله ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ : «كان أهل الجاهلية يقولون إنّ الطّيرة في الدابة والدار والمرأة» ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها «٢» . كان عبد الله «٣» بن زياد صوّر في دهليزه كلبا وأسدا وكبشا وقال: كلب نابح وكبش ناطح وأسد كالح. وأنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ: [رجز] يا أيّها المضمر همّا، لا تهمّ ... إنك إن تقدر لك الحمّى تحمّ ولو علوت شاهقا من العلم ... كيف توقّيك وقد جفّ القلم ولما أمر معاوية بقتل حجر بن عديّ الكنديّ في ثلاثة عشر رجلا معه قال حجر: دعوني أصلّ ركعتين، فتوضّأ وأحسن الوضوء، ثم صلى وطوّل فقيل له: أجزعت؟ فقال: ما توضّأت قطّ إلّا صليت، ولا صليت قط صلاة أخفّ منها. وإن أجزع فقد رأيت سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.

стр. 229

فقيل له: مدّ عنقك، فقال: إن ذلك لدم ما كنت لأعين عليه. فقدّم فضربت عنقه. وكان معاوية بعث رجلا يقال له هدبة لقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل من خثعم فقال: إن صدقت الطّيرة قتل نصفنا، فلما قتل سبعة بعث معاوية رسولا آخر بعافيتهم فلم يقتل الباقون. خرج كثيّر عزّة «١» إلى مصر يريد عزّة، فلقيه أعرابيّ من نهد فقال: يا أبا صخر، أين تريد؟ فقال: أريد عزّة بمصر. قال: فهل رأيت في وجهك شيئا؟ قال: لا إلا أني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتّف ريشه. فقال له: توافي مصر وقد ماتت عزة. فانتهره كثيّر ثم مضى فوافى مصر والناس ينصرفون عن جنازة عزة، فقال: [طويل] فما أعيف النّهديّ لا درّ درّه ... وأزجره للطير لا عزّ ناصره رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره فأما غراب فاغتراب ووحشة ... وبان فبين من حبيب تعاشره وهوي بعد عزّة امرأة من قومه يقال لها: أمّ الحويرث. فخطبها فأبت وقالت: لا مال لك، ولكن اخرج فاطلب فإني حابسة نفسي عليك. فخرج يريد بعض بني مخزوم، فبينا هو يسير عنّ له ظبي فكره ذلك ومضى فإذا هو بغراب يحثوا التراب على وجهه فكرهه وتطيّر منه، فانتهى إلى بطن من الأزد يقال لهم بنو لهب، فقال: أفيكم زاجر؟ قالوا: نعم، فأرشدوه إلى شيخ منهم فأتاه فقصّ عليه القصة، فقال: قد ماتت أو خلف عليها رجل من بني عمها. فلما انصرف وجدها قد تزوّجت فقال:

стр. 230

تيممّت لهبا أطلب العلم عندهم ... وقد ردّ علم العائفين إلى لهب فقال جرى الطير السّنيح ببينها ... فدونك فاهمل جدّ منهمر سكب فإلّا تكن ماتت فقد حال دونها ... سواك خليل باطن من بني كعب حدّثني أبو سفيان الغنويّ قال: حدّثني خالد بن يزيد الصّفّار قال: حدّثنا همّام بن يحيى بن قتادة عن حضرميّ بن لاحق أو عن أبي سلمة أنّ النبي، ﷺ ، كتب إلى امرأته: «إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» . خرج عمر إلى حرّة واقم «١» فلقي رجلا من جهينة فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة. قال: وممن أنت؟ قال: من الحرقة. ثم قال: ممن؟ قال: من بني ضرام «٢» . فقال له عمر: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، فأتاهم وقد أحاطت النار بهم. خرج ابن عامر إلى المدينة فإذا هو في طريقه بنعامات خمس، فقال لأصحابه: قولوا في هذه. فقال بشر بن حسان: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة» ومن علم شيئا فليقله ولكني أقول: فتنة خمس سنين. قرأت في كتب العجم أنّ كسرى بعث وهرز إلى اليمن لقتال الحبشة

