← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[مجزوء الكامل] إنّي أجالس معشرا ... نوكى «١» أخفّهمو ثقيل قوم إذا جالستهم ... صدئت بقربهم العقول لا يفهموني قولهم ... ويدقّ عنهم ما أقول فهمو كثير بي وأع ... لم أنّني بهمو قليل أخبرنا النّوشجانيّ عن عمر بن سعيد بن القرشي قال: حدّثني صدقة بن خالد قال: أتيت الكوفة فجلست إلى أبي حنيفة، فقام رجل من جلسائه فقال: [متقارب] فما الفيل تحمله ميّتا ... بأثقل من بعض جلّاسنا «٢» فما حملت عنه شيئا. مرّ رجل بصديق له ومعه رجل ثقيل، فقال له: كيف حالك؟ فقال: [منسرح] وقائل كيف أنت؟ قلت له ... هذا لبسي فما ترى حالي؟ وقال بشّار «٣» : [خفيف] ربّما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفا في كفّة الميزان ولقد قلت حين وتّد في الأر ... ض ثقيل أربى على ثهلان «٤»

стр. 422

كيف لم تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان! «١» ! وقال آخر: [منسرح] هل غربة الدار منك منجيتي ... إذا اغتدت بي قلائص ذمل «٢» وما أظنّ الفلاة منجيتي ... منك ولا الفلك أيها الرجل ولو ركبت البراق «٣» أدركني ... منك على نأي دارك الثّقل هل لك فيما ملكت نافلة ... تأخذه جملة وترتحل وقال أعرابيّ: [وافر] كأني عند حمزة في مقامي ... ألا حيّيت عنّا يا مدينا بلينا عنده حتى كأنّا ... ألا هبّي بصحنك فاصبحينا «٤» وقال آخر: [متقارب] «٥» ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألم لطلعته وخرة في الحشا ... كوخز المشارط في المحتجم أقول له إذ بدا طالعا ... ولا حملته إلينا قدم فقدت خيالك لا من عمى ... وأذني كلامك لا من صمم قال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه وغمّك في سؤاله فألزمه

стр. 423

أذنا صمّاء وعينا عمياء. وكتب بعض الكتّاب في فصل من كتابه: ما آمن نزغ مستميح حرمته، وطالب حاجة وددته، ومثابر ثقيل حجبته، أو منبسط ناب قبضته، ومقبل بعنانه عليّ لويت عنه، فقد فعلت هذا بمستحقين وبتعذر الحال، فتثبت رحمك الله، ولا تطع كلّ حلّاف مهين. وقال بعض المحدثين للخليل: [متقارب] خرجنا نريد غزاة لنا ... وفينا زياد أبو صعصعه فستّة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعه باب البناء والمنازل الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ قال: قال السائب بن الأقرع لرجل من العجم: أخبرني عن مكان من القرية لا يخرب حتى أستقطع ذلك الموضع، فقال له: ما بين الماء إلى دار الإمارة، فاختطّ لثقيف ذلك الموضع، قال الهيثم بن عديّ: فبتّ عندهم فإذا ليلهم بمنزلة النهار. وقال قائل في الدار: ليكن أوّل ما تبتاع وآخر ما تبيع. وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ليبنيها: هي قميصك فإن شئت فوسّعه، وإن شئت فضيّقه. وأتاه وهو يبني داره التي ببغداد بقرب الدور، وإذا هم يبيضون حيطانها فقال: إعلم أنك تغطّي الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كلّ مكان يكون الذهب أنفع من الفضة، ولكن هل ترى عيبا؟ قال: نعم، مخالطتها دور السّوقة. دخل ابن التوءم على بعض البصريين وهو يبني دارا كثيرة الذرع،

стр. 424

واسعة الصحن، رفيعة السّمك، عظيمة الأبواب، فقال: إعلم أنك قد ألزمت نفسك مؤنة لا تطاق، وعيالا لا يحتمل مثلهم، ولا بد لك من الخدم والسّتور والفرش على حسب ما ابتليت به نفسك، وإن لم تفعل هجّنت رأيك. وقرأت في كتاب الآيين أنه كان يستقبل بفراش الملك ومجلسه المشرق، أو يستقبل بهما مهبّ الصّبا، وذلك أن ناحية المشرق وناحية الصّبا يوصفان بالعلوّ والارتفاع، وناحية الدّبور وناحية المغرب يوصفان بالفضيلة والانخفاض، وكان يستقبل بصدور إيوانات الملك المشرق أو مهبّ الدبور، ويستقبل بصدور الخلاء وما فيه من المقاعد مهبّ الصّبا، لأنه يقال: إنّ استقبال الصبّا في موضع الخلاء آمن من سحر السّحرة ومن ريح الجنّة. وكان عمر يقول: على كلّ خائن أمينان: الماء والطين. ومرّ ببناء يبنى بآجرّ وجصّ فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفلان، فقال: تأبى الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله. أبو الحسن قال: لما بلغ عمر أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر «١» قال: قد كنت أكره لكم البنيان بالمدر، فأمّا إذ قد فعلتم فعرّضوا الحيطان، وأطيلوا السّمك، وقاربوا بين الخشب. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني بالبصرة دارا؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري. وقال: الصواب أن تتّخذ الدّور بين الماء والسّوق، وأن تكون الدور شرقية والبساتين غربية. قال بعض الشعراء: [سريع] بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهمو مجد

стр. 425

وقال آخر لأبي محمد اليزيدي: [سريع] قومي خيار غير ما أنّهم ... صولتهم منهم على جارهم ليس لهم مجد سوى مسجد ... به تعدّوا فوق أطوارهم لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم وقال رجل من خزاعة: [مجزوء الكامل] فخر المسيّب بالمناره ... ومناره برحا «١» عماره فإذا تفاخرت القبا ... ئل من تميم أو فزاره حفلت عليك شيوخ ضب ... بة بالمسيّب والمناره مرّ رجل من الخوارج بدار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟. وقالوا: كلّ مال لا يخرج بخروجك ولا يرجع برجوعك ولا ينتقل في الوجوه بانتقالك فهو كفيل. وقالت الحكماء من الروم: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس «٢» وثيق ليكون مطلّا، وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواؤها المشرق واستقبال الصّبا، فإن ذلك أصلح للأبدان لسرعة طلوع الشمس وضوئها عليهم. ومن حسن التشبيه في البناء قول عليّ بن الجهم: [متقارب] صحون تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها وقبّة ملك كأن النجو ... م تصغي إليها بأسرارها

