← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولم يجنها لكن جناها وليّه ... فآسى فآداه فكان كمن جنى وقال بشامة «١» : [بسيط] إنا بني نهشل لا ندّعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلّينا إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إيّاه يعنونا وقال زهير «٢» : [بسيط] يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا وقالت امرأة من كندة: [طويل] أبوا أنّ يفرّوا والقنا في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلّما ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما وقال آخر: [طويل] بني عمّنا، ردّوا فضول دمائنا ... ينم ليلكم، أو لا تلمنا اللّوائم فإنا وإياكم وإن طال ترككم ... كذي الدّين ينأى ما نأى وهو غارم وقال أبو سعيد المخزوميّ «٣» وكان شجاعا: [بسيط] وما يريد بنو الأعيار من رجل ... بالجمر مكتحل بالنّبل مشتمل لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل

стр. 282

وقال عبد القدّوس بن عبد الواحد من ولد النعمان بن بشير: [طويل] ندى تحكم الآمال فيه، ونجدة ... تحكّم في الأعداء بالأسر والقتل وقال آخر: [طويل] ضربناكمو حتى إذا قام ميلكم ... ضربنا العدا عنكم بأبيض صارم تمثّل زيد بن علي يوم قتل بقول القائل: [متقارب] أذلّ الحياة وعزّ الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا فإن كان لا بدّ من واحد ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا وقال قيس «١» بن الخطيم: [رجز] أبلج لا يهمّ بالفرار ... قد طاب نفسا بدخول النار وقال آخر «٢» : [وافر] ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأيّ رجال بادية ترانا ومن ربط الجحاش فإنّ فينا ... قنا سلبا وأفراسا حسانا وكنّ إذا أغرن على قبيل ... فأعوزهنّ كون حيث كانا أغرن من الضّباب على جلال «٣» ... وضبّة إنه من حان حانا وأحيانا نكرّ على أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا وقال الخنساء «٤» : [متقارب] تعرّقني الدهر نهسا وحزّا ... وأوجعني الدهر قرعا وغمزا وأفني رجالي فبادوا معا ... فأصبح قلبي بهم مستفزّا

стр. 283

ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا وفيها «١» تقول: [متقارب] ونلبس للحرب أثوابها ... ونلبس في الأمن خزّا وقزّا وهذا كقولهم: إلبس لكل حالة لبوسها. وقال عبد الله بن سبرة الحرشي «٢» حين قطعت يده: [بسيط] ويلمّ «٣» جار غداة الجسر فارقني ... أعزز عليّ به إذ بان فانصدعا يمنى يديّ غدت منيّ مفارقة ... لم أستطع يوم خلطاس لها تبعا وما ضننت عليها أن أصاحبها ... لقد حرصت على أن نستريح معا وقائل غاب عن شأني وقائلة ... ألا اجتنبت عدوّ الله إذ صرعا وكيف أتركه يمشي بمنصله ... نحوي وأجبن عنه بعدما وقعا ما كان ذلك يوم الرّوع من خلقي ... وإن تقارب مني الموت واكتنعا ويلمّه فارسا ولّت كتيبته ... حامى وقد ضيّعوا الأحساب فارتجعا يمشي إلى مستميت مثله بطل ... حتى إذا مكّنا سيفيهما امتصعا كلّ ينوء بماضي الحدّ ذي شطب ... جلّى الصّياقل عن درّيّه «٤» الطّبعا حاسيته الموت حتى اشتفّ آخره ... فما استكان لما لاقى وما جزعا كأنّ لمّته هدّاب مخملة ... أحمّ «٥» أزرق لم يشمط وقد صلعا فإن يكن أطربون الروم قطّعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا وإن يكن أطربون الروم قطّعها ... فإنّ فيها بحمد الله منتفعا

стр. 284

بنانتان وجذمور «١» أقيم بها ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا وقال بعض الشعراء: [رجز] إنّ لنا من قومنا ناصرة ... بيض الظّبا سمر القنا شهب اللّمم يستنفرون الموت من مجثمه ... ويبعثون الحرب من عقد السّلم أولاك قيس قومنا أكرم بهم ... قيس النّدى قيس العلا قيس الكرم وقال جعفر «٢» بن علبة الحارثي: [طويل] ليهن عقيلا أنّني قد تركتها «٣» ... ينوء بقتلاها الذّئاب الهوامل لهم صدر سيفي يوم برقة سحبل ... ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل إذا القوم سدّوا مأزقا فرّجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصّياقل وقال عمرو «٤» بن معد يكرب: [وافر] أعاذل، شكّتي بزّي ورمحي ... وكلّ مقلّص سلس القياد أعاذل، إنما أفنى شبابي ... ركوب في الصّريخ إلى المنادي وقال أبو دلف «٥» : [متقارب] لقد علمت وائل أننا ... نخوض الحتوف غداة الحتوف ولا نتّقيها بزحف الفرار ... إذا ما الصفوف انبرت للصفوف

стр. 285

ويوم أفاءت لنا خيلنا ... لدى جبل الدّيلمي المنيف طوال الفتى بطوال القنا ... وبيض الوجوه ببيض السيوف وكلّ حصان بكل حصان ... أمين شظاه سليم الوظيف ألا نعّماني فما نعمتي ... برادعتي عن ركوب المخوف لي الصبر عند حلول البلا ... إذا نزلت بي إحدى الصّروف وإن تسألي تخبري أنني ... أقي حسبي بألوف الألوف وأحلم حتى يقولوا ضعيف ... وما أنا قد علموا بالضعيف خفيف على فرسي ما ركبت ... ولست على ظالمي بالخفيف باب الحيل في الحروب وغيرها قال ابن إسحاق: لما خرج رسول الله، ﷺ ، إلى بدر، مرّ حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن محمد وقريش وما بلغه من خبر الفريقين. فقال الشيخ: لا أخبركم حتى تخبروني ممن أنتم. فقال رسول الله، ﷺ : «إذا أخبرتنا أخبرناك» . فقال الشيخ: خبّرت أن قريشا خرجت من مكة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهي اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به قريش. وخبّرت أنّ محمدا خرج من المدينة وقت كذا، فإن كان الذي خبّرني صدق فهو اليوم بمكان كذا، للموضع الذي به رسول الله ﷺ . ثم قال: من أنتم؟ فقال رسول الله ﷺ : نحن من ماء، ثم انصرف. فجعل الشيخ يقول: نحن من ماء! من ماء العراق أو ماء كذا أو ماء كذا!. حدّثني سهل بن محمد قال: حدثني الأصمعي قال: حدّثني شيخ من بني العنبر قال: أسرت بنو شيبان رجلا من بني العنبر فقال لهم: أرسل إليّ أهلي ليفتدوني. قالوا: ولا تكلّم الرسول إلا بين أيدينا. فجاءوه برسول فقال

