Полный текст (1 325 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عيّاش، فما وصل إلى عيّاش حتى مات ولا عاد إليه حتى ماتوا، فسمّي هذا حديث الكرام وهذا الحديث عندي موضوع لأن أهل السّيرة يذكرون أنّ عكرمة قتل يوم أجنادين وعيّاش مات بمكة، والحارث مات بالشام في طاعون عمواس.
أعطى رجل امرأة سألته مالا عظيما، فلاموه وقالوا: إنها لا تعرفك وإنما كان يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير فإنّي لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
قال بعض الشعراء: [طويل]
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرئ في حقّها لا يهينا
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله «١» بن جعفر: [وافر]
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهنّ حالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يبلّغني فعالي
وقال أيضا: [بسيط]
ولا أقول نعم يوما فأتبعها ... منعا ولو ذهبت بالمال والولد
ولا اؤتمنت في سرّ فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي
وقال كعب «٢» بن سعد الغنويّ: [طويل]
وذي ندب دامي الأظلّ «٣» قسمته ... محافظة بيني وبين زميلي
стр. 457
وزاد رفعت الكفّ عنه تجمّلا ... لأوثر في زادي عليّ أكيلي
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
وقال زهير «١» : [طويل]
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ «٢» نوافله «٣»
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله
فأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذي هو فاعله
أخي «٤» ثقة لا تذهب الخمر ماله ... ولكنه قد يذهب المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
المدائنيّ قال: أضلّ فيروز بن حصين سوطه يوما، فأعطاه رجل سوطا فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط، قال: أعطوه ألف درهم ومائة سوط فانقطع عنه. قال الشاعر: [بسيط]
إنّي حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي فشبّت فيهم النار
ومن تكرّمهم في المحل أنّهم ... لا يحسب الجار فيهم أنه جار
وقال آخر: [طويل]
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... بعيدا قصيّ الدار في زمن محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهمو أهلي
стр. 458
وقال آخر: [طويل]
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك ... فإنّ لجاري منهما ما تخيّرا
وقال عمرو «١» بن الأهتم: [طويل]
ذريني فإنّ الشّحّ يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطّي «٢» في هواي فإنّني ... على الحسب العالي الرّفيع شفيق
ومستمنح بعد الهدوء دعوته ... وقد كان من ساري الشتاء طروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأحرمه إنّ الفناء مضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «٣»
كان يقال: للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجاره ومقطرة «٤» لجاهلهم. قال بكر «٥» بن النّطّاح: [طويل]
لو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه بعض حياته
ولو لم يجد في العمر قسما لزائر ... لجاد له بالشّطر من حسناته
وقال الفرزدق «٦» : [كامل]
إنّ المهالبة الكرام تحمّلوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهمو بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه
стр. 459
كان يقال: الشّرف في السّرف. قال عامر «١» بن الطّفيل: [طويل]
إذا نزلت بالناس يوما ملمّة ... تسوق من الأيام داهية إدّا «٢»
دلفنا لها حتى نقوّم ميلها ... ولم نهد عنها بالأسنّة أو تهدا
وكم مظهر بغضاءنا ودّ أنه ... إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
مطاعيم في الّلأواء مطاعين في الوغى «٣» ... شمائلنا تنكي وأيماننا تندى
وقال حاتم طيء: [طويل]
أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم ... إذا ما مددناها وحاجتنا معا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وقال جابر «٤» بن حيّان: [طويل]
فإن يقتسم مالي بنيّ ونسوتي ... فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم ... لهم عند علّات النفوس أبا مثلي
أهين لهم مالي وأعلم أنّني ... سأورثه الأحياء سيرة من قبلي
كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ومنع من الدخول عليه، أتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي
стр. 460
على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه؟ فإذن له فدخل عليه فسرّ به يزيد، وقال: كيف وصلت إليّ، فأخبره، فقال يزيد: والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضنّها، فقال عديّ «١» بن الرّقاع: [طويل]
لم أر محبوسا من الناس واحدا ... حبا «٢» زائرا في السجن غير يزيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه ... بخمسين ألفا عجّلت لسعيد
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وإنّي لحلّال بي الحقّ، أتّقي ... إذا نزل الأضياف أن أتجهّما
إذا لم تذد ألبانها عن لحومها ... حلبنا لهم منها بأسيافنا دما
دخل شاعر على المهديّ فامتدحه، فأمر له بمال فلما قبضه فرّقه على من حضر وقال: [طويل]
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... وما خلت أنّ الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبدّدت ما عندي
أخبرني أبو الحسن علي بن هارون الهاشميّ قال: أخبرني وكيع قال:
حدّثني أبو العيناء قال: كان بالبصرة لنا صديق يهوديّ وكان ذا مال وقد تأدّب وقال الشعر وعرف شيئا من العلوم وكان له ولد ذكور، فلما حضرته الوفاة جمع ماله وفرّقه على أهل العلم والأدب ولم يترك لولده ميراثا فعوتب على ذلك فقال:
стр. 461
[منسرح]
رأيت مالي أبرّ من ولدي ... فاليوم لا نحلة ولا صدقه
من كان منهم لها فأبعده اللّ ... هـ ومن كان صالحا رزقه
وحدّثني الأخفش بهذا الخبر عن المبرّد عن الرّياشيّ والله أعلم.
أنجز الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني.
стр. 462
الجزء الثانى
كتاب الطبائع والأخلاق المذمومة
تشابه الناس في الطبائع وذمّهم
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا يحيى بن هشام الغسّانيّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. قال: وحدّثني حسين بن الحسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: قال أبو الدّرداء:
«وجدت الناس اخبر تقله» «١» .
قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا شريح بن النعمان عن المعافى ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ بقوم يتبعون رجلا قد أخذ في ريبة فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشرّ.
قال: وحدّثني محمد بن داود قال: حدّثنا الصّلت بن مسعود قال:
حدّثنا عثّام بن عليّ عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبيدة أن الوليد السّوائيّ قال: لغط قوم عند رسول الله، ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، لو نهيتهم! فقال: لو نهيتهم أن يأتوا الحجون «٢» لأتاه بعضهم ولو لم تكن له حاجة.
