← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منه؟ وأقل من هذا يحبط إحسانك ويسقط حقّ حرمة إن كانت لك. إني جعلتك مؤدّبا بعد أن كنت معلّما وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا. ومتى لم يعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما دخلت فيه، ومن لم يعرف سوء ما يولى لم يرعف حسن ما يبلى» . دخل أبو مسلم على أبي العباس وعنده أبو جعفر فسلّم على أبي العباس فقال له: يا أبا مسلم، وهذا أبو جعفر! فقال: يا أمير المؤمنين، هذا موضع لا يقضى فيه إلا حقك. قال الفضل بن الربيع: «مسأله الملوك عن أحوالهم من تحيات النّوكى «١» ، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبّح الله الأمير بالكرامة. وإذا أردت أن تقول: كيف يجد الأمير نفسه، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب فإن لم يجبك اشتدّ عليك وإن أجابك اشتدّ عليه» . وقرأت في آداب ابن المقفع: «جانب المسخوط عليه والظّنين عند السلطان ولا يجمعنّك وإياه مجلس ولا منزل ولا تظهرنّ له عذرا ولا تثن عليه عند أحد، فإذا رأيته قد بلغ في الانتقام ما ترجو أن يلين بعده فاعمل في رضاه عنك برفق وتلطّف، ولا تسارّ «٢» في مجلس السلطان أحدا ولا تومىء إليه بجفنك وعينك فإن السّرار يخيّل إلى كل من رآه من ذي سلطان وغيره أنه المراد به، وإذا كلّمك فاصغ إلى كلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا قلبك بحديث نفس» .

стр. 72

وقرأت في كتاب للهند أنه أهدي لملك الهند ثياب وحلي فدعا بامرأتين له وخيّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلية، وكان وزيره حاضرا، فنظرت المرأة إليه كالمستشيرة له فغمزها باللباس تغضينا بعينه، ولحظه الملك، فاختارت الحلية لئلا يفطن للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه لئلا تقرّ تلك في نفس الملك وليظنّ أنها عادة أو خلقة وصار اللباس للأخرى فلما حضرت الملك الوفاة قال لولده: توصّ بالوزير خيرا فإنه اعتذر من شيء يسير أربعين سنة. قال شبيب بن شيبة: «ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد الخليفة أن يسأله عن شيء لم يحتج إلى أن يلتفت، ويكون من ناحية إن التفت لم تستقبله الشمس، وإن سار بين يديه أن يحيد عن سنن الريح التي تؤدّي الغبار إلى وجهه. قال رجل من النّسّاك لآخر: «إن ابتليت بأن تدخل إلى السلطان مع الناس فأخذوا في الثناء فعليك بالدعاء» . قال ثمامة: كان يحيى بن أكثم يماشي المؤمون يوما في بستان موسى والشمس عن يسار يحيى والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحادثان حتى بلغ حيث أراد ثم كرّ راجعا في الطريق التي بدأ فيها فقال ليحيى: كانت الشمس عليك لأنك كنت عن يساري وقد نالت منك فكن الآن حيث كنت وأتحوّل أنا إلى حيث كنت. فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك هول المطلع بنفسي لفعلت. فقال المأمون: لا والله ما بدّ من أن تأخذ الشمس مني مثل ما أخذت منك. فتحوّل يحيى وأخذ من الظل مثل الذي أخذ منه المأمون. وقال المأمون: «أوّل العدل أن يعدل الرجل على بطانته ثم على الذين

стр. 73

يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى. المدائني قال: قال الأحنف: «لا تنقبضوا عن السلطان ولا تهالكوا عليه فإنه من أشرف للسلطان أذراه ومن تضرّع له أحظاه» . حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: حدّثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال: قال حذيفة بن اليمان: «ما مشى قوم قطّ إلى سلطان الله في الأرض ليذلّوه إلا أذلّهم الله قبل أن يموتوا» . وفي أخبار خالد بن صفوان أنه قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فاستدناني حتى كنت أقرب الناس منه فتنفّس ثم قال: يا خالد، لربّ خالد قعد مقعدك هذا أشهى إليّ حديثا منك فعلمت. أنه يعني خالد بن عبد الله. فقلت: يا أمير المؤمنين، أفلا تعيده؟ فقال: إن خالدا أدلّ فأملّ وأوجف فأعجف ولم يدع لراجع مرجعا، على أنه ما سألني حاجة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ذاك أحرى، فقال: هيهات [طويل] إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل حدّثنا الفضل بن محمد بن منصور بمعنى هذا الحديث، وببعضه نهيك: اعتلّ يحيى بن خالد «١» فبعث إلى منكة «٢» الهندي فقال له: ما ترى في

стр. 74

هذه العلة؟ فقال منكة: داؤك كبير ودواؤه يسير وأيسر منه الشكر، وكان متفننا، فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع خطرة الحقّ به، فإذا كان ذلك كانت الهجرة له ألزم من المفاوضة فيه. قال منكة: صدقت، ولكني أرى في الطوالع أثرا والأمد فيه قريب وأنت قسيم في المعرفة وقد نبّهت، وربما كانت صورة الحركة للكوكب عقيمة ليست بذات نتاج ولكنّ الأخذ بالحزم أوفر حظ الطالبين. قال يحيى: للأمور منصرف إلى العواقب وما حتم لا بدّ من أن يقع، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة فاقصد لما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها مائية من البلغم فحدث لها بذلك ما يحدث للهب عند مماسّته رطوبة المادة من الإشتعال فخذ ماء رمّانتين فدقّهما بإهليلجة «١» سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين وتسكّن ذلك التوقّد الذي تجد «٢» إن شاء الله. فلما كان من حديثهم الذي كان، تلّطف منكة حتى دخل على يحيى في الحبس فوجده جالسا على لبد «٣» ووجد الفضل بين يديه يمهن أي يخدم فاستعبر منكة وقال: قد كنت ناديت لو أعرت الإجابة. قال له يحيى: أتراك علمت من ذلك شيئا جهلته؟ كلا ولكنه كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق وكان مزايلة القدر الخطير عبئا قلّما تنهض به الهمة. وبعد فقد كانت نعم أرجو أن يكون أوّلها شكرا وآخرها أجرا. فما تقول في هذا الداء؟ قال له منكة: ما أرى له دواء أنجع من الصبر، ولو كان يفدى بمال أو مفارقة عضو كان ذلك مما يجب لك. قال يحيى: قد شكرت لك ما ذكرت فإن أمكنك تعهّدنا فافعل. قال منكة: لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت بذلك، فإنما كانت الأيام تحسن لي بسلامتك. قال الفضل:

