Полный текст (1 325 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الغيّ، والله، واللؤم. قال: خلّوا عنه. وكان إذا صدق انكسر.
وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عثمان الشحّام قال: أتي الحجاج بالشّعبي فقال له: أخرجت علينا يا شعبي؟ قال: أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. فقال الحجاج: لله أبوك. ثم أرسله.
وفي مثله: أتي موسى بن المهدي برجل كان قد حبسه فجعل يقرّعه بذنوبه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك وإقراري بما تعتدّه عليّ يلزمني ذنبا لم أجنه، ولكني أقول: [طويل]
فإن كنت ترجو بالعقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
وفي مثله: قال الحسن بن سهل لنعيم بن حازم وقد اعتذر إليه من ذنب عظّمه: على رسلك أيها الرجل، تقدّمت لك طاعة وتأخّرت لك توبة، وليس لذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
وفي الدعاء له: قال رجل لبعض الأمراء: «إني لو كنت أعرف كلاما يجوز ألقى به الأمير غير ما جرى على ألسن الناس، لأحببت أن أبلغ ذلك فيما أدعو به له وأعظّم من أمره، غير أن أسأل الله الذي لا يخفى عليه ما تحتجب به الغيوب من نيات القلوب أن يجعل ما يطّلع عليه مما تبلغه نيتي في إرادته للأمير أدنى ما يؤتيه إياه من عطاياه ومواهبه» .
وفي الدعاء له: قرأت في كتاب رجل من الكتاب «لا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه وأمل فيك تحقّقه حتى تتملّى من الأعمار أطولها وترقى من الدرجات أفضلها» .
стр. 177
وفي الدعاء: دخل محمد بن عبد الملك «١» بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعه فقال: السلام عليك أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام؟ قال:
نعم. فتكلّم بعد حمد الله والثناء عليه. فقال: «نستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائذ بظلّك الهارب إلى كنفك وفضلك الفقير إلى رحمتك وعدلك» ثم تكلّم في حاجته.
وفي شكر السلطان وفي حمده: قدم رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته فقال له: ما أقدمك عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أقدمني عليك رغبة ولا رهبة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدلك، يا أمير المؤمنين، علينا وحسن سيرتك فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر.
وفي حمده: كتب بعض الكتّاب إلى وزير: «كلّ مدى يبلغه القائل بفضلك والواصف لأيامك والشاكر للنعمة الشاملة بك قصد أمم «٢» عند الفضائل الموفورة لك والمواهب المقسومة للرعية بك، فواجب على من عرف قدر النعمة بك أن يشكرها وعلى من أظله عزّ أيامك أن يستديمه وعلى من حاطته دولتك أن يدعو الله ببقائها ونمائها، فقد جمع الله بك الشّتات وأصلح بها الفساد وقبض الأيدي الجائرة وعطف القلوب النافرة، فأمّنت سرب البريء وخفضت جأشه وأخفت سبل الجاني وأخذت عليه مذاهبه ومطالعه ووقفت
стр. 178
بالخاصّة والعامة على قصد من السيرة أمنوا بها من العثار والكبوة» .
وفي حضّه على شكر الله، ، قال شبيب بن شيبة «١» للمهدي:
إن الله، ، لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض بأن يكون أحد أشكر له منك والسلام.
تم كتاب السلطان، ويتلوه كتاب الحرب
стр. 179
كتاب الحرب
اداب الحرب ومكايدها
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: حدّثني محمد بن عبيد قال:
حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنّوا لقاء العدوّ فعسى أن تبتلوا بهم ولكن قولوا: اللهمّ اكفنا وكفّ عنّا بأسهم، وإذا جاءوكم يعزفون ويزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا، ثم قولوا: اللهمّ أنت ربّنا وربّهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن عبد العزيز عمن حدّثه أنّ أبا الدّرداء قال: أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.
حدّثنا القاسم بن الحسن عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله العظيم، ثم قال عند عقد الألوية: بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء ولا تمثّلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا.
стр. 180
وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزّحفان وعند حمّة النّهضات «١» وفي شنّ الغارات. ولا تغلّوا عند الغنائم ونزّهوا الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرّباح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.
استشار قوم أكثم «٢» بن صيفيّ في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة. تثبّتوا فإن أحزم الفريقين الرّكين «٣» ، وربّت عجلة تعقب ريثا «٤» ، واتّزروا للحرب وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه.
وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا أدب الحرب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا
стр. 181
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
«١» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأوزاعيّ قال: قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه: ألا ترونهم- يعني أصحاب النبي ﷺ جثيّا على الرّكب كأنهم خرس يتلمّظون تلمّظ الحيّات. قال:
وسمعتهم عائشة يكبّرون يوم الجمل فقالت: لا تكثروا الصياح فإن كثرة التكبير عند اللقاء من الفشل.
وذكر أبو حاتم عن العتبيّ عن أبي إبراهيم قال: أوصى أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان حين وجّهه إلى الشام فقال: يا يزيد، سر على بركة الله. فإذا دخلت بلاد العدوّ فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر بالأدلّاء ولا تقاتل بمجروح فإنّ بعضه ليس منه، واحترس من البيات «٢» فإنّ في العرب غرّة، وأقلل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك. وإذا أتاك كتابي فأنفذه فإنما أعمل على حسب إنفاذه. وإذا قدمت عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك وأسبغ عليهم النفقة وامنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين. ولا تلحّنّ في عقوبة فإن أدناها وجع ولا تسرعنّ إليها وأنت تكتفي بغيرها. واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سرائرهم. ولا تجسّس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده. وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
стр. 182
قال أبو بكر لعكرمة حين وجهه إلى عمان: يا عكرمة، سر على بركة الله ولا تنزل على مستأمن ولا تؤمّننّ على حق مسلم وأهدر الكفر بعضه ببعض وقدّم النّذر «١» بين يديك. ومهما قلت إني فاعل فافعله ولا تجعل قولك لغوا في عقوبة ولا عفو، ولا ترج إذا أمّنت ولا تخافنّ إذا خوّفت ولكن انظر متى تقول وما تقول. ولا تعدنّ معصية بأكثر من عقوبتنا فإن فعلت أثمت وإن تركت كذبت. ولا تؤمّننّ شريفا دون أن يكفل بأهله ولا تكفلنّ ضعيفا أكثر من نفسه.
واتق الله فإذا لقيت فاصبر.
وأوصى عبد الملك بن صالح أمير سريّة إلى بلاد الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيّس «٢» الذي إن وجد ربحا تجر، وإلا احتفظ برأس المال. ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة. وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوّك عليك.
وحدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة قال: أخبرني رجل من أهل المدينة أنّ رسول الله ﷺ قال لزيد بن حارثة أو لعمرو بن العاص: «إذا بعثتك في سريّة فلا تتنقّهم واقتطعهم فإن الله ينصر القوم بأضعفهم» .
حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: غزا نبيّ من الأنبياء أو غير نبي فقال: «لا يغزونّ معي رجل بنى بناء لم يكمله، ولا رجل تزوّج امرأة لم يبن بها، ولا رجل زرع زرعا ثم لم يحصده» .
وذكر ابن عباس عليا فقال: ما رأيت رئيسا يوزن به، لرأيته يوم صفّين
стр. 183
وكأنّ عينيه سراجا سليط وهو يحمّس أصحابه إلى أن انتهى إليّ وأنا في كثف «١» فقال: معشر المسلمين، إستشعروا الخشية وعنّوا «٢» الأصوات وتجلببوا السكينة وأكملوا اللّؤم وأخفّوا الخوذ «٣» وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل السّلّة والحظوا الشّزر واطعنوا «٤» النّبر ونافحوا بالظّبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنّبل وامشوا إلى الموت مشيا سجحا. وعليكم بهذا السواد الأعظم والرّواق المطنّب فاضربوا ثبجه «٥» فإن الشيطان راكد في كسره نافج خصييه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يدا وأخّر للنّكوص رجلا.
ولما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا فلا تتّكلنّ على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك، فإنّ الظن إذا أخلف فيك أخلف منك. وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك ترشد إن شاء الله.
قال الأصمعي قالت أم جبغويه ملك طخارستان لنصر بن سيّار الليثي:
ينبغي للأمير أن تكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفشي إليه سرّه، وحصن يلجأ إليه إذا فزع فينجيه- يعني فرسا- وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف خونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها، وامرأة إذا دخل عليها
стр. 184
أذهبت همّه، وطبّاخ إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه.
وبلغني عن عبّاد بن كثير عن عقيل بن خالد عن الزّهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف وما غلب قوم قطّ يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم» . وقال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم عن قلّة. وكانوا اثني عشر ألفا فهزم المسلمون يومئذ وأنزل الله : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
«١» الآية.
وقالوا كان يقال: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، قال الله تعالى؛ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٢» والمكر، قال الله تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٣» والنّكث، قال : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٤» .
وقرأت في كتاب للهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحّة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خبّ «٥» ، ولا شرف مع سوء أدب، ولا برّ مع شحّ، ولا اجتناب محرّم مع حرص، ولا محبة مع زهو، ولا ولاية حكم مع عدم فقه،
стр. 185
ولا عذر مع إصرار، ولا سلامة مع ريبة، ولا راحة قلب مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع غرارة وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزراء.
خرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم فأهمّه ذلك فقيل له: ما يهمّك منهم؟ وجّه إليهم وكيع بن أبي سود فإنه يكفيكهم. فقال: لا، إنّ وكيعا رجل به كبر يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا قلّت مبالاته بعدوّه فلم يحترس منه فيجد عدوّه منه غرّة.
وقرأت في بعض كتب العجم أنّ ملكا من ملوكهم سئل: أيّ مكايد الحرب أحزم؟ فقال: إذكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء الغلبة وإظهار السرور وأمانة الفرق والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن يستنصح ولا استنصاح لمن يستغشّ ولا تحويل شيء عن شيء إلا بسدّ ناحية من المراتب وحسن مجاملة الظنون وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره. وسئل عن وثائق الحزم في القتال فقال: مخاتلة العدوّ عن الرّيف وإعداد العيون على الرّصد وإعطاء المبلّغين على الصدق ومعاقبة المتوصّلين بالكذب وألّا تحرج هاربا إلى قتال ولا تضيّق أمانا على مستأمن ولا تشبّ عن أصحابك للبغية ولا تشدهنّك الغنيمة عن المحاذرة.
وقرأت في كتاب للهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال. يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيدا. ويكره القتال ما وجد بدّا لأن النفقة فيه من الأنفس والنفقة في غيره من المال.
وقرأت في الآيين: قد جرت السنة في المحاربة أن يوضع من كان من الجند أعسر في الميسرة ليكون لقاؤه يسرا ورميه شزرا وأن يكون اللقاء من
стр. 186
الفرسان قدما وترك ذلك على حال ممايلة أو مجانبة وأن يرتاد للقلب مكانا مشرفا ويلتمس وضعه فيه فإن أصحاب الميمنة والميسرة لا يقهرون ولا يغلبون وإن زالتا بعض الزوال ما ثبت الماذيان «١» فإن زالت الماذيان لم ينتفع بثبات الميمنة والميسرة. وإذا عيّ الجند فليناوش أهل الميمنة والماذيان فأما الميسرة فلا يشذّنّ منهم أحد إلّا أن يبادر إليهم من العدوّ من يخاف بائقته فيردّون عاديتهم مع أنّ أصحاب الميمنة والماذيان لا يقدرون على لقاء من يناوشهم والرجوع إلى أصحابهم عاطفين، وأصحاب الميسرة لا يقدرون على مناوشة إلّا مائلين ويعجزهم الرجوع عاطفين. ولا يألونّ صاحب الجيش على حال من الحال أن يستدبر جنده عين الشمس والريح، ولا يحاربنّ جندا إلا على أشدّ الضرورة وعلى حال لا يوجد معها من المحاربة بدّ، فإذا كان كذلك فليجهد صاحب الجيش أن يدافع بالحرب إلى آخر النهار. وينبغي على كل حال أن يخلّى بين المنهزمين وبين الذهاب ولا يحبسوا. وإن كان الجند قد نزلوا على ماء وأراد العدوّ أن ينالوا من الماء فليس من الرأي أن يحال بينهم وبينه لئلا يحرجوا إلى الجدّ في محاربتهم. وإن كان العدوّ قد نزلوا بماء وأراد الجند غلبتهم عليه فإن وقت طلب ذلك عند ريّ العدوّ من الماء وسقيهم دوابّهم منه وعند حاجة الجند إليه، فإنّ أسلس ما يكون الإنسان عن الشيء عند استغنائه عنه وأشدّ ما يكون طلبا للشيء عند حاجته إليه. ولتسر الطلائع في قرار من الأرض ويقفوا على التّلاع ولا يجوزوا أرضا لم يستقصوا خبرها.