стр. 231

فلما اصطّفوا قال وهرز لغلام له: أخرج إليّ من الجعبة نشّابة وكان الأسوار «١» يكتب على كل نشّابة في جعبته، فمنها ما يكتب عليه اسم الملك، ومنها ما يكتب عليه اسم نفسه، ومنها ما يكتب عليه اسم ابنه، ومنها ما يكتب عليه اسم امرأته. فأدخل العبد يده فأخرج له نشابة عليها اسم امرأته فتطيّر وقال: أنت المرأة وعليك طائر السوء. ردّها وهات غيرها. فردّها وضرب بيده فأخرج تلك النشابة بعينها ففكر وهرز في طائره ثم انتبه فقال: زنان. وزنان بالفارسية: النساء. ثم قال: زن آن، فإذا ترجمتها: إضرب ذلك قال: نعم الطائر هذا. ثم وضعها في كبد قوسه ثم قال: صفوا لي ملكهم، فوصفوه بياقوتة بين عينيه. ثم إنه مغط في قوسه حتى إذا ملّأها سرّحها فأقبلت كأنها رشاء منقطع حتى فضّت الياقوتة فطار فضاضها ثم فلقت هامته وهزم القوم. وقال المعلوط «٢» : [وافر] تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني أخذ معناها أبو الشّيص «٣» فقال: [متقارب] أشاقك والليل ملقي الجران «٤» ... غراب ينوح على غصن بان أحصّ «٥» الجناح شديد الصياح ... يبكّي بعينين ما تذرفان

стр. 232

وفي نعبات «١» الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني وقال الطائيّ: [كامل] أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء «٢» حين تضعضع الإظلام؟ لا تنشجنّ «٣» لها فإنّ بكاءها ... ضحك وإنّ بكاءك استغرام هنّ الحمام فإن كسرت عيافة «٤» ... من حائهنّ فإنهنّ حمام حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمّار عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: جاء رجل منا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحوّلنا منها إلى أخرى فقلّت فيها أموالنا وقلّ فيها عددنا فقال رسول الله ﷺ : «ذروها وهي ذميمة» . بلغني عن ابن كناسة عن مبارك بن سعيد أخي سفيان الثّوريّ قال: بلغنا أن أعرابيا أضاع ذودا له فخرج في الطلب حتى أدركه العطش، فمرّ بأعرابي يحتلب ناقة فنشده ضالّته فقال له: متى خرجت في الطلب؟ ادن مني حتى أسقيك لبنا وأرشدك. قال: قبل طلوع الفجر. قال: فما سمعت؟ قال: عواطيس حولي: ثغاء الشّاء ورغاء البعير ونباح الكلب وصياح الصبيّ. قال: عواطيس تنهاك عن الغدوّ. قال: فلما طلع الفجر عرض لي ذئب. قال: كسوب ذو ظفر. قال: فلما طلعت الشمس لقيت نعامة. قال: ذات ريش

стр. 233

واسمها حسن، هل تركت في أهلك مريضا؟ قال: نعم. قال: ارجع فإنك ستجد ضالتك في منزلك. حدّثني عبد الرحمن عن حفص بن عمر الخبطيّ قال: حدّثنا أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السّيباني عن يثيع عن كعب قال: كانت الشجرة تنبت في محراب سليمان النبي ﷺ وتكلمه بلسان ذلق «١» فتقول: أنا شجرة كذا وفيّ دواء كذا. فيأمر بها سليمان فيكتب اسمها ومنفعتها وصورتها وتقطع وترفع في الخزائن حتى كان آخر ما جاء منها الخرّوبة فقالت: أنا الخرّوبة. فقال سليمان: الآن نعيت إليّ نفسي وأذن في خراب بيت المقدس. قال الطائيّ يصف عمّوريّة «٢» : [بسيط] بكر فما افترعتها كفّ حادثة ... ولا ترقّت إليها همّة النّوب جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرّحب لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب مذاهب العجم في العيافة والاستدلال بها قرأت في الآيين: كانت العجم تقول: إذا تحوّلت السّباع والطير الجبلية عن أماكنها ومواضعها دلّت بذلك على أن المشتى سيشتدّ ويتفاقم. وإذا نقلت