стр. 286

له: إئت قومي فقل لهم: إن الشجر قد أورق وإن النساء قد اشتكت. ثم قال له: أتعقل ما أقول لك؟ قال: نعم أعقل. قال: فما هذا؟ وأشار بيده. قال: هذا الليل. قال: أراك تعقل. إنطلق لأهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء وسلوا حارثا عن أمري. فأتاهم الرسول فأخبرهم، فأرسلوا إلى حارث فقصّ عليه القصة، فلما خلا معهم قال لهم: أمّا قوله: «إن الشجر قد أورق» فإنه يريد أن القوم قد تسلّحوا. وقوله: «إن النساء قد اشتكت» فإنه يريد أنها قد اتخذت الشّكاء «١» للغزو، وهي أسقية، ويقال للسقاء الصغير شكوة. وقوله: «هذا الليل» يريد أنهم يأتونكم مثل الليل أو في الليل. وقوله: «عرّوا جملي الأصهب» يريد ارتحلوا عن الصّمّان. وقوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» يريد اركبوا الدّهناء. قال: فلما قال لهم ذلك تحوّلوا من مكانهم، فأتاهم القوم فلم يجدوا منهم أحدا. أرسل علي بن أبي طالب ﵁ عبد الله بن عباس لما قدم البصرة فقال: ائت الزبير ولا تأت طلحة فإنّ الزبير ألين وأنت تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام وقل له يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا ممّا بدا؟ قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته. فقال قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحللت ونحرّم ما حرمت. الهيثم بن عدي قال: مرّ شبيب الخارجي على غلام في الفرات يستنقع في الماء فقال له شبيب: أخرج إليّ أسائلك. قال: فأنا آمن حتى ألبس ثوبي؟ قال: نعم. قال: فوالله لا ألبسه.

стр. 287

قال الهيثم: أراد عمر ﵀ قتل الهرمزان. فاستسقى فأتي بماء فأمسكه بيده واضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه. فألقى القدح، من يده وأمر عمر بقتله، فقال: أو لم تؤمنّي؟ قال: كيف امنتك؟ قال: قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، ولا بأس أمان، وأنا لم أشربه. فقال عمر: قاتله الله! أخذ أمانا ولم نشعر به. قال أصحاب رسول الله، ﷺ : صدق. العتبيّ: بعث يزيد بن معاوية عبيد الله بن عضاه الأشعري إلى ابن الزبير فقال له: إنّ أوّل أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال ابن الزبير: إنه ليست في عنقي بيعة ليزيد. فقال عبيد الله: يا معشر قريش، قد سمعتم ما قال، وقد بايعتم، وهو يأمركم بالرجوع عن البيعة. المدائني قال: أقبل واصل بن عطاء في رفقة فلقيهم ناس من الخوارج فقالوا لهم: من أنتم؟ قال لهم واصل: مستجيرون حتى نسمع كلام الله، فأعرضوا علينا، فعرضوا عليهم فقال واصل: قد قبلنا. قالوا: فامضوا راشدين. قال واصل: ما ذلك لكم حتى تبلغونا مأمننا. قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ «١» فأبلغونا مأمننا. فجاءوا معهم حتى بلغوا مأمنهم. وقال معاوية: لا ينبغي أن يكون الهاشميّ غير جواد ولا الأمويّ غير حليم ولا الزّبيريّ، غير شجاع ولا المخزوميّ غير تيّاه. فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: قاتله الله! أراد أن يجود بنو هاشم فينفد ما بأيديهم، ويحلم بنو

стр. 288

أمية فيتحبّبوا إلى الناس، ويتشجّع آل الزبير فيفنوا، ويتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: استقبل الخوارج بن عرباض اليهودي وهم بحرورى «١» فقال: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا. قال: فأمضوا راشدين. المدائني قال: لما بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان يريد عزله عن خراسان واستعمال يزيد بن المهلّب كتب إليه ثلاثة صحائف، وقال للرسول: إدفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد فادفع إليه هذه، فإن شتمني عند قراءتها فادفع إليه الثالثة. فلما صار إليه الرسول دفع إليه الكتاب الأوّل وفيه: يا أمير المؤمنين، إن من بلائي في طاعة أبيك وطاعتك وطاعة أخيك كيت وكيت. فدفع كتابه إلى يزيد فأعطاه الرسول الكتاب الثاني وفيه: يا أمير المؤمنين، تأمن ابن دحمة على أسرارك ولم يكن أبوه يأمنه على أمهات أولاده! فشتم قتيبة، فدفع إليه الرسول الكتاب الثالث وفيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان ابن عبد الملك، سلام على من اتّبع الهدى أما بعد، فوالله لأوثّقنّ لك آخيّة «٢» لا ينزعها المهر الأرن «٣» . قال سليمان: عجّلنا على قتيبة. يا غلام، جدّد له عهده على خراسان. لما صرف أهل مزّة الماء عن أهل دمشق ووجهوه إلى الصحارى كتب

стр. 289

إليهم أبو الهندام: إلى بني استها أهل مزّة، ليمسّيني الماء أو لتصبّحنكم الخيل. فوافاهم الماء قبل أن يعتموا فقال أبو الهندام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . ولما بايع الناس يزيد بن الوليد أتاه الخبر عن مروان ببعض التلكؤ والتربص، فكتب إليه يزيد: أمّا بعد، فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيتهما شئت، والسلام. ولما هزم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يعزّونه، فدخل عليه عبد الله بن الأهتم فقال: مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك إلّا أنّ الله علم حاجة الإسلام إليك فأبقاك له بخذلان من كان معك لك. فصدر الناس عن كلامه. وكتب الحارث بن خالد المخزومي- وكان عامل يزيد بن معاوية على مكة- إلى مسلم بن عقبة المرّيّ، فأتاه الكتاب وهو بآخر رمق، وفي الكتاب: أصلح الله الأمير، إنّ ابن الزبير أتاني بما لا قبل لي به فانحزت. فقال: يا غلام أكتب إليه: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تذكر أنّ ابن الزبير أتاك بما لا قبل لك به فانحزت. وايم الله ما أبالي على أيّ جنبيك سقطت إلا أن شرهما لك أحبّهما إليّ، وبالله لئن بقيت لك لأنزلنّك حيث أنزلت نفسك والسلام. أبو حاتم قال: حدّثنا العتبي قال: حدّثنا إبراهيم قال: لما أسنّ معاوية اعتراه أرق فكان إذا هوّم أيقظته نواقيس الروم، فلما أصبح يوما ودخل عليه الناس قال: يا معشر العرب، هل فيكم فتى يفعل ما آمره وأعطيه ثلاث ديات أعجّلها له وديتين إذا رجع؟ فقام فتى من غسّان فقال: أنا يا أمير المؤمنين.