стр. 463
قال: وحدّثنا عن عفّان عن مهديّ بن ميمون عن غيلان بن جرير قال:
قال مطرّف: هم الناس وهم النّسناس «١» وناس غمسوا في ماء الناس.
قال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.
وكان يقال: لو نهي الناس عن فتّ البعر لفتّوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء. وقال الشاعر: [وافر]
ولما أن أتيت بني جوين ... جلوسا ليس بينهمو جليس
يئست من التي أقبلت أبغي ... لديهمو، إنّني رجل يؤوس «٢»
إذا ما قلت أيّهمو لأيّ ... تشابهت المناكب والرؤوس
ويقال: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا «٣» .
وقال آخر: [رجز]
الناس أسواء وشتّى في الشّيم ... وكلّهم يجمعهم بيت الأدم «٤»
وقال آخر: [طويل]
سواء، كأسنان الحمار فلا ترى، ... لذي شيبة منهم على ناشيء، فضلا «٥»
стр. 464
وقال آخر:
«سواسية كأسنان الحمار» «١»
وكان يقال:
«المرء توّاق إلى ما لم ينل» «٢»
والعجم تقول: كلّ عزّ دخل تحت القدرة فهو ذليل.
وقالوا: كلّ مقدور عليه مملول محقور.
وقال الشاعر: [بسيط]
وزاده كلفا بالحبّ أن منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا «٣»
وقال آخر [طويل]
ترى الناس أسواء إذا جلسوا معا ... وفي الناس زيف مثل زيف الدّراهم
ويقال: الناس سيل وأسراب طير يتبع بعضها بعضا.
وقال طرفة: [سريع]
كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلّهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه اللّيلة بالبارحه
стр. 465
وقال آخر [وافر]
فإنك لا يضرّك بعد حول ... أظبي كان أمّك أم حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللّؤم واختلط النّجار
وعاد العبد مثل أبي قبيس ... وسيق مع المعلهجة العشار «١»
يقول: سيقت الإبل الحوامل في مهر اللئيمة.
قال أبو محمد: بلغني عن إسماعيل بن محمد بن جحادة عن أبيه قال:
كنت عند الحسن فقال: أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا، صبيان حيارى ما لهم تفاقدوا عقولهم وفراش نار وذبّان طمع.
وقال أبو حاتم عن الأصمعيّ: لو قسمت في الناس مائة ألف درهم كان أكثر للائمتى من لو أخذتها منهم.
ونحوه قول محمد بن الجهم: منع الجميع أرضى للجميع.
وقال ابن بشير «٢» (مجزوء المديد)
سوءة للناس كلّهم ... أنا في هذا من أوّلهم
لست تدري حين تنسبهم ... أين أدناهم من أفضلهم
وقال نهار «٣» بن توسعة (طويل)
عتبت على سلم فلّما فقدته ... وجرّبت أقواما بكيت على سلم
стр. 466
وهذا مثل قولهم: ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه.
وقال الأحنف «١» بن قيس (طويل)
وما مرّ يوم أرتجي فيه راحة ... فأخبره إلّا بكيت على أمس
وقال آخر (طويل)
ونعتب أحيانا عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعيبا
وقال آخر (وافر)
سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
قال: وحدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعيّ عن ابن أبي الزّناد عن أبيه قال: لا يزال في الناس بقيّة ما تعجّب من العجب.
رجوع المتخلّق إلى طبعه
بلغني أن أعرابيا ربّى جرو ذئب حتى شبّ وظنّ أنه يكون أغنى عنه من الكلب وأقوى على الذبّ عن الماشية فلما قوي وثب على شاة فقتلها وأكل منها فقال الأعرابيّ (وافر)
أكلت شويهتي وربيت فينا ... فما أدراك أنّ أباك ذيب
ويروى «٢» :
ولدت بقفرة ونشأت عندي ... إذا كان الطّباع طباع سوء
فليس بنافع فيها الأديب
стр. 467
وقال الخريميّ «١» [متقارب]
يلام أبو الفضل في وجوده ... وهل يملك البحر ألّا يفيضا؟
وقال أبو الأسد «٢» [طويل]
ولائمة لامتك يا فيض في النّدى ... فقلت لها هل يقدح اللّوم في البحر؟
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السّحاب عن القطر
مواقع جود الفيض في كلّ بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
وقال كثيّر [طويل]
ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه ... يدعه ويغلبه على النّفس خيمها «٣»
وقال زهير [طويل]
ومهما تكن عند آمريء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وأنشدني ابن الأعرابيّ لذي الإصبع «٤» العدوانيّ [بسيط]
كلّ امرىء راجع لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين
وقال آخر [بسيط]
ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه «٥» ... إنّ التخلّق يأبى دونه الخلق
وقال كثيّر في خلاف هذا [طويل]
وفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك أهواء الفؤاد المتيّم
стр. 468
بصائر رشد للفتى مستبينة ... وأخلاق صدق علمها بالتعلّم
ونحوه للمتلمّس «١» [طويل]
تجاوز عن الأدنين «٢» واستبق ودّهم ... ولن تستطيع الحلم حتّى تحلّما
وقال الطائيّ [كامل]
لبس الشّجاعة إنها كانت له ... قدما نشوعا في الصّبا ولدودا «٣»
بأسا قبيليّا وبأس تكرّم ... فينا وبأس قريحة مولودا
وقال أبو جعفر الشّطرنجيّ مولى المهديّ في سوداء «٤» [سريع]
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنّكما من طينة واحده «٥»
وقال أبو نواس [كامل]
تلقى النّدى في غيره عرضا ... وتراه فيه طبيعة أصلا
وإذا قرنت بعاقل أملا ... كانت نتيجة قوله فعلا
وأنشدنا الرّياشيّ [منسرح]
لا تصحبّن امرءا على حسب ... إنّي رأيت الأحساب قد دخلت
مالك من أن يقال إنّ له ... أبا كريما في أمّة سلفت
стр. 469
بل اصحبنه على طبائعه ... فكلّ نفس تجري كما طبعت
وقال العباس بن مرداس «١» [متقارب]
إنك لم تك كابن الشّريد ... ولكن أبوك أبو سالم
حملت المئين وأثقالها ... على أذني قنفذ رازم «٢»
وأشبهت جدّك شرّ الجدو ... د والعرق يسري إلى النائم
وقال بعض العبديين [طويل]
وما يستوي المرءان هذا ابن حرّة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرّك
وأدركه خالاته فخذلته ... ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ يدرك
باب الشيء يفرط فينتقل إلى غير طبعه
قرأت في كتاب للهند: لا ينبغي اللّجاج في إسقاط الهمّة والرأي وإذالته فإنه إمّا شرس الطبع كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغترّ بها فيعاد لوطئها، وإما سجح «٣» الطبع كالصندل «٤» البارد إن أفرط في حكّه عاد حارّا مؤذيا. وقال أبو نواس [منسرح]
قل لزهير إذا حدا وشدا ... أقلل وأكثر فأنت مهذار
سخنت من شدة البرودة حت ... ى صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثّلج بارد حار
стр. 470
ويقال: إنما ملح القرد عند الناس لإفراط قبحه. قال الطائيّ [بسيط]
أخرجتموه بكره من سجيّته ... والنار قد تنتضى من ناضر السّلم
أمن عمى نزل الناس الرّبى فنجوا ... وأنتمو نصب سيل الفتنة العرم «١»
أم ذاك من همم جاشت فكم ضعة ... حدا إليها غلوّ القوم في الهمم
وكان يقال: من التوقّي ترك الإفراط في التوقّي.