وليكمن الكمين في الخمر «٢» والأماكن الخفية. وليطرح الحسك في المواضع
стр. 187
التي يتخوّف فيها البيات. وليحترس صاحب الجيش من انتشار الخبر عنه فإنّ في انتشاره فساد العسكر وانتقاضه. وإذا كان أكثر من في الجند من المقاتلة مجرّبين ذوي حنكة وبأس فبدار العدوّ الجند إلى الوقعة خير للجند. وإذا كان أكثرهم أغمارا ولم يكن من القتال بدّ فبدار الجند إلى مقاتلة العدوّ أفضل للجند. وليس ينبغي للجند أن يقاتلوا عدوّا إلا أن تكون عدّتهم أربعة أضعاف عدّة العدوّ أو ثلاثة أضعافهم، فإن غزاهم عدوّهم لزمهم أن يقاتلوهم بعد أن يزيدوا على عدّة العدوّ مثل نصف عدّتهم. وإن توسّط العدوّ بلادهم لزمهم أن يقاتلوهم وإن كانوا أقل منهم، وينبغي أن ينتخب للكمين من الجند أهل جرأة وشجاعة وتيقّظ وصرامة وليس بهم أنين ولا سعال ولا عطاس ويختار لهم من الدواب ما لا يصهل ولا ينهت «١» ، ويختار لكمونهم مواضع لا تغشى ولا تؤتى، قريبة من الماء حتى ينالوا منه إن طال مكثهم، وأن يكون إقدامهم بعد الرويّة والتشاور والثقة بإصابة الفرصة، ولا يخيفوا سباعا ولا طيرا ولا وحشا. وأن يكون إيقاعهم كضريم الحريق، وليجتنبوا الغنائم ولينهضوا من المكمن متفرقين إذا ترك العدوّ الحراسة وإقامة الرّمايا، وإذا أونس من طلائعهم توان وتفريط وإذا أمرجوا دوابّهم في الرعي، وأشدّ ما يكون البرد في الشتاء وأشدّ ما يكون الحر في الصيف. وأن يرفضّوا ويفترقوا إذا ثاروا من مكمنهم بعد أن يستخير بعضهم بعضا وأن يسرعوا الإيقاع بعدوّهم ويتركوا التلبّث والتلفّت.
وينبغي للمبيّتين أن يفترصوا البيات إذا هبّت ريح أو أونس من نهر قريب منهم خرير فإنه أجدر ألا يسمع لهم حسّ. وأن يتوخّى بالوقعة نصف الليل أو أشدّ ما يكون إظلاما. وأن يصير جماعة من الجند وسط عسكر العدوّ وبقيتهم حوله، ويبدأ بالوقعة من يصير منهم في الوسط ليسمع بالضجّة والضوضاء من
стр. 188
ذلك الموضع لا من حوله، وأن يشرّد قبل الوقعة الأفره فالأفره من دوابّهم ويقطّع أرسانها وتهمز بالرماح في أعجازها حتى تتحيّر وتعير ويسمع لها ضوضاء، وأن يهتف هاتف ويقول: يا معشر أهل العسكر، النجاء النجاء فقد قتل قائدكم فلان وقتل خلق وهرب خلق. ويقول قائل: أيها الرجل، استحيني لله. ويقول آخر: العفو العفو. وآخر: أوّه أوّه، ونحو هذا من الكلام. وليعلم أنه إنما يحتاج في البيات «١» إلى تحيير العدوّ وإخافته وليجتنبوا التقاط الأمتعة واستياق الدوابّ وأخذ الغنائم. قال: وينبغي في محاصرة الحصون أن يستمال من يقدر على استمالته من أهل الحصن والمدينة ليظفر منهم بخصلتين:
إحداهما استنباط أسرارهم، والأخرى إخافتهم وإفزاعهم بهم، وأن يدسّ منهم من يصغّر شأنهم ويؤيسهم من المدد ويخبرهم أنّ سرّهم منتشر في مكيدتهم، وأن يفاض حول الحصن ويشار إليه بالأيدي كأن فيه مواضع حصينة وأخر ذليلة ومواضع ينصب المجانيق «٢» عليها ومواضع تهيّأ العرّادات «٣» لها ومواضع تنقب نقبا ومواضع توضع السّلالم عليها ومواضع يتسوّر منها ومواضع يضرم النار فيها ليملأهم ذلك رعبا، ويكتب على نشّابة «٤» : إياكم أهل الحصن والاغترار وإغفال الحراسة، عليكم بحفظ الأبواب فإن الزمان خبيث وأهله أهل غدر فقد خدع أكثر أهل الحصن واستميلوا، ويرمى بتلك النّشابة في الحصن ثم يدسّ لمخاطبتهم المنطيق «٥» المصيب الدّهيّ الموارب المخاتل غير المهذار ولا المغفّل. وتؤخّر الحرب ما أمكن ذلك فإن في المحاربة جرأد منهم على من
стр. 189
حاربهم ودليلا على الحيلة والمكيدة، فإن كان لا بد من المحاربة فليحاربوا بأخفّ العدّة وأيسر الآلة. وينبغي أن يغلب العدوّ على الأرض ذات الخمر «١» والشجر والأنهار للمعسكر ومصافّ الجنود ويخلّى بين العدوّ وبين بساط الأرض ودكادكها «٢» .
وفي بعض كتب العجم أن بعض الحكماء سئل عن أشدّ الأمور تدريبا للجنود وشحذا لها، فقال: إستعادة القتال وكثرة الظّفر، وأن تكون لها موادّ من ورائها وغنيمة فيما أمامها؛ ثم الإكرام للجيش بعد الظّفر والإبلاغ بالمجتهدين بعد المناصبة، والتشريف للشجاع على رؤوس الناس.
قال المدائني: قال نصر بن سيّار: كان عظماء الترك يقولون: القائد العظيم ينبغي أن تكون فيه خصال من أخلاق الحيوان: شجاعة الدّيك، وتحنّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب. وكان يقال في صفة الرجل الجامع: له وثبة الأسد، وروغان الثعلب، وختل الذئب وجمع الذّرّة، وبكور الغراب.
وكان يقال: أصلح الرجال للحرب المجرّب الشجاع الناصح.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي الأصمّ قال: قيل لعمرو بن معاوية العقيلي وكان صاحب صوائف: بم ضبطت الصوائف؟ أي الثغور قال:
بسمانة الظهر وكثرة الكعك والقديد «٣» . وفي كتاب الآيين: ليكن أوّل ما تحمله معك خبزا ثم خبزا. وإياك والمفارش والثياب. أبو اليقظان قال: قال شبيب الخارجي: الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع. وكان إذا أمسى قال
стр. 190
لأصحابه: أتاكم المدد، يعني الليل. وقيل لبعض الملوك: بيّت عدوّك. قال:
أكره أن أجعل غلبتي سرقة.
المدائني قال: لما اشتغل عبد الملك بمحاربة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم فقالوا: قد أمكنتك الفرصة من العرب بتشاغل بعضهم ببعض، فالرأي أن تغزوهم في بلادهم. فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم، ودعا بكلبين فأرّش «١» بينهما فاقتتلا قتالا شديدا، ثم دعا بثعلب فخلّاه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال لهم ملك الروم: هذا مثلنا ومثلهم. فعرفوا صدقه وحسن رأيه ورجعوا عن رأيهم.
وأوصى بعض الحكماء ملكا فقال: لا يكن العدوّ الذي قد كشف لك عن عداوته بأخوف عندك من الظّنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فإنه ربما تخوّف الرجل السّمّ الذي هو أقتل الأشياء وقتله الماء الذي يحيي الأشياء، وربما تخوّف أن يقتله الملوك التي تملكه ثم قتلته العبيد التي يملكها. فلا تكن للعدوّ الذي تناصب بأحذر منك للطعام الذي تأكل. وأنا لكل أمر أخذت منه نذيرك وإن عظم آمن منّي من كل أمر عرّيته من نذيرك وإن صغر. واعلم أن مدينتك حرز من عدوّك، ولا مدينة تحرّز فيها من طعامك وشرابك ولباسك وطيبك، وليست من هذه الأربع واحدة إلا وقد تقتل بها الملوك.