стр. 290

قال: تذهب بكتابي إلى ملك الروم، فإذا صرت على بساطه أذّنت. قال: ثم ماذا؟ قال: فقط. فقال: لقد كلّفت صغيرا وآتيت كبيرا. فكتب له وخرج، فلما صار على بساط قيصر أذّن، فتناجزت البطارقة واخترطوا سيوفهم فسبق إليه ملك الروم فجثا عليه وجعل يسألهم بحق عيسى وبحقهم عليه لمّا كفّوا، ثم ذهب به حتى صعد على سريره ثم جعله بين رجليه، ثم قال: يا معشر البطارقة، إن معاوية رجل قد أسنّ وقد أرق وقد آذته النواقيس، فأراد أن نقتل هذا على الأذان فيقتل من قبله منّا ببلاده على النواقيس، والله ليرجعنّ إليه بخلاف ما ظنّ. فكساه وحمله فلما رجع إلى معاوية قال: أوقد جئتني سالما؟ قال: نعم، أمّا من قبلك فلا. وكان يقال: ما ولي المسلمين أحد إلا ملك الروم مثله إن حازما وإن عاجزا. وكان الذي ملكهم على عهد عمر هو الذي دوّن لهم الدواوين ودوّخ لهم العدوّ، وكان ملكهم على عهد معاوية يشبه معاوية في حزمه وحلمه. وبهذا الإسناد قال: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض العرب وتأتي من قبلهم الدنانير، وكان عبد الملك أوّل من كتب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «١» وذكر النبي، ﷺ ، في الطّوامير «٢» ، فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم نكرهه فانه عنه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكره ما تكرهون. فكبر ذلك في صدر عبد الملك وكره أن يدع شيئا من ذكر الله قد كان أمر به أو يأتيه في الدنانير من ذكر الرسول، ﷺ ، ما يكره، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال: يا أبا هاشم، إحدى بنات طبق «٣» ، وأخبره

стр. 291

الخبر. فقال: ليفرخ روعك، حرّم دنانيرهم واضرب للناس سككا ولا تعفهم مما يكرهون. فقال عبد الملك: فرّجتها عنّي فرّج الله عنك. حدّثنا الرياشيّ قال: لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك قد هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها فإن كان حقا فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفته. فكتب إليه الوليد: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ «١» إلى آخر القصة. حدّثنا الزيادي محمد بن زياد قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدّثنا عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كتب قيصر إلى معاوية: سلام عليك، أمّا بعد، فأنبئني بأحبّ كلمة إلى الله وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، ومن أكرم عباده إليه وأكرم إمائه، وعن أربعة أشياء فيهنّ الروح لم يرتكضن في رحم، وعن قبر يسير بصاحبه ومكان في الأرض لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة، والمجرّة ما موضعها من السماء، وقوس قزح وما بدء أمره؟. فلما قرأ كتابه قال: اللهم العنه! ما أدري ما هذا!. فأرسل إليّ يسألني فقلت: أمّا أحبّ كلمة إلى الله فلا إله إلا الله لا يقبل عملا إلا بها وهي المنجية، والثانية سبحان الله وهي صلاة الخلق، والثالثة الحمد لله كلمة الشكر، والرابعة الله أكبر فواتح الصلوات والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوّة إلا بالله. وأمّا أكرم عباد الله إليه فآدم خلقه بيده وعلّمه الأسماء كلّها، وأكرم إمائه عليه مريم التي أحصنت فرجها. والأربعة التي فيهنّ روح ولم يرتكضن في رحم فادم وحوّاء وعصا موسى والكبش. والموضع الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل. والقبر الذي سار بساحبه فبطن الحوت الذي كان فيه يونس.

стр. 292

أبو حاتم عن العتبيّ عن أبيه قال: قدم معاوية من الشام وعمرو بن العاص من مصر على عمر فأقعدهما بين يديه وجعل يسألهما عن أعمالهما إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية، فقال له معاوية: أعليّ تعيب وإليّ تقصد؟ هلمّ حتى أخبر أمير المؤمنين عن عملك وتخبره عن عملي. قال عمرو: فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله وأنّ عمر لا يدع أوّل هذا الحديث حتى يأتي على آخره، فأردت أن أفعل شيئا أقطع به ذلك فرفعت يدي فلطمت معاوية، فقال عمر: تالله ما رأيت رجلا أسفه منك، يا معاوية إلطمه. فقال معاوية: إنّ لي أميرا لا أقضي الأمور دونه. فأرسل عمر إلى أبي سفيان فلما رآه ألقى له وساده ثم قال معتذرا: قال رسول الله، ﷺ : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ثمّ قصّ عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية فقال: ألهذا بعثت إليّ؟ أخوه وابن عمه وقد أتى غير كبير، قد وهبت له ذلك. أبو حاتم عن الأصمعي عن نافع قال: ذكر بشر بن أرطاة عليا فنال منه فضرب زيد بن عمر- وأمّه ابنة عليّ بن أبي طالب- على رأسه بعصا فشجّه فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى زيد بن عمر: أتدري ما صنعت؟ وثبت على بشر ابن أرطاة وهو شيخ أهل الشام فضربت رأسه بعصا، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى بشر فقال: أتدري ما صنعت؟ وثبت على ابن الفاروق وابن علي بن أبي طالب تسبّه وسط الناس وتزدريه، لقد أتيت عظيما. ثم بعث إلى هذا بشيء وإلى هذا بشيء. المدائني قال: كان ابن المقفع محبوسا في خراج كان عليه وكان يعذّب، فما طال ذلك وخشي على نفسه تعيّن «١» من صاحب العذاب مائة ألف درهم فكان بعد ذلك يرفق به إبقاء على ماله.

стр. 293

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال المختار: أدعوا إليّ المهديّ محمد بن الحنفية: فلما خشي أن يجيء قال: أما إنّ فيه علامة لا تخفى، يضربه رجل بالسيف ضربة لا تعمل فيه. قال الأصمعي عرّضه لأن مجرب به. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: ولّى عليّ، ﵁، الأشتر مصر فلما بلغ العريش أتى بطرا مصر فقال له مولىّ لعثمان: (وكان يقول: أنا مولى لآل عمر) : هل لك في شربة من سويق أجدحها «١» لك؟ قال: نعم. فجدح له بعسل وجعل فيها سمّا قاضيا فلما شربها يبس، فقال معاوية لما بلغه الخبر: يا بردها على الكبد! «إنّ لله جنودا منها العسل» . وقال عليّ: «لليدين وللفم» . حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي عن ابن أبي الزّناد قال: نظر عليّ إلى ولد عثمان كأنهم مستوحشون فسألهم فقالوا: نرمى بالليل، فقال: من أين يأتيكم الرّمي؟ قالوا: من ههنا. فصعد عليّ ولفّ رأسه ثم جعل يرمي وقال: إذا عاد فافعلوا مثل هذا فانقطع الرمي. قال محمد بن كعب القرظيّ: جاء رجل إلى سليمان النبي ﵇ فقال يا نبيّ الله: إنّ لي جيرانا سرقوا إوزّتي فنادى: الصلاة جامعة. ثم خطبهم فقال في خطبته: وأحدكم يسرق إوزّة جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه! فمسح رجل على رأسه، فقال سليمان: خذوه فهو صاحبكم. أخذ الحكم بن أيوب الثّقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية في ظنّة «٢» الخوارج، فقال له الحكم: إنك خارجي منافق وشتمه، ثم قال: ائتني بمن يكفل بك. قال: ما أجد أحدا أعرف بي منك. قال: وما علمي بك وأنا من

