← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أبو الحسن المدائني قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة لمعاوية: أما والله لو كنا بمكة على السواء لعلمت. قال معاوية: إذا كنت أكون ابن أبي سفيان، منزلي الأبطح ينشقّ عنه سيله، وكنت ابن خالد، منزلك أجياد أعلاه مدرة وأسفله عذرة. رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه فقالوا: من بني تغلب. فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء. قال له التغلبيّ: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحق بها منك، وهذه البطحاء، وسواء العاكف فيه والبادي. وقال بعض الأعراب: اللهمّ، لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء. قال خالد بن صفوان: ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة ولا أعذب نطفة ولا أوطأ مطيّة ولا أربح لتاجر ولا أخفى لعابد. وقال ابن أبي عيينة «١» يذكر قصر أنس «٢» بالبصرة: [طويل] فيا حسن ذاك القصر قصرا ونزهة ... بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك «٣» بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك كأن قصور الأرض ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي «٤»

стр. 317

قال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد. وقالوا: من خصال الحرم أن المطر إذا أصاب الباب كان الخصب من شقّ العراق، وإذا أصاب المطر الناحية من شق الشام كان الخصب بالشام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر عاما. قال: وذرع الكعبة أربعمائة وتسعون ذراعا. المدائني قال: قال الحجاج: لما تبوّأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام، قال الطاعون: وأنا معك. وقال النفاق: أنزل العراق، قالت النعمة: وأنا معك. وقالت الصحة: أنزل البادية، قالت الشّقوة: وأنا معك. نجز كتاب الحرب ويتلوه كتاب السؤدد

стр. 318

كتاب السؤدد مخايل السؤدد وأسبابه ومخايل السوء قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀: حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمه الأصمعي قال: أخبرنا جميع بن أبي غاضرة وكان شيخا مسنّا من أهل البادية وكان من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء، قال: كان الزبرقان يقول: أبغض صبياننا إليّ الأقيعس الذكر الذي كأنما يطّلع في حجره، وإن سأله القوم أين أبوك، هرّ في وجوههم وقال: ما تريدون من أبي. وأحبّ صبياننا إليّ الطويل الغرلة «١» ، السّبط الغرّة، العريض الورك، الأبله العقول الذي يطيع عمّع ويعصى أمه، وإن سأله القوم أين أبوك، قال: معكم. قال: وقال الأصمعي: قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصّلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة. قال وقيل لأعرابي: بم تعرفون سؤدد الغلام فيكم؟ فقال: إذا كان سائل الغرّة طويل الغرلة ملتاث الإزرة وكانت فيه لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده. وقيل لآخر: أيّ الغلمان أسود؟ قال: إذا رأيته أعنق أشدق أحمق فأقرب به من السؤدد. وكان يقال: إذا رأيت الغلام غائر العينين ضيّق الجبهة حديد الأرنبة كأنما جبينه صلاية «٢» فلا ترجه، إلا أن يريد الله أمرا فيبلغه.

стр. 319

حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قريش تمدح بالصّلع. وأنشد: [رجز] إنّ سعيدا وسعيد فرع ... أصلع تنميه رجال صلع ونظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. قال شبيب بن شيبة لبعض فرسان بني منقر: ما مطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة. وقال آخر لسنان بن سلمة الهذليّ: ما أنت بأرسح «١» فتكون فارسا ولا بعظيم الرأس فتكون سيدا. وقال بعض الشعراء: [طويل] فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيّد ... وكفّا ككفّ الضّبّ «٢» أو هي أحقر وقال آخر: [طويل] دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف فناولني خشناء لمّا لمستها ... بكفّي ليست من أكفّ الخلائف وقرأت في كتاب للهند أنه قد قيل في الفراسة والتّوسّم: إنه من صغرت عينه ودام اختلاجها وتتابع طرفها ومال أنفه إلى أيمن شقّيه وبعد ما بين حاجبيه وكانت منابت شعره ثلاثا ثلاثا وطال إكبابه إذا مشى، وتلفّت تارة بعد أخرى، غلبت عليه أخلاق السوء. كان يقال: أربع يسوّدن العبد: الأدب، والصّدق، والعفّة، والأمانة. وقال بعض الشعراء في النبي ﷺ : [بسيط] لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر

стр. 320

وقال معاوية: إني لأكره البكاءة «١» في السيد وأحب أن يكون عاقلا متغافلا وقال الشاعر في هذا المعنى: [كامل] ليس الغبيّ بسيد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي ويقال في مثل: «ليس أمير القوم بالخبّ «٢» الخدع» . وقال الفرزدق: [بسيط] لا خير في خبّ «٣» من ترجى فواضله ... فاستمطروا من قريش كلّ منخدع كأنّ فيه إذا حاولته بلها ... عن ماله وهو وافي العقل والورع وقال إياس بن معاويه: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. وقال مالك بن أنس عن ابن شهاب: الكريم لمّا تحكمه التجارب. قال بعض الشعراء: [خفيف] غير أني أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار وقال عمر بن الخطاب ﵁: السيد الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البارّ بمن يعاشر. قال عديّ بن حاتم: السيد الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المطّرح لحقده، المعنيّ بأمر عامّته. سئل خالد بن صفوان عن الأحنف بم ساد، فقال: بفضل سلطانه على نفسه. وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ فقال: ببذل القرى وترك المرا «٤» ونصرة المولى. وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقال سلم

стр. 321

ابن قتيبة لولده: إنكم لن تسودوا حتى تصبروا على سرار الشيوخ البخر. وقال: الدنيا هي العافية، والصحة هي الشباب، والمروءة الصبر على الرجال. قال عمرو بن هدّاب: كنا نعرف سؤدد سلم بن قتيبة بأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين. وقال رجل للأحنف وأراد عيبه: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال عبد الملك بن مروان لابن مطاع «١» العنزيّ: أخبرني عن مالك بن مسمع. فقال له: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسألونه في أيّ شيء غضب. فقال عبد الملك: هذا وأبيك السّؤدد، ولم يل شيئا قط. وكذلك أسماء بن خارجة لم يل شيئا قط. قيل لعرابة الأوسيّ: بم سدت قومك؟ فقال بأربع: أنخدع لهم عن مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم. وقال المقنّع الكنديّ وهو محمد بن عميرة «٢» : [طويل] ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وليسوا إلى نصري سراعا وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا يعيّرني بالدّين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا «٣» وقال آخر: [بسيط] هينون «٤» لينون أيسار ذوو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار

стр. 322

لا ينطقون على الفحشاء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري وقال آخر: [وافر] وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل وقال رجل من العرب: نحن لا نسوّد إلا من يوطّئنا رحله ويفرّشنا عرضه ويملّكنا ماله. وفي الحديث المرفوع: «من بذل معروفه وكفّ أذاه فذلك السيد» . ويقال: لا سؤدد مع انتقام. والعرب تقول: «سيد معمّم» يريدون أنّ كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه. ويقال: بل السيد منهم كان يعتمّ بعمامة صفراء لا يعتمّ بها غيره. وإنما سمّى الزّبرقان بصفرة عمامته. يقال: زبرقت الشيء إذا صفّرته، وكان اسمه حصينا. قيل لابن هبيرة: من سيد الناس اليوم؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة. وقال عامر «١» بن الطّفيل: [طويل] إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب «٢» هذا نحو قول الآخر:

стр. 323

[رجز] نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما وصيّرته ملكا هماما وعصام عبد كان للنعمان بن المنذر. وله يقول النابغة [وافر] فإنّي لا ألوم على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام؟ الكمال والتناهي في السّؤدد حدّثني أبو حمزة الأنصاريّ عن العتبيّ قال: قال قال الأحنف: الكامل من عدّت هفواته. وكتب معاوية إلى زياد: أنظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه إنّ قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة الهذلي. فكتب إليه معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافيه: أبخذلانه أمّ المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفّين؟ فوجّه سنانا، فكتب إليه زياد: إن الأحنف قد بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية ولا يضرّه العزل. وقال أبو نواس يمدح رجلا: [سريع] أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وقال أيضا في نحو هذا: [بسيط] يا ناق، لا تسأمي أو تبلغي رجلا ... تقبيل راحته والرّكن سيّان متى تحطّي إليه الرّحل سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان محمد «١» خير من يمشي على قدم ... ممن برا الله من إنس ومن جان

стр. 324

تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان سيّان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان وقال الطائي: [بسيط] لو أنّ إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدّين، لم يختلف في الملّة اثنان وقال أيضا: [وافر] فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: وفد الأحنف والمنذر بن الجارود إلى معاوية، فتهيّأ المنذر وخرج الأحنف على قعود وعليه بتّ، فكلما مرّ المنذر قال الناس: هذا الأحنف، فقال المنذر: أراني تزيّنت لهذا الشيخ. وقالت بنو تميم للأحنف: ما أعظم منّتنا عليك! فضّلناك وسوّدناك، فقال: هذا شبل بن معبد، من سوّده وليس بالحضرة بجليّ غيره؟ أو قال بالبصرة. قال عبد الملك بن مروان لعبد الله بن عبد الأعلى الشاعر الشّيباني: من أكرم العرب أو من خير الناس؟ قال: من يحبّ الناس أن يكونوا منه، ولا يحب أن يكون من أحد، يعني بني هاشم. قال: من ألأم الناس؟ قال: من يحب أن يكون من غيره، ولا يحب غيره أن يكونوا منه. قال رجل من أشراف العجم لرجل من أشراف العرب: إن الشّرف نسب مفرد، فالشريف من كل قوم نسيب. وكان يقال: أكرم الصّفايا أشدّها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنّها إلى أوطانها، وأكرم الأفلاء «١» أشدّها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلف الناس للناس

стр. 325

السّيادة والكمال في الحداثة قال الأحنف: السّؤدد مع السواد، يريد أنه يكون سيدا من أتته السيادة في حداثته وسواد رأسه ولحيته، وقد يذهب بمعناه إلى سواد الناس وعامّتهم يراد أن السّؤدد يكون بتسويد العامّة. وقال أبو اليقظان: ولّى الحجّاج محمد ابن القاسم بن محمد بن الحكم الثّقفيّ قتال الأكراد بفارس فأباد منهم، ثم ولّاه السّند فافتتح السند والهند وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر: [كامل] إن السماحة والمروءة والنّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمد «١» قاد الجيوش لسبع عشرة حجّة ... يا قرب ذلك سؤددا من مولد! ويروى: يا قرب ذلك سورة من مولد؛ السّورة المنزلة الرفيعة. قال أبو اليقظان: وهو جعل شيراز معسكرا ومنزلا لولاة فارس. وقال حمزة «٢» بن بيض لمخلّد بن يزيد بن المهلّب: [متقارب] بلغت لعشر مضت من سني ... ك ما يبلغ السيّد الأشيب فهمّك فيها جسام الأمور ... وهمّ لداتك أن يلعبوا نظر الحطيئة إلى ابن عباس يتكلم في مجلس عمر، فقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنّه وعلاهم في قوله! وقال ابن مسعود: لو بلغ أسناننا ما عشره منّا رجل «٣» . ونظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون

стр. 326

فقال: إن همته ترمي به وراء سنه. وولي عبيد الله بن زياد خراسان وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وليها لمعاوية. قيل لزياد عند موته: استخلف عبيد الله، فقال: إن يك فيه خير فسيولّيه عمّه، فلما مات زياد شخص عبيد الله إلى عمه معاوية فقال له: ما منع أباك أن يولّيك؟ أما إنه لو فعل فعلت، فقال عبيد الله: يا أمير المؤمنين، لا يقولنّها أحد بعدك: ما منع أباه وعمه أن يكونا استعملاه، فرغب فيه فاستعمله على خراسان. وولى معاذ اليمن وهو ابن أقل من ثلاثين سنة. وحمل أبو مسلم أمر الدولة والدعوة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وحمل الناس عن إبراهيم النّخعيّ وهو ابن ثماني عشرة سنة. وولّى رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد مكة وهو ابن خمس وعشرين سنة. وسوّدت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه فأدخلته مع الكهول دار النّدوة. قال الكميت «١» : [مجزوء الكامل] رفعت إليك، وما ثغر «٢» ... ت، عيون مستمع وناظر ورأوا عليك ومنك في ال ... مهد النّهى ذات البصائر قال: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوّز «٣» يريد الكلام، فقال عمر: كبّروا كبّروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك، قال صدقت فتكلّم. قال الشاعر في خلاف هذا المعنى: [خفيف] إنما الهلك أن يساسوا بغرّ ... لم تعره الأيام رأيا وثيقا «٤»

стр. 327

وقال آخر: [طويل] ألا قالت الحسناء يوم لقيتها ... كبرت، ولم تجزع من الشيب مجزعا رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنّعا فقلت لها: لا تهزئي بى فقلّما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا رأى بكير «١» بن الأخنس المهلّب وهو غلام فقال: [طويل] خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يكون له مثل الهمّة والخطار بالنفس قال: أخبرنا خالد بن جويرية عن محمد بن ذؤيب الفقيميّ «٢» وهو العمانيّ الراجز عن دكين الراجز قال: أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة. وما رزأت من أموال المسلمين شيئا، وما عندي إلا ألفا درهم، فاختر أيّهما شئت، وهو يضحك. فقلت: يا أمير المؤمنين، قليلك خير من كثير غيرك، ويقال قليلك خير من كبير غيرك، فاختر لي أنت، فدفع إليّ ألفا وقال: خذها بارك الله لك فيها، فابتعت بها إبلا وسقتها إلى البادية، فرمى الله في أذنابها بالبركة بدعوته حتى رزقني الله ما ترون.

стр. 328

قال معاوية لعمرو بن العاص حين نظر معسكر عليّ ﵇: من طلب عظيما خاطر بعظيمته. وكان عمرو يقول: عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة. أي عليكم بجسام الأمور. وقال كعب «١» بن زهير: [طويل] وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل وفي كتاب للهند: ثلاثة أشياء لا تنال إلا بارتفاع همّة وعظيم خطر: عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وفيه أيضا: لا ينبغي أن يكون الفاضل من الرجال إلا مع الملوك مكرّما أو مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل لا يحسن أن يرى إلا في موضعين: في البرّيّة وحشيّا أو للملوك مركبا وفيه أيضا: ذو الهمة إن حطّ فنفسه تأبى إلا علوّا كالشّعلة من النار يصوّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقال العتّابيّ «٢» : [طويل] تلوم على ترك الغنى باهليّة ... طوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد «٣» يسرّك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد وأنّ أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمشرقات البوارد ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتقحّم هول تلك الموارد فإنّ كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود وقال الطائي: [طويل] وأخرى لحتني يوم لم أمنع النّوى ... قيادي ولم ينقض زماعي ناقض

стр. 329

أرادت بأن يحوي الغنى وهو وادع ... وهل يفرس اللّيث الطّلا «١» وهو رابض؟ وقال أيضا: [كامل] فاطلب هدوءا في التقلقل واستتر ... بالعيس من تحت السّهاد هجودا ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا وقال آخر: [رجز] ما العزّ إلا تحت ثوب الكدّ «٢» وقال آخر: [كامل] الذّلّ في دعة النفوس ولا أرى ... عزّ المعيشة دون أن يشقى لها وقال بعض المحدثين وأظنه البحتريّ: [خفيف] فاطلبا ثالثا سواي فإنّي ... رابع العيس والدّجى والبيد لست بالواهن المقيم ولا القا ... ئل يوما إن الغنى بالجدود وإذا استصعبت مقادة أمر ... سهّلتها أيدي المهارى القود وقال عبد الله بن أبي الشّيص «٣» [وافر] أظنّ الدهر قد آلى فبرّا ... بأن لا يكسب الأموال حرّا لقد قعد الزمان بكل حرّ ... ونقّض من قواه المستمرّا كأنّ صفائح الأحرار أردت ... أباه فحارب الأحرار طرّا فأصبح كلّ ذي شرف ركوبا ... لأعناق الدجى برّا وبحرا فهتّك جيب درع الليل عنه ... إذا ما جيب درع الليل زرّا

стр. 330

يراقب للغنى وجها ضحوكا ... ووجها للمنيّة مكفهرّا ومن جعل الظلام له قعودا ... أصاب به الدجى خيرا وشرّا وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقنع، ومن أراد الذكر فليجهد. قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنة. وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من اتّسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همّته. وقال عديّ «١» بن الرّقاع: [كامل] والمرء يورث جوده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء أبو اليقظان قال: كان أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فسار إليها فلما قرب منها قال للدليل: أين هي وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة. قال لا أراني أميرا إلّا على موضع تستر منه أكمة! أهون بها ولاية! وكرّ راجعا. فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجّاج» . وقال الطائيّ: [طويل] وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد فإني رأيت الشمس زيدت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد وقال رجل لآخر: أبوك الذي جهل قدره وتعدّى طوره فشقّ العصا وفرّق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثم قتل ثم صلب. قال الآخر: دعني من ذكر هزيمة أبي ومن صلبه، أبوك ما حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ. قال حاتم طيء: [طويل] لحى الله صعلوكا مناه وهمّه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما يرى الخمص «٢» تعذيبا وإن يلق شعبة ... يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما

стр. 331

ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضي على الأهوال والدهر مقدما يرى قوسه أو رمحه ومجنّه ... وذا شطب لدن المهزّة مخذما «١» وأحناء سرج قاتر «٢» ولجامه ... معدّا لدى الهيجا وطرفا مسوّما فذلك إن يهلك فحيّ ثناؤه ... وإن يحي لا يقعد لئيما مذمّما وقال آخر: [بسيط] لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوق إلى أهل وأوطان تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران ويقال: ليس بينك وبين البلدان نسب فخير البلاد ما حملك. وقال عروة ابن الورد «٣» : [طويل] لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله ... مصافي المشاش «٤» آلفا كلّ مجزر يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسّر ينام عشاء ثم يصبح قاعدا ... يحتّ الحصا من جنبه المتعفّر يعين نساء الحيّ لا يستعنّه ... ويمسي طليحا كالبعير المحسّر ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر مطلّ على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهّر وقال آخر: [طويل] تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا! * ولم تدر أني للمقام أطوف

стр. 332

وقال الطائيّ في نحوه: [وافر] أآلفة النّحيب كم افتراق ... ألمّ فكان داعية اجتماع وما إن فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع نظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس على باب المنصور فقال له: قد طال وقوفك في الشمس. فقال روح: ليطول مقامي في الظل. وقال خداش «١» بن زهير: [بسيط] ولن أكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلّى صهوة الفرس وقال آخر: [بسيط] لا أنت قصّرت عن مجد ولا أنا، إذ ... أسمو إليك بنفسي، قصّرت هممي قال عمر بن الخطاب: أشنعوا بالكنى فإنها منبّهة. دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيميّ على أبيه وهو يجود بنفسه فقال له: ألا أوصي بك الأمير؟ فقال عبيد الله: إذا لم يكن للحيّ إلّا وصيّة الميت فالحيّ هو الميت. وقال الشاعر في نحوه: [وافر] إذا ما الحيّ عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صبيّ: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي. نظر أبو الحارث حمير إلى برذون «٢» يستقى عليه، فقال: المرء حيث يجعل نفسه، لو هملج «٣» هذا لم يبل بما ترون. قال الطائي:

стр. 333

[طويل] وقلقل نابي من خراسان جاشها ... فقلت اطمئني أنضر الرّوض عازبه وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا ... على مثلها، والليل تسطو غياهبه لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه وقال آخر: [طويل] وعش ملكا أو مت كريما، وإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر والمشهور في هذا قول امرىء القيس: [طويل] فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي وقوله: [طويل] بكى صاحبي لما رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك، إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال أبو نواس: [طويل] سأبغي الغنى إمّا جليس خليفة ... نقوم سواء، أو مخيف سبيل وقيل ليزيد بن المهلّب: ألا تبني دارا! فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. والمشهور في سقوط الهمة قول الحطيئة «١» : [بسيط] دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

стр. 334

وقال مالك «١» بن الرّيب: [طويل] فإن تنصفونا، آل مروان، نقترب ... إليكم وإلّا فأذنوا ببعاد فإنّ لنا عنكم مراحا ومرحلا ... بعيس إلى ريح الفلاة صوادي وفي الأرض عن دار المذلّة مذهب ... وكلّ بلاد أوطنت كبلادي فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير «٢» زياد فباست أبي الحجاج واست عجوزه ... عتيّد «٣» بهم يرتعي بوهاد فلولا بنو مروان كان ابن يوسف «٤» ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو المقري المقرّ «٥» بذلّة ... يراوح غلمان القرى ويغادي بعث ينحاب خليفتها إلى ابن عائشة المحدّث وهو عبيد الله بن محمد ابن حفص التّيميّ، فأتاه في حلقته في المسجد فقال له: أبو من؟ قال: هلّا عرفت هذا قبل مجئيك؟ قال: أريد أن تخليني. قال: في حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: في حاجة لي. قال: فالقني في المنزل. قال: فإنّ الحاجة لك. قال: ما دون إخواني سرّ. وقال بعض لصوص همدان وهو مالك «٦» بن حريم: [طويل] كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة مادام للسّيف قائم

стр. 335

متى تجمع القلب الذكّي وصارما «١» ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم ومن يطلب المال الممنّع بالقنا ... يعش مثريا أو تخترمه المخارم وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم وقال أبو النّشناش «٢» ، من اللصوص: [طويل] إذا المرء لم يسرح سواما «٣» ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه فللموت خير للفتى من حياته ... فقيرا ومن مولى تدبّ عقاربه وسائله بالغيب عنّي وسائل ... ومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه؟ وطامسة الأعلام ماثلة الصّوى «٤» ... سرت بأبي النّشناش فيها ركائبه فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفق صاحبه وقال آخر من اللصوص: [طويل] وإنّي لأستحيي من الله أن أرى ... أطوف بحبل «٥» ليس فيه بعير وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربّي في البلاد كثير فللّيل، إن واراني الليل، حكمة ... وللشمس إن غابت عليّ تدور عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير رأى الله أنّى للأنيس لشانىء ... وتبغضهم لي مقلة وضمير

стр. 336

وقال النّمر «١» بن تولب: [كامل] خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح فالمال فيه تجلّة ومهابة ... والفقر فيه مذلّة وقبوح وقال آخر: [طويل] تقول ابنتي: إنّ انطلاقك واحدا ... إلى الرّوع يوما تاركي لا أباليا ذريني من الإشفاق أو قدّمي لنا ... من الحدثان والمنيّة واقيا ستتلف نفسي أو سأجمع هجمة ... ترى ساقيها يألمان التّراقيا وقال أوس «٢» بن حجر: [طويل] ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح ليبلي عذرا أو ليبلغ حاجة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح وقال آخر: [طويل] رمى الفقر بالأقوام حتى كأنّهم ... بأطرار آفاق البلاد نجوم قال كسرى: إحذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقال الشاعر: [طويل] خلقان لا أرضى اختلافهما ... تيه الغنى، ومذلّة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر واصبر، فلست بواجد خلقا ... أدنى إلى فرج من الصّبر