стр. 426

وفوّارة ثأرها في السماء ... فليست تقصّر عن ثارها إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب أقطارها لها شرفات كأن الربيع ... كساها الرياض بأنوارها فهنّ كمصطحبات خرجن ... لفصح النصارى وإفطارها فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها وقال الوليد بن كعب «١» : [طويل] بكت دار بشر شجوها أن تبدّلت ... هلال بن عياد ببشر بن غالب وما هي إلا مثل عرس «٢» تنقّلت ... على رغمها من هاشم في محارب وقال آخر: [وافر] ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله «٣» كان ملك بن أسماء يهوى جارية من بني أسد وكانت تنزل خصّا «٤» وكانت دار مالك مبنية بآجرّ فقال: [كامل] يا ليت لي خصّا يجاورها ... بدلا بداري في بني أسد الخصّ فيه تقرّ أعيننا ... خير من الآجرّ والكمد حدّثنا محمد بن خالد بن خداش عن أبيه قال: حدّثنا إسحاق بن

стр. 427

الفرات قاضي مصر عن الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه: يا بنيّ، إنّ من ضيق العيش شراء الخبز من السوق، والنقلة من منزل إلى منزل. بلغني أن رجلا من الزّهاد مرّ في زورق، فلما نظر إلى بناء المأمون وأبوابه صاح: واعمراه! فسمعه المأمون فدعا به فقال: ما قلت؟ قال: رأيت بناء الأكاسرة فقلت ما سمعت، قال المأمون: أرأيت لو تحوّلت من هذه المدينة إلى إيوان كسرى بالمدائن هل كان لك أن تعيب نزولي هناك؟ قال: لا، قال: فأراك إنما عبت إسرافي في النفقة، قال: نعم، قال: فلو وهبت قيمة هذا البناء لرجل أكنّت تعيب ذلك؟ قال: لا، قال: فلو بنى هذا الرجل بما كنت أهب له بناء أكنت تصيح به كما صحت بي؟ قال: لا، قال: فأراك إنما قصدتني لخاصّتي في نفسي لا لعلة هي في غيري، ثم قال له: هذا البناء ضرب من مكايدنا نبنيه ونتّخذ الجيوش ونعدّ السلاح والكراع وما بنا إلى أكثره حاجة، فلا تعودنّ إليّ فتمسّك عقوبتي، فإن الحفيظة ربما صرفت ذا الرأي إلى هواه، فاستعمله. باب المزاح والرّخص فيه قال: حدّثنا محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن هشام بن عروة عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة أنها سابقت رسول الله ﷺ في سفر فسبقته في سفر آخر فسبقها وقال: «هذه بتلك» . حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع قال: كان أبو هريرة على المدينة خليفة لمروان، فربما ركب حمارا قد شدّ عليه برذعة «١» وفي رأسه حلية فيلقى

стр. 428

الرجل فيقول: الطريق، قد جاء الأمير، وربما دعاني إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق «١» للأمير، فأنظر فإذا هو ثريد «٢» لزيت؟؟؟. قال: حدّثني محمد بن مرزوق عن زاجر بن الصّلت الطاحى عن سعيد ابن عثمان قال: قال الشعبيّ لخياط مرّ به: عندنا حبّ مكسور تخيطه؟ فقال الخياط: إن كان عندك خيوط من ريح. حدّثني بهذا الإسناد قال: دخل رجل على الشعبيّ ومعه في البيت امرأة فقال: أيكم الشعبيّ؟ قال الشعبيّ: هذه. وسئل الشعبيّ عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف، قال: فما تقول في الذّبّان؟ قال: إن اشتهيته فكله. قال خالد بن صفوان للفرزدق وكان يمازحه: ما أنت يا أبا فراس بالذي لمّا رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، قال: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت فيه الفتاة «٣» لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «٤» . حماد بن زيد عن غالب أنه سأل ابن سيرين عن هشام بن حسان قال: توفّي البارحة، أما شعرت؟ فجزع واسترجع، فلما رأى ابن سيرين جزعه قرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها «٥»

стр. 429

مرّ بالشعبيّ حمّال على ظهر دنّ خلّ، فلما رآه وضع الدنّ وقال: ما كان اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبيّ: ذاك نكاح ما شهدناه. حدّثني محمد بن عبد العزيز عن الأصبهانيّ عن يحيى بن أبي زائدة عن الأعمش قال: عادني إبراهيم فنظر إلى منزلي فقال: أمّا أنت فتعرف في منزلك أنك لست من أهل القريتين عظيم. وروى وكيع عن ربيعة عن الزهريّ عن وهب بن عبد بن زمعة قال: قالت أم سلمة: خرج أبو بكر في تجارة ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكانا شهدا بدرا «١» ، وكان نعيمان على الزاد فقال له سويبط وكان مزّاحا: أطعمني، فقال: حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما والله لأغيظنّك، فمرّوا بقوم فقال لهم سويبط: أتشترون مني عبدا لي؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إني حرّ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا عليّ عبدي، فقالوا: بل نشتريه منك بعشر قلائص» ، ثم جاءوا فوضعوا في عنقه حبلا وعمامة واشتروه، فقال نعيمان: إن هذا يستهزىء بكم وإني حرّ، قالوا: قد أخبرنا بخبرك، وانطلقوا به، وجاء أبو بكر فأخبروه فأتبعهم فردّ

стр. 430

عليهم القلائص وأخذه، فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه فضحك هو وأصحابه منهما حولا. حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبيّ عن أبي عوانة عن قتادة أنّ عديّ بن أرطاة تزوّج بالكوفة وشرط لها دارها فأراد أن ينقلها فخاصمته إلى شريح، فقال: أين أنت أصلحك الله؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: إني رجل من أهل الشام، قال: بعيد سحيق، قال: إني تزوّجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين، قال: وولدت غلاما، قال: فليهنئك الفارس، قال: وشرطت لها دراها، قال: الشرط أملك، قال: إقض بيننا، قال: قد قضيت، قال: بمه؟ قال شريح: «حدّث امرأة حديثين فإن أبت فاربع «١» » قال لي المحدّث: فأربعة، وإنما هو فأربع أي كفّ وأمسك. وتقدّم رجلان إلى شريح في خصومة فأقرّ أحدهما بما يدّعي الآخر عليه وهو لا يعلم، فقضى عليه شريح، فقال الرجل: أتقضي عليّ بغير بينة؟ فقال: قد شهد عندي ثقة، قال: ومن هو؟ قال: ابن أخت خالتك. كان ابن سيرين ينشد: [بسيط] نبّئت أنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطّول وقال أيضا: [طويل] لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح استه لاستقرّت وكان ابن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه.