باب الحسد
قال: حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطّيرة والظّنّ والحسد قيل: فما المخرج منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقّق وإذا حسدت فلا تبغ» . وقال بكر بن عبد الله:
حصّتك من الباغي حسن المكاشرة، وذنبك إلى الحاسد دوام النعم من الله عليك. وقال روح بن زنباع الجذاميّ: كنت أرى قوما دوني في المنزلة عند السلطان يدخلون مداخل لا أدخلها فلما أذهبت عنيّ الحسد دخلت حيث دخلوا. وقال ابن حمام [طويل]
تمنّى لي الموت المعجّل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده «٢»
وقال الطائيّ [كامل]
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
стр. 471
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التّخوّف للعواقب لم تزل ... للحاسد النّعمى على المحسود
وقال عبد الملك للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه فعب نفسك قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتفعلنّ. قال: أنا لجوج حقود حسود، قال عبد الملك: ما في الشيطان شرّ مما ذكرت. قال بعض الحكماء: الحسد من تعادي الطبائع واحتلاف التركيب وفساد مزاج البنية وضعف عقد العقل والحاسد طويل الحسرات.
قال ابن المقفع: أقلّ ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظّا ولا غائظ به عدوّا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف ومحالفة كآبة وشدّة تحرّق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا ويكدّر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه ومتسخّطا لما لن ينال فوقه، فهو منغّص المعيشة دائم السّخطة محروم الطّلبة، لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل الله مباشرا للسّرور منتفعا به ممهّلا فيه إلى مدّة ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص.
قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبا لك «١» ، أنسيت إخوة يوسف؟ وكان يقال: إذا أردت أن تسلم من الحاسد فعمّ عليه أمورك.
ويقال: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه سلّط عليه حاسدا.
وقال العتبيّ «٢» - وذكر ولده الذين ماتوا-[متقارب]
стр. 472
وحتّى بكى لي حسّادهم ... وقد أقرحوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادث بامرىء ... يرى حاسديه له راحمينا
قيل لسفيان بن معاوية: ما أسرع حسد الناس إلى قومك! فقال:
[بسيط]
إنّ العرانين تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا
وقال آخر: [كامل]
وترى اللبيب محسّدا لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وظلما إنه لذميم
وقال يحيى بن خالد: الحاسد عدو مهين لا يدرك وتره إلا بالتمنّي. قيل لبعضهم: أيّ الأعداء لا تحبّ أن يعود لك صديقا؟ قال: من سبب عداوته النعمة. وقال الأحنف: لا صديق لملول «١» ولا وفاء لكذوب، ولا راحة لحسود ولا مروءة لبخيل ولا سؤدد لسيّء الخلق. وقال معاوية: كلّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال الشاعر:
[بسيط]
كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد «٢»
وفي بعض الكتب يقول الله: «الحاسد عدوّ لنعمتي متسخّط لقضائي غير راض بقسمي بين عبادي» . وكان يقال: قد طلبك من لا يقصّر دون الظّفر
стр. 473
وحسدك من لا ينام دون الشّفاء. وخطب الحجاج يوما برستقباذ بقول سويد «١» ابن أبي كاهل [رمل]
كيف يرجون سقاطي بعدما ... جلّل الرأس بياض وصلع
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع
ويراني كالشّجا في خلقه ... عسرا مخرجه ما ينتزع
مزبدا يخطر ما لم يرني ... فإذا أسمعته صوتي انقمع
لم يضرني غير أن يحسدني ... فهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع «٢»
ويحيّيني إذا لا قيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع
قد كفاني الله ما في نفسه ... وإذا ما يكف شيئا لم يضع
وقال آخر «٣» [بسيط]
إن تحسدوني فإنّي لا ألومكم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولكم ما بي وما بكم ... وما أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي تجدوني في حلوقكم ... لا أرتقي صعدا فيها ولا أرد
وقال بعضهم: الحسد أوّل ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس آدم، وأوّل ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم أخاه حتى قتله. وأنشدني شيخ لنا عن أبي زيد الأعرابيّ. [سريع]
стр. 474
لا تقبل الرّشد ولا ترعوي ... ثاني رأس كابن عوّاء «١»
حسدتني حين أفدت الغنى ... ما كنت إلا كابن حوّاء
غادى «٢» أخاه محرما مسلما ... بطعنة في الصلب نجلاء
وأنت تقليني «٣» ولا ذنب لي ... لكنّني حمّال أعباء
من يأخذ النار بأطرافه ... ينضح على النار من الماء
مرّ قيس بن زهير ببلاد غطفان «٤» فرأى ثروة وجماعات وعددا فكره ذلك، فقال له الربيع بن زياد: إنه يسوءك ما يسرّ الناس! فقال له: يا أخي، إنك لا تدري، إنّ مع الثروة والنعمة التحاسد والتخاذل، وإنّ مع القلّة التحاشد والتناصر.