стр. 337

كان أعرابيّ يمنع ابنه من التصرف إشفاقا عليه، فقال شعرا فيه: [طويل] إذا ما الفتى لم يبغ إلّا لباسه ... ومطعمه، فالخير منه بعيد يذكّرني خوف المنايا، ولم أكن ... لأهرب ممّا ليس منه محيد فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت: أنت رشيد رأيت الغنى قد صار في الناس سؤددا ... وكان الفتى بالمكرمات يسوده وإن قلت لم يسمع مقالي وإنّني ... لمبدىء حقّ بينهم ومعيد فذرني أجوّل في البلاد لعلّه ... يسرّ صديق أو يساء حسود ألا ربّما كان الشّفيق مضرّة ... عليك من الإشفاق وهو ودود وقال أعرابيّ من باهلة: [طويل] سأعمل نصّ العيس «١» حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحرّ بالإقلال وسم هوان متى يتكلّم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا: عديم بيان كأنّ الغنى عن أهله- بورك الغنى-* بغير لسان ناطق بلسان الشرف والسّؤدد بالمال وذم الفقر والحض على الكسب أنشد ابن الأعرابيّ «٢» : [طويل] ومن يفتقر في قومه يحمد الغنى ... وإن كان فيهم ماجد العمّ مخولا

стр. 338

يمنّون إن أعطوا ويبخل بعضهم ... ويحسب عجزا سكته إن تجمّلا ويزري بعقل المرء قلّة ماله ... وإن كان أقوى من رجال وأحولا وقرأت في كتاب للهند: ليس من خلّة يمدح بها الغنيّ إلا ذمّ بها الفقير، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زمّيتا «١» قيل عييّ. وقال آخر: [بسيط] الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسوّد غير السّيد المال وأنشد ابن الأعرابيّ: [بسيط] رزقت لبّا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلّا كثرة المال إذا أردت مساماة يقعّدني ... عما ينوّه باسمي رقّة الحال وقال آخر: [طويل] يغطّي عيوب المرء كثرة ماله ... يصدّق فيما قال وهو كذوب ويزري بعقل المرء قلّة ماله ... يحمّقه الأقوام وهو لبيب «٢» وقال آخر: [منسرح] كم من لئيم الجدود سوّده ال ... مال، أبوه وأمّه الورق وكم كريم الجدود ليس له ... عيب سوى أنّ ثوبه خلق أدّبه سادة كرام فما ... ثوباه إلا العفاف والخلق وأنشد الرّياشيّ «٣» :

стр. 339

[بسيط] غضبان يعلم أنّ المال ساق له ... ما لم يسقه له دين ولا خلق لولا ثلاثون ألفا سقتها بطرا ... إلى ثلاثين ألفا ضاقت الطّرق فمن يكن عن كرام الناس يسألني ... فأكرم الناس من كانت له ورق وقال أحيحة «١» بن الجلاح: [بسيط] إستغن أو مت ولا يغررك ذو نشب «٢» ... من ابن عمّ ولا عمّ ولا خال يلوون ما عندهم من حق أقربهم ... وعن صديقهمو والمال بالوالي ولا أزال على الزّوراء «٣» أعمرها، ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلّا ندائي إذا ناديت يا مالي وقال حسّان «٤» : [خفيف] ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطّى عليه النعيم وقال الهذليّ «٥» : [وافر] رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح

стр. 340

يظلّ المصرمون لهم سجودا ... ولو لم يسق عندهمو ضياح «١» ويروى يلف. وقال بعضهم: وددت أنّ لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل له: فما تصنع به؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. قال الصّلتان «٢» : [متقارب] إذا قلت يوما لمن قد ترى: ... أروني السّريّ، أروك الغني وسرّك ما كان عند امرىء ... وسرّ الثلاثة غير الخفي «٣» وقال آخر: [بسيط] لا تسألي النّاس: ما مجدي وما شرفي، ... الشأن في فضّتي والشأن في ذهبي لو لم يكن لي مال لم يطر أحد ... بأبي ولم يعرفوا مجدي ومجد أبي وقال آخر: [طويل] أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكلّ غنيّ في العيون جليل ولو كنت ذا عقل ولم تؤت ثروة ... ذللت لديهم والفقير ذليل إذا مالت الدنيا على المرء رغّبت ... إليه ومال الناس حيث يميل وليس الغنى إلّا غنى زيّن الفتى ... عشيّة يقري أو غداة ينيل وقال آخر: [طويل] وكلّ مقلّ حين يغدو لحاجة ... إلى كلّ من يعدو من الناس مذنب وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب «٤»

стр. 341

وقال آخر: [طويل] أبا مصلح أصلح، ولا تك مفسدا ... فإنّ صلاح المال خير من الفقر ألم تر أنّ المرء يزداد عزّة ... على قومه إن يعلموا أنه مثري وقال عروة «١» بن الورد: [وافر] ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت النّاس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النّديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلفي ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكن للغنى ربّ غفور وقال زيد بن عمرو «٢» بن نفيل: [خفيف] ويكأن من يكن له نشب «٣» يح ... بب، ومن يفتقر يعش عيش ضرّ ويجنّب سرّ النّجيّ ولكن ... ن أخا المال محضر كلّ سرّ وقال آخر: [طويل] ألم تر بيت الفقر يهجر أهله ... وبيت الغنى يهدى له ويزار وقال آخر: [وافر] إذا ما قلّ مالك كنت فردا ... وأيّ الناس زوّار المقلّ؟

стр. 342

وقال عبد العزيز «١» بن زرارة: [وافر] وما لبّ اللبيب بغير حظّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل رأيت الحظّ يستر عيب قوم ... وهيهات الحظوظ من العقول وقال الطائيّ: [بسيط] الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنّشب ما أضيع العقل إن لم يرع ضيعته ... وفر، وأيّ رحى دارت بلا قطب؟ وقال آخر: [خفيف] عش بجدّ ولا يضرّك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود عش بجدّ وكن هبنّقة القي ... سيّ نوكا أو خالد بن يزيد «٢» وقال الطائيّ: [طويل] ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذا من جهلهنّ البهائم وقال المرّار «٣» : [طويل] إذا لم ترافد في الرّفاد ولم تسق ... عدوّا ولم تستغن فالموت أروح وقال ابن الدّمينة «٤» الثقفيّ: [وافر] أطعت العرس «٥» في الشهوات حتى ... أعادتني عسيفا عبد عبد