стр. 431

المدائني قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني رأيت البارحة في المنام كأن القيامة قد قامت ووضعت الموازين وأحضر الناس للحساب، فنظرت إليك وأنت واقف قد ألجمك العرق، وبين يديك صحف كأمثال الجبال، فقال معاوية: فهل رأيت شيئا من دنانير مصر؟. كان معن بن زائدة ظنينا في دينه، فبعث إلى ابن عيّاش المنتوف بألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار اشتريت بها دينك، فاقبض المال واكتب إليّ بالتسليم، فكتب إليه: قد قبضت الدنانير وبعتك بها ديني خلا التوحيد لما عرفت من زهدك فيه. قال الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء من ربيعة! فقال يزيد: أجل، ولكن منابرهم الجذوع. قال بلال بن أبي بردة لابن أبي علقمة: إنما دعوتك لأسخر منك، فقال له ابن أبي علقمة: لئن قلت ذاك لقد حكّم المسلمون رجلين سخر أحدهما من الآخر. كان يقال: السّباب مزاح النّوكى «١» . وقال الشاعر: [طويل] أخو الجدّ إن جاددت أرضاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله وقال مسعر «٢» بن كدام لابنه: [كامل] ولقد حبوتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق

стр. 432

أمّا المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق ولقد بلوتهما فلم أحمدهما ... لمحاور جار ولا لرفيق وقال الكميت «١» : [طويل] وفي الناس أقذاع ملاهيج بالخنا ... متى يبلغ الجدّ الحفيظة يلعبوا ومما يقارب هذا قول بعض المحدثين: [طويل] أراني سأبدي عند أوّل سكرة ... هواي لفضل في خفاء وفي ستر فإن رضيت كان الرضا سبب الهوى ... وإن غضبت حمّلت ذنبي على السّكر وقال الراعي «٢» - في نحو هذا يصف نساء-: [طويل] يناجيننا بالطّرف دون حديثنا ... ويقضين حاجات وهنّ موازح عرض بعض الأمراء على رجل عملين ليختار أحدهما فيوليه، فقال: «كلاهما وتمرا» ، فقال: أعندي تمزح! لا وليت لي عملا. وقال عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلّت هيبته. وقال عليّ: إذا ضحك العالم ضحكة مجّ من العلم مجّة. وقال أكثم: «المزاحة تذهب المهابة» . الهيثم عن عوانة الكلبيّ قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وهو مغموم وعنده رجل كان يحسده الأخطل ويقارضه، فقال الأخطل: يا أمير المؤمنين، عهدي بأبي هذا الفتى وهو سيدنا معشر بني جشم، وشيخنا الذي نصدر عن رأيه، فاهتزّ لها الفتى وقال: يا أمير المؤمنين، هو أعلم بنا قديما

стр. 433

وحديثا، قال الأخطل: إن أباه أمرنا ذات يوم وقد نوّرت الرياض أن نخرج إلى روضة في ظهر بيوت الحيّ فنتحدّث فيها، فخرجنا وانبسطنا لعبا، وخرج الرجل منا بالبكرة الكوماء «١» وبالخروف والجدي، وقام الفتيان فاجتزروا واشتووا ودارت السّقاة علينا، فبينما نحن كذلك رعف أبوه فما تركنا في الحيّ روثة حمار إلا نشقناه إياها فلم يرقأ «٢» دمه، فقال لنا شيخ: شدّوا خصي الشيخ عصبا، ففعلنا ذلك فرقأ الدم، فوالله ما دارت الكأس إلا دورة حتى أتانا الصريخ عن أمّه أنها قد رعفت، فبادرنا إليها، فوالله ما درينا ما نعصب منها حتى خرجت نفسها، وعبد الملك يفحص برجليه ضحكا، والفتى يقول: كذب والله، فقال عبد الملك: ألم تزعم أنه أعلم الناس بقديمكم وحديثكم!. حدّثني أحمد بن عمرو وقال: كان رجل من الفقهاء في طريق مكة، فرأى، وهو محرم، يربوعا «٣» فرماه بعصا كانت في يده فقتله، فقال الجمّال: ألست محرما؟ قال: بلى وما كانت بي إلى رميه حاجة إلا أن تعلم أنّ إحرامي لا يمنعني من ضربك. قال: وكان الأعمش يقول: من تمام الحج ضرب الجمّال. المدائنيّ قال: كان نعيمان رجلا من الأنصار وشهد بدرا وجلده النبيّ ﵇ في الخمر أربع مرات، فمرّ نعيمان بمخرمة بن نوفل وقد كفّ بصره فقال: ألا رجل يقودني حتى أبول، فأخذ بيده نعيمان، فلما بلغ مؤخّر المسجد قال: هاهنا

стр. 434

فبل، فبال فصيح به، فقال: من قادني؟ قيل: نعيمان، قال: لله عليّ أن أضربه بعصاي هذه، فبلغ نعيمان فأتاه فقال له: هل لك في نعيمان؟ فقال: نعم، فقال: قم، فقام معه فأتى به عثمان بن عفان وهو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه في العصا ثم ضربه، فقال الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبدا. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن ابن أبي الزّناد عن أبيه قال: قلت لخارجة بن زيد: هل كان الغناء يقام في العرسات؟ «١» قال: قد كان ذاك، ولا يحضر بما يحضر اليوم من السّفه، دعانا أخوالنا بنو نبيط في مدعاة لهم فشهد المدعاة حسّان بن ثابت وابنه عبد الرحمن وأنا، وجاريتان تغنّيان: [منسرح] أنظر خليلي بباب جلّق «٢» هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد؟ فبكى حسان وقد كفّ بصره، وجعل عبد الرحمن يومىء إليهما أن زيدا، فلا أدري ماذا يعجبه من أن تبكيا أباه، ثم جيء بالطعام، فقال حسان: أطعام يد أم طعام يدين؟ فقالوا: طعام يد، يريدون الثريد «٣» فأكل، ثم أتي بطعام آخر فقال: أطعام يد أم طعام يدين؟ قالوا: طعام يدين، يعنون الشّواء فكفّ. حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: كان طويس يتغنّى في عرس،

стр. 435

فدخل النعمان ابن بشير العرس وطويس «١» يقول: [متقارب] أجدّ بعمرة «٢» غنيانها ... فتهجر أم شأنها شانها وعمرة أم النعمان، فقيل له: أسكت أسكت، فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا وإنما قال: [متقارب] وعمرة من سروات النّسا ... تنفح بالمسك أردانها «٣» حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا الحجاج بن نصير قال: حدّثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية أنه كان مع ابن عباس وهو محرم، فقال ابن عباس: [رجز] وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننل «٤» لميسا فقالوا: تقول الرفث «٥» وأنت محرم يا ابن عباس! فقال: إنما الرّفث عند النساء. قال جابر الجعفيّ: رأيت الشعبيّ خارجا من الكوفة فقلت له: أين؟ قال: انظر إلى الفيل. حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال: حدّثنا شريك عن جابر الجعفيّ عن عكرمة فقال: ختن ابن عباس بنيه فأرسلني فدعوت اللعّابين فلعبو فأعطاهم أربعمائة درهم.