стр. 294

أهل الشام وأنت من أهل العراق. قال إياس: ففيم هذه الشهادة منذ اليوم. فضحك وخلّى سبيله. دخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان وكان زبيريّا، فقال له عبد الملك: أليس قد ردّك الله على عقبيك؟ قال: ومن ردّ عليك فقد ردّ على عقبيه؟ فسكت عبد الملك وعلم أنه قد أخطأ. وكان رجل من النصارى يختلف إلى الضّحّاك بن مزاحم فقال له يوما: لو أسلمت! قال: يمنعني من ذلك حبّي للخمر. قال فأسلم واشربها. فأسلم، فقال له الضحاك: إنك قد أسلمت فإن شربت الخمر حددناك وإن رجعت عن الإسلام قتلناك. فحسن إسلامه. دخلت أمّ أفعى العبدية على عائشة ﵂ فقالت: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا؟ قالت: خذوا بيد عدوّة الله. العتبيّ قال: كتب يزيد بن معاوية إلى المدينة: أمّا بعد، «فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» «١» وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال. إني والله قد لبستكم فأخلفتكم ورقعت بكم فاخترقتكم ثم وضعتكم على رأسي ثم على عيني ثم على فمي ثم على بطني. وايم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم وأذلّ غابركم «٢» وأترككم

стр. 295

أحاديث تنسخ بها أخباركم مع أخبار عاد وثمود. ثم تمثّل: [وافر] لعل الحلم دلّ عليّ قومي ... وقد يستضعف الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوجّ عليّ ومستقيم أبو حاتم قال: حدّثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة «١» بن مرداس البارقيّ أسيرا يوم جبّانة «٢» السّبيع، فقدم في الأسرى فقال: [رجز] أمنن عليّ اليوم يا خير معدّ ... وخير من حلّ بصحراء الجند وخير من لبّى وصلّى وسجد «٣» فعفا عنه المختار ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث عليه فجيء بسراقة أسيرا فقال له المختار: ألم أعف عنك؟ أما والله لاقتلنّك. قال: إنّ أبي أخبرني أن الشام ستفتح لك حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك فوالله لا تقتلني. ثم أنشده: [وافر] ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا ... نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الضّعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا «٤» نراهم في مصفّهمو قليلا ... وهم مثل الدّبا لمّا التقينا فأسجح إن ملكت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبّل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النّقد دينا فخلّى سبيله ثم خرج إسحاق عليه ومعه سراقة فأخذ أسيرا فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك يا عدوّ الله، فقال سراقة: ما هؤلاء الذين أخذوني! فأين

стр. 296

هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض على خيل بلق تطير بين السماء والأرض. فقال المختار: خلّوا سبيله ليخبر الناس. ثم عاد لقتاله وقال: [وافر] ألا من مخبر المختار عنّي ... بأنّ البلق بض مصمتات «١» أري عينيّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات كفرت بدينكم وجعلت نذرا ... عليّ قتالكم حتى الممات «٢» خرج المغيرة بن شعبة مع النبيّ ﷺ في بعض غزواته وكان له عنزة «٣» يتوكأ عليها فربما أثقلته فيرمي بها قارعة الطريق فيمرّ بها المارّ فيأخذها، فإذا صار إلى المنزل عرفها فأخذها المغيرة ففطن له عليّ ﵁ فقال: لأخبرنّ النبي ﷺ ، فقال: لئن أخبرته لا تردّ بعدها ضالة أبدا. فأمسك عليّ. باب من أخبار الدولة والمنصور والطالبيين حدّثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمّة اثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم! إنّ بعد الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجّال. قال أبو أسامة: تأويل هذا عندنا أن ولد المهديّ يكونون بعده إلى خروج الدجّال.

стр. 297

وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لرجال الدعوة حين اختارهم للدعوة وأراد توجيههم: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة عليّ بن أبي طالب. وأما البصرة فعثمانيّة تدين بالكفّ وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما. وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وصدورا سليمة وقلوبا فارغة لم تتقسّمها الأهواء ولم تتوزّعها النّحل ولم تشغلها ديانة ولم يتقدّم فيها فساد وليست لهم اليوم همم العرب ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات وكتحالف القبائل وعصبيّة العشائر، ولم يزالوا يذالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنّون الفرج ويؤمّلون الدول وهم جند لهم أجسام وأبدان ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أفواه منكرة، وبعد فكأني أتفاّل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق. وقال سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي: كنت مع مروان بن محمد بالزّاب فقال لي: يا سعيد، من هذا الذي يقابلني؟ قلت: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس. قال: أعرفه؟ قلت: نعم، أما تعرف رجلا دخل عليك حسن الوجه مصفرّا رقيق الذراعين حسن اللسان فوقع في عبد الله بن معاوية؟ فقال: بلى قد عرفته والله، يابن جعدة، ليت عليّ بن أبي طالب في الخيل يقابلني. إنّ عليّا وأولاده لا حظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني العباس ومعه ريح خراسان ونصر الشام، يابن جعدة أتدري لم عقدت لعبد الله ولعبيد الله وتركت عبد الملك وهو أكبر منهما؟ قلت: لا أدري. قال: لأني

стр. 298

وجدت الذي يلي هذا الأمر بعدي عبد الله أو عبيد الله، فكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك. وكتب مروان إلى عبد الله بن عليّ: إني لا أظن هذا الأمر إلا صائرا إليكم، فإذا كان ذلك فاعلم أنّ حرمنا حرمكم. فكتب إليه عبد الله: إنّ الحقّ لنا في دمك وإن الحق علينا في حرمك. سمر المنصور ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين فكانت هممهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلا منهم باستدراج الله وأمنا لمكره، فسلبهم الله العزّ ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النّوبة هاربا فيمن معه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك. فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثا، فأتاني ملك النوبة وقد خبّر أمرنا، فدخل عليّ رجل طوال أقنى حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال: لأني ملك، وحقّ على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه. ثم قال لي: لم تشربون الخمر وهي محرّمة عليكم؟ قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا لأنّ الملك زال عنا. قال: فلم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم؟ قلت: يفعل ذلك جهّالنا. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم؟ قلت: ذهب الملك منا وقلّ أنصارنا

стр. 299

فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. قال: فأطرق مليّا وجعل يقلّب يديه وينكت في الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا دخلوا في ديننا وزال الملك عنا! يردّده مرارا ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم عليكم وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزوّدوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي، ففعلت ذلك. ولما افتتح المنصور الشام وقتل مروان قال لأبي عون ومن معه من أهل خراسان: إن لي في بقية آل مروان تدبيرا فتأهّبوا يوم كذا وكذا في أكمل عدّة، ثم بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء، فحضر منهم ثمانون رجلا فصاروا إلى بابه ومعهم رجل من كلب قد ولّدهم «١» ثم أذن لهم فدخلوا، فقال الآذن للكلبي: ممن أنت؟ قال: من كلب وقد ولّدتهم. قال: فانصرف ودع القوم. فأبى أن يفعل وقال: إني خالهم ومنهم. فلما استقرّ بهم المجلس خرج رسول المنصور وقال بأعلى صوته: أين حمزة بن عبد المطلب؟ ليدخل، فأيقن القوم بالهلكة، ثم خرج الثانية فنادى: أين الحسن بن عليّ؟ ليدخل، ثم خرج الثالثة فنادى: أين زيد ابن عليّ بن الحسين؟ ثم خرج الرابعة فقال: أين يحيى «٢» بن زيد؟ ثم قيل: إئذنوا لهم. فدخلوا وفيهم الغمر «٣» بن يزيد وكان له صديقا فأومأ إليه: أن ارتفع. فأجلسه معه على طنفسته «٤» وقال للباقين: اجلسوا. وأهل خراسان قيام