وذكر عبد الملك بن صالح الهاشمي أن خالد بن برمك، حين فصل مع قحطبة من خراسان، بينا هو على سطح بيت في قرية قد نزلاها وهم يتغدّون نظر إلى الصحراء فرأى أقاطيع ظباء قد أقبلت من جهة الصحارى حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيها الأمير ناد في الناس: يا خيل الله اركبي،
стр. 191
فإن العدوّ قد نهد إليك وحثّ، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل، فقام قحطبة مذعورا فلم ير شيئا يروعه ولم يعاين غبارا، فقال لخالد: ما هذا الرأي؟ فقال خالد: أيها الأمير، لا تتشاغل بي وناد في الناس. أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت وفارقت مواضعها حتى خالطت الناس؟ إن وراءها لجمعا كثيفا. قال: فوالله ما أسرجوا ولا ألجموا حتى رأوا ساطع الغبار فسلموا، ولولا ذلك لكان الجيش قد اصطلم.
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: آمرك بالتقدّم والأمر ممكن، وبالإعداد لغد من قبل دخولك في غد كما تعدّ السلاح لمن تخاف أن يقاتلك وعسى ألا يقاتلك، وكما تأخذ عتاد البناء من قبل أن تصيبه السماء وأنت تدري لعلها لا تصيبه، بل كما تعدّ الطعام لعدد الأيام وأنت لا تدري لعلك لا تأكله. وكان يقال: كل شيء طلبته في وقته فقد مضى وقته.
وقرأت في كتاب سير العجم أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لمّا ملك سار بجنوده نحو خراسان ليغزو اخشنوار ملك الهياطلة ببلخ، فلما انتهى إلى بلاده اشتدّ رعب اخشنوار منه وحذره له، فناظر أصحابه ووزراءه في أمره، فقال له رجل منهم: أعطني موثقا وعهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني أهلي وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم، ثم اقطع يديّ ورجليّ وألقني على طريق فيروز حتى يمرّ بي هو وأصحابه فأكفيك مؤونتهم وشوكتهم وأورّطهم مورّطا تكون فيه هلكتهم. فقال له اخشنوار: وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت قد هلكت ولم تشركنا في ذلك؟ قال: إني قد بلغت ما كنت أحبّ أن أبلغه من الدنيا وأنا موقنّ بأن الموت لا بدّ منه وإن تأخّر أياما قلائل، فأحب أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النصيحة لإخواني والنكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبى وأصيب سعادة ووحظوة فيما
стр. 192
أمامي، ففعل به ذلك وأمر به فألقي حيث وصف له. فلما مرّ به فيروز سأله عن أمره فأخبره أن اخشنوار فعل ذلك به وأنه احتال حتى حمل إلى ذلك الموضع ليدلّه على عورته وغرّته وقال: إني أدلك على طريق هو أقرب من هذا الذي تريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر اخشنوار حتى تهجموا عليه فينتقم الله لي منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تفويز يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون. فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه وبغير ذلك، فخالفهم وسلك الطريق حتى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثم بيّن لهم أمره فتفرقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتسمون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلا عدّة يسيرة فإنهم انطلقوا معه حتى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدّون لهم فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضرّ والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم، ثم رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمنّ عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد الله وميثاقه ألا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره وعلى أنه يحدّ فيما بينه وبين مملكته حدّا لا تجاوزه جنوده، فرضي اخشنوار بذلك وخلّى سبيله وانصرف إلى مملكته، فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ثم حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردّوه عنه وقالوا: إنك قد عاهدته ونحن نتخوّف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسوء المقالة. فقال لهم: إني إنما شرطت له ألّا أجوز الحجر الذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا.
فقالوا له: أيها الملك، إنّ العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسرّ المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطى، وإنك إنما جعلت له عهد الله وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله. فأبى
стр. 193
فيروز ومضى في غزاته حتى انتهى إلى الهياطلة وتصافّ الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيّهم ليكلمه، فخرج إليه فقال له اخشنوار قد ظننت أنه لم يدعك إلى غزونا إلّا الأنف مما أصابك.
ولعمري لئن كنّا احتلنا لك بما رأيت، لقد كنت التمست منّا أعظم منه، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وعن حريمنا، ولقد كنت جديرا أن تكون، من سوء مكافأتنا بمنّنا عليك وعلى من معك من نقض العهد والميثاق الذي وكّدت على نفسك، أعظم أنفا وأشدّ امتعاضا مما نالك منّا، فإنّا أطلقناكم وأنتم أسرى ومننّا عليكم وأنتم مشرفون على الهلكه وحقنّا دماءكم وبنا قدرة على سفكها، وإنّا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا عليه ففكّر في ذلك وميّل بين هذين الأمرين فانظر أيّهما أشدّ عارا وأقبح سماعا، إن طلب رجل أمرا فلم يتح له وسلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغيته واستمكن منه عدوّه على حال جهد وضيعة منه وممن معه، فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاضطرّ لمكروه القضاء واستحيا من النّكث والغدر أن يقال امرؤ نكث العهد وختر «١» الميثاق. مع أني قد ظننت أنه يزيدك نجاحا ما تثق به من كثرة جنودك وما ترى من حسن عدّتهم وطاعتهم لك، وما أجدني أشكّ أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق ودعوتهم إلى ما يسخط الله، فهم في حربنا غير مستبصرين ونيّاتهم في مناصحتك اليوم مدخولة، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على مثل هذه الحال، وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوّه إذا كان عارفا بأنه. إن ظفر فمع عار وإن قتل
стр. 194