стр. 343

إذا ما جئتها قد بعت عذقا ... تعانق أو تقبّل أو تفدّي وقال الأسعر «١» الجعفيّ: [كامل] وخصاصة الجعفيّ ما داينته ... لا ينقضي أبدا وإن قيل انقضى إخوان صدق ما رأوك بغبطة ... فان افتقرت فقد هوى بك ما هوى وقال آخر: [طويل] إذا المرء لم يكسب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لاقى الصدّيق فأكثرا وصار على الأدنين كلّا وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرّا فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا وما طالب الحاجات من حيث تبتغى ... من الناس إلا من أجدّ وشمّرا فلا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا «٢» ؟ وقال آخر: [رجز] من يجمع المال ولا يثب به ... ويترك العام لعام جذبه يهن على الناس هوان كلبه قال أبو اليقطان: ما ساد مملق قطّ إلا عتبة بن ربيعة. حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن عبيد الله

стр. 344

ابن العيزار عن عبد الله بن عمرو أنه قال: احرث لدنياك كأنّك تعيش أبدا واحرث لآخرتك كأنّك تموت غدا. قال: حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال حدّثني أصحاب أيّوب عن أيّوب قال: كان أبو قلابة يحثّني على الإحتراف ويقول: إنّ الغنى من العافية. قال: وقال الأصمعيّ: سأل أعرابيّ عن رجل فقالوا: أحمق مرزوق، فقال: ذاك والله الرجل الكامل. وكان يقال: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين: الدّين والعرض. ويقال في بعض كتب الله: أطعني فيما آمرك ولا تعلمني بما ينفعك وامدد يدك لباب من العمل أفتح لك بابا من الرزق. وكان يقال: من غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. ويقال: حفظ المال أشدّ من جمعه. وقال الحسن: إذا أردتم أن تعلموا من أين أصاب المال فانظروا فيم ينفقه فإنّ الخبيث ينفق سرفا. ونحوه قولهم: من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر «١» . ويقال في مثل «الكدّ قبل المدّ» يراد الطلب قبل الحاجة والعجز. وقال لقيط «الغزو أدرّ للّقاح وأحدّ للسلاح» . وقال أبو المعافى «٢» : [طويل] وإن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا فراشا وطيئا ثم قال لها اتّكي ... قصاراهما لا بدّ أن يلدا الفقرا وقال زيد بن جبلة: لا فقير أفقر من غنيّ أمن الفقر. وروي عن علي بن

стр. 345

أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز. ويقال: القبر ولا الفقر. ويقال: ما سبق عيال مالا قطّ إلا كان صاحبه فقيرا. وقيل لرجل من البصريين: مالك لا ينمي مالك؟ قال: لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال. ويقال: العيال سوس المال. وقيل لمدينيّ: كيف حالك؟ قال: كيف يكون حال من ذهب ماله وبقيت عادته. ويقال: الغني في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة. حدّثني محمد بن يحيى بإسناد ذكره قال: شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله شدة الفقر فأوحى الله إليه: هكذا جرى أمرك عندي أفتريد من أجلك أن أعيد الدنيا. قال أبو حاتم: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما أجدب أهل البادية قطّ حتى تسوّيهم السّنة ثم جاءهم الخصب إلا عاد الغنى إلى أهل الغنى. قال الأصمعيّ: رأيت أعرابية ذات جمال رائع تسأل بمنى فقلت: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال! قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاجّ نتقمّمهم ونغسل ثيابهم. فقلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلب الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث نعلم لما عشنا. وقال الشاعر «١» : [خفيف] أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطيّة غير رجلي وإذا كنت في جميع فقالوا ... قرّبوا للرحيل قدّمت نعلي حيثما كنت لا أخلّف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي

стр. 346

قيل لمدينيّ: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية. وقيل لآخر: ما عندك من آلة العصيدة «١» ؟ قال: الماء. وقيل لآخر: ما عندك من آلة القريس «٢» ؟ قال: الشتاء. ذمّ الغنى ومدح الفقر قال شريح: الجدة كنية البهل «٣» . وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل: وإن أسمنت وألبنت؟ قال: نعم، أكره عادة العجز. وكان يقال: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يورث الفكرة. وقال محمد بن حازم «٤» الباهليّ: [منسرح] ما الفقر عار ولا الغنى شرف ... ولا سخاء في طاعة سرف ما لك إلّا شيء تقدّمه ... وكلّ شيء أخّرته تلف تركك مالا لوارث يته ... نّاه وتصلى بحرّه أسف وقال ابن مناذر «٥» : [وافر] رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا علم وللثّقفيّ مال وما الثّقفيّ إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلّا خيال وقال أنس بن مالك: لمّا خرج مروان من المدينة مرّ بماله بذي خشب «٦»

стр. 347

فلما نظر إليه قال: ليس المال إلا ما أشرجت عليه المناطق. وروي عن المسيح أنّه قال: في المال ثلاث خصال، قالوا: وما هي يا روح الله: قال: لا يكسبه من حلّه قالوا: فإن فعل قال: يمنعه من حقّه، قالوا: فإن لم يفعل، قال: يشغله إصلاحه عن عبادة ربه. قيل لابن عمر: توفّي زيد بن حارثة وترك مائة ألف درهم، قال: لكنها لا تتركه. وقال المعلوط «١» . [طويل] ولا سوّد المال الدّنيّ ولا دنا ... لذاك ولكنّ الكريم يسود متى ما ير الناس الغنيّ وجاره ... فقيرا يقولوا عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسّمت وجدود فكم قد رأينا من غنيّ مذمّم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد وقال آخر: [منسرح] ولا تهين «٢» الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه الأخفش قال: قال المبرّد: أريد النون الخفيفة في ولا تهين فأسقط التنوين لسكونه وسكون اللام. وقال آخر: [طويل] ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر وإنّي لصبّار على ما ينوبني ... لأنّي رأيت الله أثنى على الصبر وقال أعرابيّ يمدح قوما: [طويل] إذا افتقروا عضّوا على الصبر حسبة ... وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر يقول: يعطون ما عندهم حتى يفتقروا. قال الحسن: عيّرت اليهود

