Полный текст (1 325 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الإمام أبو محمد بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ ﵁: الحمد لله الذي يعجز بلاؤه صفة الواصفين وتفوت آلاؤه عدد العادّين وتسع رحمته ذنوب المسرفين، والحمد الله الذي لا تحجب عنه دعوة ولا تخيب لديه طلبة ولا يضل عنده سعي، الذي رضي عن عظيم النعم بقليل الشكر وغفر بعقد الندم كبير الذنوب ومحا بتوبة الساعة خطايا السنين، والحمد لله الذي ابتعث فينا البشير النذير السراج المنير هاديا إلى رضاه وداعيا إلى محابّته ودالّا على سبيل جنته ففتح لنا باب رحمته وأغلق عنا باب سخطه. صلى الله وملائكته المقرّبون عليه وعلى آله وصحبه أبدا ما طما بحر وذرّ شارق وعلى جميع النبيين والمرسلين.
أما بعد، فإنّ لله في كل نعمة أنعم بها حقا وعلى كل بلاء أبلاه زكاة:
فزكاة المال الصدقة، وزكاة الشرف التواضع، وزكاة الجاه بذله، وزكاة العلم نشره، وخير العلوم أنفعها، وأنفعها أحمدها مغبّة، وأحمدها مغبّة ما تعلّم وعلّم لله وأريد به وجه الله تعالى.
ونحن نسأل الله تعالى، جلّ وعلا، أن يجعلنا بما علمنا عاملين وبأحسنه آخذين ولوجهه الكريم بما نستفيد ونفيد مريدين ولحسن بلائه عندنا
стр. 37
عارفين وبشكره آناء الليل والنهار هارفين إنه أقرب المدعوّين وأجود المسؤولين.
وإني كنت تكلفت لمغفل التأدب من الكتّاب كتابا من المعرفة وفي تقويم اللسان واليد حين تبيّنت شمول النقص ودروس العلم وشغل السلطان عن إقامة سوق الأدب حتى عفا ودرس، بلغت به فيه همّة النفس وثلج الفؤاد وقيّدت عليه به ما أطرفني الاله ليوم الإدالة، وشرطت عليه مع تعلّم ذلك تحفّظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كاتب، ويستعين بما فيها من معنى لطيف ولفظ خفيف حسن إذا حاور. ولما تقلّدت له القيام ببعض آلته دعتني الهمة إلى كفايته وخشيت إن وكلته فيما بقي إلى نفسه وعوّلت له على اختياره أن تستمرّ مريرته على التهاون ويستوطىء مركبه من العجز فيضرب صفحا عن الآخر كما ضرب صفحا عن الأوّل، أو يزاول ذلك بضعف من النية وكلال من الحدّ فيلحقه خور الطباع وسآمة الكلفة. فأكملت له ما ابتدأت وشيّدت ما أسّست وعملت له في ذلك من طبّ لمن حبّ بل عمل الوالد الشفيق للولد البرّ ورضيت منه بعاجل الشكر وعوّلت على الله في الجزاء والأجر.
فإنّ هذا الكتاب، وإن لم يكن في القرآن والسّنّة وشرائع الدين وعلم الحلال والحرام، دال على معالي الأمور مرشد لكريم الأخلاق زاجر عن الدناءة ناه عن القبيح باعث على صواب التدبير وحسن التقدير ورفق السياسة وعمارة الأرض وليس الطريق إلى الله واحدا ولا كل الخير مجتمعا في تهجّد الليل وسرد الصيام وعلم الحلال والحرام، بل الطرق إليه كثيرة وأبواب الخير واسعة وصلاح الدين بصلاح الزمان، وصلاح الزمان بصلاح السلطان، وصلاح السلطان بعد توفيق الله بالإرشاد وحسن التبصير.
стр. 38
وهذه عيون الأخبار نظمتها لمغفل التأدب تبصرة ولأهل العلم تذكرة ولسائس الناس ومسوسهم مؤدّبا وللمولك مستراحا من كدّ الجدّ والتعب وصنّفتها أبوابا وقرنت الباب بشكله والخبر بمثله والكلمة بأختها ليسهل على المتعلم علمها وعلى الدارس حفظها وعلى الناشد طلبها، وهي لقاح عقول العلماء ونتاج أفكار الحكماء وزبدة المخض وحلية الأدب وأثمار طول النظر والمتخيّر من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف. جمعت لك منها ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك بأحسنها وتقوّمها بثقافها وتخلّصها من مساوىء الأخلاق كما تخلص الفضة البيضاء من خبثها، وتروضها على الأخذ بما فيها من سنة حسنة وسيرة قويمة وأدب كريم وخلق عظيم، وتصل بها كلامك إذا حاورت وبلاغتك إذا كتبت، وتستنجح بها حاجتك إذا سألت، وتتلطف في القول إن شفعت، وتخرج من اللوم بأحسن العذر إذا اعتذرت فإنّ الكلام مصايد القلوب والسحر الحلال، وتستعمل آدابها في صحبة سلطانك وتسديد ولايته ورفق سياسته وتدبير حروبه، وتعمر بها مجلسك إذا جددت وأهزلت وتوضح بأمثالها حججك وتبذّ باعتبارها خصمك حتى يظهر الحقّ في أحسن صورة وتبلغ الإرادة بأخف مؤونة، وتستولي على الأمد وأنت وادع وتلحق الطّريدة ثانيا من عنانك وتمشي رويدا وتكون أوّلا هذا إذا كانت الغريزة مواتية والطبيعة قابلة والحسّ منقادا، فإن لم يكن كذلك ففي هذا الكتاب، لمن أراه عقله نقص نفسه فأحسن سياستها وستر بالأناة والرويّة عيبها ووضع من دواء هذا الكتاب على داء غريزته وسقاها بمائه وقدح فيها بضيائه، ما نعش منها العليل وشحذ الكليل وبعث الوسنان وأيقظ الهاجع حتى يقارب بعون الله رتب المطبوعين.
ولم أر صوابا أن يكون كتابى هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب
стр. 39
الآخرة ولا على خواص الناس دون عوامّهم «١» ولا على ملوكهم دون سوقتهم، فوفّيت كلّ فريق منهم قسمه ووفّرت عليه سهمه وأودعته طرفا من محاسن كلام الزهاد في الدنيا وذكر فجائعها والزوال والانتقال وما يتلاقون به إذا اجتمعوا ويتكاتبون به إذا افتر قول في المواعظ والزهد والصبر والتقوى واليقين وأشباه ذلك لعل الله يعطف به صادفا، ويأطر على التوبة متجانفا، ويردع ظالما ويلين برقائقه قسوة القلوب. ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة وفطنة لطيفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة لئلا يخرج عن الكتاب مذهب سلكه السالكون وعروض أخذ فيها القائلون، ولأروّح بذلك عن القارىء من كدّ الجدّ وإتعاب الحق فإنّ الأذن مجّاجة والنفس حمضة، والمزح إذا كان حقا أو مقاربا ولأحايينه وأوقاته وأسباب أوجبته مشاكلا ليس من القبيح ولا من المنكر ولا من الكبائر ولا من الصغائر إن شاء الله.
وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روى عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرّ بك، أيها المتزمّت، حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به.
واعلم أنك إن كنت مستغنيا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخّص فيما تشدّدت فيه محتاج إليه، وإنّ الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيّأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقّي المتزمّتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك.
وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج
стр. 40
أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعّر خدّك وتعرض بوجهك فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزّور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب. قال رسول الله ﷺ : «من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه بهن «١» أبيه ولا تكنوا» . وقال أبو بكر الصدّيق، ﵁، لبديل بن ورقاء «٢» ،- حين قال للنبيّ ﷺ إنّ هؤلاء لو قد مسّهم حزّ السلاح لأسلموك-: «إعضض ببظر الّلات «٣» ، أنحن نسلمه!» . وقال عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه: «من يطل أير أبيه ينتطق به» . وقال الشاعر في هذا المعنى بعينه: [طويل]
فلو شاء ربّي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس
قال الأصمعيّ: كان للحارث بن سدوس أحد وعشرون ذكرا، وقيل للشّعبيّ: إن هذا لا يجيء في القياس، فقال: أير في القياس، الولد ذكر.
وليس هذا من شكل ما تراه في شعر جرير والفرزدق لأنّ ذلك تعيير وابتهار في الأخوات والأمهات وقذف للمحصنات الغافلات، فتفهّم الأمرين وافرق بين الجنسين، ولم أترخّص لك في إرسال اللسان بالرّفث «٤» على أن تجعله هجيّراك «٥» على كل حال «٦» وديدنك في كل مقال، بل الترخّص منّي فيه عند حكاية تحكيها
стр. 41
أو رواية ترويها، تنقّصها الكناية ويذهب بحلاوتها التعريض، وأحببت أن تجري في القليل من هذا على عادة السّلف الصالح في إرسال النّفس على السجيّة والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع. ولا تستشعر أنّ القوم قارفوا وتنزّهت وثلموا أديانهم وتورّعت. وكذلك اللحن إن مرّ بك في حديث من النوادر فلا يذهبنّ عليك أنّا تعمدناه وأردنا منك أن تتعمده لأنّ الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه وشاطر النادرة حلاوتها، وسأمثل لك مثالا: قيل لمزيد المديني- وقد أكل طعاما كظّه «١» : قي؛ فقال: ما أقي، أقي نقا ولحم جدي! مرتي طالق لو وجدت هذا قيا لأكلته. ألا ترى أن هذه الألفاظ لو وفّيت بالإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها ولاستبشعها سامعها وكان أحسن أحوالها أن يكافىء لطف معناها ثقل ألفاظها فيكون مثل المخبر عنها ما قال الأوّل: [بسيط]
إضرب ندى طلحة «٢» الخيرات إن فخروا ... ببخل أشعث واستثبت وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعدّ لها لؤما ولا كرما
ولمثل هذا قال مالك بن أسماء «٣» في جارية له: [خفيف]
أمغطّى منّي على بصري لل ... حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا؟
стр. 42
وحديث ألذّه هو ممّا ... يشتهي الناعتون يوزن وزنا
منطق بارع وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا «١»
وإن مرّ بك خبر أو شعر يتّضع عن قدر الكتاب وما بني عليه فاعلم أنّ لذلك سببين: أحدهما قلة ما جاء في ذلك المعنى مع الحاجة إليه، والسبب الآخر أن الحسن إذا وصل بمثله نقص نوراهما ولم يتبيّن فاضل بمفضول.
وإذا وصل بما هو دونه أراك نقصان أحدهما من الآخر الرجحان، ومدار الأمر وقوامه على واحدة تحتاج إلى أن تأخذ نفسك بها وهي أن تحضر الكلمة موضعها وتصلها بسببها ولا ترى غبنا أن يتكلم الناس وأنت ممسك، فإذا رأيت حالا تشاكل ما حضرك من القول أحضرته وفرصة تخاف فوتها انتهزتها، وكان يقال: انتهزوا فرص القول فإن للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب، وقالوا: ربّ كلمة تقول: دعني.
وإن وقفت على باب من أبواب هذا الكتاب لم تره مشبعا فلا تقض علينا بالإغفال حتى تتصفّح الكتب كلها، فإنه ربّ معنى يكون له موضعان وثلاثة مواضع فنقسم ما جاء فيه على مواضعه، كالتلطف في القول يقع في كتاب السلطان ويقع في كتاب الحوائج ويقع في باب البيان، وكالإعتذار يقع في كتاب السلطان وفي كتاب الإخوان، وكالبخل يقع في كتاب الطبائع وفي كتاب الطعام، وكالكبر والمشيب يقع في كتاب الزهد، ويقع في كتاب النساء.
واعلم أنّا لم نزل نتلقّط هذه الأحاديث في الحداثة والإكتهال عمن هو
стр. 43
فوقنا في السنّ والمعرفة وعن جلسائنا وإخواننا ومن كتب الأعاجم وسيرهم وبلاغات الكتّاب في فصول من كتبهم وعمّن هو دوننا غير مستنكفين أن نأخذ عن الحديث سنّا لحداثته ولا عن الصغير قدرا لخساسته ولا عن الأمة الوكعاء لجهلها فضلا عن غيرها، فإن العلم ضالّة المؤمن من حيث أخذه نفعه، ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين، ولا تضير الحسناء أطمارها ولا بنات الأصداف أصدافها ولا الذهب الإبريز مخرجه من كبا «١» ، ومن ترك أخذ الحسن من موضعه أضاع الفرصة، والفرص تمرّمرّ السّحاب.
حدثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: «خذوا الحكمة ممن سمعتموها منه، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرّمية من غير الرامي» . وهذا يكون في مثل كتابنا لأنه في آداب ومحاسن أقوام ومقابح أقوام والحسن لا يلتبس بالقبيح ولا يخفى على من سمعه من حيث كان. فأما علم الدين والحلال والحرام فإنما هو استعباد وتقليد ولا يجوز أن تأخذه إلا عمّن تراه لك حجة ولا تقدح في صدرك منه الشكوك، وكذلك مذهبنا فيما نختاره من كلام المتأخرين وأشعار المحدثين إذا كان متخيّر اللفظ لطيف المعنى لم يزّر به عندنا تأخر قائله كما أنه إذا كان بخلاف ذلك لم يرفعه تقدّمه فكل قديم حديث في عصره وكل شرف فأوّله خارجيّه، ومن شأن عوامّ الناس رفع المعدوم ووضع الموجود ورفض المبذول وحب الممنوع وتعظيم المتقدّم وغفران زلته وبخس المتأخر والتجنّي عليه، والعاقل منهم ينظر بعين العدل لا بعين الرضا ويزن الأمور بالقسطاس المستقيم.
стр. 44
وإني حين قسّمت هذه الأخبار والأشعار وصنّفتها وجدتها على اختلاف فنونها وكثرة عدد أبوابها تجتمع في عشرة كتب بعد الذي رأيت إفراده عنها وهو أربعة كتب متميزة، كل كتاب منها مفرد على حدته، كتاب الشراب، وكتاب المعارف، وكتاب الشعر، وكتاب تأويل الرؤيا.