فإلى النار، فأنا أذكّرك الله الذي جعلته على نفسك كفيلا ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشفائكم على الممات، وأدعوك إلى ما فيه حظّك ورشدك من الوفاء بالعهد والاقتداء بآبائك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه أو كرهوه، فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره، ومع ذلك إنك لست على ثقة من الظّفر بنا والبلوغ لنهمتك فينا وإنما تلتمس منا أمرا نلتمس منك مثله وتناويء عدوّا لعله يمنح النصر عليك فقد بالغت في الاحتجاج عليك وتقدّمت في الإعذار إليك ونحن نستظهر بالله الذي اعتززنا به ووثقنا بما جعلته لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك وازدهتك عدّة أصحابك، فدونك هذه النصيحة فوالله. ما كان أحد من نصحائك ببالغ لك أكثر منها ولا زائد لك عليها، ولا يحرمنّك منفعتها مخرجها مني فإنّه لا يزري بالمنافع عند ذوي الرأي أن كانت من قبل الأعداء كما لا يحبّب المضارّ إليهم أن تكون على أيدي الأولياء. واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مقالتي ضعف أحسّه من نفسي ولا قلة من جنودي، ولكني أحببت أن أزداد حجّة واستظهارا، وأزداد به من الله للنصر والمعونة استيجابا ولا أؤثر على العافية والسلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا، فأبى فيروز إلا تعلّقا بحجّته في الحجر الذي جعله حدّا بينه وبينه وقال: لست ممن يردعه عن الأمر يهمّ به وعيد ولا يقتاده التهدّد والترهيب، ولو كنت أرى ما أطلبك غدرا مني ما كان أحد أنظر ولا أشدّ اتقاء منيّ على نفسي فلا يغرّنّك منّا الحال التي صادفتنا عليها في المرّة الأولى من القلّة والجهد والضعف. قال اخشنوار: لا يغرّنّك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك، فإنّ الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر، إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغترّ بأمان ولا يثق بعهد، وإذا لما قبل الناس شيئا مما يعطونه من ذلك، ولكنّه وضع على العلانية وعلى نية من تعقد العهود والشروط له. فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه:
стр. 195
لقد كان اخشنوار حسن المحاورة. وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب فإنه لم يزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ولا صهل ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا. وقال اخشنوار لأصحابه: لقد واقفت فيروز كما علمتم وعليه السلاح كلّه فلم يحرّك رأسه ولم ينزع رجله من ركابه ولا حنا ظهره ولا التفت يمينا ولا شمالا، ولقد تورّكت أنا مرارا وتمطيت على فرسي وتلفّت إلى من خلفي ومددت بصري أمامي وهو منتصب ساكن على حاله، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني. وإنما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه. فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز، فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفون غدره وبغيه ويخرجون من متابعته، فانتقض عسكر فيروز واختلفوا وما لبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز، فقال اخشنوار: لقد صدق الذي قال: لا رادّ لما قدّر، ولا أشدّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللّجاج، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطّن نفسه على قبولها والصبر على مكروهها، ولا أسرع عقوبة ولا أسوأ عاقبة من البغي والغدر، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من إفراط الفخر والأنفة.
وقال أبو اليقظان: لما خرج شبيب «١» بن يزيد بن نعيم الخارجي بالموصل بعث إليه الحجّاج قائدا فقتله ثم قائدا فقتله كذلك حتى أتى على
стр. 196
خمسة قوّاد قتلهم وهزم جيوشهم وكان أحد القوّاد موسى بن طلحة بن عبيد الله، ثم خرج شبيب من الموصل يريد الكوفة وخرج الحجّاج من البصرة يريد الكوفة فطمع شبيب أن يلقى الحجاج قبل أن يصل إلى الكوفة فأقحم الحجاج خيله فدخل الكوفة قبله، ومرّ شبيب بعتاب بن ورقاء فقتله ومرّ بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهرب منه، وقدم شبيب الكوفة وآلى ألّا يبرح عنها أو يلقى الحجاج فيقتله أو يقتل دونه؛ فخرج الحجاج إليه في خيله، فلما قرب منه عمد إلى سلاحه فألبسه أبا الورد مولاه وحمله على الدّابة التي كان عليها، فلما تواقفا قال شبيب: أروني الحجاج، فأومأ له إلى أبي الورد فحمل عليه فقتله، ثم خرج من الكوفة يريد الأهواز فغرق في دجيل وهو يقول: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
«١» .
الأوقات التي تختار للسفر والحرب
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهريّ قال: كان أحبّ الأيام إلى رسول الله ﷺ أن يعقد فيه رايته يوم الخميس، وكان أحبّ الأيام إلى رسول الله ﷺ أن يسافر فيه يوم الخميس.
وقالت العجم: أخّر الحرب ما استطعت فإن لم تجد بدّا فاجعل ذلك آخر النهار.
وحدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن عون عن محمد بن سيرين أنّ النعمان بن مقرّن قال لأصحابه: إني لقيت مع
стр. 197
رسول الله ﷺ فكان من أحبّ ما يلقى فيه إذا لم يلق في أوّل النهار إذا زالت الشمس وحلّت الصلاة وهبّت الرياح ودعا المسلمون. ويروي قوم عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه كان يكره الحجامة «١» والابتداء بعمل في محاق القمر وفي حلوله في برج العقرب. وقال بعضهم: كنت مع عمر بن عبد العزيز فوق سطح وهو يريد الركوب، فنظرت فإذا القمر بالدّبران «٢» فقلت:
أنظر إلى القمر ما أحسن استواءه! فرفع رأسه ثم نظر فرأى منزلته فضحك، وقال إنما أردت أن ننظر إلى منزلته، وإنّا لا نقيم لشمس ولا لقمر ولكنا نسير بالله الواحد القهّار. وكان يقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الإثنين يوم سفر وابتغاء رزق، ويوم الثلاثاء يوم حرب ودم، ويوم الأربعاء يوم الأخذ والإعطاء، ويوم الخميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطب ونكاح.
الدّعاء عند اللقاء
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن أبي إسحاق عن أبي رجاء قال: كان النبيّ ﷺ يقول إذا اشتدّت حلقة البلاء وكانت الضّيقة: «تضيّقي تفرجي» ثم يرفع يديه فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم اللهمّ إياك نعبد وإياك نستعين اللهم كفّ عنا بأس الذين كفروا إنك أشدّ بأسا وأشدّ تنكيلا» فما يخفض يديه المباركتين حتى ينزل الله النصر.
وحدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن موسى بن عقبة
стр. 198
عن سالم أبي النضر مولى عمرو بن عبيد الله وكان كاتبا له، قال: كتب عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحروريّة «١» أنّ النبي ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واصبروا واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف» ثم قال: «اللهمّ منزّل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» وقال أبو النصر: وبلغنا أنه دعا في مثل ذلك فقال: «اللهمّ أنت ربّنا وربّهم وهم عبيدك ونحن عبيدك ونواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: لما صافّ قتيبة بن مسلم التّرك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع ما يصنع؟ قالوا: هو في أقصى الميمنة جانح على سية «٢» قوسه ينضنض «٣» بإصبعه نحو السماء. فقال قتيبة: تلك الإصبع الفاردة أحبّ إليّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير. فلما فتح الله عليهم قال لمحمد: ما كنت تصنع؟ قال: كنت آخذ لك بمجامع الطرق.
الصبر وحضّ الناس يوم اللّقاء عليه
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان عاصم بن الحدثان رجلا من العرب عالما قديما وكان رأس الخوارج بالبصرة وربما جاءه
стр. 199
الرسول منهم من الجزيرة يسأله عن بعض الأمر يختصمون فيه فمرّ به الفرزدق فقال لابنه: أنشد أبا فراس، فأنشده: [كامل]
وهموا إذا كسروا الجفون أكارم ... صبر وحين تحلّل الأزرار
يغشون حومان المنون وإنها ... في الله عند نفوسهم لصغار
يمشون في الخطّي «١» لا يثنيهم ... والقوم إذ ركبوا الرماح تجار
فقال له الفرزدق: ويحك! أكتم هذا لا يسمعه النسّاجون فيخرجوا علينا بحفوفهم «٢» . فقال عاصم: يا فرزدق، هذا شاعر المؤمنين وأنت شاعر الكافرين.