стр. 234

الجرذان برّا وشعيرا أو طعاما إلى رب بيت رزق الزيادة في ماله وولده، وإن هي قرضت ثيابه دلّت بذلك على نقص ماله وولده، فينبغي أن يقطع ذلك القرض ويصلح. وإذا شبّت النار شبوبا كالصّخب دلت على فرح شديد، وإذا شبّت شبوبا كالبكاء دلت على حزن، وأما النار التي تشتعل في أسفل القدور فإنها تدل على أمطار تكثر أو ضيف يحضر. وإذا فشا الموت في البقر وقع الموتان «١» في البشر، وإذا فشا الموت في الخنازير عمّ الناس السلامة والعافية، وإذا فشا الموت في السباع والوحوش أصاب الناس ضيقة، وإذا فشا الموت في الجرذان أخصب الناس. وإذا أكثرت الضفادع النّقيق دلّت على موتان يكون. وإذا أنّ ديك في دار فشا فيها مرض الرجال، وإذا أنّت دجاجة فشا فيها مرض النساء، وإذا صرخت ديوك صراخا كالبكاء فشا الموت في النساء، وإذا صرخ الدجاج مثل ذلك الصراخ فشا الموت في الرجال. وإذا نعب غراب أسود فجاوبته دجاجة دل ذلك على خراب يعمر. وإذا قوّقت دجاجة وجاوبها غراب دل على عمران يخرب. وإذا غطّ الرجل الحسيب في نومه بلغ سنا ورفعة، ومن نفخ في نومه أفسد ماله، ومن صرّت أسنانه في نومه دل ذلك منه على نميمة، وينبغي أن يضرب على فيه بخفّ متخرّق. ومن سقطت قدّامه حية من حجر أصابته معرّة ومضرّة. وإذا رئي في الهواء دخنة وظلمة من غير علة تخوّف على الناس الوباء والمرض. وإذا رئي في آفاق السماء في ليلة مصحية كاختلاف النيران غشي البلاد التي رئي ذلك فيها عدوّ، فإن رئي ذلك وفي البلاد عدوّ انكشف عنها. وإذا نبح كلب بعد هدأة نبحة بغتة دلّ على أن السّرّاق قد اجتمعوا بالغارة على بعض ما في تلك الدار أو ما جاورها. وإذا صفّق ديك بجناحيه ولم يصرخ دل على أن الخير محتبس عن صاحبه. وإذا

стр. 235

أكثر البوم الصراخ في دار برىء مريض إن كان فيها. وإذا سمع لبيت تنقّض شخص من فيه عنه، وإذا عوت ذئاب من جبال وجاوبتها كلاب من قرى تفاقم الأمر في التحارب وسفك الدماء. وإذا عوت كلاب وجاوبتها ذئاب كان وباء وموتان جارف، وإذا أكثرت الكلاب في البغتات الهرير دلّت بذلك على إتيان العدوّ البلاد التي هي فيها، وإذا صرخ ديك في دار قبل وقت صراخ الديوك كان ذلك محاولة لدفع بليّة قد شارفت تلك الدار؛ وإذا صرخت دجاجة في دار كصراخ ديك كان ذلك تحذيرا لمن فيها من آفة قد أشرفوا عليها. وإذا أكثر ديك النّزوان «١» على تكأة «٢» رب الدار نال شرفا ونباهة، وإن فعلت ذلك دجاجة ناله خمول وضعة. وإذا ذرق «٣» ديك على فراشه نال مالا رغيبا وخيرا كثيرا وذلك إذا كان من غير تضييع من حشمه لفراشه، فإن ذرقت دجاجة على فراشه نالت زوجته منه خيرا كثيرا، وكانوا يقولون: إن الموت من المريض الشبيه للصحيح قريب وإن الصحيح الشبيه بالمريض مستشعر للشر وينبغي مباعدته. وينبغي أن يعرف كنه من كان منطيقا «٤» لعلّه لا يجيد العمل، وحال من كان سكّينا متزمّتا لعله بعيد الغور. وكانوا يكرهون استقبال المولود ساعة يوضع إلا أن يكون ناقص الخلق فإنّ بليته وآفته قد صارتا على نفسه، ويكرهون استقبال الزّمن «٥» والكريه الاسم والجارية البكر والغلام الذاهب إلى المكتب، وكانوا يكرهون الثيران المقرونة بقران والحيوان الموثق والدابّة المقودة وحاملة الشراب والحطب والكلب، ويستحبّون الصحيح البدن الرضيّ