стр. 348

عيسى بن مريم بالفقر فقال: من الغنى أتيتم، وقال: حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. أنشد ابن الأعرابيّ «١» : [بسيط] المال يغشى رجالا لا طباخ بهم ... كالسّيل يغشى أصول الدّندن البالي «٢» وقال الطائيّ: [كامل] لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي «٣» قال عمر بن الخطاب: من دخل على الأغنياء خرج وهو ساخط على الله. قال أعرابيّ: الغنيّ من كثرت حسناته والفقير من قلّ نصيبه منها. وقال ذو الأصبع «٤» : [بسيط] لي ابن عمّ على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني «٥» أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني

стр. 349

وقال آخر: [كامل] إنّ الحرام غزيرة حلباته ... ووجدت حالبة الحلال مصورا «١» وقيل لأعرابي: إن فلانا أفاد مالا عظيما قال: فهل أفاد معه أياما ينفقه فيها؟. وفي كتاب للهند: ذو المروءة يكرم معدما كالأسد يهاب وإن كان رابضا، ومن لا مروءة له يهان وإن كان موسرا كالكلب وإن طوّق وحلّى. وقال خداش «٢» بن زهير: [طويل] أعاذل، إنّ المال أعلم أنّه ... وجامعه للغائلات الغوائل متى تجعليني فوق نعشك تعلمي ... أيغني مكاني أبكري وأفائلي؟ وقال آخر: [طويل] إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه ... أنا السيّد المقضي إليه المعظّم ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو أظلم وقال زبّان «٣» بن سيّار: [طويل] ولسنا كقوم محدثين سيادة ... يرى مالها ولا يحسّ فعالها مساعيهمو مقصورة في بيوتهم ... ومسعاتنا ذبيان طرّا عيالها وقال أبو عبيد الله الكاتب: الصبر على حقوق المروءة أشدّ من الصبر على ألم الحاجة، وذلّة الفقر مانعة من عزّ الصبر كما أنّ عزّ الغنى مانع من كرم الإنصاف. وقال بعض المتكلمين في ذمّ الغنى: ألم تر ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى

стр. 350

الدّهر بثلمه ونقضه، ثمّ هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترثيه، وأكفاء يتنافسونه، وولد يودّون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذمّ، ومن الولد الملامة، لا كذي البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم له الجسد، ورضي بالكفاف فتنكّبته الحقوق. ضجر أعرابيّ بكثرة العيال والولد مع الفقر وبلغه أنّ الوباء بخيبر شديد فخرج إليها بعياله يعرّضهم للموت، وأنشأ يقول: [رجز] قلت لحمىّ خيبر استعدّي ... هاك عيالي واجهدي وجدّي وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذا الجند فأخذته الحمّى فمات هو وبقي عياله. وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: يا بنيّ، إتق الله، فإنه من اتّق الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، فلتكن التقوى عماد عينيك وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. وقال محمود الورّاق «١» : [سريع] يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر أنك تعصي الله تبغي الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر وقال آخر: [مجزوء المديد] ليس لي مال سوى كرمي ... فيه لي أمن من العدم لا أقول الله أعدمني ... كيف أشكو غير متّهم

стр. 351

قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطّت بالعلى هممي وجعلت الصبر سابغة ... فهي من قرني إلى قدمي فإذا ما الدّهر عاتبني ... لم يجدني كافرا نعمي التجارة والبيع والشراء قال: حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن ابن إسحق عمّن حدّثه يرفعه قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت مرغمة ومرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زرّاعا وإنّ شرّ هذه الأمّة التّجار والزرّاعون إلّا من شحّ عن دينه» . وفي حديث آخر رواه أبو معاوية عن الأعمش عن وائل بن داود عن سعيد بن جبير: سئل النبيّ، ﷺ ، أيّ الكسب أطيب قال: «عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور» . حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا عون بن عمارة عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: من تجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه فليتحوّل منه إلى غيره. وقال: فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين ولا تلثّوا بدار معجزة «١» . وقال: إذا اشتريت بعيرا فاشتره عظيم الخلق فإن أخطأك خير لم يخطئك سوق. وقال: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك. وقال الحسن: الأسواق موائد الله في الأرض فمن أتاها أصاب منها. ابن المبارك عن معمر عن الزّبيري قال: مرّ رسول الله، ﷺ ، برجل يبيع شيئا، فقال: «عليك بالسّوم أوّل السوق فإن الرّباح مع السماح» . وكان يقال:

стр. 352

إسمح يسمح لك. وفي بعض الحديث المرفوع: «أمر رسول الله، ﷺ ، الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدّجاج» . وقيل للزّبير: بم بلغت ما بلغت من اليسار؟ قال: لم أردّ ربحا ولم أستر عيبا. دخل ناس على معاوية فسألهم عن صنائعهم، فقالوا: بيع الرقيق. قال: بئس التّجار ضمان نفس ومؤونة ضرس. باع رجل ضيعة فقال للمشتري: أما والله لقد أخذتها ثقيلة المؤنة قليلة المنفعة، فقال: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة التفرّق. واشترى رجل من رجل دارا فقال له المشتري: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة، فقال: وأنت لو صبرت بعتك الذراع بدرهم. حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أنّ أبا سفيان بن العلاء باع غلاما له بثلاثين ألفا فقال عمر بن أبي زائدة: هذا أحمق، قالوا: كيف؟ قال: لأنّه لم يبلغ ثلاثين ألفا حتى أعطي قبل ذلك عشرون ألفا فكيف انتظر ولم يغتنمها. ورئي عبد الله بن جعفر يماكس «١» في درهم فقيل له: أتماكس في درهم وأنت تجود من المال بما تجود به؟ قال: ذلك مالي جدت به وهذا عقلي بخلت به. ابتاع ابن عمر شيئا فحثا له البائع على المكيال فقال له ابن عمر: أرسل يدك ولا تمسك على رأسه فإنّما لي ما يحمله المكيال. كان جرير بن عبد الله إذا اشترى شيئا قال لصاحبه: إن الذي أخذنا منك خير ممّا أعطيناك إذ أظنّ أنّه كذلك فأنت بالخيار. اشترى عمرو بن عبيد إزارا للحسن بستّة دراهم ونصف فأعطاه سبعة دراهم فقال الرجل: إنما بعته بستة دراهم ونصف، فقال عمرو: إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهما.