حدّثنا سهل قال: حدّثنا الأصمعي قال: قال سليط بن سعد: قال بسطام ابن قيس لقومه: تردون على قوم آثارهم آثار نساء وأصواتهم أصوات صردان «٣» ولكنهم صبر على الشرّ. يعني بني يربوع. وفي هؤلاء يقول معاوية: لو أنّ النجوم تناثرت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. قال الأصمعيّ قلت لسليط: أكان عتيبة بن الحارث ضخما؟ قال: لا، ولا من قوم ضحام. يعني بني يربوع.
وقال عمر بن الخطاب لبني عبس: كم كنتم يوم الهباءة «٤» ؟ فقال: كنا مائة
стр. 200
كالذهب، لم نكثر فنتواكل ولم نقلّ فنذلّ. قال: فكيف كنتم تقهرون من ناوأكم ولستم بأكثر منهم عددا ولا مالا؟ قال: كنا نصبر بعد اللقاء هنيهة.
قال: فلذلك إذا. قيل لعنترة العبسيّ: كم كنتم يوم الفروق؟ «١» قال: كنا مائة لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنذلّ. وكان يقال: النصر مع الصبر. ومن أحسن ما قيل في الصبر، قول نهشل «٢» بن حرّي بن ضمرة: [طويل]
ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم تكن نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرّج أيام الكريهة بالصبر
ومثله قول الآخر: [طويل]
بكى صاحبي لمّا رأى الموت فوقنا ... مطلّا كإطلال السّحاب إذا اكفهر
فقلت له لا تبك عينك إنما ... يكون غدا حسن الثناء لمن صبر
فما أخّر الإحجام يوما معجّلا ... ولا عجّل الإقدام ما أخّر القدر
فآسى على حال يقلّ بها الأسى ... وقاتل حتى استبهم الورد والصّدر
وكرّ حفاظا خشية العار بعد ما ... رأى الموت معروضا على منهج المكر
وقال أبو بكر الصدّيق ﵁ لخالد بن الوليد حين وجهه:
احرص على الموت توهب لك الحياة. وتقول العرب: الشجاع موقّى. وقالت الخنساء: [متقارب]
نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها
стр. 201
وقال يزيد «١» بن المهلّب: [طويل]
تأخّرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
وقال قطريّ «٢» بن الفجاءة: [وافر]
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي»
وقال معاوية بن أبي سفيان: شجّعني على عليّ بن أبي طالب قول عمرو «٤» بن الإطنابة: [وافر]
أبت لي عفّتي وأبى «٥» بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الرّبيح
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسي ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
стр. 202
أبت لي أن أقضّي في فعالي ... وأن أغضي على أمر قبيح
وقال ربيعة «١» بن مقروم: [كامل]
ودعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟
وكان خالد بن الوليد يسير في الصفوف يذمّر «٢» الناس ويقول: يا أهل الإسلام، إنّ الصبر عزّ وإنّ الفشل عجز وإنّ النصر مع الصبر. وقال بعض أبطال العرب: [رجز]
إنّ الشّواء والنّشيل «٣» والرّغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضاربين الخيل والخيل قطف
وقال أعرابي: الله يخلف ما أتلف الناس، والدهر يتلف ما جمعوا، وكم من ميتة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت. ومثله قول أبي بكر الصديق لخالد: إحرص على الموت توهب لك الحياة.
قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، فدعا رجالا من عظمائهم فقال: ويحكم! أخبروني ما هؤلاء الذين تقاتلونهم؟ أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا:
بلى. يعني العرب. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كلّ موطن. قال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلّما لقيتموهم؟ فسكتوا، فقال شيخ منهم: أنا أخبرك، أيها الملك، من أين تؤتون. قال: أخبرني.
стр. 203
قال: إذا حملنا عليهم صبروا وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب ويحملون علينا فلا نصبر. قال: ويلكم فما بالكم كما تصفون وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما كنت أراك إلا وقد علمت من أين هذا؟ قال له: من أين هو؟ قال: لأنّ القوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يظلمون أحدا ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنّا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. قال:
صدقتني، والله لأخرجنّ من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا.
قالوا: نشهدك الله، أيها الملك. تدع سورية وهي جنة الدنيا وحولك من الروم عدد الحصى والتراب ونجوم السماء ولم يؤت عليهم؟.
ذكر الحرب
قالت العرب: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني. وقال الكميت «١» : [بسيط]
الناس في الحرب شتّى وهي مقبلة ... ويستوون إذا ما أدبر القبل
كلّ بأمسيّها طبّ مولّية ... والعالمون بذي غدويّها قلل
وقال عمر بن الخطاب ﵀ لعمرو بن معد يكرب «٢» : أخبرني عن الحرب. قال: مرّة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف ومن
стр. 204
ضعف عنها تلف. وهي كما قال الشاعر: [كامل]
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكلّ جهول «١»
حتى إذا استعرت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للّثم والتقبيل
كان يزيد بن عمر بن هبيرة يحب أن يضع «٢» من نصر بن سيّار «٣» فكان لا يمدّه بالرجال ولا يرفع ما يرد عليه من أخبار خراسان، فلما كثر ذلك على نصر قال: [وافر]
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة «٤» أم نيام
ونحو قوله: «الحرب أوّلها الكلام» قول حذيفة: إنّ الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى.
العتبيّ عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁ لابنه الحسن: يا بنيّ لا تدعونّ أحدا إلى البراز، ولا يدعونّك أحد إليه إلا أجبته فإنه بغي.
стр. 205
في العدّة والسلاح
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد- فيما حفظت إن شاء الله- أنّ النبيّ ﷺ كان عليه درعان يوم أحد. قيل لعبّاد بن الحصين وكان أشدّ رجال أهل البصرة: في أيّ عدّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عكرمة قال: لما كانت ليلة الأحزاب قالت الجنوب للشّمال:
انطلقي بنا نمدّ رسول الله ﷺ فقالت الشمال: إنّ الحرّة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصّبا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن أبي الزّناد قال: ضرب الزبير بن العوّام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة فقطّه إلى القربوس «١» فقالوا: ما أجود سيفك! فغضب، يريد أنّ العمل ليده لا لسيفه.
وقال الوليد بن عبيد البحتريّ يصف سيفا: [كامل]
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
متوقّد يفري بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو انّها في يذبل «٢»
стр. 206
وقال آخر: [طويل]
وما السيف إلا بزّ «١» غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
رئي الجرّاح بن عبد الله في بعض الحروب وقد ظاهر بين درعين، فقيل له في ذلك. فقال: إني لست أقي بدني وإنما أقي صبري. واشترى يزيد بن حاتم أدرعا وقال: إني لم أشتر أدراعا إنما اشتريت أعمارا.