стр. 75

كان يحيى يقول: دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا منها. وقرأت في كتاب للهند: «إنما مثل السلطان في قلة وفائه للأصحاب وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغيّ والمكتّب «١» ، كلما ذهب واحد جاء آخر» . والعرب تقول: «السلطان ذو عدوان «٢» وذو بدوان وذو تدرإ» يريدون أنه سريع الإنصراف كثير البدوات هجوم على الأمور. قال معاذ بن مسلم: رأيت أبا جعفر وأبا مسلم دخلا الكعبة فنزع أبو جعفر نعله فلما أراد الخروج قال: يا عبد الرحمن، هات نعلي. فجاء بها، فقال: يا معاذ ضعها في رجلي. فألبسته إياها فحقد ذلك أبو مسلم، ووجّه أبو جعفر يقطين «٣» بن موسى إلى أبي مسلم لإحصاء الأموال فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة؟ لا يكنّي. فقال يقطين. عجّلت أيها الأمير، قال: وكيف؟ قال: أمرني أن أحصي الأموال ثم أسلّمها إليك لتعمل فيها برأيك. ثم قدم يقطين على المنصور فأخبره. فلما قدم أبو مسلم المدائن في اليوم الذي قتل فيه جعل يضرب بالسّوط معرفة برذونه «٤» ويقول بالفارسية كلاما معناه: ما تغني المعرفة إذا لم يقدر على دفع المحتوم. ثم قال: جارّة ذيلها، تدعو يا ويلها، بدجلة أو حولها، كأنا بعد ساعة، قد صرنا في دجلة.

стр. 76

قال المنصور: «ثلاث كنّ في صدري شفى الله منها: كتاب أبي مسلم إليّ وأنا خليفة: عافانا الله وإياك من السوء، ودخول رسوله علينا وقوله: أيّكم ابن الحارثيّة؟. وضرب سليمان بن حبيب ظهري بالسياط» . قال المنصور لسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ فقال سلم: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فقال حسبك يا أبا أميّة. قال أبو دلامة «١» : [طويل] أبا مسلم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد أفي دولة المهديّ حاولت غدرة ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد أبا مسلم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد» قال مروان «٣» بن محمد لعبد الحميد حين أيقن بزوال ملكه: «قد احتجت إلى أن تصير مع عدوّي وتظهر الغدر بي، فإنّ إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي» فقال عبد الحميد: إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله لك أو أقتل معك. وقال: [طويل]

стр. 77

أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره المشاورة والرأي حدّثنا الزّياديّ قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: «كان النبيّ ﷺ يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء فيأخذ به» . وقرأت في التاج أن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال أحدهم: «لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا به، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، فإن إفشاء السرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى آثنين، وإفشاءه إلى ثلاث كإفشائه إلى العامّة لأن الواحد رهن بما أفشي إليه والثاني يطلق عنه ذلك الرهن والثالث علاوة فيه، وإذا كان سر الرجل عند واحد كان أحرى ألا يظهره رهبة منه ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين دخلت على الملك الشبهة واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له عن الآخر ولا حجة معه» . وقرأت في كتاب للهند أن ملكا استشار وزراء له، فقال أحدهم: «الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوّة والجنود، وللأسرار منازل: منها ما يدخل الرهط فيه، ومنها ما يستعان فيه بقوم، ومنها ما يستغنى فيه بواحد. وفي تحصين السر الظّفر بالحاجة والسلامة من الخلل. والمستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير، فإنه يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسّليط ضوءا. وإذا كان

стр. 78

الملك محصّنا لسره بعيدا من أن يعرف ما في نفسه متخيّرا للوزراء مهيبا في أنفس العامة كافيا بحسن البلاء لا يخافه البريء ولا يأمنه المريب مقدّرا لما يفيد وينفق، كان خليقا لبقاء ملكه. ولا يصلح لسرّنا هذا إلا لسانان وأربع آذان. ثم خلا به» . قال أبو محمد: كتبت إلى بعض السلاطين كتابا وفي فصل منه: «لم يزل حزمة الرجال يستحلون مرارة قول النصحاء ويستهدون العيوب ويستثير صواب الرأي من كلّ حتى الأمة الوكعاء، ومن احتاج إلى إقامة دليل على ما يدّعيه من مودّته ونقاء طويّته فقد أغناني الله عن ذلك بما أوجبه الاضطرار إذ كنت أرجو بدوام نعمتك وارتفاع درجتك وانبساط جاهك ويدك زيادة الحال» . وفي فصل آخر: «وقد تحملت في هذا الكتاب بعض العتب وخالفت ما أعلم إذ عرضت بالرأي ولم أستشر وأحللت نفسي محل الخواصّ ولم أحلّ ونزعت بي النفس، حين جاشت وضاقت بما تسمع، عن طريق الصواب لها إلى طريق الصواب لك، وحين رأيت لسان عدوّك منبسطا بما يدّعيه عليك وسهامه نافذة فيك، ورأيت وليّك معكوما عن الاحتجاج إذ لا يجد العذر ورأيت عوامّ الناس يخوضون بضروب الأقاويل في أمرك، ولا شيء أضرّ على السلطان في حال ولا أنفع في حال منهم. وبما يجريه الله على ألسنتهم تسير الركبان وتبقى الأخبار ويخلد الذكر على الدهر وتشرف الأعقاب، وظاهر الخبر عندهم أعدل من شهادة العدول الثقات» . وفي فصل منه: «وسائس الناس ومدبر أمورهم يحتاج إلى سعة الصدر واستشعار الصبر واحتمال سوء أدب العامّة وإفهام الجاهل وإرضاء المحكوم عليه والممنوع مما يسأل بتعريفه من أين منع، والناس لا يجمعون على الرضا إذا جمع بهم كل أسباب الرضا فكيف إذا منعوا بعضها، ولا يعذرون بالعذر