стр. 300

بأيديهم العمد فقال: أين العبديّ «١» الشاعر؟ فقام وأخذ في قصيدته التي يقول فيها: [كامل] أما الدّعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النار فلما أنشد أبياتا منها قال الغمر: يا ابن الزانية. فانقطع العبدي وأطرق عبد الله «٢» ساعة ثم قال: إمض في نشيدك. فلما فرغ رمى إليه بصرّة فيها ثلاثمائة دينار، ثم تمثّل بقول القائل «٣» : [خفيف] ولقد ساءني وساء سواي ... قربهم من منابر وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعوا كلّ نخلة وغراس واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس «٤» ثم قال لأهل خراسان: دهيد «٥» . فشدخوا بالعمد حتى سالت أدمغتهم وقال الكلبيّ فقال: أيها الأمير: أنا رجل من كلب لست منهم. فقال: [بسيط] ومدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين القرينين حتى لزّه القرن «٦» ثم قال: دهيد. فشدخ الكلبيّ معهم ثم التفت إلى الغمر فقال: لا خير

стр. 301

لك في الحياة بعدهم. قال: أجل، فقتل ثم دعا ببراذع «١» فألقاها عليهم وبسط عليها الأنطاع «٢» ودعا بغدائه فأكل فوقهم وإنّ أنين بعضهم لم يهدأ، حتى فرغ ثم قال: ما تهنّأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين إلا يومي هذا. وقام فأمر بهم فجرّوا بأرجلهم وأغنم أهل خراسان أموالهم ثم صلبوا في بستانه. وكان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرّواق إلى البستان فإذا رائحة الجيف تملأ الأنوف، فقيل له: لو أمرت، أيها الأمير، بردّ هذا الباب! فقال: والله لرائحتها أحبّ إليّ وأطيب من رائحة المسك. ثم قال «٣» : [كامل] حسبت أمية أن سترضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها كلّا وربّ محمد وإلهه ... حتى تباح سهولها وحزونها «٤» وتذلّ ذلّ حليلة لحليلها ... بالمشرفيّ وتستردّ ديونها وأتي المهديّ برجل من بني أمية كان يطلبه فتمثل بقول سديف شاعرهم: [خفيف] جرّد السيف وارفع السّوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا لا يغرّنك ما ترى اليوم منهم ... إنّ تحت الضلوع داء دويّا «٥» فقال الأموي: لكن شاعرنا يقول: [بسيط] شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «٦»

стр. 302

فقال المهديّ: قال شاعركم ما يشبهكم وقا شاعرنا ما يشبهنا. ثم أمر به فقتل. وقال رجل: كنا جلوسا مع عمرو بن عبيد في المسجد، فأتاه رجل بكتاب المنصور على لسان محمد بن عبد الله بن الحسن يدعوه إلى نفسه، فقرأه ثم وضعه فقال الرسول: الجواب. فقال: ليس له جواب، قل لصاحبك: دعنا نجلس في هذا الظل ونشرب من هذا الماء البارد حتى تأتينا آجالنا في عافية. وكان عمرو بن عبيد إذا رأى المنصور يطوف حول الكعبة في قرطين يقول: إن يرد الله بأمة محمّد خيرا يولّ أمرها هذا الشابّ من بني هاشم. وكان له صديقا فلما دخل عليه بعد الخلافة وكلمه وأراد الأنصراف، قال: يا أبا عثمان سل حاجتك. قال: حاجتي ألّا تبعث إليّ حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك. ثم نهض فقال المنصور: [مجزوء الرمل] كلّكم ماشي رويد ... كلّكم خاتل صيد «١» غير عمرو بن عبيد فلما مات عمرو رثاه المنصور فقال: [كامل] صلّى الاله عليك من متوسّد ... قبرا مررت به على مرّان قبرا تضمّن مؤمنا متحنّفا ... صدق الاله ودان بالقرآن وإذا الرجال تنازعوا في سنّة ... فصل الحديث بحكمة وبيان فلو انّ هذا الدهر أبقى صالحا ... أبقى لنا حيّا أبا عثمان

стр. 303

قال الوضّاح بن حبيب: كنا إذا خرجنا- يعني أصحابه- من عند المنصور صرنا إلى المهديّ وهو يومئذ ولي عهده ففعلنا ذلك يوما فأبرز إليّ يده، ولم يكن ذلك من عادته، فأكببت عليها فقبّلتها وضرب بيدي إلى يده، ثم علمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتابا صغيرا تستره الكفّ، فلما خرجت فتحته فإذا فيه: يا وضّاح، إذا قرأت كتابي فاستأذن إلى ضياعك بالرّيّ، فرجعت فقلت للربيع: استأذن لي. فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، ضياعي بالري قد اختلّت وبي حاجة إلى مطالعتها فقال: لا، ولا كرامة، فخرجت. ثم عدت إليه اليوم الثاني والقوم معي فدخلنا فاستأذنته، فردّ إليّ مثل الجواب الأوّل. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أريد إصلاحها إلّا لأقوى بها على خدمتك. فسرّي عنه، ثم قال: إذا شئت فودّع. فقلت: يا أمير المؤمنين، ولي حاجة أذكرها. قال: قل. قلت: أحتاج إلى خلوة. فنهض القوم وبقي الربيع قلت: أخلني. قال: ومن الربيع وبينكما ما بينكما! قلت: نعم. فتنحّى الربيع، فقال: قد خلوت فقل إن جدت لي بمالك ودمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل أنا ومالي إلا من نعمتك، حقنت دمي ودم أبي ورددت عليّ مالي وآثرتني بصحبتك. قال: إنه يهجس في نفسي أنّ جهورا «١» على خلع وليس على غيرك لما أعرفه بينكما، فأظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده، وإن رأيته يهمّ بخلع فاكتب إليّ، ولا تكتبنّ على يد بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلانا القطّان في دار القطن فهو يوصل كتبك في كل يوم إليّ. قال: فمضيت حتى أتيت الريّ فدخلت على جهور فقال: أفلتّ؟ فقلت: نعم والحمد لله. ثم أقبلت أؤانسه بالوقيعة فيه حتى أظهر ما

стр. 304

ظنّ به المنصور فكتبت إليه بذلك. دخل عبد الله بن الحسن الطالبيّ على المنصور وعنده إسحاق بن مسلم العقيلي وعبد الملك بن حميد الشامي الكاتب، فتكلم عبد الله بكلام أعجب إسحاق فغمّ ذلك المنصور، فلما خرج عبد الله قال: يا غلام، ردّه. فلما رجع قال: يا أبا محمد، إن إسحاق بن مسلم حدّثني أن رجلا هلك بدمشق وترك ناضّا «١» كثيرا وأرضا ورقيقا وزعم أنه مولاكم وأشهد على ذلك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذلك مولانا قد كنت أعرفه وأكاتبه. فقال المنصور: يا إسحاق، أعجبك كلامه فأحببت أن تعرفه. أبو الحسين المدائني قال: لما بنى أبو العباس المدينة بالأنبار قال لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد، كيف ترى؟ فتمثل عبد الله فقال: [وافر] ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله ثم انتبه فقال: أقلني أقالك الله. قال: لا أقالني الله إن بتّ في عسكري، فأخرجه إلى المدينة. حنش بن المغيرة قال: جئت وأبو ذرّ آخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: أنا أبو ذر الغفاري، من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا» . حدّثنا خالد بن محمد الأزدي قال: حدّثنا شبابة بن سوّار عن يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبيّ قال: قيل لابن عمر: إن الحسين قد توجّه إلى