стр. 236

الاسم والمرأة الوسيمة الثيّب «١» والغلام المنصرف من المكتب والدواب التي عليها حمولة من طعام أو تبن أو زبل. وكانوا لا ينحّون عن سمع الملك ألحان المغنيات ونقيض الصواري وصهيل الخيل والبراذين ويتخذون في مبيته ديكا ودجاجة. وإذا أهديت له خيل سنح بها عليه من يساره إلى يمينه وكذلك الغنم والبقر، وأما الرقيق والسباع وما أشبهها فكان يبرح بها من يمينه إلى يساره. باب في الخيل حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي «٢» قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني أشهل بن حاتم قال: حدّثني موسى ابن علي بن رباح اللّخمي عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أريد أن أعدّ فرسا. قال رسول الله ﷺ : «فاشتره إذا أدهم أو كميتا أقرح أرثم «٣» أو محجّلا مطلق اليمين» وفي حديث آخر «فإنها ميامين الخيل ثم اغز تسلم وتغنم إن شاء الله» . حدّثني سهل بن محمد قال: أخبرني أبو عبيدة أن النبي ﷺ قال: «عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها حرز وبطونها كنز» قال: وكان النبي ﷺ يستحبّ من الدواب الشّقر ويقول: «لو جمعت خيل العرب كلها في صعيد

стр. 237

واحد ما سبقها إلا أشقر» . وسأل رجل رسول الله ﷺ : أيّ المال خير؟ قال: «سكة مأبورة» يعني النخل «ومهرة مأمورة» يريد كثيرة النتاج. قال: وكان يكره الشّكال «١» في الخيل. قال أبو ذرّ: ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه ويقول: اللهمّ سخّرتني لابن آدم وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله، اللهمّ ارزقه وارزقني على يديه. سأل المهدي مطر بن درّاج: أيّ الخيل أفضل؟ قال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استعرضته قلت زافر «٢» ، وإذا استدبرته قلت زاخر «٣» . قال: فأيّ البراذين «٤» شر؟ قال: الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا أرسلته قال: أمسكني وإذا أمسكته قال: أرسلني. قال: فأيّ البراذين خير؟ قال: ما طرفه إمامه وسوطه عنانه. وصف رجل برذونا فقال: إن تركته نعس وإن حرّكته طار. وقال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استقبلته أقعى وإذا استدبرته جبّى وإذا استعرضته استوى وإذا مشى ردى وإذا عدا دحا «٥» . محمد بن سلّام قال: أرسل مسلم بن عمرو بن عمّ له إلى الشام ومصر يشتري له خيلا فقال: لا علم لي بالخيل قال: ألست صاحب قنص؟ قال: بلى. قال: فانظر، كلّ شيء تستحسنه في الكلب فاطلبه في الفرس. فقدم بخيل لم يك في العرب مثلها. وقالوا: سمّيت خيلا لاختيالها.