فالكتاب الأوّل من الكتب العشرة المجموعة «كتاب السلطان» وفيه الأخبار من محل السلطان واختلاف أحواله وعن سيرته وعما يحتاج صاحبه إلى استعماله من الآداب في صحبته وفي مخاطبته ومعاملته ومشاورته له وما يجب على السلطان أن يأخذ به في اختيار عمّاله وقضاته وحجّابه وكتّابه وعلى الحكام أن يمتثلوه في أحكامهم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثاني «كتاب الحرب» وهذا الكتاب مشاكل لكتاب السلطان فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن آداب الحرب ومكايدها ووصايا الجيوش وعن العدد والسلاح والكراع «١» وما جاء في السّفر والمسير والطّيرة والفأل وما يؤمر به الغزاة والمسافرون، وأخبار الجبناء والشجعاء وحيل الحرب وغيرها وشيء من أخبار الدولة والطالبيّين وأخبار الأمصار وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثالث «كتاب السّؤدد» وفيه الأخبار عن مخايل السؤدد في الحدث «٢» وأسبابه في الكبير وعن الهمة السامية والخطار بالنفس لطلب المعالي واختلاف الإرادات والأماني والتواضع والكبر والعجب والحياء والعقل والحلم والغضب والعز والهيبة والذلّ والمروءة واللباس والطيب والمجالسة
стр. 45
والبناء والمزاح وترك التصنّع والتوسط في الأشياء وما يكره من الغلوّ والتقصير واليسار والفقر والتجارة والبيع والشراء والمداينة والشريف من أفعال الأشراف والسادة وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الرابع كتاب الطبائع والأخلاق وهذا الكتاب مقارب لكتاب السؤدد فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن تشابه الناس في الطبائع وذمّهم وعن مساوىء الأخلاق من الحسد والغيبة والسّعاية والكذب والقحة وسوء الخلق وسوء الجوار والسّباب والبخل والحمق ونوادر الحمقى وطبائع الحيوان من الناس والجن والأنعام والسباع والطير والحشرات وصغار الحيوان والنبات وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الخامس «كتاب العلم» وفيه الأخبار عن العلم والعلماء والمتعلمين وعن الكتب والحفظ والقرآن والأثر والكلام في الدين ووصايا المؤدّبين والبيان والبلاغة والتلطف في الجواب والكلام وحسن التعريض والخطب والمقامات وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب السادس «كتاب الزهد» وهذا الكتاب مقارب لكتاب العلم فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن صفات الزهّاد وكلامهم في الزهد والدعاء والبكاء والمناجاة وذكر الدنيا والتهجد والموت والكبر والشيب والصبر واليقين والشكر والاجتهاد والقناعة والرضا ومقامات الزهّاد عند الخلفاء والملوك ومواعظهم وغير ذلك وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب السابع «كتاب الإخوان» وفيه الحث على اتخاذ الإخوان
стр. 46
واختيارهم والأخبار عن المودّة والمحبة وما يجب للصديق ومخالفته الناس وحسن محاورتهم والتلاقي والزيارة والمعانقة والوداع والتهادي والعيادة والتعازي والتهاني وذكر شرار الإخوان وذكر القرابات والولد والاعتذار وعتب الإخوان وتعاديهم وتباغضهم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
والكتاب الثامن «كتاب الحوائج» وهذا الكتاب مقارب لكتاب الإخوان فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا فيه الأخبار عن استنجاح الحوائج بالكتمان والصبر والجدّ والهديّة والرشوة ولطيف الكلام ومن يعتمد في الحاجة ومن يستسعى لها والإجابة إلى الحاجة والردّ عنها والمواعيد وتنجّزها وأحوال المسؤولين عند السؤال في الطّلاقة والعبوس والعادة من المعروف تقطع والشكر والثناء والتلطف فيهما والترغيب في قضاء الحوائج واصطناع المعروف والحرص والإلحاح والقناعة والاستعفاف وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الآخبار.
والكتاب التاسع «كتاب الطعام» ، وفيه الأخبار عن الأطعمة الطيبة والحلواء والسّويق «١» واللبن والتمر والخبائث منها التي يأكلها فقراء الأعراب، ونازلة الفقر وأدب الأكل وذكر الجوع والصوم وأخبار الأكلة والمنهومين والدعاء إلى المآدب والضيافة وأخبار البخلاء بالطعام وسياسة الأبدان بما يصلحها من الغذاء والحمية وشرب الدواء ومضارّ الأطعمة منافعها ومصالحها ونتف من طبّ العرب والعجم وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
стр. 47
والكتاب العاشر «كتاب النساء» وهذا الكتاب مقارب لكتاب الطعام، والعرب تدعو الأكل والنكاح الأطيبين فتقول: قد ذهب منه الأطيبان.
تريدهما، فضممته إليه وجعلتهما جزءا واحدا وفيه الأخبار عن اختلاف النساء في أخلاقهنّ وخلقهنّ وما يختار منهن للنكاح وما يكره واختلاف الرجال في ذلك والحسن والجمال والقبح والدّمامة والسواد والعاهات والعجز والمشايخ والمهور وخطب النكاح ووصايا الأولياء عند الهداء وسياسة النساء ومعاشرتهنّ والدخول بهنّ والجماع والولادات ومساويهن خلا أخبار عشّاق العرب فإني رأيت كتاب الشعراء أولى بها فلم أودع هذا الكتاب منها إلا شيئا يسيرا، وما جاء في ذلك من النوادر وأبيات الشعر المشاكلة لتلك الأخبار.
فهذه أبواب الكتب جمعتها لك في صدر أوّلها لأعفيك من كدّ الطلب وتعب التصفّح وطول النظر عند حدوث الحاجة إلى بعض ما أودعتها ولتقصد فيما تريد حين تريد إلى موضعه فتستخرجه بعينه أو ما ينوب عنه ويكفيك منه، فإن هذه الأخبار والأشعار وإن كانت عيونا مختارة أكثر من أن يحاط بها أو يوقف من ورائها أو تنتهي حتى ينتهى عنها.
وقد خفّفت وإن كنت أكثرت، واختصرت وإن كنت أطلت، وتوقيت في هذه النوادر والمضاحك ما يتوقّاه من رضي من الغنيمة فيها بالسلامة ومن بعد الشّقة بالإياب، ولم أجد بدّا من مقدار ما أودعته الكتاب منها لتتممّ به الأبواب، ونحن نسأل الله أن يمحو ببعض بعضا ويغفر بخير شرّا وبجدّ هزلا ثم يعود علينا بعد ذلك بفضله ويتغمدنا بعفوه ويعيذنا بعد طول الأمل فيه وحسن الظنّ به والرجاء له من الخيبة والحرمان.
стр. 48
كتاب السلطان
محل السلطان وسيرته وسياسته
حدّثنا محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة عن ابن أبي ذئب عن المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة «١» .