стр. 436

حدّثني شيخ لنا من أهل المدينة قال: ولي الأوقص المخزوميّ قضاء مكة فما رئي مثله في العفاف والنّبل، فبينا هو نائم ذات ليلة في جناح له مرّ به سكران يتغنّى، فأشرف عليه فقال له: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نوّاما، وغنّيت خطأ، خذ عني فأصلحه له. وقال الأوقص قالت لي أمي: يا بنيّ، إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، إنك لا تكون مع أحد إلّا تخطّتك إليه العيون، فعليك بالدّين فإنه يرفع الخسيسة ويتمّ النقيصة، فنفعني الله بكلامها فبلغت القضاء. قال عبد الله بن جعفر لرجل: لو غنّتك فلانة جاريتي صوت كذا ما أدركت زكاتك «١» . حدّثني شيخ لنا عن سلم بن قتيبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: مرّ بي عمر، وأنا وعاصم بن عمر نتغنّى غناء النّصب، فقال: أعيدا، فأعدنا، فقال: مثلكما مثل حماري العباديّ، قيل له: أيّ حماريك أشرّ؟ قال: هذا ثم هذا. وحدّثني أيضا عن ابن عاصم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن القراءة على ألحان الغناء والحداء فقال: وما بأس، لقد حدّثني عبيد بن عمير الليثيّ قال: كانت لداود نبيّ الله معزفة يضرب بها إذا قرأ الزّبور، فكان إذا قرأ اجتمع إليه الإنس والجنّ والطير فبكى وأبكى من حوله. وقال لي غيره: ولهذا قيل: مزامير داود، كأنه أغاني داود. خرج أبو معاوية الضرير يوما على أصحابه فقال:

стр. 437

[مجزوء الرمل] وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق النّوشجانيّ قال: حدّثني محمد بن سابق قال: حدّثنا مالك بن مغول عن أبي حصين قال: شرب الأسود فقال: لو سقيتموني آخر لغنّيت. حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبيّ عن عمه قال: صحبت ابن مسعود حولا من رمضان إلى رمضان لم يصم يوما واحدا، فأهمّني ذلك وسألت عنه، ولم أره صلّى الضّحى حتى خرج من بين أظهرنا. قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم عن مهديّ ابن ميمون قال: كان أبو صادق لا يتطوّع من السّنة بصوم يوم، ولا يصلي ركعة سوى الفريضة قبلها ولا بعدها، وكان به من الورع شيء عجيب. حدّثني الزّياديّ قال: قال حماد بن زيد عن أيوب قال: دخلت على رجل من الفقهاء وهو يلعب بالشّطرنج. وحدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان قال: سئل ابن سيرين عن اللّعب بالشّطرنج فقال: لا بأس به هو رفق. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن معتمر قال: قال أبي: ترون أن الشّطرنج «١» وضعت على أمر عظيم؟. قال: وحدّثنا الأصمعيّ عن ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان قيس بن أبي حازم في مدعاة فقال لصاحب المنزل: طيّر.

стр. 438

حدّثني شبابة قال: حدّثني القاسم بن الحكم العرنيّ قال: حدّثني سليم مولى الشعبيّ أنّ الشعبيّ كان إذا اختضب غرض «١» لاعب ابنته بالنّرد حتى يعلق الخضاب. حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا النّضر بن شميل قال؛ حدّثنا شعبة عن عبد ربه قال: سمعت سعيد بن المسيب وسئل عن اللعب بالنّرد فقال: إذا لم يكن قمارا فلا يأس. حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا الفضل بن موسى عن رشدين بن كريب قال: رأيت عكرمة أقيم قائما على اللعب بالنّرد. قال إسحاق: إن كان لعبه على غير معنى القمار يريد به التعليم والمكايدة فهو مكروه، ولا يبلغ ذلك إسقاط شهادته. وروى عبد الملك بن عمير عن إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبي قال: رأيت أبا هريرة يلعب مع أبي بأربعة عشر على ظهر المسجد. حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثني عليّ بن عاصم عن أبي إسحاق الشّيباني عن خوّات التميميّ عن الحارث بن سويد قال: أتى عبد الله بن مسعود رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنّ لي جارا يربي وما يتورّع من شيء أصابه، وإني أعسر فأستسلفه، ويدعوني فأجيبه، فقال: كل فلك مهنؤه وعليه وزره. كان أبو فضاله أسنّ وشقّت عليه الصلاة، فكان يقول: مشقية منصبة، مقيمة مقعدة، لا تزال بصاحبها حتى يضع أكرمه ويرفع أفحشه.

стр. 439

قال عبد الله بن القعقاع «١» الأسديّ: [طويل] أتانا بها صفراء يزعم أنها ... زبيب، فصدّقناه وهو كذوب فهل هي إلا ليلة غاب نحسها ... أصلّي لربّي بعدها وأتوب؟ وقال آخر: [بسيط] من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ... في جوف آنية ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرّواة لنا ... فيها ويعجبني قول ابن مسعود وعيون الأخبار ومتخيّر الشعر في الشراب يقع في كتابي المؤلف في الأشربة، ولذلك تركت ذكرها. وكتب بعض الكتّاب إلى صديق له في فصل: ونحن نحمد الله إليك فإنّ عقدة الإسلام في قلوبنا صحيحة، وأواخيّه ثابتة، ولقد اجتهد قوم أن يدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم، وأن يلبسوا يقيننا بشكّهم، فمنعتنا عصمة الله منهم، وحال توفيقه دونهم، ولنا بعد مذهب في الدّعابة جميل، لا يشوبه أذى ولا قذى، يخرج إلى الأنس من العبوس، وإلى الاسترسال من القطوب، ويلحقنا بأحرار الناس وأشرافهم الذين ارتفعوا عن لبسة الرياء والتصنّع. التوسّط في الأشياء وما يكره من التقصير فيها والغلوّ. باب التوسط في الدّين حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا عبد العزيز الدّراورديّ قال: حدّثني محمد ابن طحلاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال النبيّ ﷺ :

стр. 440

«اكلفوا من العمل ما تطيقون فإنّ الله لا يملّ حتى تملّوا، وإنّ أفضل العمل أدومه وإن قلّ» . حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ قال: حدّثنا محمد بن علي بن مقدّم عن معن الغفاريّ عن المقبريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا» . حدّثني القومسيّ عن أحمد بن يونس عن زهير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الدّين الحسن والسّمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوّة» . حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن مسلم بن يسار أنّ رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: يا رسول الله، ليس أحد بعد رسول الله أفضل من فلان، يصوم النهار، فإذا نزلنا قام يصلّي حتى نرتحل، قال: «من كان يمهن له أو يكفيه أو يعمل له؟» قالوا: نحن، قال: «كلّكم أفضل منه» . وروى أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن عليّ ﵇ قال: خياركم كلّ مفتّن توّاب. وقال علي أيضا: خير هذه الأمة النّمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي. وروى وكيع عن محمد بن قيس عن عمرو بن مرّة قال: قال حذيفة: خياركم الذين يأخذون من دنياهم لآخرتهم، ومن آخرتهم لدنياهم. وكان يقال: دين الله بين المقصّر والغالي. وقال المطرّف لابنه: يا بنيّ، الحسنة بين