стр. 79

الواضح فكيف بالعذر الملتبس، وأخوك من صدقك وارتمض لك لا من تابعك على هواك ثم غاب عنك بغير ما أحضرك» . قال زياد لرجل يشاوره: «لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إضاعة السر، وإخراج النصيحة. وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثواب الله، أو رجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون به حسبه، وقد عجمتهما لك» . وكتب بعض الكتاب: «إعلم أن الناصح لك المشفق عليك من طالع لك ما وراء العواقب برؤيته ونظره، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط لك الوعر بالسهل من كلامه ومشورته ليكون خوفك كفئا لرجائك وشكرك إزاء النعمة عليك. وأن الغاشّ لك الحاطب عليك من مدّ لك في الاغترار ووطّأ لك مهاد الظلم وجرى معك في عنانك منقادا لهواك» . وفي فصل: «إني وإن كنت ظنينا عندك في هذه الحال ففي تدبرك صفحات هذه المشورة ما دلك على أن مخرجها عن صدق وإخلاص» . إبراهيم بن المنذر قال: استشار زياد بن عبيد الله الحارثي عبيد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن يولّيه القضاء، فأشار عليه به، فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك بالله أترى لي أن ألي القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد: سبحان الله! استشرتك فأشرت عليّ به ثم أسمعك تنهاه! قال: أيها الأمير، استشرتني فاجتهدت لك رأيي ونصحتك، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته. كان نصر بن مالك على شرط أبي مسلم، فلما جاءه إذن أبي جعفر في القدوم عليه استشاره فنهاه عن ذلك وقال: لا آمنه عليك. قال له أبو جعفر لما

стр. 80

صار اليه: إستشارك أبو مسلم في القدوم عليّ فنهيته؟ قال نعم: قال وكيف ذاك؟ قال: سمعت أخاك إبراهيم الإمام يحدّث عن أبيه محمد بن عليّ قال: «لا يزال الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره» وكنت له كذلك وأنا اليوم لك كما كنت له. قال معاوية: «لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أن في قلبه عليّ ضغنا فأستشيره، فيثير إليّ منه بقدر ما يجده في نفسه فلا يزال يوسعني شتما وأوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستعين به فيعينني وأستنجده فينجدني» . وقرأت في كتاب إبرويز إلى ابنه شيرويه وهو في حبسه: «عليك بالمشاورة فإنك واجد في الرجال من ينضج لك الكيّ ويحسم عنك الداء ويخرج لك المستكنّ ولا يدع لك في عدوّك فرصة إلا انتهزها ولا لعدوّك فيك فرصة إلا حصّنها، ولا يمنعك شدّة رأيك في ظنك ولا علوّ مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك فإن أحمدت اجتنيت وإن أذممت نفيت، فإن في ذلك خصالا: منها أنه إن وافق رأيك ازداد رأيك شدّة عندك، وإن خالف رأيك عرضته على نظرك، فإن رأيته معتليا لما رأيت قبلت، وإن رأيته متضعا عنه استغنيت، ومنها أنه يجدّد لك النصيحة ممن شاورت وإن أخطأ لك مودّته وإن قصّر» . وفي كتاب للهند: «من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضا وحمل الوزر» . وفي آداب ابن المقفع: «لا يقذفنّ في روعك «١» أنك إن استشرت

стр. 81

الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيقطعك ذاك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به. ولو أنك أردت الذّكر كان أحسن الذكر عند الألبّاء أن يقال: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه» . قال عمر بن الخطاب: «الرأي الفرد كالخيط السّحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار «١» لا يكاد ينتقض» . وقال أشجع «٢» : [بسيط] رأي سرى وعيون الناس هاجعة ... ما أخّر الحزم رأي قدّم الحذرا كتب الحجاج إلى المهلّب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: «إنّ من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» . وقيل لعبد الله بن وهب الراسيّ يوم عقدت له الخوارج: تكلم. فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب. وقال أيضا: خمير الرأي خير من فطيره، وربّ شيء غابّه خير من طريّه، وتأخيره خير من تقديمه. وقيل لآخر: تكلم. فقال: ما أشتهي الخبز إلا بائتا. كان ابن هبيرة يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه والانحطاط في هوى مستشيره، وممن لا يلتمس خالص مودّتك إلا بالتأتّي لموافقة شهوتك، ومن يساعدك على سرور ساعتك ولا يفكر في حوادث غدك» . وكان يقال: «من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة» . وكان يقال: لا تستشر معلّما ولا راعي الغنم ولا كثير القعود مع النساء. وكان يقال:

стр. 82

لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعا ولا حاقن بول وقالوا «لا رأي لحاقن ولا لحازق» «١» وهو الذي ضغطه الخفّ «ولا لحاقب» وهو الذي يجد رزّا في بطنه. وقالوا أيضا: لا تشاور من لا دقيق عنده. وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته «٢» فقصّروا في الرأي دعا الموكّلين بأرزاقهم فعاقبهم، فيقولون: تخطىء مرازبتك وتعاقبنا! فيقول نعم، إنهم لم يخطئوا إلا لتعلّق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطأوا. وكان يقال: إنّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنّت. وقال كعب: لا تستشيروا الحاكة فإن الله سلبهم عقولهم ونزع البركة من كسبهم. قال الشاعر: [طويل] وأنفع من شاورت من كان ناصحا ... شفيقا فأبصر بعدها من تشاور وليس بشافيك الشفيق ورأيه ... عزيب «٣» ولا ذوا الرأي والصّدر واغر ويقال: علامة الرشد أن تكون النفس مشتاقة. وقال آخر [طويل] إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي «٤» رافدات القوادم