стр. 305

العراق، فلحقه على ثلاث ليال من المدينة وكان عند خروج الحسين غائبا في مال له فقال: أين تريد؟ قال: العراق. وأخرج إليه كتبا وطوامير «١» قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فناشده الله أن يرجع فأبى فقال: أما إني سأحدثك حديثا: إنّ جبريل، ﵇، أتى النبيّ ﷺ فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة من النبي ﷺ ، والله لا تليها أنت ولا أحد من أهل بيتك وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم فارجع. فأبى فاعتنقه وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل. حدّثني القاسم بن الحسن عن علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن السّكن قال: كتب الحسين بن علي ﵄ إلى الأحنف يدعوه إلى نفسه فلم يردّ الجواب وقال: قد جرّبنا آل أبي الحسن فلم نجد عندهم إيالة ولا جمعا للمال ولا مكيدة في الحرب. وقال الشعبي: ما لقينا من آل أبي طالب؟ إن أحببناهم قتلونا، وإن أبغضناهم أدخلونا النار. ولما قتل مصعب بن الزبير خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة فأطاف بها أهل الكوفة فقالوا: أحسن الله صحابتك يا بنت رسول الله. فقال: والله لقد قتلتم جدّي وأبي وعمّي وزوجي مصعبا، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة فلا عافاكم الله من أهل بلد ولا أحسن عليكم الخلافة. وقال بعض الشعراء: [منسرح] إبك حسينا ليوم مصرعه ... بالطّفّ بين الكتائب الخرس أضحت بنات النبيّ إذ قتلوا ... في مأتم والسّباع في عرس روى سنان بن حكيم عن أبيه قال: انتهب الناس ورسا في عسكر

стр. 306

الحسين بن علي يوم قتل فما تطيبت منه امرأة إلا برصت. ولما قتل حسين قالت بنت لعقيل بن أبي طالب: [بسيط] ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم أفضل الأمم بعترتي وبأهلي بعد منطلقي ... منهم أسارى وقتلى ضرّجوا بدم ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم ... أن تخلفوني بقتل في ذوي رحمي فما سمعها أحد إلا بكى. دخل زيد بن عليّ على هشام فقال: ما فعل أخوك البقرة؟ قال زيد: سماه رسول الله ﷺ باقرا وتسميه بقرة! لقد اختلفتما. أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «يا جابر، إنك ستعمّر بعدي حتى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقرا فإذا لقيته فأقرئه مني السلام» فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره وهو ينادي: يا باقر، حتى قال الناس: قد جنّ جابر. فبينا هو ذات يوم بالبلاط إذ بصر بجارية يتورّكها صبيّ فقال لها: يا جارية، من هذا الصبي؟ قالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال: أدنيه مني فأدنته منه فقبّل بين عينيه وقال: يا حبيبي، رسول الله يقرئك السلام. ثم قال: نعيت إليّ نفسي وربّ الكعبة. ثم انصرف إلى منزله وأوصى فمات من ليلته. قال هشام لزيد بن علي: بلغني أنك تربّص نفسك للخلافة وتطمع فيها وأنت ابن أمة. قال له زيد: مهلا يا هشام، فلو أنّ الله علم في أولاد السّراريّ «١» تقصيرا عن بلوغ غاية ما أعطى إسماعيل ما أعطاه. ثم خرج زيد وبعث إليه بهذه الأبيات: [بسيط] مهلا بني عمّنا عن نحت أثلتنا «٢» ... سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا

стр. 307

لا تجمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا فالله يعلم أنّا لا نحبّكم ... ولا نلومكمو ألّا تحبّونا ثم إن زيدا أعطى الله عهدا ألا يلقى هشاما إلا في كتيبة بيضاء أو حمراء فدخل الكوفة فطبع بها السيوف وكان من أمره ما كان حتى قتل ﵀. ذكر الأمصار قالت الحكماء: المدائن لا تبنى إلا على ثلاثة أشياء: على الماء والكلأ والمحتطب. قال ابن شهاب: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها. وقال معاوية لقوم قدموا عليه: كلوا من فحا «١» أرضنا فقلّما أكل قوم من فحا أرض فضرّهم ماؤها. حدّثني الرياشيّ قال: حدثني الأصمعيّ قال: معاوية: أغبط الناس عندي سعد مولاي، وكان يلي أمواله بالحجاز، يتربّع جدّة ويتقيّظ الطائف ويتشتّى مكة. حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن: الخطر والكندر والعصب والورس. حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: اليهود لا تأكل من بقل سورا «٢» وتقول: هي مغيض الطوفان. قال: وقال الأصمعي عن معمر «٣» قال: سبع

стр. 308

محفوظات وسبع ملعونات، فمن المحفوظات نجران ومن الملعونات أثافت وبرذعة «١» . وأثافت باليمن. وقفت باليمن على قرية فقلت لامرأة: ما تسمى هذه القرية؟ فقالت ويحك! أما سمعت قول الشاعر: [متقارب] أجبّ أثافت عند القطاف ... وعند عصارة أعنابها قال الأصمعي: سواد البصرة الأهواز ودستميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى التراب «٢» إلى عمل حلوان إلى القادسية، وعمل العراق هيت إلى الصين والسّند والهند ثم كذلك إلى الريّ وخراسان إلى الديلم والجبال كلها، وأصبهان صرّة العراق افتتحها أبو موسى الأشعري، والجزيرة ما بين دجلة والفرات، والموصل من الجزيرة، ومكة من المدينة ومصر لا تدخل في عمل العراق. حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: أوّل قرية بنيت بعد الطوفان قرية بقردى تسمى سوق ثمانين، كان نوح لما خرج من السفينة ابتناها وجعل فيها لكل رجل آمن معه بيتا وكانوا ثمانين فهي اليوم تسمى سوق ثمانين. قال: وحرّان سميت بهاران بن آزر أخي إبراهيم النبي ﷺ وهو أبو لوط. قال النبي، ﷺ لبريدة: «يا بريدة، إنه سيبعث بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في أهل بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثم في بعث أرض يقال لها: مرو، فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها، غزيرة أنهارها تجري بالبركة، في كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عنها السوء إلى يوم القيامة» فقدمها بريدة فمات بها.