стр. 441

السيئتين، يعني بين الإفراط والتقصير، وخير الأمور أوساطها، وشرّ السّير الحقحقة «١» . وفي بعض الحديث المرفوع: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . وقال: «إنّ الله بعثني بالحنيفيّة السهلة، ولم يبعثني بالرّهبانية المبتدعة، سنّتي الصلاة والنّوم، والإفطار والصوم، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» . وفي الحديث: إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . وكان يقال: طالب العلم وعامل البرّ كآكل الطعام إن أخذ منه قوتا عصمه، وإن أسرف في الأخذ منه بشمه «٢» ، وربما كانت فيه منيّته، وكآخذ الأدوية التي قصدها شفاء، ومجاوزة القدر فيها السّمّ المميت. حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن سالم بن أبي حفصة أنّ ابن أبي نعم كان يهلّ من السنة إلى السنة ويقول في تلبيته: لبّيك «٣» ، لو كان رياء لاضمحلّ. حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا موسى بن مسعود عن سفيان عن أبي إسحاق قال: قال عمر بن ميمون: لو أدرك أصحابنا محمد بن أبي نعم لرجموه، كان يواصل كذا وكذا يوما ويهلّ بالحج إذا رجع الناس من الحج. وقال سلمان: القصد والدوام وأنت السّابق الجواد. وفي بعض الحديث أنّ عيسى بن مريم لقي رجلا فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبّد. قال: من يعود عليك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.

стр. 442

روح بن عبادة عن الحجاج بن الأسود قال: من يدلّني على رجل بكّاء بالليل بسّام بالنهار؟. وروى أبو أسامة عن حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد قال: قال مطرّف: أنظروا قوما إذا ذكروا ذكروا بالقراءة فلا تكونوا منهم، وانظروا قوما إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم. كونوا بين هؤلاء وهؤلاء. باب التوسّط في المداراة والحلم قرأت في كتاب للهند: بعض المقاربة حزم، وكلّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها، ويفرط في الإمالة فينقص الظلّ. ومن أمثال العرب في هذا: «لا تكن حلوا فتسترط «١» ولا مرّا فتلفظ» وأبو زيد يقول: ولا مرّا فتعقى «٢» ، يقال: أعقى الشيء إذا اشتدّت مرارته. وقال الشاعر: [طويل] وإنّي لصعب الرأس غير جموح وقال آخر في صفة قوس: [رجز] في كفّه معطية منوع وقال آخر: [رجز] شريانة تمنع بعد اللّين وقال أبرويز لابنه: إجعل لاقتصادك السلطان على إفراطك، فإنك إذا

стр. 443

قدّرت الأمور على ذلك وزنتها بميزان الحكمة وقوّمتها تقويم الثّقاف، ولم تجعل للندامة سلطانا على الحلم. وقال النابغة «١» الجعديّ: [طويل] ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا وقال آخر: [طويل] ولا خير في عرض امرىء لا يصونه ... ولا خير في حلم امرىء ذلّ جانبه وقال أكثم بن صيفيّ: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السّوء. باب التوسّط في العقل والرأي روي في الحديث أن زياد بن أبي سفيان كان كاتبا لأبي موسى الأشعري فعزله عمر عن ذلك، فقال له زياد: أعن عجز عزلتني يا أمير المؤمنين أم عن خيانة؟ فقال: لا عن ذاك ولا عن هذا، ولكنّي كرهت أن أحمل على العامّة فضل عقلك. ويقال: إفراط العقل مضرّ بالجدّ «٢» . ومن الأمثال المبتذلة: إستأذن العقل على الجدّ فقال: إذهب لا حاجة بي إليك. وقال الشاعر: [وافر] فعش في جدّ أنوك حالفته ... مقادير يساعدها الصواب وقال آخر: [سريع] إنّ المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم «٣»

стр. 444

وقال آخر: [طويل] أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنّه يشقى به كلّ عاقل وقال الحسن: تشبّه زياد بعمر وأفرط، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس. وقال الحكماء: فضل الأدب في غير دين مهلكة. وفضل الرأي إذا لم يستعمل في رضوان الله ومنفعة الناس قائد إلى الذنوب، والحفظ الزاكي الواعي لغير العلم النافع مضرّ بالعمل الصالح، والعقل غير المورّع عن الذنوب خازن الشيطان. تنازع اثنان: أحدهما سلطانيّ والآخر سوقيّ، فضربه السلطانيّ فصاح: واعمراه! ورفع خبره إلى المأمون فأمر بإدخاله عليه، قال: من أين أنت؟ قال: من أهل فامية «١» ، إن عمر بن الخطاب كان يقول: من كان جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه فليبعه، فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه فيكم، وأمر له بألف درهم. باب ذمّ فضل الأدب والقول قيل لبعض الحكماء: متى يكون الأدب شرّا من عدمه؟ قال: إذا كبر الأدب ونقص العقل. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. ويقال: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه. وقال الشاعر: [متقارب] رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا

стр. 445

وقال سليمان بن عبد الملك: زيادة منطق على عقل خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن من ذاك ما زيّن بعضه بعضا. قال ضرار بن عمرو لابنته حين زوّجها: أمسكي عليك الفضلين: فضل الغلمة وفضل الكلام. وقال عمر بن الخطاب ﵀: رحم الله امرأ أمسك فضل القول وقدّم فضل العمل. نزل المنذر بن المنذر في كتيبة موضعا، فقال له رجل: أبيت «١» اللّعن إن ذبح رجل هاهنا، إلى أيّ موضع يبلغ دمه من هذه الرابية؟ فقال المنذر: المذبوح والله أنت، ولأنظرنّ أين يبلغ دمك، فقال رجل «٢» ممن حضر: «ربّ كلمة تقول لصاحبها دعني» . قال زياد على المنبر: إن الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور ولو بلغت إمامه سفكت دمه. وقال أكثم بن صيفيّ: مقتل الرجل بين فكّيه. وقال الأحنف: حتف الرجل مخبوء تحت لسانه. باب التوسّط في الجدة كان دعاء رسول الله ﷺ : اللهمّ إني أعوذ بك من غنى مبطر ومن فقر ملبّ أو مربّ «٣» ، وكذلك اللهمّ لا غنى يطغي ولا فقرا ينسي. وقال أبو المعتمر السّلميّ: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط،