стр. 83

وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم وأدن من القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشّورى امرا غير كاتم وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم فإنك لن تستطرد الهمّ بالمنى ... ولن تبلغ العليا بغير المكارم قال أعرابي: ما غبنت قطّ حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. وقيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ونحن نطيعه، فكأنا ألف حازم. ويقال: «ليس بين الملك وبين أن يملك رعيته أو تملكه إلا حزم أو توان» . وقال القطامي «١» في معصية الناصح: [وافر] ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرّة منه استماعا وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا كذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جرّ غاويهم سراعا تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا وقال آخر، أنشدنيه الرّياشي: [طويل] ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير «٢»

стр. 84

فلمّا رأى أن غبّ أمري وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور تمنّى نئيشا «١» أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور وقال سبيع لأهل اليمامة «يا بني حنيفة، بعدا كما بعدت عاد وثمود «٢» ، أما والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه كأني أسمع جرسه وأبصر غيبه ولكنّكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندم، وأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق ومن تهمتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ومن ذلّكم الجزع، وأصبح ما فات غير مردود وما بقي غير مأمون. وإني لمّا رأيتكم تتّهمون النصيح وتسفّهون الحليم استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم الله التوبة ولا أخذكم على غرّة ولقد أمهلكم حتى ملّ الواعظ وهن الموعوظ وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم» . وأشار رجل على صديق له برأي، فقال له: «قد قلت ما يقول الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه وحزنه «٣» بسهله ويحرّك الإشفاق منه ما هو

стр. 85

ساكن من غيره؛ وقد وعيت النصح فيه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا يشكّ في مودته وصافي غيبه، وما زلت بحمد الله إلى كل خير طريقا منهجا ومهيعا «١» واضحا» . وكتب عثمان إلى عليّ حين أحيط به: «أما بعد، فإنه قد جاوز الماء الزّبى وبلغ الحزام الطّبيين «٢» وقد تجاوز الأمر بي قدره: [طويل] فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق» وقال أوس «٣» بن حجر: [طويل] وقد أعتب ابن العم إن كنت ظالما ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا وإن قال لي ماذا ترى؟ يستشيرني ... يجدني ابن عمّ مخلط الأمر مزيلا «٤» أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحري إذا حالت بأن أتحوّلا وأستبدل الأمر القويّ بغيره ... إذا عقد مأفون «٥» الرجال تحلّلا وكان يقال: «أناة في عواقبها درك، خير من معاجلة في عواقبها فوت» . وأنشدني الرياشي: [بسيط]

стр. 86

وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا «١» وكان يقال: «روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم» . الإصابة بالظن والرأي كان ابن الزبير يقول: «لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه» . وسئل بعض الحكماء: ما العقل؟ فقال: «الإصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان» . وكان يقال: «كفى مخبرا عما مضى ما بقي، وكفى عبرا لأولي الألباب ما جرّبوا» . وكان يقال: «كل شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجارب» . ويقال: «من لم ينفعك ظنه لم ينفعك يقينه» . وقال أوس بن حجر: [منسرح] الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا وقال آخر: [طويل] وأبغي صواب الظنّ أعلم أنه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره وقال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في عبد الله بن عباس: «إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق» . ويقال: «ظنّ الرجل قطعة من عقله» . ويقال: «الظنون مفاتيح اليقين» . وقال بعض الكتاب: [وافر] أصونك أن أظنّ عليك ظنّا ... لأنّ الظنّ مفتاح اليقين

стр. 87

وقال الكميت «١» : [بسيط] مثل التدبّر في الأمر ائتنافكه ... والمرء يعجز في الإقدام لا الحيل «٢» وقال آخر: [طويل] وكنت متى تهزز لخطب تغشّه ... ضرائب أمضى من رقاق المضارب «٣» تجلّلته بالرأي حتى أريته ... به ملء عينيه مكان العواقب وقال آخر يصف عاقلا: [طويل] بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع وقال آخر في مثله: [طويل] عليم بأعقاب الأمور برأيه ... كأنّ له في اليوم عينا على الغد وقال آخر يصف عاقلا: [طويل] بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه وقال جثّامة بن قيس «٤» يهجو قوما: [بسيط] أنتم أناس عظام لا قلوب لكم ... لا تعلمون أجاء الرّشد أم غابا؟

стр. 88

وتبصرون رؤوس الأمر مقبلة ... ولا ترون وقد ولّين أذنابا وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... إذا رأى لوجوه الشر أسبابا وقال آخر: [طويل] فلا يحذرون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا «١» ويقال: «ظن العاقل كهانة» . وفي كتاب للهند: «الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم يبطر وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا» . وقال الشاعر: [طويل] وإني لأرجو الله حتى كأنّني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع وقال آخر: [وافر] وغرّة مرّة من فعل غرّ «٢» ... وغرّة مرّتين فعال موق فلا تفرح بأمر قد تدنّى ... ولا تأيس من الأمر السّحيق فإن القرب يبعد بعد قرب ... ويدنو البعد بالقدر المسوق ومن لم يتق الضّحضاح «٣» زلّت ... به قدماه في البحر العميق