وقال حبيب بن المهلّب: ما رأيت رجلا في الحرب مستلئما إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا. فسمع هذا الحديث بعض أهل المعرفة فقال: صدق، إنّ للسلاح فضيلة. أما تراهم ينادون عند الصّريخ: السلاح السلاح ولا ينادون: الرجال الرجال؟ قال المهلب لبنيه: يا بنيّ، لا يقعدنّ أحد منكم في السوق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فإلى زرّاد أو سرّاج أو ورّاق. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب:
أخبرني عن السلاح. قال: سل عمّا شئت منه. قال: الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك. قال النّبل؟ قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: التّرس؟ قال: ذاك المجنّ وعليه تدور الدّوائر. قال: الدّرع؟ قال: مثقلة للراجل متعبة للفارس، وإنّها لحصن حصين. قال: السيف؟ قال: ثمّ، قارعتك أمّك عن الثّكل. قال عمر: بل أمّك. قال: الحمّى أضرعتني لك «٢» .
وقال الطائيّ «٣» يصف الرّماح: [بسيط]
مثقّفات سلبن الروم زرقتها ... العرب سمرتها والعاشق القضفا «٤»
стр. 207
وقال دعبل «١» يصف الرّمح: [سريع]
وأسمر في رأسه أزرق ... مثل لسان الحيّة الصادي «٢»
وقال الشاعر: [بسيط]
تلمّظ السيف من شوق إلى أنس ... فالموت يلحظ والأقدار تنتظر
أظلّه منك حتف قد تجلّله ... حتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من السيف إلا عند قدرته ... وليس للسيف عفو حين يقتدر
وقال آخر: [طويل]
متى تلقني يعدو ببزّي «٣» مقلّص ... كميت بهيم أو أغرّ محجّل
تلاق امرأ إن تلقه فبسيفه ... تعلّمك الأيام ما كنت تجهل
وقال عليّ ﵁: بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا. وفي الحديث «بقيّة السيف مباركة» يعني أنّ من نجا من ضربة السيف ينمو عدده ويكثر ولده. وقال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. ويقال: لا مجد أسرع من مجد سيف.
وكانت درع عليّ ﵁ صدرا لا ظهر لها فقيل لها في ذلك فقال: إذا استمكن عدوّي من ظهري فلا يبق. وقال أبو الشّيص «٤» :
стр. 208
[خفيف]
ختلته المنون «١» بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «٢»
بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ فبعث ابنه الأغرّ وقال: يا بنيّ، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتق الرمح فإنه رشاء «٣» المنيّة، ولا تقرب السّهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: [طويل]
جلاميد يملأن الأكفّ كأنّها ... رؤوس رجال حلّقت في المواسم
وقال الخريمي «٤» في بغداد أيام الفتنة: [منسرح]
يا بؤس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثمّ عاقبها ... لمّا أحاطت بها كبائرها «٥»
رقّ بها الدّين واستخفّ بذي ال ... فضل وعزّ الرجال فاجرها
стр. 209
وصار ربّ الجيران فاسقهم ... وابتّز أمن الدروب شاطرها
يحرق هذا وذا يهدّمها ... ويشتفي بالنّهاب داعرها
والكرخ «١» أسواقها معطّلة ... يستنّ شذّابها وعائرها
أخرجت الحرب من أساقطهم ... آساد غيل غلبا تساورها
من البواري «٢» تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها بالعناء حاشرها
ونحوه قول عليّ «٣» بن أمية: [متقارب]
دهتنا أمور تشيب الوليد «٤» ... ويخذل فيها الصدّيق الصدّيق
فناء مبيد وذعر عتيد ... وجوع شديد وخوف وضيق
وداعي الصباح بطول الصياح ال ... سلاح السلاح فما نستفيق
فبالله نبلغ ما نرتجي ... وبالله ندفع ما لا نطيق
جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليه السلطان جندا من بخاريّة «٥» زياد، فقال رجل من أهل البادية يذمّر قومه: يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم، والله لئن ظهر هؤلاء عليكم لا يدعون بها لبنة حمراء ولا نخلة خضراء إلا وضعهوها بالأرض ولاعتراكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها أيور الفيلة ينزعون في قسيّ كأنها العتل «٦» فتئطّ
стр. 210
إحداهنّ أطيط الزّرنوق «١» يمغط أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء «٢» منقطع فما بين أحدكم وبين أن تنفضخ عينه أو ينصدع قلبه منزلة، فخلع قلوب القوم فطاروا رعبا.
آداب الفروسية
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان قال: كتب عمر ﵁: ائتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف وارموا الأغراض وألقوا الرّكب وانزوا نزوا على الخيل وعليكم بالمعدّيّة، أو قال العربية. ودعوا التنعم وزيّ العجم ولا تلبسوا الحرير فإن رسول الله ﷺ نهى عنه إلا هكذا، ورفع إصبعيه. وقال أيضا: لن تخور قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو. يعني ينزع في القوس وينزو على الخيل من غير استعانة بالرّكب. وقال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذنه اليمنى وبيده اليسرى أذن فرسه اليسرى ثم يجمع جراميزه «٣» ويثب فكأنما خلق على ظهر فرسه.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ يوم صفّين: عضّوا على النّواجذ «٤» من الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام. وأقاموا رجلا بين العقابين فقال له أبوه: طد رجلك وأصرّ إصرار الفرس واذكر أحاديث غد وإياك وذكر الله في هذا الموضع فإنه من الفشل. وقال غيره: طد رجليك إذا اعتصيت بالسيف والعصا وأنت مخيّر في رفعه ساعة المسالمة والموادعة.
стр. 211
وقرأت في الآيين أن من إجادة الرمي بالنّشّاب في حال التعلّم إمساك المتعلم القوس بيده اليسرى بقوّة عضده الأيسر والنّشّابة بيده اليمنى وقوّة عضده الأيمن وكفّه إلى صدره وإلقاؤه ببصره إلى معلم الرمي وإجادته نصب القوس بعد أن يطأطىء من سيتها «١» بعض الطّأطأة وضبطه إيّاها بثلاث أصابع وإحناؤه السبّابة على الوتر، وإمساكه بثلاثة وعشرين كأنها ثلاثة وستون وضمه الثلاثة ضما وتحويله ذقنه إلى منكبه الأيسر وإشرافه رأسه وإرخاؤه عنقه وميله مع القوس وإقامته ظهره وإدارته عضده ومغطه القوس مترافعا ونزعه الوتر إلى أذنه ورفعه بياض عينيه من غير تصريف لأسنانه وتحويل لعينه وارتعاش من جسده واستبانته موضع زججة «٢» النّشاب.