стр. 309

حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني الأصمعي قال: أخبرني النّمر بن هلال الحبطي عن قتادة عن أبي جلدة قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ فملك السودان اثنا عشر ألف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك فارس ثلاث آلاف فرسخ وأرض العرب ألف فرسخ. وقال أبو صالح: كنا عند ابن عباس فأقبل رجل فجلس، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل خراسان، قال: من أيّ خراسان؟ قال: من هراة. قال: من أيّ هراة؟ قال: من بوشنج. ثم قال: ما فعل مسجدها؟ قال: عامر يصلّى فيه. قال ابن عباس: كان لإبراهيم مسجدان: المسجد الحرام ومسجد بوشنج. ثم قال: ما فعلت الشجرة التي عند المسجد؟ قال: بحالها. قال: أخبرني العباس أنه قال في ظلها. حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن ميمون الحرّاني عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن البصري قال: لما قدم عليّ، ﵁، البصرة آرتقى على منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة «١» ويا أتباع البهيمة، رغا فاتّبعتم وعقر فانهزمتم. أما إني لا أقول رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح أرض يقال لها البصرة أقوم الأرضين قبلة، قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، وعالمها أعلم الناس، ومتصدّقها أعظم الناس صدقة. وتاجرها أعظم الناس تجارة. منها إلى قرية يقال لها الأبلّة «٢» أربعة

стр. 310

فرسخ. يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر» . حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا أبو سلمة قال: أخبرني أبو المهزّم عن أبي هريرة قال: مثّلت الدنيا على مثال طائر، فالبصرة ومصر الجناحان فإذا خربتا وقع الأمر. وحدّثني أيضا عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب عن خالد بن ميمون قال: البصرة أشدّ الأرض عذابا وشرها ترابا وأسرعها خرابا. قال: وقال ابن شوذب عن يزيد الرّشك «١» قست البصرة في ولاية خالد بن عبد الله القسري فوجدت طولها فرسخين غير دانق. وقال محمد بن سلام عن شعيب بن صخر: تذاكروا عند زياد البصرة والكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلّني عليها. قال محمد بن سيرين: كان الرجل يقول: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة. وقال عليّ حين دخل البصرة: يا أتباع البهيمة ويا جند المرأة، رغا فأجبتم وعقر فانهزمتهم، ودينكم نفاق وأخلاقكم رقاق وماؤكم زعاق، يا أهل البصرة والبصيرة والسّبيخة والخريبة، أرضكم أبعد الأرض من السماء وأبعدها من الماء وأسرعها خرابا وغرقا. مرّ عتبة بن غزوان بموضع المربد فوجد فيها الكذّان «٢» الغليظ فقال: هذه البصرة فانزلوا بسم الله. وقال أبو وائل: اختطّ الناس البصرة سنة سبع عشرة.

стр. 311

فخر ناس من بني الحارث بن كعب عند أبي العباس، فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: ألا تكلّم يا خالد؟ قال: أخوال أمير المؤمنين وأهله. قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته. قال خالد: ما عسى أن أقول لقوم بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد، دلّ عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة. سئل خالد عن الكوفة فقال: نحن منابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وثمارنا رطب، وأرضنا ذهب. قال الأحنف: نحن أبعد منكم سريّة وأعظم منكم بحريّة وأعذى «١» منكم برّيّة. وقال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجّاجا. وقال الخليل «٢» في ظهر البصرة مما يلي قصر أوس من البصرة: [بسيط] زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد ترفا به السّفن والظّلمان واقفة ... والضّبّ والنّون والملّاح والحادي وقال ابن أبي عيينة» في مثل ذلك: [منسرح] يا جنّة فاتت الجنان فما ... تبلغها قيمة ولا ثمن ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لحبّها وطن زوّج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن فانظر وفكّر فيما نطقت به ... إنّ الأريب المفكّر الفطن

стр. 312

من سفن كالنّعام مقبلة ... ومن نعام كأنها سفن «١» أنشد محمد بن عمر عن ابن كناسة «٢» في ظهر الكوفة: [طويل] وإنّ بها، لو تعلمين، أصائلا ... وليلا رقيقا مثل حاشية البرد بلغني عن إبراهيم بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم التّيمي قال: لما أمرت الأرض أن تغيض غاضت إلا أرض الكوفة فلعنت، فجميع الأرض تكرب على ثورين وأرض الكوفة تكرب على أربعة ثيران. وكان يقال: إذا كان علم الرجل حجازيا وسخاؤه كوفيا وطاعته شامية فقد كمل. لما احتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلوا وآذاهم الغبار والذباب، كتب عمر إلى سعد في بعثة روّاد يرتادون منزلا برّيّا فإن العرب لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل والشاء. فسأل من قبله عن هذه الصفة فيما يليهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان. وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى عين بني الحدّاء وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه «٣» في الرّيف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي الظهر منه فهو النّجاف، فكتب إلى سعد يأمره به.

стр. 313

وقال النابغة «١» الجعدي يمدح الشام: [رمل] جاعلين الشام حمّا «٢» لهم ... ولئن همّوا لنعم المتنقل موته أجر ومحياه غنى ... وإليه عن أذاه معتزل وقال أيضا: [طويل] ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا قال الأصمعي: لم يولد بغدير خمّ مولود فعاش إلى أن يحتمل إلّا أن يتحوّل عنها. قال: وحرّة ليلى «٣» ربما مرّ بها الطائر فيسقط ريشه. قال عمرو ابن بحر: يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت لم يزل ضاحكا مسرورا من غير عجب حتى يخرج منها، ومن أقام بالموصل عاما ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا، ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. والناس يقولون: حمّى خيبر وطحال البحرين ودماميل الجزيرة وطواعين الشام. قالوا: من أطال الصوم بالمصّيصة «٤» في الصيف خيف عليه الجنون. وأما قصبة الأهواز فتقلب كل من ينزلها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ووباؤها وحمّاها يكون في وقت انكسار الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان، وكل محموم فإن حمّاه إذا أقلعت عنه فقد أخذ عند نفسه منها البراءة إلى أن تعود إلى التخليط وإلى أن يجتمع في جوفه الفساد إلا محموم الأهواز فإنها تعاود من فارقته

стр. 314

لغير علّة حدثت، ولذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها المطلّ عليها والجرّارات «١» في بيوتها ومن ورائها سباخ ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقّها مسايل كنفهم ومياه أمطارهم فإذا طلعت الشمس وطال مقامها واستمرّت مقابلتها لذلك الجبل قبل الصخرية التي فيها الجرارات، فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ وتلك الأنهار، فإذا التقى عليهم ما بخرت به السباخ وما قذفه ذلك الجبل فسد الهواء وفسد بفساد الهواء كل ما يشتمل عليه الهواء. وقال إبراهيم بن العباس الكاتب: حدّثني مشايخ أهل الأهواز عن القوابل أنهنّ ربما قبلن الطفل فيجدنه في تلك الساعة محموما يعرفن ذلك ويتحدّثن به. قال: ومن قدم من شقّ العراق إلى بلد الزّنج لم يزل حزينا ما أقام بها فإنّ أكثر من شرب نبيذها وأكل النّارجيل «٢» طمس الخمار «٣» على عقله حتى لا يكون بينه وبين المعتوه إلا شيء يسير. قال: وفي عهد سجستان على العرب حين افتتحوها: ألّا يقتلوا قنفذا ولا يصيدوه؛ لأنها بلاد أفاع والقنافذ تأكلها ولولا ذلك ما كان لهم بها قرار. وقال ابن عيّاش لأبي بكر الهذلي يوم فاخره عند أبي العباس: إنما مثل الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده وعذوبته، والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغيّره وفساده. وقال محمد بن عمير بن عطارد: إن الكوفة قد سفلت عن الشام ووبائها وارتفعت عن البصرة وعمقها فهي مريئة مريعة عذبة ثريّة، إذا أتتنا الشّمال