стр. 89

وما اكتسب المحامد طالبوها ... بمثل البشر والوجه الطّليق وقال مروان بن الحكم لحبيش بن دلجة: أظنك أحمق. قال: «أحمق ما يكون الشيخ إذا عمل بظنّه» . ونقش رجل على خاتمه: «الخاتم خير من الظن» . ومثله: «طينة خير من ظنّة» . اتباع الهوى كان يقال: الهوى شريك العمى. وقال عامر بن الظّرب: الرأي نائم والهوى يقظان، ولذلك يغلب الرأي الهوى. وقال ابن عباس: «الهوى إله معبود» وقرأ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ «١» . وقال هشام بن عبد الملك، ولم يقل غيره: [طويل] إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال وقال بزرجمهر «٢» : «إذا اشتبه عليك أمران فلم تدر في أيهما الصواب، فانظر أقربهما إلى هواك فاجتنبه» . كان عمرو بن العاص صاحب عمارة بن الوليد إلى بلاد الحبشة ومع عمرو امرأته فوقعت في نفس عمارة فدفع عمرا في البحر فتعلق بالسفينة وخرج، فلما ورد بلاد الحبشة سعى عمرو بعمارة إلى النّجاشيّ وأخبره أنه يخالف إلى بعض نسائه فدعا النّجاشي بالسواحر فنفخن في إحليله فهام مع الوحش، وقال عمرو في ذلك: [طويل] تعلّم عمارا أنّ من شرّ شيمة ... لمثلك أن يدعى ابن عمّ له ابنما

стр. 90

وإن كنت ذابردين أحوى مرجّلا ... فلست براء لابن عمك محرما إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم يعص قلبا غاويا حيث يمّما قضى وطرا «١» منه يسيرا وأصبحت ... إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما وقال حاتم طيّ «٢» في مثله: [طويل] وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا وقال آخر: [طويل] جار الجنيد عليّ محتكما ... جهلا ولست بموضع الظّلم «٣» أكل الهوى حججي وربّ هوى ... مما سيأكل حجّة الخصم وقال أعرابي: «الهوى هوان «٤» ، ولكن غلط باسمه» . وقال الزبير بن عبد المطّلب «٥» : [وافر] وأجتنب المقاذع حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت وقال البريق «٦» الهذلي: [وافر] أبن لي ما ترى والمرء تأبى ... عزيمته ويغلبه هواه فيعمى ما يرى فيه عليه ... ويحسب ما يراه لا يراه

стр. 91

وكان يقال: «أخوك من صدقك وأتاك من جهة عقلك لا من جهة هواك» . السرّ وكتمانه وإعلانه حدّثنى أحمد بن الخليل قال: حدثنا محمد بن الحصيب قال: حدّثني أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» . وكانت الحكماء تقول: «سرّك من دمك» . والعرب تقول: «من ارتاد لسره موضعا فقد أذاعه» . حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عن عمّه الأصمعي قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: دخل ابن أبي محجن «١» الثقفي على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول: [طويل] إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني ... أخاف وراء الموت أن لا أذوقها فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. فقال معاوية: وما ذاك؟ قال قوله: [بسيط] لا تسألي القوم مالي وما حسبي ... وسائلي القوم ما حزمي وما خلقي القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق «٢» أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته ... وعامل الرّمح أرويه من العلق «٣» قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق

стр. 92

وأنشدني للصّلتان العبدي «١» : [متقارب] وسرّك ما كان عند امرىء ... وسرّ الثلاثة غير الخفي وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتمثّل بهذين البيتين: [متقارب] ولا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا وقال الشاعر: [كامل] ومراقبين تكاتما بهواهما ... جعلا القلوب لما تجنّ قبورا يتلاحظان تلاحظا فكأنما ... يتناسخان من الجفون سطورا «٢» وقال مسكين الدّارمي «٣» : [طويل] أواخي رجالا لست اطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها وقال آخر: [بسيط] ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضّلوع من الأسرار والخبر

стр. 93

لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر أسرّ رجل إلى صديق له حديثا فلما استقصاه قال له: أفهمت؟ قال: لا، بل نسيت. قيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: «ما قلبي له إلا قبر» . وقيل لمزيد: أيّ شيء تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، لم خبّأته. وقال الشاعر: [وافر] إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم؟ إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظّلوم وإني حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري، سؤوم قيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: «أجحد المخبر وأحلف للمستخبر» . وكان يقال: «من وهي الأمر إعلانه قبل إحكامه» . وقال الشاعر: [طويل] إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند وقال عمرو بن العاص: «ما استودعت رجلا سرّا فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدرا حين استودعته» . وقال: [طويل] إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها ... فسرّك عند الناس أفشى وأضيع وكان يقال: «من ضاق قلبه اتسع لسانه» . وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا ولا أراه يطوى عنك ما يبسطه لغيرك، أفلا أحدّثك به؟ قال: لا يا بنيّ «إنه من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، فلا تكوننّ مملوكا بعد أن كنت مالكا» قال: قبلت: وإنّ هذا ليجري بين الرجل وأبيه؟ قال: لا، ولكني

стр. 94

أكره أن تذلّل لسانك بأحاديث السر. فحدّثت به معاوية فقال: يا وليد، أعتقك أخي من رقّ الخطأ. وفي كتب العجم أن بعض ملوك فارس قال: «صونوا أسراركم فإنه لا سرّ لكم إلا في ثلاثة مواضع: مكيدة تحاول أو منزلة تزاول أو سريرة مدخولة تكتم، ولا حاجة بأحد منكم في ظهور شيء منها عنه» . وكان يقال: «ما كنت كاتمه من عدّوك فلا تظهر عليه صديقك» . وقال جميل بن معمر: [طويل] أموت وألقى الله يا بثن «١» لم أبح ... بسّرك والمستخبرون كثير وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [طويل] ولما تلاقينا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي جذوك النعل بالنعل فقالت وأرخت جانب السّتر إنما ... معي فتكلم غير ذي رقبة أهلي «٢» فقلت لها ما بي لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي يريد أنه ليس يحمله أحد مثلي في صيانته وستره، أي فلا أبديه لأحد. وقال زهير «٣» : [كامل] السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر وقال آخر: [طويل] فسرّي كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا وقال آخر لأخ له وحدّثه بحديث: إجعل هذا في وعاء غير سرب.