стр. 238

وذكر أعرابي فرسا وسرعته فقال: لما خرجت الخيل جارى بشيطان في أشطان فلما أرسلت لمع لمعة سحاب فكان أقربها إليه الذي تقع عينه عليه. وسئل رجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم؟ قال: أعرف الجواد المبرّ من المبطىء المقرف. أما الجواد المبرّ فالذي نهز نهز العير وأنّف تأنيف السّير، الذي إذا عدا اسلهبّ وإذا قيّد اجلعبّ وإذا انتصب اتلأبّ «١» . وأما المبطىء المقرف فالمدلوك الحجبة الضخم الأرنبة «٢» الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إن أرسلته قال: أمسكني وإن أمسكته قال: أرسلني وأنشد الرّياشي» : [بسيط] كمهر سوء إذا سكّنت شرّته ... رام الجماح فإن رفّعته سكنا «٤» حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله قال: حدّثني الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء أن عمر بن الخطاب شكّ في العتاق والهجن «٥» ، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي فأخبره، فأمر سلمان بطست فيه ماء فوضع في الأرض ثم قدّمت الخيل إليه فرسا فرسا فما ثنى منها سنبكه «٦» فشرب هجّنه، وما شرب ولم يثن

стр. 239

سنبكه عرّبه. وذلك لأن في أعناق الهجن قصرا فهي لا تنال الماء على تلك الحال حتى تثني سنابكها وأعناق العتاق طوال. وحدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: ذكروا أن كسرى كان إذا أتاه سائسه فقال: الفرس يشتكي حافره، قال: المطبخ. وإذا قال: يشتكي ظهره، قال: البيطار. وأنشدني أبو حاتم لأبي ميمون العجليّ وهو النّضر «١» بن سلمة في شعر طويل له يصف الفرس، وقال قرأته على أبي عبيدة وعلى الأصمعيّ: [سريع] الخيل منّي أهل ما أن يدنين ... وأن يقرّبن وأن لا يقصّين وأن يبأبأن «٢» وأن يفدّين ... وأن يكون المحض مما يسقين وأهل أن يعلين أو يغالين ... بالطّرف والتّلد وأن لا يجفين «٣» وأهل ما صحبننا أن يقفين ... وأهل ما أعقبننا أن يجزين «٤» أليس عزّ الناس فيما أبلين ... والحسب الزاكي إذا ما يقنين؟ والأجر والزّين إذا ريم الزّين ... كم من كريم جدّه قد أعلين وكم طريد خائف قد أنجين ... ومن فقير عائل قد أغنين وكم برأس في لبان «٥» أجرين ... وجسد للعافيات أعرين وأهل حصن في امتناع أرذين ... وكم لها في الغنم من ذي سهمين «٦»

стр. 240

يكون فيما اقتسموا كالرجلين ... وكم وكم أنكحن من ذي طمرين «١» بغير مهر عاجل ولا دين ... والخيل والخيرات في قرينين لا تشتكينّ عملا ما أنقين ... ما دام مخّ في سلامى أو عين «٢» ما بلّل الصوفة «٣» ماء البحرين وأنشدني أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال: وقال: لي أبو عبيدة: لا أعرف قائل هذا الشعر وعروضه لا يخرّج. قال أبو حاتم: أحسبه لعبد الغفار «٤» الخزاعي: [منسرح] ذاك وقد أذعر الوحوش بصل ... ت الخدّ رحب لبانه مجفر «٥» طويل خمس قصير أربعة ... عريض ست مقلّص حشور «٦» حدّت له تسعة «٧» وقد عريت ... تسع ففيه لمن رأى منظر ثم له تسعة كسين وقد ... أرحب منه اللّبان والمنخر «٨» بعيد عشر وقد قربن له ... عشر وخمس طالت ولم تقصر «٩»

стр. 241

نقفيه بالمحض دون ولدتنا ... وعضّه في آريّه ينثر «١» نصبحه تارة ونغبقه ... ألبان كوم روائم أظؤر «٢» حتى شتا بادنا يقال ألا ... يطوون من بدنه وقد أضمر «٣» موثّق الخلق جرشع عتد ... منضرج الحضر حين يستحضر «٤» خاظي الحماتين لحمه زيم ... نهد شديد الصّفاق والأبهر «٥» رقيق خمس غليظ أربعة ... نائي المعدّين ليّن الأشعر «٦» وقد فسّرت هذا الشعر في كتابي المؤلف في أبيات المعاني في خلق الفرس. أنشدنا أبو سعيد لبعض الضّبّيين في وصف فرس: [كامل] متقاذف عبل الشّوى شنج النّسا ... سبّاق أندية الجياد عميثل «٧» وإذا تعلّل بالسّياط جيادها ... أعطاك نائله ولم يتعلّل قيل لما وضعت حرب صفّين أوزارها قال عمرو بن العاص: [رمل] شبّت الحرب فأعددت لها ... مفرع الحارك مرويّ الثّبج «٨»