قال الأصمعيّ: رأيت أعرابيا قد أتت له مائة وعشرون سنة، فقلت له:
ما أطول عمرك! فقال: تركت الحسد فبقيت. وقال زيد «٥» بن الحكم الثقفيّ. [طويل]
تمّلأت من غيظ عليّ فلم يزل ... بك الغيظ حتّى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حشيتها ... تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي
وقال النّطاسيّون إنك مشعر ... سلالا ألا بل أنت من حسد جوي «٦»
بدا منك غشّ طالما قد كتمته ... كما كتمت داء ابنها أمّ مدّوي
جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... حلالا ثلاثا لست عنها بمرعوي
стр. 475
وكان يقال: ستّة لا يخلون من الكآبة: رجل آفتقر بعد غنى، وغنيّ يخاف على ماله التّوى «١» ، وحقود، وحسود، وطالب مرتبة لا يبلغها قدره، ومخالط الأدباء بغير أدب.
باب الغيبة والعيوب
قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الأعلى عن داود بن عطاء عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بشراركم «٢» قالوا: بلى، قال: من شراركم المشّاؤون بالنّميمة المفسدون بين الأحبّة الباغون البرآء العنت» .
قال: وحدّثني حسين بن الحسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا الأجلح عن الشّعبيّ قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: يا أيّها الناس خذوا على أيدي سفهائكم، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ قوما ركبوا البحر في سفينة، واقتسموها فأصاب كلّ واحد منهم مكان، فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه، فقالوا: ما تصنع؟ فقال: مكاني أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه غرقوا وغرق» .
بلغني عن حمّاد بن زيد عن ابن عون قال: قال أبو الدرداء؛ ليس من يوم أصبح فيه لا يرميني الناس بداهية إلا كان نعمة من الله عليّ. وقال حسان: قلت شعرا لم أقل مثله [طويل]
وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
стр. 476
وبلغني عن ابن عيينة قال: قال مسعر: ما نصحت أحدا قطّ إلّا وجدته يفتّش عن عيوبي. وقال بعضهم: من عاب سفلة «١» فقد رفعه، ومن عاب شريفا فقد وضع نفسه. وقال عمر بن الخطاب: أحبّ الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي.
أحمد بن يونس عن الفضيل أنه سمعه يقول: إن الفاحشة لتشيع في الذين آمنوا حتى إذا صارت إلى الصالحين صاروا لها خزّانا. قال وسمعته يقول أيضا: حسناتك من عدوّك أكثر منها من صديقك، لأن عدوّك إذا ذكرت عنده يغتابك وإنما يدفع إليك المسكين حسناته.
محمد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثنا ابن عون قال: مرّ ابن سيرين بقوم فقام إليه رجل فقال: يا أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحلّلنا، فقال: إني لا أحلّ لك ما حرّم الله عليك، فأما ما كان إليّ فهو لك.
محمد بن مسلم الطائفيّ قال: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: بلغني أنك نلت منّي، فقال: نفسي أعزّ عليّ من ذلك.
الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ عن بلال بن سعد قال: أخ لك كلّما لقيك أخبرك بعيب فيك خير لك من أخ لك كلّما لقيك وضع في كفّك دينارا.
شريك عن عقيل قال: قال الحسن: لا غيبة إلا لثلاثة: فاسق مجاهر بالفسق، وذي بدعة، وإمام جائر. وكان يقال: من اغتاب خرق ومن استغفر الله رفأ «٢» وفي بعض الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا عاب أحدكم أخاه
стр. 477
فليستغفر الله» . كان يقال: إياك وما يصمّ الأذن. العتبيّ قال: قال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: كنت أساير أبي ورجل يقع في رجل، فالتفت إليّ أبي فقال: يا بنيّ نزّه سمعك عن استماع الخنى «١» كما تنزّه لسانك عن الكلام به، فإن المستمع شريك القائل، ولقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شقي قائلها.
فضيل بن عياض قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهّده في الدنيا وفقّهه في الدّين وبصّره عيوبه. قال فضيل: وربما قال الرجل: لا إله إلا الله؛ أو سبحان الله فأخشى عليه النار، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه ويعجبه ذلك فيقول: لا إله إلا الله، وليس هذا موضعه، إنّما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له: اتّق الله.
في الحديث المرفوع أنّ امرأتين صامتا على عهد النبيّ ﵇ وجعلتا تغتابان الناس، فأخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: «صامتا عمّا أحلّ لهما وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما» ، وقال حمّاد بن سلمة: ما كنت تقوله للرجل وهو حاضر فقلته من خلفه فليس بغيبة.
عاب رجل رجلا عند بعض الأشراف فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس، لأنّ الطالب للعيوب إنّما يطلبها بقدر ما فيه منها. قال بعض الشعراء. [وافر]
وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
وأنشد ابن الأعرابيّ [سريع]
стр. 478
اسكت ولا تنطق فأنت خيّاب «١» ... كلّك ذو عيب وأنت عيّاب
وأنشدني أيضا [سريع]
ربّ غريب ناصح الجيب ... وابن أب متّهم الغيب «٢»
وكلّ عيّاب له منظر ... مشتمل الثّوب على العيب
وكان عتبة بن عبد الرحمن يغتاب الناس ولا يصبر، ثم ترك ذلك، فقيل له: أتركتها؟ قال: نعم، على أنّي والله أحبّ أن أسمعها.