حدّثني محمد بن زياد الزيادي قال: حدّثنا عبد العزيز الدّاروردي قال:
حدّثنا شريك عن عطاء بن يسار أن رجلا قال عند النبي ﷺ : بئس الشيء الأمارة «٢» . فقال النبي ﷺ : «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها وحلّها» .
حدّثني زيد بن أخزم الطائي قال: حدّثنا ابن قتيبة قال: حدّثنا أبو المنهال عن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما مات كسرى قيل ذلك للنبيّ ﷺ فقال: «من استخلفوا؟» فقالوا: ابنته بوران، قال: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» .
حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال:
سمعت أيّوب يحدّث عن عكرمة عن ابن عباس أنه قدم المدينة زمن الحرّة «٣»
стр. 49
فقال: من استعمل القوم؟ قالوا: على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن الراهب فقال: أميران! هلك والله القوم.
حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحق عن هشام بن حسّان قال: كان الحسن يقول: «أربعة من الإسلام إلى السلطان الحكم والفيء والجمعة والجهاد» . وحدّثني محمد قال: حدّثنا أبو سلمة عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال كعب: «مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضه إلا ببعض» .
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثني الأصمعي قال: قال أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: «السلطان سوق فما نفق عنده أتي به» . وقرأت في كتاب لابن المقفّع: «الناس على دين السلطان إلا القليل فليكن للبرّ والمروءة عنده نفاق فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض» . وقرأت فيه أيضا: «الملك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى، فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهله دينهم فكان دينهم هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم ما عليهم، أرضاهم ذلك وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم فإنه تقوم به الأمور ولا يسلم من الطعن والتسخّط ولن يضرّه طعن الضعيف مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر» .
حدّثني يزيد بن عمرو عن عصمة بن صقير الباهليّ قال: حدّثنا اسحق ابن نجيح عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله حرّاسا فحرّاسه في السماء الملائكة وحرّاسه في الأرض الذين يأخذون الدّيوان» .
стр. 50
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني سعيد بن سلم الباهلي قال:
أخبرني شعبة عن شرقيّ عن عكرمة في قول الله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
»
قال: «الجلاوزة «٢» يحفظون الأمراء» .
وقال الشاعر: [طويل]
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... خليّا من اسم الله والبركات
يعني باسم الله، وفيه قول الله يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
أي بأمر الله.
وقرأت في كتاب من كتب الهند: «شرّ المال ما لا ينفق منه وشرّ الإخوان الخاذل وشرّ السلطان من خافه البريء وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن» .
وقرأت فيه: «خير السلطان من أشبه النّسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور» وهذا معنى لطيف وأشبه الأشياء به قول بعضهم:
«سلطان تخافه الرعيّة خير للرعية من سلطان يخافها» .
حدّثني شيخ لنا عن أبي الأحوص عن ابن عمّ لأبي وائل عن أبي وائل قال: قال عبد الله بن مسعود: «إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر» .
وأخبرني أيضا عن أبي قدامة عن عليّ بن زيد قال: قال عمر بن
стр. 51
الخطاب ﵁: «ثلاث من الفواقر «١» .: جار مقامة «٢» إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك «٣» وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك» .
وقرأت في اليتيمة: «مثل قليل مضارّ السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي هو سقيا الله وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذّى به السّفر «٤» ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق وتدرّ سيوله فيهلك الناس والدّوابّ وتموج له البحار فتشتدّ البليّة منه على أهله فلا يمنع الناس، إذا نظروا إلى آثار رحمة الله في الأرض التي أحيا والنبات الذي أخرج والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر، أن يعظّموا نعمة ربهم ويشكروها ويلغوا ذكر خواصّ البلايا التي دخلت على خواصّ الخلق. ومثل الرياح التي يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السّحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وأرواحا للعباد يتنسّمون منها ويتقلّبون فيها وتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها أفلاكهم وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ويخلص ذلك إلى أنفسهم وأموالهم فيشكوها منهم الشاكون ويتأذّى بها المتأذّون ولا يزيلها ذلك عن منزلتها التي جعلها الله بها وأمرها الذي سخّرها له من قوام عباده وتمام نعمته. ومثل الشتاء والصيف اللذين جعل الله حرّهما وبردهما صلاحا للحرث والنّسل ونتاجا للحبّ والثمر، يجمعها البرد بإذن الله ويحملها ويخرجها الحرّ بإذن الله وينضجها مع سائر ما يعرف من منافعها وقد يكون الأذى والضرّ في حرّهما وبردهما وسمائمهما وزمهريرهما وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الخير
стр. 52
والصلاح. ومن ذلك الليل الذي جعله الله سكنا ولباسا وقد يستوحش له أخو القفر وينازع فيه ذو البليّة والرّيبة وتعدو فيه السّباع وتنساب فيه الهوامّ «١» ويغتنمه أهل السّرق والسّلّة «٢» ولا يزري صغير ضرره بكثير نفعه ولا يلحق به ذمّا ولا يضع عن الناس الحقّ في الشكر لله على ما منّ به عليهم منه. ومثل النهار الذي جعله الله ضياء ونشورا وقد يكون على الناس أذى الحرّ في قيظهم وتصبّحهم فيه الحروب والغارات ويكون فيه النّصب والشخوص وكثير مما يشكوه الناس ويستريحون فيه إلى الليل وسكونه. ولو أن الدنيا كان شيء من سرّائها يعمّ عامة أهلها بغير ضرر على بعضهم وكانت نعماؤها بغير كدر وميسورها من غير معسور كانت الدنيا إذا هي الجنة التي لا يشوب مسرّتها مكروه ولا فرحها ترح والتي ليس فيها نصب ولا لغوب «٣» ، فكلّ جسيم من أمر الدنيا يكون ضرّه خاصة فهو نعمة عامة وكل شيء منه يكون نفعه خاصا فهو بلاء عام.
وكان يقال: «السلطان والدين أخوان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر» .
وقرأت في التاج لبعض الملوك: «هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بكل شيء يجلّ وألباب السّوق «٤» مشغولة بأيسر الشيء، فالجاهل منهم يعذر نفسه بدعة ما هو عليه من الرّسلة «٥» ولا يعذر سلطانه مع شدّة ما هو فيه من المؤنة «٦» ، ومن هناك يعزّر الله سلطانه ويرشده وينصره.» .
سمع زياد رجلا يسبّ الزمان فقال: «لو كان يدري ما الزمان لعاقبته،
стр. 53
إنما الزمان هو السلطان» .
وكانت الحكماء تقول: «عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان» .