стр. 446

فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعزّ القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله بتوقّع الغير، وأكثر الخير مع أكثر الأوساط وأكثر الشرّ مع الفقراء والأغنياء لسخف الفقر وبطر الغنى. ومن أمثال العرب في هذا: «بين الممخّة «١» والعجفاء» . باب الإقتصاد في الإنفاق والإعطاء قال الله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ «٢» ، وقال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً «٣» . حدّثني أحمد بن الخليل عن مسلم بن إبراهيم عن سكين بن عبد العزيز عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ما عال «٤» مقتصد. وحدّثني أيضا عن مسلم قال: حدّثنا أبو قدامة الحارث بن عبيد قال: حدّثنا برد بن سنان عن الزّهري قال: قال أبو الدّرداء: حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب، ولقط حبّا منثورا وقال: إنّ فقه الرجل رفقه في معيشته. قال أبو الأسود لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، وإنه لو شاء أن

стр. 447

يوسّع على الناس كلّهم حتى لا يكون محتاج لفعل، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسعة فتهلكوا هزلا. قيل لمحمد بن عمران قاضي المدينة- وهو من ولد طلحة بن عبيد الله-: إنك تنسب إلى البخل، فقال: والله إني لا أحمد في الحق ولا أذوب في الباطل. وكان يقال: لا تصن كثيرا عن حقّ ولا تنفق قليلا في باطل. ومن أمثال العرب في ذلك «لا وكس ولا شطط» «١» و «إذا جدّ السؤال جدّ المنع» . وقال الشاعر: [طويل] إلّا أكن كلّ الجواد فإنّني ... على الزاد في الظّلماء غير لئيم وإلّا أكن كلّ الشجاع فإنني ... أردّ سنان الرمح غير سليم وقد علمت عليا هوازن أنني ... فتاها وسفلى عامر وتميم قال معاوية: ما رأيت سرفا «٢» قطّ إلا وإلى جانبه حقّ مضيّع. أفعال من أفعال السادة والأشراف حدّثني الرّياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة كان يقال له: طلحة الخير، وطلحة الفيّاض، وطلحة الطّلحات وأنه فدى عشرة من أسارى بدر وجاء يمشي بينهم، وأنه سئل برحم فقال: ما سئلت بهذه الرحم قبل اليوم، وقد بعت حائطا لي بتسعمائة ألف درهم وأنا فيه بالخيار، فإن شئت ارتجعته وأعطيتكه، وإن شئت أعطيتك ثمنه.

стр. 448

حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرني شيخ من مشيختنا،- وربما قال: هارون الأعور- أن قتيبة بن مسلم قال: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فقال: قل له قد كان في قومك دماء وجراح، وقد أحبّوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر، قال: فأتيته فأبلغته فقال يا جارية: غدّيني، فجاءت بأرغفة خشن فثردتهنّ في مريس «١» ثم برقتهنّ «٢» فأكل. قال قتيبة: فجعل شأنه يصغر في عيني ونفسي، ثم مسح يده وقال: الحمد لله، حنطة الأهواز وتمر الفرات وزيت الشام، ثم أخذ نعليه وارتدى، ثم انطلق معي وأتى المسجد الجامع فصلّى ركعتين ثم احتبى، فما رأته حلقة إلا تقوّضت إليه، فاجتمع الطالبون والمطلوبون فأكثروا الكلام، فقال: إلى ماذا صار أمرهم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من إبل، قال: هي عليّ، ثم قام. الهيثم عن ابن عباس قال: كان معد يكرب بن أبرهة جالسا مع عبد العزيز بن مرون على سريره فأتي بفتيان قد شربوا الخمر، فقال: يا أعداء الله، أتشربون الخمر! فقال معد يكرب: أنشدك الله أن لا تفضح هؤلاء، فقال: إنّ الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد، فقال معديكرب: يا غلام صبّ من شرابهم في القدح، فصبّ له فشربه وقال: والله ما شرابنا في منازلنا إلا هذا. فقال عبد العزيز: خلّوا عنهم، فقيل له حين انصرفوا: شربت الخمر! فقال: أما والله إن الله ليعلم أنّي لم أشربها قطّ في سرّ ولا علانية، ولكنّي كرهت أن يفضح مثل هؤلاء بمحضري. وحدّثني شيخ لنا قال: مدح شاعر الحسن بن سهل فقال له: احتكم، وظنّ أنّ همّته قصيرة، فقال: ألف ناقة، فوجز الحسن ولم يمكنه، وكره أن

стр. 449

يفتضح وقال: يا هذا إنّ بلادنا ليست بلاد إبل، ولكن ما قال امرؤ القيس: [وافر] إذا ما لم يكن إبل فمعزى ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ قد أمرت لك بألف شاة، فالق يحيى بن خاقان، فأعطاه بكلّ شاة دينارا. قال: وقدم زائر على أبي دلف فأمر له بألف دينار وكسوة ثم قال: [كامل] أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلّا ولو أمهلتنا لم يقلل فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... شيئا، ونحن كأننا لم نفعل وقال بعض الشعراء: [خفيف] ليس جود الفتيان من فضل مال ... إنما الجود للمقلّ المواسي وقال دعبل «١» في نحوه: [طويل] لئن كنت لا تولي يدا دون إمرة ... فلست بمول نائلا آخر الدّهر فأيّ إناء لم يفض عند ملئه! * وأيّ بخيل لم ينل ساعة الوفر! وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ... ولكنه المعطي على العسر واليسر ابن الكلبيّ قال: أخبرني غير واحد من قريش قالوا: أراد عبد الله وعبيد الله ابنا العباس أن يقتسما ميراثهما من أبيهما بمكة، فدعي القاسم ليقسم، فلما مدّ الحبل قال له عبد الله: أقم المطمر «٢» . فقال له عبيد الله: يا أخي، الدار دراك لا يمدّ والله فيها اليوم مطمر. وكان يقال: من أراد العلم

стр. 450

والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس. باع عبد الله بن عتبة أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا! فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال. ويقال: إنّ أوّل ما عرف به سؤدد خالد بن عبد الله القسري أنه مرّ في بعض طرق دمشق وهو غلام فأوطأ فرسه صبيّا فوقف عليه، فلما رآه لا يتحرّك أمر غلامه فحمله، ثم انتهى به أوّل مجلس مرّ به فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث الموت فأنا صاحبه، أو طأته فرسي ولم أعلم. قال عديّ بن حاتم لابن له حدث: قم بالباب فامنع من لا تعرف وأذن لمن تعرف، فقال: لا والله، لا يكون أوّل شيء وليته من أمر الدنيا منع قوم من الطعام. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ضاف بني زياد العبسيّين ضيف، فلم يشعروا إلا وقد احتضن أمّهم من خلفها، فرفع ذلك إلى ربيع بن زياد الكامل فقال: لا يضارّ الليلة عائذ أمّي، أنه عاذ بحقويها «١» . المدائنيّ قال: أحدث رجل في الصلاة خلف عمر بن الخطاب، فلما سلّم عمر قال: أعزم على صاحب الضرطة إلا قام فتوضأ وصلّى، فلم يقم أحد، فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إعزم على نفسك وعلينا أن نتوضّأ ثم نعيد الصلاة، فأمّا نحن فتصير لنا نافلة، وأما صاحبنا فيقضي