أتى رجل عمرو بن مرثد فسأله أن يكّلم له أمير المؤمنين، فوعده أن يفعل، فلما قام قال بعض من حضر: إنه ليس مستحقا لما وعدته، فقال عمرو: إن كنت صدقت في وصفك إياه فقد كذبت في ادّعائك مودّتنا؛ لأنه إن كان مستحقّا كانت اليد موضعها، وإن لم يكن مستحقا فما زدت على أن أعلمتنا أنّ لنا بمغيبنا عنك مثل الذي حضرت به من غاب من إخواننا.
وفي الحديث: «إنّ الغيبة أشدّ من الزنا. قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنّ الرجل يزني فيتوب، فيتوب الله عليه، وصاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبها» .
قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنّي اغتبت رجلا وأريد أن أستحلّه، فقال له: لم يكفك أن اغتبته حتى أردت أن تبهته. إغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمّظت بمضغة طالما لفظها الكرام.
стр. 479
مرّ رجل بجارين له ومعه ريبة، فقال أحدهما لصاحبه: أفهمت ما معه من الرّيبة؟ فقال الآخر: غلامي حرّ لوجه الله شكرا له إذا لم يعرّفني من الشرّ ما عرّفك.
شعبة عن يحيى بن الحصين عن طارق قال: دار بين سعد بن أبي وقّاص وبين خالد بن الوليد كلام، فذهب رجل ليقع في خالد عند سعد، فقال سعد:
مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. أي عداوة وشرّ. وقال الشاعر «١» [متقارب]
ولست بذي نيرب في الكرام، ... ومنّاع خير، وسبّابها «٢»
ولا من إذا كان في جانب «٣» ... أضاع العشيرة واغتابها
ولكن أطاوع ساداتها ... ولا أتعلّم «٤» ألقابها
وقال آخر [بسيط]
لا يأمل الجار خيرا من جوارهم ... ولا محالة من هزء وألقاب
وقال الفرزدق [طويل]
تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل ... وما خلت عنّي ودّهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «٥»
стр. 480
أنشد أبو سعيد الضرير لبعض الضّبّيين [طويل]
ألا ربّ من يغتابني ودّ أنّني ... أبوه الذي يدعى إليه وينسب
على رشدة من أمه أو لغيّة ... فيغلبها فحل على النسل منجب
فبالخير لا بالشرّ فاطلب مودّتي ... وأيّ امرىء يغتال منه التّرهّب
وقال آخر في نحوه: [طويل]
ولما عصيت العاذلين ولم أبل ... ملامتهم ألقوا على غاربي حبلي
وهازئة منّي تودّ لو ابنها ... على شيمتي أو أنّ قيّمها مثلي
قيل لبزر جمهر: هل من أحد ليس فيه عيب؟ قال: لا، إن الذي لا عيب فيه لا ينبغي أن يموت. وقال في مثل هذا موسى «١» شهوات [خفيف]
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني
أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
وقال أبو الأسود «٢» الدؤليّ: [كامل]
وترى الشّقيّ إذا تكامل غيبه ... يرمى ويقرف «٣» بالذي لم يفعل
стр. 481
لقي بكر بن عبد الله أخا له فقال: إذا أردت أن تلقى من النّعمة عليك أعظم منها عليه وهو أشكر للنّعمة لقيته، وإذا شئت أن تلقى من أنت أعظم منه جرما وهو أخوف لله منك لقيته. أرأيت لو صحبك رجلان: أحدهما مهتوك لك ستره ولا يذنب ذنبا إلا رأيته ولا يقول هجرا إلا سمعته فأنت تحبّه على ذلك وتوافقه وتكره أن تفارقه، والآخر مستور عنك أمره غير أنك تظنّ به السوء فأنت تبغضه، أعدلت بينهما؟ قال: لا؛ قال: فهل مثلي ومثلك ومثل من أنت راء من الناس إلا كذلك؟ إنا نعرف الحقّ في الغيب من أنفسنا فنحبّها على ذلك، ونتظنّن الظّنون على غيرنا فنبغضهم على ذلك. ثم قال: أنزل الناس منك ثلاث منازل، فاجعل من هو أكبر منك سنّا بمنزلة أبيك، ومن هو تربك بمنزلة أخيك، ومن هو دونك بمنزلة ولدك، ثم انظر أيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك له سترا أو تبدي له عورة!.
سعيد بن واقد المزنيّ قال: حدّثنا صالح بن الصّقر عن عبد الله بن زهير قال: وفد العلاء «١» بن الحضرميّ على النبيّ ﷺ فقال: «أتقرأ من القرآن شيئا؟ فقرأ عبس وزاد فيها من عنده؛ وهو الذي أخرج من الحبلى، نسمة تسعى، من بين شراسيف «٢» وحشى؛ فصاح به النبيّ ﷺ وقال له: كفّ فإنّ السورة كافية» . ثم قال: هل تروي من الشّعر شيئا فأنشده: [طويل]
حيّ ذوي الأضغان تسب قلوبهم ... تحيّتك القربى فقد ترقع النّعل
وإن دحسوا «٣» بالكره فاعف تكرّما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
стр. 482
فإنّ الذي يؤذيك منه سماعه ... وإنّ الذي قالوا وراءك لم يقل «١»
فقال النبي ﵇: «إنّ من الشّعر حكما وإنّ من البيان سحرا» .
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ: قال: قال رجل لبكر بن محمد بن علقمة: بلغني أنك تقع فيّ؛ قال: أنت إذا أكرم عليّ من نفسي!. وقال بعض الشعراء: [بسيط]
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيكشف الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال أبو الدرداء: لا يحرز الإنسان من شرار الناس إلا قبره.
قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه: إن الولاة جعلوا العيون على العوامّ وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت منّي كلمة تربأ بي عنها أو فعالا لا تحبّه فعظني عنده وانهني عنه.