وروى الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: «أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم فقال: يا بني هاشم، ألا تحدّثوني عن ادعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم أبالرضا بكم أم بالاجتماع عليكم دون القرابة أم بالقرابة دون الجماعة أم بهما جميعا؟ فإن كان هذا الأمر بالرضا والجماعة دون القرابة فلا أرى القرابة أثبتت حقا ولا أسّست ملكا، وإن كان بالقرابة دون الجماعة والرضا فما منع العباس عمّ النبي ﷺ ووارثه وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن له أبو سفيان بني عبد مناف، وإن كانت الخلافة بالرضا والجماعة والقرابة جميعا فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة لا تكون الإمامة بها وحدها وأنتم تدّعونها بها وحدها، ولكنا نقول: أحقّ قريش بها من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة عليها ونقلوا أقدامهم إليه للرغبة وطارت إليه أهواؤهم للثقة وقاتل عنها بحقها فأدركها من وجهها. إنّ أمركم لأمر تضيق بها الصدور، إذا سئلتم عمّن اجتمع عليه من غيركم قلتم حقّ. فإن كانوا اجتمعوا على حق فقد أخرجكم الحقّ من دعواكم. أنظروا: فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم، وإن كانوا أخذوا حقّهم فسلّموا إليهم فإنه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه الناس لكم. فقال ابن عباس: ندّعي هذا الأمر بحقّ من لولا حقّه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقّا ضيّعوه وحظّ حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل لم يخطىء الورد والصّدر، ولا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه. قال الله وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
«١» فأما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله ﷺ فعهد منه إلينا
стр. 54
قبلنا فيه قوله ودنّا بتأويله ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقه إنما المعيب من يطلب ما ليس له، وكل صواب نافع وليس كل خطأ ضارّا، انتهت القضية إلى داود وسليمان فلم يفهّمها داود وفهّمها سليمان ولم يضرّ داود. فأما القرابة فقد نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع؛ قال رسول الله ﷺ : «أنت عمّي وصنو أبي ومن أبغض العباس فقد أبغضني وهجرتك آخر الهجرة كما أن نبوّتي أخر النبوّة» . وقال لأبي طالب عند موته: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشفع لك بها غدا وليس ذاك لأحد من الناس. قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
«١» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام مولى ذفيف عن مولى يزيد بن حاتم عن شيخ له قال: قال كسرى: «لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار» .
وحدّثنا الرياشي قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا ابن اخت العجاج عن العجاج قال: «قال لي أبو هريرة:
ممن أنت؟ قال: قلت من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقعان «٢» الشام
стр. 55
فيأخذوا صدقتك فإذا أتوك فتلقّهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلّ عنهم وعنها، وإياك وأن تسبّهم فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة» . وفي رواية أخرى أنه قال: «إذا أتاك المصدّق فقل: خذ الحقّ ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبل ولا تلعنه إذا أدبر فتكون عاصيا خفّف عن ظالم» .
وكان يقال: «طاعة السلطان على أربعة أوجه: على الرغبة، والرهبة، والمحبة، والديانة» .
وقرأت في بعض كتب العجم كتابا لأردشير بن بابك إلى الرعية، نسخته: «من أردشير الموبذ «١» ذي البهاء ملك الملوك ووارث العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حملة الدين، والأساورة الذين هم حفظة البيضة «٢» ، والكتّاب الذين هم زينة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عمرة البلاد.
السلام عليكم، فإنا بحمد الله صالحون وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتها الموظّفة عليها. ونحن مع ذلك كاتبون اليكم بوصية: لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدوّ، ولا تحتكروا فيشملكم القحط، وتزوّجوا في القرابين فإنه أمسّ للرّحم وأثبت للنّسب، ولا تعدّو هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقي على أحد ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.
стр. 56
وقرأت كتابا من أرسطاطاليس «١» إلى الاسكندر وفيه: «املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل» .
وقرأت في كتاب الآيين «٢» أن بعض ملوك العجم قال في خطبة له: «إني إنما أملك الأجساد لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضا وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر» .
ونحوه قول العجم: «أسوس الملوك من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها» .
وقالوا: «لا ينبغي للوالي أن يرغب في الكرامة التي ينالها من العامة كرها ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب الرأي والتدبير» .
حدّثنا الرياشي عن أحمد بن سلّام عن شيخ له قال: «كان أنو شروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيه بخطه فإذا أوتي بالعهد وقّع فيه: سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة الرغبة بالرهبة وسس سفلة الناس بالإخافة» .
стр. 57
قال المدائني: «قدم قادم على معاووية بن أبي سفيان فقال له معاوية:
هل من مغرّبة خبر؟ قال: نعم، نزلت بماء من مياه الأعراب فبينا أنا عليه أورد أعرابي إبله فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: هي سدى، ما قام لي بها راع مذ ولي زياد. فسرّ ذلك معاوية وكتب به إلى زياد» .
قال عبد الملك بن مروان: «أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلّا على كل» .
قال عمر بن الخطاب: «إن هذا الأمر لا يصلح له إلا الليّن في غير ضعف والقويّ في غير عنف» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا» .
قال معاوية: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها» .
ونحو هذا قول الشّعبي فيه: «كان معاوية كالجمل الطّبّ «١» ، إذا سكت عنه تقدّم وإذا ردّ تأخر» . وقول عمر فيه: «احذروا آدم قريش وابن كريمها، من لا ينام إلا على الرضا ويضحك في الغضب ويأخذ ما فوقه من تحته» .
стр. 58
وأغلظ له رجل فحلم عنه فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا» .
كان يقال: «لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة» .
قال زياد: «أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا» .
وكتب الوليد إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: «إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، فأدنيت السّيّد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما يعطيه حظّا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النّطف «١» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظه من الثواب» .
وكان يقول لأهل الشام: «إنما أنا لكم كالظّليم «٢» الرائح عن فراخه ينفي عنها القذر «٣» ويباعد عنها الحجر ويكنّها «٤» من المطر ويحميها من الضّباب «٥» ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام أنتم الجنّة «٦» والرّداء وأنتم العدّة والحذاء» .
فخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية: «أسكت، ما أدرك صاحبك شيئا قطّ بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني» .
стр. 59
وقال الوليد لعبد الملك: يا ابت، ما السياسة؟ قال: «هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنّائع» .
وفي كتب العجم: «قلوب الرعيّة خزائن ملوكها فما أودعتها من شيء فلتعلم أنه فيها» .
ووصف بعض الملوك سياسته فقال: «لم أهزل في وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي ولا عاقبت للغضب واستكفيت على الجزاء وأثبتّ على العناء لا للهوى، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودّا لم تشبه جرأة وعمّمت بالقوت ومنعت الفضول» .
وقرأت في كتاب التاج: «قال أبرويز «١» لابنه شيرويه وهو في حبسه: «لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسّع عليهم في الرجاء ولا توسّع عليهم في العطاء» . ونحوه قول المنصور في مجلسه لقوّاده: صدق الأعرابي حيث يقول:
أجع كلبك يتبعك. فقام أبو العباس الطّوسي فقال: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد، فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء «٢» مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفسّاق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد «٣» مرضى المسلمين واشهد جنائزهم وانتح لهم
стр. 60
بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بواد خصيب فلم يكن لها همّ إلا السّمن وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيّته، وأشقى من شقي الناس به والسلام» .