стр. 451

صلاته، فقال عمر: رحمك الله، إن كنت لشريفا في الجاهلية فقيها في الإسلام. كان عبد الله بن جدعان التيميّ حين كبر أخذ بنو تيم عليه ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال: أدن منّي، فإذا دنا منه لطمه ثم قال: إذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله. وفيه يقول ابن قيس «١» الرّقيّات: [خفيف] والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللّطم نائل وعطاء وابن جدعان «٢» هو القائل: [بسيط] إنّي وإن لم ينل مالي مدى خلقي ... وهّاب ما ملكت كفّي من المال لا أحبس المال إلّا ريث أتلفه ... ولا تغيّرني حال عن الحال الهيثم عن حمّاد الراوية عن مشايخ طيء قالوا: كانت عتبه «٣» بنت عفيف أمّ حاتم لا تليق «٤» شيئا سخاء وجودا، فمنعها إخوتها من ذلك فأبت، وكانت موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها رجاء أن تكفّ، ثم أخرجوها بعد سنة وظنّوا أنها قد أقصرت ودفعوا إليها صرمة «٥» ، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها فأعطتها الصّرمة وقالت: والله لقد مسّني من الجوع ما آليت معه ألّا أمنع سائلا شيئا. وقالت:

стр. 452

[طويل] لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة ... فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا فقولا لهذا اللّائمي الآن أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا ولا ما ترون الدّهر إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا ابن أمّ الطبائعا «١» ابن الكلبيّ عن أبيه عن رجالات طيء قالوا: كان حاتم جوادا شاعرا، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم بالله: لا يقتل واحد أمّه. أبو اليقظان قال: أخذ عبيد الله بن زياد عروة «٢» بن أديّة أخا أبي بلال فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب داره، فقال لأهله: أنظروا هؤلاء الموكّلين بي فأحسنوا إليهم فإنهم أضيافكم. سفيان بن عيينة قال: كان سعيد بن العاص إذا أتاه سائل فلم يك عنده ما سأل قال: أكتب عليّ بمسألتك سجلّا إلى أيام يسري. باع أعرابيّ ناقة له من مالك بن أسماء، فلما صار الثمن في يده نظر إليها فذرفت عيناه، ثم قال: [طويل] وقد تنزع الحاجات يا أمّ معمر ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين فقال له مالك: خذ ناقتك وقد سوّغتك الثمن. اشترى عبيد الله بن أبي

стр. 453

بكرة جارية نفيسة فطلبت دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّة فحملها، فقال له عبيد الله: إذهب بالجارية إلى منزلك. باع ثابت بن عبيد الله ابن أبي بكرة دار الصّفاق «١» من مقاتل بن مسمع نسيئة ثم اقتضاه فلزمه في دار أبيه، فرآه عبيد الله فقال: ما لك؟ قال: حبسني ابنك. قال: بم؟ قال: بثمن دار الصّفاق، قال: يا ثابت، أما وجدت لغرمائك محبسا إلّا داري؟ إدفع إليه صكّه وأعوّضك. قيل لرجل: ما لك تنزل في الأطراف؟ فقال: منازل الأشراف في الأطراف يتناولون ما يريدون بالقدرة ويتناولهم من يريدهم بالحاجة. لمّا كبر عديّ بن حاتم آذاه برد الأرض وكان رجلا لحيما «٢» فنهشت الأرض فخذيه فجمع قومه فقال: يا بني ثعل «٣» ، إني لست بخيركم إلا أن تروا ذلك فقد كان أبي بمكان لم يكن به أحد من قومه، بنى لكم الشرف ونفى عنك العار فأصبح الطائيّ إذا فعل خيرا قال العرب: من حيّ لا يحمدون على الجود ولا يعذرون على البخل، وقد بلغت من السنّ ما ترون وآذاني برد الأرض فأذنوا لي في وطاء «٤» فوالله ما أريده فخرا عليكم ولا احتقارا لكم، وسأخبركم: ما على من وضع طنفسة «٥» وقعد حوله إلا أنّ الحقّ عليه أن يذلّ في عرضه وينخدع في ماله ولا يحسد شريفا ولا يحقر وضيعا، فقال القوم: دعنا اليوم، ثم غدوا عليه فقالوا: يا أبا طريف ضع الطّنفسة والبس التاج، فبلغ ابن دارة «٦» الشاعر فأتاه

стр. 454

وقال: قد مدحتك، فقال: أمسك عليك حتى أنبئك بمالي فتمدحني على حسبه، لي ألف ضائنة «١» وألفا درهم وثلاثة أعبد، وفرسي هذا حبيس في سبيل الله، هات الآن فقال: [طويل] تحنّ قلوصي «٢» في معدّ وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل وأبقى اللّيالي من عديّ بن حاتم ... حساما كلون الملح سلّ من الخلل أبوك جواد ما يشقّ غباره ... وإن جواد لست تعذر بالعلل فإن تفعلوا شرّا فمثلكم أتّقّى ... وإخ تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل فقال: أمسك عليك، لا يبلغ مالي أكثر من هذا، وشاطره ما له. جاء رجل إلى معن فاستحمله عيرا فقال معن: يا غلام، أعطه عيرا «٣» وبغلا وبرذونا وفرسا وبعيرا وجارية، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتكه. وكان يقال: حدّث عن البحر ولا حرج وعن بني إسرائيل ولا حرج وعن معن ولا حرج. قال رجل من كلب للحكم بن عوانة وهو على السّند: إنما أنت عبد، فقال الحكم: والله لأعطينّك عطيّة لا يعطيها العبد فأعطاه مائة رأس من السّبي. وقرأت في بعض كتب العجم أن جامات «٤» كسرى التي كان يأكل فيها كانت من ذهب، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطبّاخ الجام فرجع يطلبها، فقال له كسرى: لا تتعنّ فقد أخذها من لا يردّها ورآه من لا يفشي عليه، ثم دخل عليه الرجل بعد ذلك وقد حلّى سيفه ومنطقته ذهبا، فقال له كسرى بالفارسية: يا فلان، هذا، يعني السيف، من