العتبيّ قال: تنقّص ابن لعامر بن عبد الله بن الزبير عليّ بن أبي طالب ﵇؛ فقال له أبوه: لا تتنقّصه يا بنيّ، فإنّ بني مروان ما زالوا يشتمونه ستّين سنة فلم يزده الله إلا رفعة، وإن الدّين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا عادت على ما بنت فهدمته. وقال بعض الشعراء «٢» : [كامل]
إبدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
стр. 483
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك ويقبل التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك، إذا فعلت، عظيم «١»
وقال آخر: [طويل]
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
وقال آخر: [طويل]
لك الخير، لم نفسا عليك ذونوبها ... ودع لوم نفس ما عليك تليم «٢»
وكيف ترى في عين صاحبك القذى ... ويخفى قذى عينيك وهو عظيم
كان رجل من المتزمّتين «٣» لا يزال يعيب النبيذ وشرابه فإذا وجده سرّا شربه؛ فقال فيه بعض جيرانه: [طويل]
وعيّابة للشّرب لو أنّ أمّه ... تبول نبيذا لم يزل يستبيلها
قال رجل لعمرو بن عبيد: إني لأرحمك مما تقول الناس فيك؛ قال:
أفتسمعني أقول فيهم شيئا؟ قال: لا؛ قال: إيّاهم فارحم.
قال أعرابيّ لامرأته: [متقارب]
وإمّا هلكت فلا تنكحي ... ظلوم العشيرة حسّادها
يرى مجده ثلب أعراضها ... لديه ويبغض من سادها «٤»
стр. 484
باب السّعاية
روى وكيع عن أبيه عن عطاء بن السائب قال: قدمت من مكة فلقيني الشعبيّ فقال: يا أبا زيد أطرفنا مما سمعت؛ قلت: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط يقول: لا يسكن مكّة سافك دم، ولا آكل ربا، ولا مشّاء «١» بنميم؛ فعجبت منه حين عدل النميمة بسفك الدماء وأكل الرّبا، فقال الشعبيّ: وما يعجبك من هذا؟ وهل تسفك الدّماء وتركب العظائم إلا بالنميمة؟
عاتب مصعب بن الزبير الأحنف بن قيس على شيء بلغه عنه، فاعتذر إليه الأحنف من ذلك ودفعه؛ فقال مصعب: أخبرني بذلك الثّقة؛ فقال الأحنف: كلّا أيها الأمير، إن الثقة لا يبلّغ. قال الأعشى: [طويل]
ومن يطع الواشين لا يتركوا له ... صديقا وإن كان الحبيب المقرّبا
وذكر السّعاة عند المأمون فقال رجل ممن حضر؛ يا أمير المؤمنين، لو لم يكن من عيبهم إلّا أنّهم أصدق ما يكونون، أبغض ما يكونون إلى الله لكفاهم.
سعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل؛ فقال له: إنصرف حتى أسأل عمّا ذكرت، وبعث في المسألة عن السّاعي فإذا هو لغير أبيه الذي يدعى له، فقال بلال: أخبرنا أبو عمرو قال: حدّثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ :
«السّاعي بالناس لغير رشدة» «٢» . وقال الشاعر: [وافر]
إذا الواشي نعى يوما صديقا ... فلا تدع الصّديق لقول واشي «٣»
стр. 485
أتى رجل الوليد بن عبد الملك وهو على دمشق لأبيه، فقال: للأمير عندي نصيحة؛ فقال: إن كانت لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها؛ قال: جار لي عصى وفرّ من بعثه؛ قال: أمّا أنت فتخبر أنك جار سوء، فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك؛ قال: بل تاركني.
وقال عبدة بن الطّبيب «١» : [كامل]
واعصوا الذي يسدي النميمة بينكم ... متنصّحا وهو السمّام «٢» المنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع «٣»
حرّان لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع «٤»
لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهم ... بين القبائل بالعداوة ينسع «٥»
إن الذين ترونهم خلّانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب «٦» صدورهم لا تنزع
قوم إذا دمس الظلام «٧» عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع
стр. 486
وقال أبو دهبل «١» الجمحيّ: [طويل]
وقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج
رأوا عورة فاستقبلوها بألبهم «٢» ... فراحوا على ما لا نحبّ وأدلجوا
وكانوا أناسا كنت آمن غيبهم ... فلم ينههم حلم ولم يتحرّجوا
وقال بشّار: [خفيف]
تشتهي قربك الرّباب وتخشى ... عين واش وتتّقي أسماعه
أنت من قلبها محلّ شراب ... تشتهي شربه وتخشى صداعه
وقال أبو نواس: [منسرح]
كنت من الحبّ في ذرى نيق ... أرود منه مراد موموق «٣»
حتى ثناني عنه تخلّق وا ... ش كذبة لفّها بتزويق
جبت قفا ما نمته معتذرا ... منه وقد فزت بعد تخريق
كقول كسرى فيما تمثّله ... من فرص اللّصّ ضجّة السّوق
وقرأت في كتاب للهند: قلّما يمنع القلب من القول إذا تردّد عليه، فإن الماء ألين من القول والحجر أصلب من القلب، وإذا انحدر عليه وطال ذلك أثّر فيه، وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبت ويقطع اللحم بالسيوف فيندمل واللسان لا يندمل جرحه، والنّصول تغيب في الجوف فتنزع والقول إذا وصل إلى القلب لم ينزع، ولكلّ حريق مطفىء: للنار الماء، وللسمّ الدواء، وللحزن الصبر، وللعشق الفرقة، ونار الحقد لا تخبو.
стр. 487
وقال طرفة بن العبد: [كامل]
وتصدّ عنك مخيلة الرجل ال ... عرّيض «١» موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأوسع الكلم «٢»
ونحوه قوله: [بسيط]
والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر
وقال امرؤ القيس: [متقارب]
وجرح اللّسان كجرح اليد
سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة؛ فقال لأصحابه: إذا شئتم تنحّوا؛ فلما تهيّأ الرجل للكلام قال له: إياك وأن تمدحني فإني أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى بأحد إليّ، وإن شئت أن أقيلك أقلتك؛ قال: أقلني.