هشام بن عروة قال: «صلى يوما عبد الله بن الزّبير فوجم بعد الصلاة ساعة فقال الناس: «لقد حدّث نفسه. ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدنّ ابن هند! إن كانت فيه لمخارج لانجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنفرّقه، وما الليث الحرب «١» على براثنه بأجرأ منه فيتفارق لنا. وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنّا متّعنا به ما دام في هذا حجر (وأشار إلى أبي قبيس) لا يتخوّن له عقل ولا تنتقص له قوّة، قلنا:
أوحش والله الرجل. قال: وكان يصل بهذا الحديث: كان والله كما قال العذري «٢» :
[متقارب]
ركوب المنابر وثّابها ... معنّ بخطبته مجهر
تريع إليه هوادي الكلام ... إذا خطل النّثر المهمر «٣»
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا جدّ سران وسران عمّ الأصمعي قال: «كلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم فإنه قد أخافهم حتى إنه قد أخاف الأبكار في
стр. 61
خدورهنّ. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك، إنهم لو يعلمون مالهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي» .
قال: وتقدمت إليه امرأة فقالت: «يا أبا حفص، الله لك، فقال: ما لك أعقرت؟»
فقالت: صلعت فرقتك «٢» .
قال أشجع السّلميّ «٣» في إبراهيم بن عثمان: [كامل]
لا يصلح السلطان إلا شدّة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الولاة مقحّم لا يتّقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
كان يقال: «شرّ الأمراء أبعدهم من القرّاء وشرّ القرّاء أقربهم من الأمراء» .
كتب عامل لعمر بن عبد العزيز على حمص إلى عمر: «إن مدينة حمص قد تهدّم حصنها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه» فكتب إليه عمر «أمّا بعد، فحصّنها بالعدل، والسلام» .
ذكر أعرابي أميرا فقال: «كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج والمسيء خائف» .
كان جعفر بن يحيى يقول: «الخراج عمود الملك وما استغزر بمثل العدل ولا استنزر بمثل الظلم» .
стр. 62
وفي كتاب من كتب العجم أنّ أردشير قال لابنه: «يا بنيّ، إن الملك والدين أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أسّ والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع، يا بني، إجعل حديثك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين وسرّك لمن عناه ما عناك من أرباب العقول» .
وكان يقال: «مهما كان في الملك فلا ينبغي أن تكون فيه خصال خمس: لا ينبغي أن يكون كذابا فإنه إذا كان كذابا فوعد خيرا لم يرج أو أوعد بشرّ لم يخف، ولا ينبغي أن يكون بخيلا فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه إذا كان حسودا لم يشرّف أحدا ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم، ولا ينبغي أن يكون جبانا فإنه إذا كان جبانا ضاعت ثغوره واجترأ عليه عدوه» .
وقدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان:
واأبتاه، وبكت، فقال معاوية: «يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين» .
كتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي: «إنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ فشمّر للحرب وجاهد عدّوك ودار أصحابك واشتر من الظّنين «١»
стр. 63
دينه بما لا يثلم دينك وولّ أهل البيوتات والشرف تستصلح بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة فإن بعض ما يكره الناس، ما لم يتعدّ الحق وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعز الدين، خير من كثير مما يحبون إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم قال: «كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟
وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم، حمد الله تعالى، وإن قالوا لا، كتب إليه:
أقبل» .
اختيار العمال
روي أن أبا بكر الصّدّيق ﵁ لمّا حضرته الوفاة كتب عهدا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتّقي فيها الفاجر: إني استعملت عمر بن الخطاب فإن برّ وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«١» » .
وفي التاج أن أبرويز كتب إلى ابنه شيرويه من الحبس: «ليكن من تختاره لولايتك امرأ كان في ضعة فرفعته، أو ذا شرف وجدته مهتضما فاصطنعته، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتّضع عنها ولا امرأ أطاعك بعد ما أذللته ولا أحدا ممن يقع في خلدك أنّ إزالة سلطانك أحبّ له من ثبوته، وإياك
стр. 64
أن تستعمله ضرعا غمرا كثر إعجابه بنفسه وقلّت تجاربه في غيره، ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السّنّ من جسمه» .
وقال لقيط «١» في هذا المعنى: [بسيط]
فقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب درّ الدهر أشطره ... يكون متّبعا يوما ومتّبعا
حتى استمرّت على شزر مريرته ... مستحكم السّنّ لا قحما ولا ضرعا «٢»
ويقال في مثل: «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» ومن أمثال العرب أيضا في المجرّب «العوان لا تعلّم الخمرة» «٣» .
قال بعض الخلفاء: دلّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمّني.
قالوا: كيف تريده؟ قال: «إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم» قالوا: لا نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال صدقتم، هو لها.
وروى الهيثم عن مجالد عن الشّعبي قال: قال الحجّاج: دلّوني على
стр. 65
رجل للشّرط «١» فقيل: أيّ الرجال تريد؟ فقال: «أريده دائم العبوس طويل الجلوس سمين الأمانة أعجف الخيانة لا يحنق في الحق على جرّة «٢» يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة» فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي.
فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك، وولدك وحاشيتك. قال: يا غلام، ناد في الناس: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمّة. قال الشعبي: فوالله ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل قد نقب على قوم وضع منقبته «٣» في بطنه حتى تخرج من ظهره، وإذا أتي بنبّاش حفر له قبرا فدفنه فيه، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده، وإذا أتي برجل قد أحرق على قوم منزلهم أحرقه، وإذا أتي برجل يشكّ فيه وقد قيل إنه لص ولم يكن منه شيء ضربه ثلاثمائة سوط. قال: فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
وقرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «إنتخب لخراجك أحد ثلاثة: إما رجلا يظهر زهدا في المال ويدّعي ورعا في الدين فإنّ من كان كذلك عدل على الضعيف وأنصف من الشريف ووفّر الخراج واجتهد في العمارة، فإن هو لم يرع ولم يعفّ إبقاء على دينه ونظرا لأمانته كان حريّا أن يخون قليلا ويوفّر كثيرا استسرارا بالرياء واكتتاما بالخيانة، فإن ظهرت «٤» على ذلك منه عاقبته
стр. 66
على ما خان ولم تحمده على ما وفّر، وإن هو جلّح «١» في الخيانة وبارز بالرياء نكّلت به في العذاب واستنظفت ماله مع الحبس. أو رجلا عالما بالخراج غنيّا في المال مأمونا في العقل فيدعوه علمه بالخراج إلى الاقتصاد في الحلب والعمارة للأرضين «٢» والرفق بالرعيّة، ويدعوه غناه إلى العفة ويدعوه عقله إلى الرغبة فيما ينفعه والرهبة مما يضره. أو رجلا عالما بالخراج مأمونا بالأمانة مقترا من المال فتوسّع عليه في الرزق فيغتنم لحاجته الرزق ويستكثر لفاقته اليسير، ويزجي «٣» بعلمه الخراج، ويعفّ بأمانته عن الخيانة» .
استشار عمر بن عبد العزيز في قوم يستعملهم، فقال له بعض أصحابه:
عليك بأهل العذر. قال: ومن هم؟ قال: الذين إن عدلوا فهو ما رجوت منهم وإن قصّروا قال الناس: قد اجتهد عمر.