стр. 455

ذاك قال: نعم وهذا، وأشار إلى منطقته. قالوا: لم يكن لخالد بن برمك أخ إلّا بنى له دارا على قدر كفايته ووقف على أولاد الإخوان ما يعيشهم أبدا ولم يكن لإخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له. بلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع دارا له لدين ركبه وكان يجلس في ظلّ داره، فقال: ما قمت إدّا «١» بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فحمل إليه ثمن الدار وقال: لا تبع. قال أبو اليقظان: باع نهيك بن مالك بن معاوية إبله وانطلق بثمنها إلى منى فجعل ينهبه، والناس يقولون: مجنون، فقال: لست بمجنون ولكنّي سمح أنهبكم مالي إذا عزّ الفتح. قال: وأتى عبد الله بن جعفر قهرمانه بحسابه فكان في أوّله حبل بخمسين درهما، فقال عبد الله: لقد غلت الحبال، فقال القهرمان: إنه أبرق، فقال عبد الله: إن كان أبرق فأنا أجيزه، فهو الآن مثل مضروب بالمدينة. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جارا فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم عليّ حكم الصبيّ على أهله. وقال بعض الشعراء: [طويل] همو خلطوني بالنفوس ودافعوا ... ورائي بركن ذي مناكب مدفع وقالوا تعلّم أنّ مالك إن يصب ... يعدك وإن تحبس يردك ويشفع وروى عبد الله بن بكر السّهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن حبيب بن أبي ثابت أنّ الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعيّاش بن أبي ربيعة خرجوا يوم اليرموك حتى انبتّوا، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة فقال: ادفعه إلى عكرمة فنظر إليه عيّاش فقال عكرمة: إدفعه إلى

стр. 456

عيّاش، فما وصل إلى عيّاش حتى مات ولا عاد إليه حتى ماتوا، فسمّي هذا حديث الكرام وهذا الحديث عندي موضوع لأن أهل السّيرة يذكرون أنّ عكرمة قتل يوم أجنادين وعيّاش مات بمكة، والحارث مات بالشام في طاعون عمواس. أعطى رجل امرأة سألته مالا عظيما، فلاموه وقالوا: إنها لا تعرفك وإنما كان يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير فإنّي لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. قال بعض الشعراء: [طويل] وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرئ في حقّها لا يهينا وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله «١» بن جعفر: [وافر] أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهنّ حالي فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يبلّغني فعالي وقال أيضا: [بسيط] ولا أقول نعم يوما فأتبعها ... منعا ولو ذهبت بالمال والولد ولا اؤتمنت في سرّ فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي وقال كعب «٢» بن سعد الغنويّ: [طويل] وذي ندب دامي الأظلّ «٣» قسمته ... محافظة بيني وبين زميلي

стр. 457

وزاد رفعت الكفّ عنه تجمّلا ... لأوثر في زادي عليّ أكيلي وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول وقال زهير «١» : [طويل] وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ «٢» نوافله «٣» غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله فأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذي هو فاعله أخي «٤» ثقة لا تذهب الخمر ماله ... ولكنه قد يذهب المال نائله تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله المدائنيّ قال: أضلّ فيروز بن حصين سوطه يوما، فأعطاه رجل سوطا فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط فأمر له بألف درهم، ثم أتاه بعد حول فقال: من أنت؟ قال: صاحب السوط، قال: أعطوه ألف درهم ومائة سوط فانقطع عنه. قال الشاعر: [بسيط] إنّي حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي فشبّت فيهم النار ومن تكرّمهم في المحل أنّهم ... لا يحسب الجار فيهم أنه جار وقال آخر: [طويل] نزلت على آل المهلّب شاتيا ... بعيدا قصيّ الدار في زمن محل فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهمو أهلي

стр. 458

وقال آخر: [طويل] إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك ... فإنّ لجاري منهما ما تخيّرا وقال عمرو «١» بن الأهتم: [طويل] ذريني فإنّ الشّحّ يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق ذريني وحطّي «٢» في هواي فإنّني ... على الحسب العالي الرّفيع شفيق ومستمنح بعد الهدوء دعوته ... وقد كان من ساري الشتاء طروق فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأحرمه إنّ الفناء مضيق لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «٣» كان يقال: للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجاره ومقطرة «٤» لجاهلهم. قال بكر «٥» بن النّطّاح: [طويل] لو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه بعض حياته ولو لم يجد في العمر قسما لزائر ... لجاد له بالشّطر من حسناته وقال الفرزدق «٦» : [كامل] إنّ المهالبة الكرام تحمّلوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه زانوا قديمهمو بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه

стр. 459

كان يقال: الشّرف في السّرف. قال عامر «١» بن الطّفيل: [طويل] إذا نزلت بالناس يوما ملمّة ... تسوق من الأيام داهية إدّا «٢» دلفنا لها حتى نقوّم ميلها ... ولم نهد عنها بالأسنّة أو تهدا وكم مظهر بغضاءنا ودّ أنه ... إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى مطاعيم في الّلأواء مطاعين في الوغى «٣» ... شمائلنا تنكي وأيماننا تندى وقال حاتم طيء: [طويل] أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم ... إذا ما مددناها وحاجتنا معا وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا وقال جابر «٤» بن حيّان: [طويل] فإن يقتسم مالي بنيّ ونسوتي ... فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي وما وجد الأضياف فيما ينوبهم ... لهم عند علّات النفوس أبا مثلي أهين لهم مالي وأعلم أنّني ... سأورثه الأحياء سيرة من قبلي كان سعيد بن عمرو مؤاخيا ليزيد بن المهلب، فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ومنع من الدخول عليه، أتاه سعيد فقال: يا أمير المؤمنين، لي

стр. 460

على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه؟ فإذن له فدخل عليه فسرّ به يزيد، وقال: كيف وصلت إليّ، فأخبره، فقال يزيد: والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضنّها، فقال عديّ «١» بن الرّقاع: [طويل] لم أر محبوسا من الناس واحدا ... حبا «٢» زائرا في السجن غير يزيد سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه ... بخمسين ألفا عجّلت لسعيد وقال بعض الشعراء: [طويل] وإنّي لحلّال بي الحقّ، أتّقي ... إذا نزل الأضياف أن أتجهّما إذا لم تذد ألبانها عن لحومها ... حلبنا لهم منها بأسيافنا دما دخل شاعر على المهديّ فامتدحه، فأمر له بمال فلما قبضه فرّقه على من حضر وقال: [طويل] لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... وما خلت أنّ الجود من كفّه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبدّدت ما عندي أخبرني أبو الحسن علي بن هارون الهاشميّ قال: أخبرني وكيع قال: حدّثني أبو العيناء قال: كان بالبصرة لنا صديق يهوديّ وكان ذا مال وقد تأدّب وقال الشعر وعرف شيئا من العلوم وكان له ولد ذكور، فلما حضرته الوفاة جمع ماله وفرّقه على أهل العلم والأدب ولم يترك لولده ميراثا فعوتب على ذلك فقال:
следующие страницы →