وقال ذو الرياستين: قبول السّعاية شرّ من السّعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء كمن قبل وأجاز، فامقت الساعي على سعايته وإن كان صادقا للؤمه في هتك العورة وإضاعة الحرمة، وعاقبة إن كان كاذبا لجمعه بين هتك العورة وإضاعة الحرمة مبارزة لله بقول البهتان والزور.
وقال بعض المحدثين لعبد الصمد «٣» بن المعذّل: [طويل]
لعمرك ما سبّ الأمير عدوّه ... ولكنّما سبّ الأمير المبلّغ
стр. 488
وقال رجل للوليد بن عبد الملك: إنّ فلانا شتمك؛ فأكبّ ثم قال: أراه شتمك. وأتى رجل ابن عمر فقال له: إن فلانا شتمك؛ فقال له: إنّي وأخي عاصما لا نسابّ أحدا.
عوانة قال: كان بين حاتم طيء وبين أوس «١» بن حارثة ألطف ما يكون بين اثنين؛ فقال النعمان بن المنذر لجلسائه: والله لأفسدنّ ما بينهما؛ قالوا:
لا تقدر على ذلك؛ قال: بلى، فقلّما جرت الرجال في شيء إلا بلغته؛ فدخل عليه أوس؛ فقال: يا أوس، ما الذي يقول حاتم؟ قال: وما يقول؟
قال: يقول إنه أفضل منك وأشرف؛ قال: أبيت اللّعن، صدق! والله لو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لأنهبنا في مجلس واحد، ثم خرج وهو يقول «٢» : [طويل]
يقول لي النعمان لا من نصيحة ... أرى حاتما في قوله متطاولا
له فوقنا باع كما قال حاتم ... وما النّصح فيما بيننا كان حاولا
ثم دخل عليه حاتم فقال له مثل مقالته لأوس؛ قال: صدق، أين عسى أن أقع من أوس! له عشرة ذكور أخسّهم أفضل منّي، ثم خرج وهو يقول: [طويل]
يسائلني النعمان كي يستزلّني ... وهيهات لي أن أستضام فأصرعا
كفاني نقصا أن أضيم عشيرتي ... بقول أرى في غيره متوسّعا
فقال النعمان: ما سمعت بأكرم من هذين الرجلين.
ذكر يعقوب بن داود أيام كان مع المهديّ أنه وافاه في يوم واحد ثمانون
стр. 489
رقعة كلّها سعاية، منها ستون لأهل البصرة، وعشرون لسائر البلاد.
وشى واش برجل إلى الإسكندر؛ فقال له: أتحبّ أن أقبل منك ما قلت فيه على أن نقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا؛ قال: فكفّ عن الشرّ يكفّ عنك الشّرّ.
كتب بعض إحواننا من الكتّاب إلى عامل وكان سعي به إليه: لست أنفكّ فيما بيني وبينك من إحدى أربع: إما كنت محسنا وإنك لكذلك فاربب، أو مسيئا ولست به فأبق، أو أكون ذا ذنب ولم أتعمّد فتغمّد، أو مقروفا وقد تلحق به حيل الأشرار فتثبّت وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
«١» .
باب الكذب والقحة «٢»
حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا سليمان بن داود عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن شهر بن حوشب عن الزّبرقان عن النّواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصلح الكذب إلا في ثلاثة مواضع:
الحرب فإنها خدعة والرجل يصلح بين اثنين والرجل يرضي امرأته» .
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا بربر بن هارون قال: أخبرنا سفيان ابن حسين عن الزهريّ عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يكذب من قال خيرا وأصلح بين اثنين» .
стр. 490
قال: حدّثني عبدة بن عبد الله قال: حدّثنا أبو داود عن عمران عن قتادة قال: قال أبو الأسود الدؤليّ: إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقّنه.
حدّثني محمد بن داود عن سويد بن سعيد عن مالك عن صفوان بن سليم قال: قيل للنبيّ ﷺ : «أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم قال: أفيكون بخيلا؟ قال: نعم قال: أفيكون كذّابا؟ قال: لا» . قال: حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: عاتب إنسان كذّابا على الكذب؛ فقال: يا ابن أخي، لو تغرغرت «١» به ما صبرت عنه. قال: وقيل لكذوب: أصدقت قطّ؟ قال: أكره أن أقول لا فأصدق. وقال ابن عبّاس: الحدث حدثان: حدث من فيك وحدث من فرجك. وقال مديني: من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. ومثله قول الشاعر: [سريع]
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
بلغني عن وكيع عن أبيه عن منصور قال: قال مجاهد: كلّ ما أصاب الصائم شوى «٢» ما خلا الغيبة والكذب. وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل فقال: اشترط خصلة واحدة لا يزيد عليها، لقلت لا تكذبني. كان ابن عبّاس يقول: الكذب فجور، والنميمة سحر، فمن كذب فقد فجر، ومن نمّ فقد سحر. وكان يقال: أسرع الاستماع وأبطىء التحقيق. قال الأحنف: ما
стр. 491
خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن. وكانوا يحلفون فيحنثون «١» ويقولون فلا يكذبون. ذمّ رجل رجلا فقال: اجتمع فيه ثلاثة: طبيعة العقعق «٢» يعني السّرق، وروغان الثعلب يعني الخبّ، ولمعان البرق يعني الكذب.