قال عديّ بن أرّطاة «٤» لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القرّاء أولّهم.
فقال له: القرّاء ضربان: ضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدّنيا، فما ظنّك بهم إذا أنت ولّيتهم فمكّنتهم منها؟ قال: فما أصنع؟
قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم.
أحضر الرشيد رجلا ليولّيه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. قال الرشيد: فيك ثلاث خلال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة. ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يعجل قلّ خطؤه. وأنت رجل
стр. 67
تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسينضم إليك من تتفقّه به.
فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثني صالح بن رستم أبو عامر الخزّاز قال: قال لي إياس بن معاوية المزنيّ: أرسل إليّ عمر ابن هبيرة فأتيته فساكتني فسكتّ، فلما أطلت قال: إيه. قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت نعم. قال: هل تفرض الفرائض؟ قلت نعم.
قال: فهل تعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت نعم. قال: فهل تعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. قلت: إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل. قال: ما هن؟ قلت: أنا ذميم كما ترى، وأنا حديد، وأنا عيّ «١» . قال: أما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك الناس، وأمّا العيّ فإني أراك تعبّر عن نفسك، وأمّا سوء الخلق فيقوّمك السّوط. قم، قد وليتك. قال:
فولّاني وأعطاني ألفي درهم فهما أول مال تموّلته.
قرأت في كتاب للهند: «السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه، فعل الذي تلسع الحية إصبعه فيقطعها لئلا ينتشر سمّها في جسده، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه لغناء يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه» .
حدّثني المعلّى بن أيوب قال سمعت المأمون يقول: «من مدح لنا رجلا فقد تضمّن عيبه» .
стр. 68
باب صحبة السلطان وآدابها وتغير السلطان وتلوّنه
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشّعبي عن عبد الله بن عباس قال: قال لي أبي: «يا بنيّ إني أرى أمير المؤمنين يستخليك «١» ويستشيرك ويقدّمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشينّ له سرا، ولا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا تطو عنه نصيحة» قال الشّعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف. قال: إي والله ومن عشرة آلاف.
كان يقال: «إذا جعلك السلطان أخا فاجعله أبا، وإن زادك فزده» .
قال زياد لابنه: «إذا دخلت على أمير المؤمنين فادع له ثم اصفح صفحا جميلا، ولا يرينّ منك تهالكا عليه ولا انقباضا عنه» .
قال مسلم بن عمرو: «ينبغي لمن خدم السلاطين ألا يغترّ بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ولا يستثقل ما حمّلوه ولا يلحف في مسألتهم «٢» » .
وقرأت في كتاب للهند: «صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة
стр. 69
عظيمة الخطار، وإنما تشبّه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسّباع العادية، فالإرتقاء إليه شديد والمقام فيه أشدّ، وليس يتكافأ خير السلطان وشره لأنّ خير السلطان لا يعدو مزيد الحال، وشر السلطان قد يزيل الحال ويتلف النفوس التي لها طلب المزيد، ولا خير في الشيء الذي في سلامته مال وجاه وفي نكبته الجائحة «١» والتلف» .
وقرأت فيه: «من لزم باب السلطان بصبر جميل وكظم للغيظ واطّراح للأنفة، وصل إلى حاجته» .
وقرأت فيه: «السلطان لا يتوخّى بكرامته الأفضل فالأفضل ولكن الأدنى فالأدنى كالكرم لا يتعلق بأكرم الشجر ولكن بأدناها منه» .
وكانت العرب تقول: «إذا لم تكن من قربان الأمير فكن من بعدانه» .
وقرأت في آداب ابن المقفع: «لا تكوننّ صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، فإن كنت حافظا إذا ولّوك، حذرا إذا قربوك، أمينا إذا ائتمنوك، تعلّمهم وكأنك تتعلم منهم، وتؤدّبهم وكأنك تتأدب بهم، وتشكر لهم ولا تكلّفهم الشكر، ذليلا إن صرموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كلّ البعد والحذر منهم كلّ الحذر. وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن به فإنه من يخدم السلطان بحقّه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن يخدمه بغير حقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة» .
وقال: «إذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة في غير طول
стр. 70
المعاتبة، وإذا نزلت منه منزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ولا تكثرنّ له في الدعاء إلا أن تكلمه على رؤوس الناس ولا يكوننّ طلبك ما عنده بالمسألة ولا تستبطئنّه إن أبطأ. أطلبه بالاستحقاق ولا تخبرنّه أنّ لك عليه حقا وأنك تعتدّ عليه ببلاء. وإن استطعت ألا ينسى حقّك وبلاءك بتجديد النّصح والاجتهاد فافعل. ولا تعطينّه المجهود كله في أوّل صحبتك له فلا تجد موضعا للمزيد ولكن دع للمزيد موضعا. وإذا سأل غيرك فلا تكن المجيب. واعلم أن استلابك للكلام خفّة بك واستخفاف منك بالسائل والمسؤول. فما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت، وقال لك المسؤول: أجب أيها المعجب بنفسه المستخفّ بسلطانه؟» .
وقال: «مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه أهيب» .
وقال عبد الملك بن صالح لمؤدّب ولده بعد أن اختصّه لمجالسته ومحادثته: «كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام فإنهم قالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
يا عبد الرحمن، لا تساعدني على ما يقبّح ولا تردّنّ عليّ الخطأ في مجلسي ولا تكلّفني جواب التشميت والتهنئة ولا جواب السؤال والتعزية ودع عنك كيف أصبح الأمير وأمسى. وكلّمني بقدر ما استنطقتك واجعل بدل التقريظ لي حسن الاستماع مني. واعلم أن صواب الاستماع أقل من صواب القول.
وإذا سمعتني أتحدّث فأرني فهمك في طرفك وتوقّفك ولا تجهد نفسك في تطرية صوابي ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون مني، فمن أسوأ حالا ممن يستكدّ الملوك بالباطل فيدلّ على تهاونه، وما ظنك بالملك وقد أحلك محلّ المعجب بما تسمع منه وقد أحللته محل من لا يسمع
стр. 71
منه؟ وأقل من هذا يحبط إحسانك ويسقط حقّ حرمة إن كانت لك. إني جعلتك مؤدّبا بعد أن كنت معلّما وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا. ومتى لم يعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما دخلت فيه، ومن لم يعرف سوء ما يولى لم يرعف حسن ما يبلى» .
دخل أبو مسلم على أبي العباس وعنده أبو جعفر فسلّم على أبي العباس فقال له: يا أبا مسلم، وهذا أبو جعفر! فقال: يا أمير المؤمنين، هذا موضع لا يقضى فيه إلا حقك.
قال الفضل بن الربيع: «مسأله الملوك عن أحوالهم من تحيات النّوكى «١» ، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبّح الله الأمير بالكرامة. وإذا أردت أن تقول: كيف يجد الأمير نفسه، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب فإن لم يجبك اشتدّ عليك وإن أجابك اشتدّ عليه» .