стр. 95

والسّرب السائل. وكان يقال: «للقائل على السامع جمع البال والكتمان وبسط العذر» . وكان يقال: «الرعاية خير من الاسترعاء» . أتى رجل عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همّام السّلولي «١» سبّه، فأرسل اليه فأتاه فقال: يا ابن همّام، إن هذا يزعم أنك قلت: كذا وكذا. فقال ابن همّام: [طويل] فأنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت، وإمّا قلت قولا بلا علم وإنك في الأمر الذي قد أتيته ... لفي منزل بين الخيانة والإثم وقال آخر: [خفيف] إخفض الصّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام وقال بعض الأعراب: [طويل] ولا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي وإنّ قليل العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب وقال أبو الشّيص «٢» : [بسيط] ولا تأمننّ على سرّي وسرّكم ... غيري وغيرك أو طيّ القراطيس أو طائر «٣» سأحلّيه وأنعته ... مازال صاحب تنقير وتأسيس

стр. 96

سود براثنه ميل ذوائبه ... صفر حمالقه في الحسن مغموس قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته يوما ببلقيس «١» وقال أيضا: [كامل] أفضى أليك بسرّه قلم ... لو كان يعرفه بكى قلمه وقال مسلم بن الوليد «٢» في الكتاب يأتيك فيه السر: [بسيط] الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر ... وإنما الحزم سوء الظنّ بالناس إذا أتاك وقد أدّى أمانته ... فاجعل صيانته في بطن أرماس «٣» وقال آخر: [طويل] سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم حليم فينسى أو جهول يشيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم الكتّاب والكتابة حدّثنا إسحاق بن راهويه عن وهب بن جرير عن أبيه عن يونس بن عبيد

стр. 97

عن الحسن عن عمرو بن ثعلب عن النبيّ ﷺ قال: «من أشراط الساعة أن يفيض المال ويظهر القلم وتفشو التجار» قال عمرو: إن كنا لنلتمس في الحواء «١» العظيم الكاتب، ويبيع الرجل البيع فيقول: حتى أستأمن تاجر بني فلان. حدّثنا أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبان عن عنبسة بن عبد الرحمن القرشيّ عن محمد بن زاذان عن أمّ سعد عن زيد بن ثابت قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يملي في بعض حوائجه فقال: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي به» . وحدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «كان إدريس النبيّ ﵇ أوّل من خطّ بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا من قبله يلبسون الجلود» . حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عياض بن أبي موسى أنّ عمر بن الخطّاب قال لأبي موسى: ادع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفا جاءت من الشام. فقال أبو موسى: إنه لا يدخل المسجد: قال عمر: أبه جنابة؟ قال: لا، ولكنّه نصراني. قال: فرفع يده، فضرب فخذه حتى كاد يكسرها ثم قال: ما لك! قاتلك الله! أما سمعت قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ «٢» ! ألا اتخذت رجلا حنيفيا؟ فقال أبو موسى: له دينه ولي كتابته. فقال عمر: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزّهم إذ أذلّهم ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله» .

стр. 98

حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا عيس بن يونس قال: حدّثنا أبو حيّان التّيمي عن أبي زنباع عن أبي الدّهقانة قال: ذكر لعمر بن الخطّاب غلام كاتب حافظ من أهل الحيرة وكان نصرانيا، فقيل له: لو اتخذته كاتبا. فقال: «لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين» . حدّثني أبو حاتم قال: مرامر بن مروة «١» من أهل الأنبار وهو الذي وضع كتابة العربية، ومن الأنبار انتشرت فى الناس. حدّثني أبو سهل عن الطّنافسي عن المنكدر بن محمد عن أبيه محمد ابن المنكدر قال: جاء الزّبير بن العوّام إلى النبي ﷺ فقال: كيف أصبحت؟ جعلني الله فداك! قال: «ما تركت أعرابيّتك بعد» . قال عبد الملك بن مروان لأخيه عبد العزيز حين وجّهه إلى مصر: «تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإنّ الغائب يخبّره عنك كاتبك، والمتوسّم يعرّفك بحاجبك، والداخل عليك يعرفك بجليسك» . ابن أبي الزّناد عن أبيه قال: كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب في المظالم فيراجعه، فكتب إليه: «إنه ليخيّل إليّ أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي: أضأن أم ماعز؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت: أذكر أم أنثى؟ ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت: أصغير أم كبير؟ فإذا أتاك كتابي هذا فلا تراجعني في مظلمة» . وكتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم

стр. 99

وعقر نخلهم. فكتب إليه: بأي ذلك نبدأ أبالنخل أم بالدّور؟ فكتب إليه أبو جعفر: «أما بعد، فإني لو أمرتك بإفساد ثمرهم لكتبت إليّ تستأذن في أيّه تبدأ أبالبرنيّ أم بالشّهريز «١» ؟» وعزله، وولّى محمد بن سليمان. وكان يقول: «للكاتب على الملك ثلاثة، رفع الحجاب عنه، واتّهام الوشاة عليه، وإفشاء السرّ إليه» . كانت العجم تقول: «من لم يكن عالما بإجراء المياه وبحفر فرض الماء والمسارب وردم المهاوي ومجاري الأيام في الزيادة والنقصان واستهلال القمر وأفعاله ووزن الموازين وذرع المثلّث والمربّع والمختلف الزّوايا ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه وحال أدوات الصّنّاع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته» . قال ميمون بن ميمون: «إذا كانت لك إلى كاتب حاجة فليكن رسولك إليه الطمع» . وقال: «إذا آخيت الوزير فلا تخش الأمير» . وفي كتاب للهند: «إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس فليصرعه الملك، وإن لم يفعل فليعلم أنه هو المصروع» . المدائني قال: خلا زياد يوما في أمر ينظر فيه وعنده كاتب له يكتب وابنه عبيد الله، فنعس زياد فقال لعبيد الله: تعهّد هذا لا يكتب شيئا. ونام، فوجد عبيد الله مسّا «٢» من البول فكره أن يوقظ أباه وكره أن يخلّي الكاتب فشدّ إبهاميه بخيط وختمه وقام لحاجته.