ويقال الأذّلاء أربعة: النّمام والكذّاب والمدين والفقير. قال ابن المقفّع: لا تهاوننّ بإرسال الكذبة في الهزل فإنها تسرع في إبطال الحقّ. وقال الأحنف:
اثنان لا يجتمعان أبدا: الكذب والمروءة. وقالوا: من شرف الصّدق أنّ صاحبه يصدّق على عدوّه. وقال الأحنف لابنه: يا بنيّ، اتّخذ الكذب كنزا؛ أي لا تخرجه. وقيل لأعرابيّ كان يسهب في حديثه: أما لحديثك هذا آخر؟
فقال: إذا انقطع وصلته. وقال ابن عمر: زعموا زاملة «٣» الكذب. كان يقال:
علّة الكذوب أقبح علّة، وزلّة المتوقّي أشدّ زلّة. كان المهلّب كذّابا وكان يقال له: راح يكذب. وفيه يقول الشاعر «٤» [وافر]
تبدلت المنابر من قريش ... مزونيّا بفقحته «٥» الصليب
فأصبح قافلا كرم وجود «٦» ... وأصبح قادما كذب وحوب
قال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت كذبة قطّ؛ قال: أمّا هذه فواحدة يشهد
стр. 492
بها عليك. قال ميمون بن ميمون: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. قال أبو حيّة النّميريّ- وكان كذّابا-: عنّ لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه والله السهم، فراغ فراوغه السهم حتى صرعه ببعض الخبارات «١» . وقال أيضا: رميت ظبية فلما نفذ السهم ذكرت بالظبية حبيبة لي فشددت وراء السهم حتى قبضت على قذذه «٢» . وصف أعرابيّ امرأة فقيل: ما بلغ من شدّة حبّك لها؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها ريح المسك.
أنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك: [وافر]
ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمام «٣»
فبتن بجانبيّ مصرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
كأنّ مفالق الرمّان فيها «٤» ... وجمر غضا قعدن عليه حامي «٥»
فقال له سليمان: ويحك يا فرزدق، أحللت بنفسك العقوبة، أقررت عندي بالزنا وأنا إمام ولا بدّ لي من أن أحدّك؛ فقال الفرزدق: بأيّ شيء أوجبت عليّ ذلك؟ قال: بكتاب الله؛ قال: فإن كتاب الله هو الذي يدرأ عنّي الحدّ؛ قال: وأين؟ قال: في قوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
«٦» فأنا قلت: يا أمير المؤمنين،
стр. 493
ما لم أفعل؛ وقول الشاعر: [رجز]
وإنما الشاعر مجنون كلب ... أكثر ما يأتي على فيه الكذب
وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
حسب الكذوب من البلي ... ية بعض ما يحكى عليه
مهما سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
وقال بشّار: [كامل]
ورضيت من طول العناء بيأسه ... واليأس أيسر من عدات «١» الكاذب
والعرب تقول: «أكذب من سالئة «٢» » وهي تكذب مخافة العين على سمنها.
و «أكذب من مجرّب» لأنه يخاف أن يطلب من هنائه «٣» . و «أكذب من يلمع» وهو السراب. منصور ابن سلمة الخزاعيّ قال: حدّثنا شبيب بن شيبة أبو معمر الخطيب قال: سمعت ابن سيرين يقول: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف.
وقال في قول الله : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
«٤» لم ينس ولكنها من
стр. 494
معاريض الكلام. وقال القينيّ: أصدق في صغار ما يضرّني لأصدّق في كبار ما ينفعني. وكان يقول: أنا رجل لا أبالي ما استقبلت به الأحرار. نافر رجل من جرم رجلا من الأنصار إلى رجل من قريش، فقال للجرميّ: أبالجاهليّة تفاخره أم بالإسلام؟ فقال: بالإسلام؛ فقال: كيف تفاخره وهم آووا رسول الله ونصروه حتى أظهر الله الإسلام؟ قال الجرميّ: فكيف تكون قلّة الحياء. وقال آخر: إنما قويت على خصومي بأنّي لم أستتر قطّ بشيء من القبيح. وذكر أعرابيّ رجلا فقال: لو دقّ وجهه بالحجارة لرضّها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها. قيل لرجل من بني أسد: بأيّ شيء غلبت الناس؟ قال: أبهت الأحياء وأستشهد الموتى. وقال طريح «١» الثقفيّ يذمّ قوما: [بسيط]
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرّا أذيع وإن لم يعلموا كذبوا
وكان يقال: اثنان لا يتّفقان أبدا: القناعة والحسد، واثنان لا يفترقان أبدا: الحرص والقحة، وقال الشاعر: [مجزوء الكامل]
إن يبخلو أو يغدروا ... أو يفخروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي «٢» ... ن كأنّهم لم يفعلوا
كأبي براقش «٣» كلّ لو ... ن لونه يتخيّل
هجا أبو الهول الحميريّ الفضل بن يحيى ثم أتاه راغبا إليه؛ فقال له
стр. 495
الفضل: ويلك بأيّ وجه تلقاني! قال: بالوجه الذي ألقى به ربّي وذنوبي إليه أكثر؛ فضحك ووصله.
ومن أمثال العرب في الوقاح «رمتني بدائها وانسلّت» . وقال الشاعر:
[طويل]
أكول لأرزاق العباد إذا شتا ... صبور على سوء الثّناء «١» وقاح
قال رجل لقوم يغتابون ويكذبون: توضّأوا فإنّ ما تقولون شرّ من الحدث. وبلغني عن حمّاد بن زيد عن هشام عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدث وأذى المسلم. روى الصّلت بن دينار عن عقبة عن أنس بن مالك قال: بعثني أبو موسى الأشعريّ من البصرة إلى عمر؛ فسألني عن أحوال الناس ثم قال: كيف يصلح أهل بلد جلّ أهله هذان الحيّان: بكر بن وائل وبنو تميم، كذب بكر وبخل تميم. ذكر بعض الحكماء أعاجيب البحر وتزيّد البحريّين فقال: البحر كثير العجائب، وأهله أصحاب تزيّد، فأفسدوا بقليل الكذب كثير الصّدق، وأدخلوا ما يكون فيما يكاد لا يكون، وجعلوا تصديق الناس لهم في غريب الأحاديث سلّما إلى ادّعاء المحال.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الصّدق أحيانا محرّم.
حدّثني شيخ لنا عن أبي معاوية قال: حدثنا أبو حنيفة عن معن بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كذبت على عهد النبيّ ﷺ إلا كذبة واحدة، كنت أرحّل لرسول الله ﷺ فجاء رجل من الطائف فقلت:
هذا يغلبني على الرّحال؛ أيّ الرّحال أحبّ إلى رسول الله؟ فقلت: الطائفيّة
следующие страницы →