стр. 242

جرشعا أعظمه جفرته «١» ... فإذا ابتلّ من الماء حرج يصل الشّد بشدّ فإذا ... ونت الخيل من الشدّ معج «٢» ووجدت في كتاب من كتب الروم أن من علامة فراهة «٣» المهر الحولي صغر رأسه وشدّة سواد عينيه وأن يكون محدّد الأذنين أجرد باطنها كثيف العرف، في عرفه ميل من قبل يمين راكبه عريض الصدر مرتفع الهادي معتدل العضدين مكتنز الجنبين طويل الذنب عريض الكفل مستدير الحوافر صحيح باطنها، ومن علامة فراهة المهر ألا يكون نفور ولا يقف عند دابة إلا مع أمّه وإذا دفع إلى عين أو نهر ماء لم يقف لتجاوزه دابة فيسير بسيرها ولكنه يقطع ذلك النهر والعين. قالوا: ومما يسلم الله به الخيل من العين وأشباه ذلك أن يجعل في أعناقها خرزة من قرون الأيايل «٤» . حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن إساف وعن سحيم بن نوفل قالا: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود ونحن نعرض المصاحف، فجاءت جارية إلى سيّدها فقالت: ما يجلسك؟ قم فابتغ لنا راقيا فإن فلانا لقع «٥» مهرك بعينه فتركته يدور كأنه فلك. فقال عبد الله: لا تبتغ راقيا ولكن اذهب فانفث في منخره الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا ثم قل: بسم الله لا باس لا باس أذهب الباس

стр. 243

ربّ النّاس واشف أنت الشافي لا يكشف الضراء إلا أنت. قال: فما قمنا حتى جاء الرجل فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فبال وراث وأكل. حدّثني أبو حاتم عن أبي عبيدة أنه قال: إذا كان الفرس صلودا «١» لا يعرق سقيته ماء قد دفت «٢» فيه خميرة أو علفته ضغثا «٣» من هندباء فإن ذلك يكثر عرقه، فإن حمر «٤» أدخلته الحمّام وأشمّه عذرة. فقلت لأبي عبيدة: ما يدريك أنّ هذا كذا؟ فقال: أخبرني به جلّ الهنديّ وكان بصيرا. قال: فإن أصابته مغلة وهي وجع البطن من أكل التراب أخذ له شيء من بورق فدقّ ونخل فجعل في ربع دورق من خمر فحقن به وبلّ تراب طيّب ببول «٥» أتان حتى يصير طينا ثم لطخ به بطن الدابة. قال: ومما يذهب العرن «٦» دماغ الأرنب. وقف الهيثم بن مطهّر على باب الخيزران على ظهر دابته، فبعث إليه الكاتب في دارها: انزل عن ظهر دابتك فقد جاء في الأثر: لا تجعلوا ظهور دوابّكم مجالس. فبعث إليه: إني رجل أعرج وإن خرج صاحبي خفت ألّا أدركه. فبعث إليه: إن لم تنزل أنزلناك. قال: هو حبيس إن أنزلتني عنه إن أقضمته شهرا فانظر أيّما خير له، راحة ساعة أو جوع شهر؟ فقال: هذا شيطان، اتركوه.