стр. 100

وقال أبو عبّاد الكاتب: ما جلس أحد قطّ بين يديّ إلا تخيّل إليّ أني جالس بين يديه. وقرأت في التاج أن أبرويز قال لكاتبه: «أكتم السرّ واصدق الحديث واجتهد في النصيحة واحترس بالحذر، فإنّ لك عليّ أن لا أعجل بك حتى أستأني لك ولا أقبل عليك قولا حتى أستيقن ولا أطمع فيك أحدا فيغتالك. واعلم أنك بمنجاة رفعة فلا تحطّنّها وفي ظل مملكة فلا تستزيلنّه، وقارب الناس مجاملة عن نفسك وباعد الناس مشايحة «١» من عدوّك واقصدّ إلى الجميل ادّراعا لغدك وتحصّن بالعفاف صونا لمروءتك وتحسّن عندي بما قدرت عليه من حسن ولا تشرعنّ الألسنة فيك ولا تقبّحنّ الأحدوثة عنك وصن نفسك صون الدّرّة الصافية وأخلصها إخلاص الفضّة البيضاء وعاتبها معاتبة الحذر المشفق وحصّنها تحصين المدينة المنيعة. لا تدعنّ أن ترفع إليّ الصغير، فإنه يدل على الكبير ولا تكتمنّ الكبير فإنه ليس شاغلي عن الصغير. هذّب أمورك ثم القني بها واحكم لسانك ثم راجعني به ولا تجترئنّ عليّ فأمتعض ولا تنقبض مني فأتّهم ولا تمرّضنّ ما تلقاني به ولا تخدجنّه. وإذا فكّرت فلا تعجل وإذا كتبت فلا تعذر، ولا تستعيننّ بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ولا تقصرنّ عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة ولا تلبسنّ كلاما بكلام ولا تباعدنّ معنى عن معنى. أكرم كتابك عن ثلاث: خضوع يستخفّه، وانتشار يثبّجه، ومعان تقعد به، واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول، وليكن بسطة كتابك على السّوقة كبسطة ملك الملوك على الملوك، ولا يكن ما تملك عظيما وما تقول صغيرا فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك فاجعله عاليا كعلوّه وفائقا كفوقه. واعلم أن جمّاع الكلام كله خصال أربع: سؤالك

стр. 101

الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء فهذه الخلال دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجد وإن نقص منها رابع لم تتمّ، فإذا أمرت فاحكم وإذا سألت فاوضح وإذا طلبت فاسجح وإذا أخبرت فحقّق فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بحزامير «١» القول كله فلم يشتبه عليك وارده ولم يعجزك منه صادره. أثبت في دواوينك ما أدخلت واحص فيها ما أخرجت وتيقّظ لما تأخذ وتجرّد لما تعطي ولا يغلبنّك النّسيان عن الإحصاء ولا الأناة عن التقدّم ولا تخرجنّ وزن قيراط في غير حقّ ولا تعظّمنّ إخراج الكثير في الحق، وليكن ذلك كله عن مؤامرتي» . قال رجل لبنيه: «يا بنيّ، تزيّوا بزي الكتاب فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السّوقة» . قال الكسائي: «لقيت أعرابيا فجعلت أسأله عن الحرف بعد الحرف وعن الشيء بعد الشيء أقرنه بغيره فقال: يا لله! ما رأيت رجلا أقدر، على كلمة إلى جنب كلمة أشبه شيء بها وأبعد شيء منها، منك!» . وقال ابن الأعرابي: «رآني أعرابي وأنا أكتب الكلمة بعد الكلمة من ألفاظه فقال: إنك لحتف الكلمة الشرود» . وقال رجل من أهل المدينة: «جلست إلى قوم ببغداد فما رأيت أوزن من أحلامهم ولا أطيش من أقلامهم» . وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: «وصل إليّ كتابك فما رأيت كتابا أسهل فنونا ولا أملس متونا ولا أكثر عيونا ولا أحسن مقاطع ومطالع ولا أشدّ

стр. 102

على كل مفصل حزّا منه. أنجزت فيه عدة الرأي وبشرى الفراسة وعاد الظنّ بك يقينا والأمل فيك مبلوغا» . ويقال: «عقول الرجال في أطراف أقلامها» . ويقال: «القلم أحد اللسانين وخفة العيال أحد اليسارين وتعجيل اليأس أحد الظّفرين وإملاك العجين أحد الرّيعين وحسن التقدير أحد الكاسبين والّلبن أحد اللّحمين» . وقد يقال: المرق أحد اللحمين. قيل لبعضهم: إن فلانا لا يكتب، فقال: تلك الزّمانة «١» الخفيّة. وقرأت في بعض كتب العجم أن موبذان موبذ وصف الكتّاب فقال: «كتّاب الملوك عيبتهم المصونة عندهم وآذانهم الواعية وألسنتهم الشاهدة، لأنه ليس أحد أعظم سعادة من وزراء الملوك إذا سعدت الملوك، ولا أقرب هلكة من وزراء الملوك إذا هلكت الملوك، فترفع التهمة عن الوزراء إذا صارت نصائحهم للملوك نصائحهم لأنفسهم، وتعظم الثقة بهم حين صار اجتهادهم للملوك اجتهادهم لأنفسهم فلا يتّهم روح على جسده ولا يتهم جسد على روحه لأن زوال ألفتهما زوال نعمتهما، وأنّ التئام ألفتهما صلاح خاصّتهما» . وقال: [بسيط] لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلني ... إني لأحمق من تخدي به العير «٢» مستحقبا «٣» صحفا تدمي طوابعها ... وفي الصحائف حيّات مناكير

стр. 103

وقال بعض الشعراء في القلم: [طويل] عجبت لذي سنّين في الماء نبته ... له أثر في كل مصر ومعمر وقال بعض المحدثين في القلم: [متقارب] ضئيل الرّواء كبير الغناء ... من البحر في المنصب الأخضر «١» كمثل أخي العشق في شخصه ... وفي لونه من بني الأصفر «٢» يمرّ كهيئة مرّ الشّجا ... ع في دعص محنية أعفر «٣» إذا رأسه صحّ لم ينبعث ... وجاز السبيل ولم يبصر وإن مدية صدعت رأسه ... جرى جري لا هائب مقصر «٤» يقضّي مآربه مقبلا ... ويحسمها هيئة المدبر تجود بكفّ فتى كفّه ... تسوق الثّراء إلى المعسر وقال حبيب «٥» الطائي يصف القلم: [طويل] لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى المفاصل «٦»