وقرأت في الآيين: من إجادة الضرب بالصّولجان أن يضرب الكرة قدما ضرب خلسة يدير فيه يده إلى أذنه ويميل صولجانه إلى أسفل من صدره ويكون ضربه متشازرا مترفّقا مترسّلا ولا يغفل الضرب ويرسل السّنان خاصة وهو الحامية لمجاز الكرة إلى غاية الغرض ثم الجرّ للكرة من موقعها، والتوخّي للضرب لها تحت محزم الدابة ومن قبل لبّتها «٣» في رفق، وشدّة المزاولة والمجاحشة على تلك الحال والترك للاستعانة في ضرب الكرة بسوط والتأثير في الأرض بصولجان والكسر له جهلا باستعماله أو عقر قوائم الدابة، والاحتراس من إيذاء من جرى معه في ميدانه، وحسن الكف للدّابة في شدّة جريه، والتوقّي من الصّرعة والصّدمة على تلك الحال، والمجانبة للغضب والسّبّ، والاحتمال والملاهاة، والتحفّظ من إلقاء كرة على ظهر بيت وإن كان
стр. 212
ستّ كرين «١» بدرهم، وترك طرد النّظّارة والجلوس على حيطان الميدان فإنّ عرض الميدان إنما جعل ستين ذراعا لئلا يحال ولا يصارّ من جلس على حائطه.
وقال أبو مسلم صاحب الدّعوة لرجاله: أشعروا قلوبكم الجرأة عليهم فإنها سبب الظّفر، واذكروا الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.
المسير في الغزو والسفر
حدّثنا شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن معدان ابن حدير الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل «٢» يتقوّون به على عدوهم كمثل أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . حدّثني محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزل النبيّ، ﷺ ، المعرّس أمر مناديا فنادى: لا تطرقوا النساء. فتعجّل رجلان فكلاهما وجد مع امرأته رجلا. وكانت العرب تقول: السّفر ميزان القوم «٣» .
وتأمر بالمحلّات وهي الدلو والفأس والسّفرة والقدر والقدّاحة، وإنما قيل لها محلّات لأن المسافر بها يحلّ حيث شاء ولا يبالي ألّا يكون بقربه أحد.
حدّثني عبد الرحمن بن الحسين عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ، إذا سافرت فلا تنم على دابتّك فإنّ كثرة
стр. 213
النوم سريع في دبرها، فإذا نزلت أرضا مكلئة فأعطها حظّها من الكلأ وابدأ بعلفها وسقيها قبل نفسك وإذا بعدت عليك المنازل فعليك بالدّلج «١» فإن الأرض تطوى بالليل. وإذا أردت النزول فلا تنزل على قارعة الطريق فإنها مأوى الحيّات والسباع ولكن عليك من بقاع الأرض بأحسنها لونا وألينها تربة وأكثرها كلأ فانزلها، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس وقل: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«٢» . وإذا أردت قضاء حاجة فأبعد المذهب في الأرض وعليك بالسّترة. وإذا ارتحلت من منزل فصلّ ركعتين وودّع الأرض التي ارتحلت عنها وسلّم عليها وعلى أهلها فإنّ لكل بقعة من الأرض أهلا من الملائكة. وإذا مررت ببقعة من الأرض أو واد أو جبل فأكثر من ذكر الله فإن الجبال والبقاع ينادي بعضها بعضا: هل مرّ بكنّ اليوم ذاكر لله؟ وإن استطعت ألا تطعم طعاما حتى تتصدّق منه فافعل. وعليك بذكر الله، جلّ وعزّ، ما دمت راكبا وبالتّسبيح ما دمت صائما وبالدعاء ما دمت خاليا. وإيّاك والسّير في أوّل الليل وعليك بالتّعريس والدّلجة من نصف الليل إلى آخره. وإياك ورفع الصوت في سيرك إلا بذكر الله، وسافر بسيفك وقوسك وجميع سلاحك وخفّك وعمامتك وإبرتك وخيوطك وتزوّد معك الأدوية تنتفع بها وتنفع من صحبك من المرضى والزّمنى «٣» . وكن لأصحابك موافقا في كل شيء يقرّبك إلى الله ويباعدك من معصيته. وأكثر التبسّم في وجوههم وكن كريما على زادك بينهم وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوك فأعنهم وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم واجهد رأيك. وإذا رأيتهم يمشون فامش معهم أو يعملون فاعمل
стр. 214
معهم وإن تصدّقوا أو أعطوا فأعط. واسمع لمن هو أكبر منك. وإن تحيّرتم في طريق فانزلوا، وإن شككتم في القصد فتثبّتوا وتآمروا، وإن رأيتم خيالا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم فإن الشخص الواحد في الفلاة هو الذي حيّركم واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وإن العاقل إذا أبصر شيئا بعينيه عرف الحق بقلبه.
علّم أعرابي بنيه إتيان الغائط في السفر فقال لهم: اتّبعوا الخلاء وجانبوا الكلاء واعلوا الضّراء «١» وأفحجوا إفحاج النعامة وامسحوا بأشملكم.
وقال عمرو بن العاص للحسن بن علي بن أبي طالب رحمهما الله: يا أبا محمد، هل تنعت الخراءة «٢» ؟ فقال: نعم، تبعد المشي في الأرض الضّحضح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستنج بالرّوثة ولا العظم ولا تبل في الماء الراكد.
أراد الحسن البصريّ الحجّ، فقال له ثابت: بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن نصطحب. فقال: ويحك! دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. وفي الحديث المرفوع عن بقيّة عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «أما إنّك إن ترافق غير قومك يكن أحسن لخلقك وأحقّ أن يقتفى بك» .
أتى رجل هشاما أخا ذي الرّمّة الشاعر فقال له: إني أريد السفر
стр. 215
فأوصني. قال: صلّ الصلاة لوقتها فإنك مصلّيها لا محالة فصلّها وهي تنفعك، وإياك وأن تكون كلب رفقتك فإن لكل رفقة كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا شركوه فيه وإن كان عارا تقلّده دونهم.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إذا ضلّت لأحدكم ضالّة فليقل: اللهمّ ربّ الضالّة تهدي الضالّة وتردّ الضالّة اردد عليّ ضالتي، اللهمّ لا تبلنا بهلاكها ولا تتعبنا بطلبها، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله. يا عباد الله الصالحين، ردّوا علينا ضالّتنا. وإذا أردت أن تحمل الحمل الثقيل فقل: يا عباد الله أعينونا. وقال أبو عمرو: إذا ضلّت لأحدكم ضالة فليتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلّي ركعتين ثم يتشهد ويقول: بسم الله، اللهمّ يا هادي الضّال ورادّ الضالّ، أردد عليّ ضالّتي بعزّتك وسلطانك فإنها من فضلك وعطائك.
حدّثني محمد بن عبيد عن حمزة بن وعلة عن رجل من مراد يقال له أبو جعفر عن محمد بن علي عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا عليّ، أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
«١» بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
«٢» .
следующие страницы →