стр. 353

قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبي الزّناد قال: إذا عزب «١» المال قلّت فواضله، لا بلحة ولا بسرة ولا رطبة ولا كرنافة «٢» . ونحوه قول بعض الحجازيّين: [طويل] سأبغيك مالا بالمدينة إنّني ... أرى عازب الأموال قلّت فواضله قال عمر بن عبد الرحمن بن عوف: قسم سهل بن حنيف بيننا أموالنا وقال لي: يا بن أختي، إني أو ترك بالقرابة، اعلم أنّه لا مال لأخرق ولا عيلة على مصلح، وخير المال ما أطعمك لا ما أطعمته، وإن الرقيق جمال وليس بمال. قال زياد: ليس لذي ضعف مثل أرض عشر وليس لذي جاه مثل خراج وليس لتاجر مثل صامت. قال رجل لآخر: بكم تبيع الشاة؟ قال: أخذتها بستة وهي خير من سبعة وقد أعطيت بها ثمانية فإن كانت من حاجتك بتسعة فزن عشرة. كان يقال: خير المال عين خرّارة، في أرض خوّارة، تفجّرها الفارة، تسهر إذا نمت، وتشهد إذا غبت، وتكون عقبا إذا متّ. عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: إن الله إذا أبغض عبدا جعل رزقه في الصيّاح. وقال الفضيل مثل ذلك وقال: أما سمعت إلى أهل دار البطّيخ والملّاحين ودويّهم. قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الهجيميّ قال: حدّثنا المبارك بن سعيد عن برد بن سنان عن نافع عن ابن عمر أنّه كان لا يرى بالمكايسة والمماكسة في الشراء والبيع بأسا.

стр. 354

قال: حدثني محمد قال: حدّثني الأصبهانيّ عن يحيى بن أبي زائدة عن مجالد عن أبي بردة. قال: أتى عمر غلاما له يبيع الحلل، فقال له: إذا كان الثوب عاجزا فانشره وأنت جالس وإذا كان واسعا فانشره وأنت قائم. قال: فقلت له: الله الله يا عمر. قال: إنما هي السّوق. قال عبد الله بن الحسين: غلّة الدور مسكة وغلّة النخل كفاف وغلة الحبّ الغنى. قال أعرابيّ: [طويل] زيادة شيء تلحق النفس بالمنى ... وبعض الغلاء في التجارة أربح ولمّا بلغ عتبة بن غزوان أنّ أهل البصرة قد اتخذوا الضّياع وعمروا الأرضين كتب إليهم: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها. قال أعرابيّ: [طويل] وفي السّوق حاجات وفي النّقد قلّة ... وليس مقضي الحاج «١» غير الدّراهم قال ميمون بن ميمون: من اشترى الأشياء بنعت أهلها غبن حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: حدّثني شكر الحرشي قال: جاء الحسن بشاة فقال لي: بعها وابرأ من أنّها تقلب المعلف وتنزع الوتد من قبل البيع لئلا يقولوا ندم. قال الشاعر: [وافر] إذا ما تاجر لم يوف كيلا ... فصبّ على أنامله الجذام ابن الزيات «٢» في الطائيّ: [طويل] رأيتك سهل البيع سمحا وإنما ... يغالي إذا ما ظنّ بالشيء بائعه هو الماء إن أحميته طاب شربه ... ويكدر يوما أن تباح مشارعه

стр. 355

حدّثت عن شيبان بن فرّوخ عن أبي الأشهب عن الحسن قال: كان رجل يتّجر في البحر ويحمل الخمر يأتي بها قوما، فعمد إليها فمزجها نصفين وأتاهم بها فباعها بحساب الصّرف واشترى قردا فحمله معه في السفينة، فلمّا لجّج في البحر لم يشعر إلّا وقد أخذ القرد الكيس وعلا على الصّاري وجعل يلقي دينارا في البحر ودينارا في السفينة حتى قسمه قسمين. قال رجل من الحاجّ: أتانا رجل من الأعراب بالرمل في طريق مكّة بغرارة «١» فيها كمأة، فقلنا له: بكم الغرارة؟ فقال: بدرهمين، فقلنا: لك ذلك، فأخذناها ودفعنا إليه الثمن، فلما نهض قال له رجل منا: في است المغبون عود، فقال: بل عودان وضرب الأرض برجله فإذا نحن على الكمأة قيام. قيل لأعرابيّ: ألا تشتري لابنك بطّيخة. فقال: لا، أو يبلغ من كساده أن يكون إذا تناول من بين يدي البقّال وأخذه وعدا رماه بأخرى ولم يعد خلفه. اشترى أعرابيّ غلاما فقال للبائع: هل فيه من عيب، فقال: لا، غير أنّه يبول في الفراش. فقال: ليس هذا بعيب، إن وجد فراشا فليبل فيه. الدّين قال ثابت قطنة: الدّين عقلة الشريف. وقال دليم «٢» : [طويل] الله لقّى من عرابة بيعة ... على حين كاد النّقد يعسر عاجله «٣» ولوى بنان الكفّ يحسب ربحه ... ولم يحسب المطل الذي أنا ماطله سيرضى من الرّبح الذي كان يرتجي ... برأس الذي أعطى وهل هو قابله؟ «٤»
следующие страницы →