стр. 315

ذهبت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السّواد وورده وياسمينه وأترجّه، وماؤنا عذب وعيشنا خصب. وقال الحجاج: الكوفة بكر حسناء والبصرة عجوز بخراء «١» أوتيت من كل حلي وزينة. اجتمع أهل العراق ليلة في سمر يزيد بن عمر بن هبيرة، فقال يزيد: أيّ البلدين أطيب ثمرة: الكوفة أم البصرة؟ فقال خالد بن صفوان: بل ثمرتنا أيها الأمير منها الأزاذ والمعقليّ وكذا وكذا. فقال عبد الرحمن بن بشير العجلي: لست أشك أيها الأمير أنكم قد اخترتم لأمير المؤمنين ما تبعثون به إليه. قال: أجل، قال: قد رضينا باختيارك لنا وعلينا. قال: فأيّ الرّطب تحملون إليه؟ قال: المشان. قال: ليس بالبصرة منه واحدة. ثم أيّة؟ قال: السّابري. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال خالد بن صفوان: بلى عندنا بالبصرة منه شيء يسير. قال: فأيّ التمر تحملون إليه؟ قال: النّرسيان. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال: ثم أية؟ قال: الهيرون أزاذ. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال: فأيّ القسب «٢» تحملون إليه؟ قال: قسب العنبر. قال: ولا بالبصرة منه واحدة. قال ابن هبيرة لخالد: ادّعى عليك خمسا فشاركته في واحدة وسلّمت له أربعا، ما أراه إلا قد غلبك. دخل فتى من أهل المدينة البصرة ثم انصرف، فقال له أصحابه: كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد الله للجائع والعزب والمفلس: أما الجائع فيأكل خبز الأرز والصّحناء «٣» لا ينفق في الشهر درهمين، وأما العزب فيتزوج بشق درهم، وأما المحتاج فلا عيلة عليه ما بقيت عليه استه يخرأ ويبيع.

стр. 316

أبو الحسن المدائني قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية: أما والله لو كنا بمكة على السواء لعلمت. قال معاوية: إذا كنت أكون ابن أبي سفيان، منزلي الأبطح ينشقّ عنه سيله، وكنت ابن خالد، منزلك أجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة. رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه فقالوا: من بني تغلب. فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء. قال له التغلبيّ: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحق بها منك، وهذه البطحاء، وسواء العاكف فيه والبادي. وقال بعض الأعراب: اللهمّ، لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء. قال خالد بن صفوان: ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة ولا أعذب نطفة ولا أوطأ مطيّة ولا أربح لتاجر ولا أخفى لعابد. وقال ابن أبي عيينة «١» يذكر قصر أنس «٢» بالبصرة: [طويل] فيا حسن ذاك القصر قصرا ونزهة ... بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك «٣» بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك كأن قصور الأرض ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي «٤»

стр. 317

قال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد. وقالوا: من خصال الحرم أن المطر إذا أصاب الباب كان الخصب من شقّ العراق، وإذا أصاب المطر الناحية من شق الشام كان الخصب بالشام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر عاما. قال: وذرع الكعبة أربعمائة وتسعون ذراعا. المدائني قال: قال الحجاج: لما تبوّأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام، قال الطاعون: وأنا معك. وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة: وأنا معك. وقالت الصحة: أنزل البادية، قالت الشّقوة: وأنا معك. نجز كتاب الحرب ويتلوه كتاب السؤدد

стр. 318

كتاب السؤدد مخايل السؤدد وأسبابه ومخايل السوء قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀: حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي قال: أخبرنا جميع بن أبي غاضرة وكان شيخا مسنّا من أهل البادية وكان من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء، قال: كان الزبرقان يقول: أبغض صبياننا إليّ الأقيعس الذكر الذي كأنما يطّلع في حجره، وإن سأله القوم أين أبوك، هرّ في وجوههم وقال: ما تريدون من أبي. وأحبّ صبياننا إليّ الطويل الغرلة «١» ، السّبط الغرّة، العريض الورك، الأبله العقول الذي يطيع عمّع ويعصى أمه، وإن سأله القوم أين أبوك، قال: معكم. قال: وقال الأصمعي: قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصّلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة. قال وقيل لأعرابي: بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟ فقال: إذا كان سائل الغرّة طويل الغرلة ملتاث الإزرة وكانت فيه لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده. وقيل لآخر: أيّ الغلمان أسود؟ قال: إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السؤدد. وكان يقال: إذا رأيت الغلام غائر العينين ضيّق الجبهة حديد الأرنبة كأنما جبينه صلاية «٢» فلا ترجه، إلا أن يريد الله أمرا فيبلغه.

стр. 319

حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قريش تمدح بالصّلع. وأنشد: [رجز] إنّ سعيدا وسعيد فرع ... أصلع تنميه رجال صلع ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. قال شبيب بن شيبة لبعض فرسان بني منقر: ما مطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة. وقال آخر لسنان بن سلمة الهذليّ: ما أنت بأرسح «١» فتكون فارسا ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا. وقال بعض الشعراء: [طويل] فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّد ... وكفّا ككفّ الضّبّ «٢» أو هي أحقر وقال آخر: [طويل] دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف فناولني خشناء لمّا لمستها ... بكفّي ليست من أكفّ الخلائف وقرأت في كتاب للهند أنه قد قيل في الفراسة والتّوسّم: إنه من صغرت عينه ودام اختلاجها وتتابع طرفها ومال أنفه إلى أيمن شقّيه وبعد ما بين حاجبيه وكانت منابت شعره ثلاثا ثلاثا وطال إكبابه إذا مشى، وتلفّت تارة بعد أخرى، غلبت عليه أخلاق السوء. كان يقال: أربع يسوّدن العبد: الأدب، والصّدق، والعفّة، والأمانة. وقال بعض الشعراء في النبي ﷺ : [بسيط] لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر

стр. 320

وقال معاوية: إني لأكره البكاءة «١» في السيد وأحب أن يكون عاقلا متغافلا وقال الشاعر في هذا المعنى: [كامل] ليس الغبيّ بسيد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي ويقال في مثل: «ليس أمير القوم بالخبّ «٢» الخدع» . وقال الفرزدق: [بسيط] لا خير في خبّ «٣» من ترجى فواضله ... فاستمطروا من قريش كلّ منخدع كأنّ فيه إذا حاولته بلها ... عن ماله وهو وافي العقل والورع وقال إياس بن معاويه: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. وقال مالك بن أنس عن ابن شهاب: الكريم لمّا تحكمه التجارب. قال بعض الشعراء: [خفيف] غير أني أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار وقال عمر بن الخطاب ﵁: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البارّ بمن يعاشر. قال عديّ بن حاتم: السيد الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعنيّ بأمر عامّته. سئل خالد بن صفوان عن الأحنف بم ساد، فقال: بفضل سلطانه على نفسه. وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: ببذل القرى وترك المرا «٤» ونصرة المولى. وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقال سلم
следующие страницы →