стр. 104

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل «١» له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل «٢» تراه جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل وقال محمد «٣» بن عبد الملك بن صالح الهاشمي يصف القلم: [طويل] وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذملان في بطون المهارق «٤» إذا استعجلته الكفّ أمطر خاله ... بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق «٥» كأنّ اللآلي والزبرجد نطفه ... ونور الخزامي في بطون الحدائق «٦» وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا: [كامل] وإذا تألّق في النّديّ كلامه ال ... منظوم خلت لسانه من عضبه «٧» وإذا دجت أقلامه ثم انتجت ... برقت مصابيح الدّجى في كتبه

стр. 105

باللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربه حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفّق وقليبها في قلبه «١» كالروض مؤتلف بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه وقال سعيد «٢» بن حميد يصف العود: [بسيط] وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم يبدي ضمير سواه في الكلام كما ... يبدي ضمير سواه منطق القلم بعث الطائي إلى الحسن بن وهب بدواة أبنوس «٣» وكتب إليه [خفيف] قد بعثنا إليك أمّ المنايا ... والعطايا زنجيّة الأحساب في حشاها من غير حرب حراب ... هي أمضى من مرهفات الحراب وقال ابن أبي كريمة «٤» يصف الدواة والقلم: [طويل] ومسودّة الأرجاء قد خضت ماءها ... وروّيت من قعر لها غير منبط «٥» خميص «٦» الحشا يروى على كل مشرب ... أمينا على سرّ الأمير المسلّط وقال بعض أهل الأدب: إنما قيل: ديوان لموضع الكتبة والحسّاب لأنه

стр. 106

يقال: للكتاب بالفارسية «ديوان» أي شياطين، لحذقهم بالأمور ولطفهم فسمّي موضعهم باسمهم. وقال آخر: إنما قيل لمدير الأمور عن الملك «وزير» من الوزر وهو الحمل يراد أنه يحمل عنه من الأمور مثل الأوزار وهي الأحمال، قال الله : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ «١» أي أحمالا من حليهم، ولهذا قيل للإثم: وزر، شبّه بالحمل على الظهر، قال الله ﵎: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «٢» . وكان الناس يستحسنون لأبي نواس قوله: [طويل] يا كاتبا، كتب الغداة يسبّني ... من ذا يطيق براعة الكتّاب؟ لم ترض بالإعجام حين سببتني ... حتى شكلت عليه بالإعراب وأردت إفهامي فقد أفهمتني ... وصدقت فيما قلت غير محابي «٣» وقال آخر: [سريع] يا كاتبا تنثر أقلامه ... من كفّه درّا على الأسطر وقال عديّ «٤» بن الرّقاع: [كامل] صلى الاله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها

стр. 107

ومنه أخذ الكتّاب: وأتمّ نعمته عليك وزاد فيها عندك. وقال حاتم طيء في معنى قولهم: متّ قبلك: [طويل] إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... يموت فكن أنت الذي تتأخّر وقال جرير في معناه: [بسيط] ردّي فؤادي وكوني لي بمنزلتي ... يا قبل نفسك لاقى نفسي التلف كتب بعض الملوك إلى بعض الكتّاب كتابا دعا له فيه «بأمتع الله بك» ، فكتب إليه ذلك الكاتب «١» : [منسرح] أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك؟ أم هل ترى أنّ في التواضع ل ... لإخوان نقصا عليك في حسبك؟ أم كان ما كان منك عن غضب ... فأيّ شيء أدناك من غضبك؟ إنّ جفاء كتاب ذي مقة «٢» ... يكتب في صدره: وأمتع بك

стр. 108

وقال الأصمعي «١» في البرامكة: [متقارب] إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك «٢» وقال آخر: [مجتث مجزوء] إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد وإنّ رأيي فيها ... كرأي يحيى بن خالد مرّ عبد الله بن المقفّع ببيت النار، فقال: [كامل]

стр. 109

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «١» وقال دعبل «٢» في أبي عبّاد: [كامل] أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبّره أبو عبّاد حنق على جلسائه بدواته ... فمرمّل ومضمّخ بمداد «٣» وكأنه من دير هرقل مفلت ... حرد يجرّ سلاسل الأقياد خيانات العمال حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا أن امرأة من قريش كان بينها وبين رجل خصومة فأراد أن يخاصمها إلى عمر فأهدت المرأة إلى عمر فخذ جزور ثم خاصمته إليه فوجّه القضاء عليها، فقال: يا أمير المؤمنين، إفصل القضاء بيننا كما يفصل فخذ الجزور «٤» . فقضى عليها عمر وقال: إياكم والهدايا. وذكر القصة. قال إسحاق: كان الحجاج استعمل المغيرة بن عبد الله الثقفي على الكوفة فكان يقضي بين الناس، فأهدى إليه رجل سراجا من شبه «٥» وبلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة. فلما اجتمعا عند المغيرة جعل يحمل على صاحب

стр. 110

السراج وجعل صاحب السراج يقول: إنّ أمري أضوأ من السراج. فلما أكثر عليه قال: ويحك إن البغلة رمحت «١» السراج فكسرته. حدّثنا إسحاق قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن الجريري عن أبي بصرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاما غليظا يأكله. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيّب وملبس ليّن ومركب وطيء لأنت. فضرب رأسه بجريدة وقال: والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب أن فيك خيرا. ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟ إنما مثلنا كمثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا أنفقها علينا. فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ قال الربيع: لا. حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلّبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت. حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: لما أتي علي ﵇ بالمال أقعد بين يديه الوزّان والنقّاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال: يا حمراء ويا بيضاء إحمرّي وابيضّي وغرّي غيري. وأنشد: [سريع] هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن
следующие страницы →