стр. 244

باب البغال والحمير قال مسلمة: ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار طويلة العنان. وكتب رجل إلى وكيله: ابغني بغلة حصّاء الذنب «١» طويلة العنق سوطها عنانها وهواها أمامها. عاتب الفضل بن الربيع بعض بني هاشم في ركوبه بغلة، فقال له: هذا مركب تطأطأ عن خيلاء الخيل وارتفع عن ذلّة الحمار وخير الأمور أوساطها. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء: قال دفع أبو سيّارة بأهل المزدلفة «٢» أربعين سنة على حمار لا يعتلّ، فقالت العرب: «أصح من عير أبي سيارة» . قال رجل للفضل الرّقاشي وهو جدّ معتمر لأمّه: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟ قال: لأنها أكثرها مرفقا. قال: وما ذاك؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء وأسلم صريعا وأسهل تصريفا وأخفض مهوى وأقل جماحا وأشهر فارها «٣» وأقل نظيرا ويزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه. وقال خالد بن صفوان في وصف حمار: قد أركبه عيرا من بنات الكداد أصحر

стр. 245

السّربال محملج القوائم يحمل الرّجلة «١» ويبلغ العقبة ويمنعني أن يكون جبّارا عنيدا. وقال رجل لنخّاس «٢» : أطلب لي حمارا ليس بالكثير المشتهر ولا القصير المحتقر ولا يقدم تقحّما ولا يحجم تبلّدا يتجنب بي الزحام والرّجام والإكام خفيف اللّجام، إذا ركبته هام، وإذا ركبه غيري قام، إن علقته شكر، وإن أجعته صبر. فقال له النخاس: إن مسخ الله القاضي زيادا حمارا رجوت أن أصيب لك حاجتك إن شاء الله. وقال رجل لآخر يوصيه: خذ من الحمار شكره وصبره ومن الكلب نصحه لأهله ومن الغراب كتمانه للسّفاد. جرير بن عبد الله عن أبيه قال: لا تركب حمارا فإنه إن كان فارها أتعب يديك وإن كان بليدا أتعب رجليك. باب في الإبل الهيثم قال قال ابن عياش: لا تشتر خمسة من خمسة: لا تشتر فرسا من أسديّ ولا جملا من نهديّ ولا عيرا من تميمي ولا عبدا من بجلي. ونسي الهيثم الخامس، يريد أن أهل هذه القبائل عظام الجدود في هذه الأشياء. قيل لبني عبس: أيّ الإبل أصبر عليكم في محاربتكم؟ قال الرّمك «٣» الجعاد. قيل: فأيّ الخيل وجدتم أصبر؟ قالوا: الكمت «٤» الحوّ. قيل: فأيّ النساء

стр. 246

وجدتم أصبر؟ قالوا: بنات العم. المدائني قال: قال شبّة بن عقال: أقبلت من اليمن أريد مكة وخفت أن يفوتني الحج، ومعي ثلاثة أجمال فمررت برجل من أهل اليمن على ناقة له فطويته فلما جزته قام بي بعير لي ثم آخر ثم قام الآخر فظننت أن الحج يفوتني فمرّ بي اليماني فقال: مررت بنا ولم تسلّم ولم تعرّض. فقلت: أجل يرحمك الله. قال: أتطيب نفسا عما أرى؟. قلت: نعم. فنزل فأرخى أنساع «١» رحله ثم قدّمه فكاد يضعه على عنقها ثم شدّه وقال لي: لولا أنك لا تضبط رأسها لقدّمتك. ثم قال لي: خذ حرّ متاعك إن لم تطب نفسا به ففعلت، ثم ارتدفت فجعلت تعوم عوما ثم انسلّت كأنها ثعبان يسيل سيلا كالماء فما شعرت حتى أراني الأعلام وقال: أتسمع؟ فسمعت أصوات الناس فإذا نحن بجمع «٢» ، فقضيت حجّتي، وكان قال لي: حاجتي إليك ألّا تذكر هذا فإن هذه عندي أثر من ولاية العروض يعني مكة والمدينة، أدرك عليها الثأر وهي ثمال العيال وأصيد عليها الوحش وأوافي عليها الموسم في كل عام من صنعاء في أقل من غبّ الحمال فسألته: من أين هي؟ قال: بجاويّة من هوامي نتاج بدو بجيلة الأولى وهي من المهارى التي يذكر الناس. وكتب سليمان بن عبد الملك إلى عامله: أصب لي نجائب كراما. فقدم رجل على جمل «٣» سباعيّ عظيم الهامة له خلق لم يروا مثله قطّ فساموا، فقال: لا أبيعه. قالوا: لا ندعك ولا نغصبك ولكنا نكتب إلى أمير المؤمنين