وقرأت في آداب ابن المقفع: «جانب المسخوط عليه والظّنين عند السلطان ولا يجمعنّك وإياه مجلس ولا منزل ولا تظهرنّ له عذرا ولا تثن عليه عند أحد، فإذا رأيته قد بلغ في الانتقام ما ترجو أن يلين بعده فاعمل في رضاه عنك برفق وتلطّف، ولا تسارّ «٢» في مجلس السلطان أحدا ولا تومىء إليه بجفنك وعينك فإن السّرار يخيّل إلى كل من رآه من ذي سلطان وغيره أنه المراد به، وإذا كلّمك فاصغ إلى كلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا قلبك بحديث نفس» .
стр. 72
وقرأت في كتاب للهند أنه أهدي لملك الهند ثياب وحلي فدعا بامرأتين له وخيّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلية، وكان وزيره حاضرا، فنظرت المرأة إليه كالمستشيرة له فغمزها باللباس تغضينا بعينه، ولحظه الملك، فاختارت الحلية لئلا يفطن للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه لئلا تقرّ تلك في نفس الملك وليظنّ أنها عادة أو خلقة وصار اللباس للأخرى فلما حضرت الملك الوفاة قال لولده: توصّ بالوزير خيرا فإنه اعتذر من شيء يسير أربعين سنة.
قال شبيب بن شيبة: «ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شيء لم يحتج إلى أن يلتفت، ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس، وإن سار بين يديه أن يحيد عن سنن الريح التي تؤدّي الغبار إلى وجهه.
قال رجل من النّسّاك لآخر: «إن ابتليت بأن تدخل إلى السلطان مع الناس فأخذوا في الثناء فعليك بالدعاء» .
قال ثمامة: كان يحيى بن أكثم يماشي المؤمون يوما في بستان موسى والشمس عن يسار يحيى والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحادثان حتى بلغ حيث أراد ثم كرّ راجعا في الطريق التي بدأ فيها فقال ليحيى: كانت الشمس عليك لأنك كنت عن يساري وقد نالت منك فكن الآن حيث كنت وأتحوّل أنا إلى حيث كنت. فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك هول المطلع بنفسي لفعلت. فقال المأمون: لا والله ما بدّ من أن تأخذ الشمس مني مثل ما أخذت منك. فتحوّل يحيى وأخذ من الظل مثل الذي أخذ منه المأمون.
وقال المأمون: «أوّل العدل أن يعدل الرجل على بطانته ثم على الذين
стр. 73
يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى.
المدائني قال: قال الأحنف: «لا تنقبضوا عن السلطان ولا تهالكوا عليه فإنه من أشرف للسلطان أذراه ومن تضرّع له أحظاه» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: حدّثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال: قال حذيفة بن اليمان:
«ما مشى قوم قطّ إلى سلطان الله في الأرض ليذلّوه إلا أذلّهم الله قبل أن يموتوا» .
وفي أخبار خالد بن صفوان أنه قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فاستدناني حتى كنت أقرب الناس منه فتنفّس ثم قال: يا خالد، لربّ خالد قعد مقعدك هذا أشهى إليّ حديثا منك فعلمت. أنه يعني خالد بن عبد الله.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أفلا تعيده؟ فقال: إن خالدا أدلّ فأملّ وأوجف فأعجف ولم يدع لراجع مرجعا، على أنه ما سألني حاجة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ذاك أحرى، فقال: هيهات [طويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
حدّثنا الفضل بن محمد بن منصور بمعنى هذا الحديث، وببعضه نهيك: اعتلّ يحيى بن خالد «١» فبعث إلى منكة «٢» الهندي فقال له: ما ترى في
стр. 74
هذه العلة؟ فقال منكة: داؤك كبير ودواؤه يسير وأيسر منه الشكر، وكان متفننا، فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع خطرة الحقّ به، فإذا كان ذلك كانت الهجرة له ألزم من المفاوضة فيه. قال منكة: صدقت، ولكني أرى في الطوالع أثرا والأمد فيه قريب وأنت قسيم في المعرفة وقد نبّهت، وربما كانت صورة الحركة للكوكب عقيمة ليست بذات نتاج ولكنّ الأخذ بالحزم أوفر حظ الطالبين. قال يحيى: للأمور منصرف إلى العواقب وما حتم لا بدّ من أن يقع، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة فاقصد لما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها مائية من البلغم فحدث لها بذلك ما يحدث للهب عند مماسّته رطوبة المادة من الإشتعال فخذ ماء رمّانتين فدقّهما بإهليلجة «١» سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين وتسكّن ذلك التوقّد الذي تجد «٢» إن شاء الله. فلما كان من حديثهم الذي كان، تلّطف منكة حتى دخل على يحيى في الحبس فوجده جالسا على لبد «٣» ووجد الفضل بين يديه يمهن أي يخدم فاستعبر منكة وقال: قد كنت ناديت لو أعرت الإجابة. قال له يحيى: أتراك علمت من ذلك شيئا جهلته؟ كلا ولكنه كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق وكان مزايلة القدر الخطير عبئا قلّما تنهض به الهمة. وبعد فقد كانت نعم أرجو أن يكون أوّلها شكرا وآخرها أجرا. فما تقول في هذا الداء؟ قال له منكة: ما أرى له دواء أنجع من الصبر، ولو كان يفدى بمال أو مفارقة عضو كان ذلك مما يجب لك. قال يحيى: قد شكرت لك ما ذكرت فإن أمكنك تعهّدنا فافعل. قال منكة: لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت بذلك، فإنما كانت الأيام تحسن لي بسلامتك. قال الفضل:
стр. 75
كان يحيى يقول: دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا منها.
وقرأت في كتاب للهند: «إنما مثل السلطان في قلة وفائه للأصحاب وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغيّ والمكتّب «١» ، كلما ذهب واحد جاء آخر» .
والعرب تقول: «السلطان ذو عدوان «٢» وذو بدوان وذو تدرإ» يريدون أنه سريع الإنصراف كثير البدوات هجوم على الأمور.
قال معاذ بن مسلم: رأيت أبا جعفر وأبا مسلم دخلا الكعبة فنزع أبو جعفر نعله فلما أراد الخروج قال: يا عبد الرحمن، هات نعلي. فجاء بها، فقال: يا معاذ ضعها في رجلي. فألبسته إياها فحقد ذلك أبو مسلم، ووجّه أبو جعفر يقطين «٣» بن موسى إلى أبي مسلم لإحصاء الأموال فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة؟ لا يكنّي. فقال يقطين. عجّلت أيها الأمير، قال: وكيف؟
قال: أمرني أن أحصي الأموال ثم أسلّمها إليك لتعمل فيها برأيك. ثم قدم يقطين على المنصور فأخبره. فلما قدم أبو مسلم المدائن في اليوم الذي قتل فيه جعل يضرب بالسّوط معرفة برذونه «٤» ويقول بالفارسية كلاما معناه: ما تغني المعرفة إذا لم يقدر على دفع المحتوم. ثم قال: جارّة ذيلها، تدعو يا ويلها، بدجلة أو حولها، كأنا بعد ساعة، قد صرنا في دجلة.
следующие страницы →