стр. 247

بسببه. قال: فهلا خيرا من هذا؟ قالوا: ما هو؟ قال: معكم نجائب كرام وخيل سابقة، فدعوني أركب جملي وأبعثه واتبعوني فإن لحقتموني فهو لكم بغير ثمن. قالوا: نعم. فدنا منه فصاح في أذنه ثم أثاره فوثب وثبة شديدة فكبا ثم انبعث واتبعوه فلم يدروا كيف أخذ، ولم يروا له أثرا فجعل أهل اليمن علما على وثبته يقال له: الكفلان. أخبار الجبناء حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه الأصمعي قال: أرسل عبيد الله بن زياد رجلا في ألفين إلى مرداس «١» بن أديّة وهو في أربعين فهزمه مرداس فعنّفه ابن زياد وأغلظ له فقال: يشتمني الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي وأنا ميت. فقال شاعر الخوارج «٢» : [وافر] أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويهزمهم باسك «٣» أربعونا؟ كذبتم ليس ذلكم كذاكم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا «٤» حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عون عن الحسن قال: قال النبي ﷺ : «ما التقت فئتان قطّ إلا وكفّ الله بينهما فإذا أراد أن

стр. 248

يهزم إحدى الطائفتين أمال كفّه عليها» . ورفع معاوية ثندوته «١» بيده وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجري بمثلي، فكيف قال النّجاشيّ «٢» : [طويل] ونجّى ابن حرب سابق ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني «٣» ابن دأب قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: لقد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع؟ فقال: [طويل] شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإلّا تكن لي فرصة فجبان شهد أبو دلامة حربا مع روح بن حاتم فقال له: تقدّم فقاتل. فقال: [بسيط] إني أعوذ بروح أن يقدّمني ... إلى القتال فتخزى بي بنو أسد إن المهلّب «٤» حبّ الموت ورّثكم ... ولم أورّث حبّ الموت عن أحد أبو المنذر قال: حدّثنا زيد بن وهب قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: عجبا لابن النابغة! يزعم أني تلعابه أعافس وأمارس! أما وشرّ

стр. 249

القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف «١» ويسأل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تأخذ السيوف مأخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همّه أن يبرقط «٢» ويمنح الناس استه. قبحه الله وترحه. وقال الفرّار «٣» السّلمي: [كامل] وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي «٤» وتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند «٥» ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد «٦» وقال آخر: [بسيط] أصخت تشجّعني هند وقد علمت ... أن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي حجّت الأنصار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوبائها «٧» وثبوا ولست منهم ولا أبغي فعالهم ... لا القتل يعجبني منها ولا السّلب وقال أيمن «٨» بن خريم: [رمل] إنّ للفتنة ميطا «٩» بيّنا ... فرويد الميط منها يعتدل

стр. 250

فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل إنما يسعرها جهّالها ... حطب النار فدعها تشتعل «١» وقال آخر: [متقارب] كملقي الأعنة من كفّه ... وقاد الجياد بأذنابها وقال جران «٢» العود في الدّهش: [بسيط] يوم ارتحلت برحلي قبل تودعتي ... والقلب مستوهل بالبين مشغول ثم اغترزت «٣» على نضوي لأدفعه ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول كان خالد بن عبد الله من الجبناء خرج عليه المغيرة بن سعيد صاحب المغيريّة من الرافضة وهو من بجيلة فقال من الدّهش: أطعموني ماء. فذكّره بعضهم فقال: [بسيط] عاد الظلوم ظليما حين جدّ به ... واستطعم الماء لما جدّ في الهرب وقال عبيد الله بن زياد إما للكنة فيه أو لجبن أو دهشة: افتحوا سيوفكم. وقال ابن مفزّغ الحميري «٤» :
следующие страницы →