Полный текст (1 325 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقوله «١» : [رجز]
يهوين شتّى ويقعن وفقا «٢»
وقوله: [طويل]
مكرّ مقر مقبل مدبر معا «٣»
وقولهم في المثل: «وقعا كعكمي «٤» عير» ثم قال: هل في هذا مقنع؟ قلت: بلى وفي دون هذا.
وعد رجل رجلا من الحمقى أن يهدي له من مكة نعلا، فطال عليه الإنتظار، فأخذ قارورة فبال فيها ثم أتى بها الطبيب ثم قال: أنظر في هذا الماء هل يهدي لي بعض إخواني نعلا حضرمية؟. وقال الزّياديّ: مرّ أشعب برجل يعمل طبقا وقال له: زد فيه طوقا؛ قال: ولم؟ قال: لعلّه يهدي لي فيه شيء.
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا إبراهيم بن القعقاع قال: رأيت أشعب بسوق المدينة معه قطيفة قد ذهب خملها وهو يقول: من يشتري منّي
стр. 527
الرّمدة «١» ؟ فأتاه رجل فساومه؛ قال: أبرأ إليك من عيب فيها؛ قال: وما هو؟
قال: تحترق إن أنت لبستها.
سقط أعرابيّ من بعير له، فانكسرت ضلع من أضلاعه فأتى الجابر يستوصفه؛ فقال: خذ تمرا جيّدا فانزع أقماعه ونواه واعجنه بسمن ثم اضمده عليه؛ قال: أي بأبي أنت من داخل أم من خارج؟ قال: من خارج؛ قال: لا أبا لشانئك هو من داخل أنفع لي؛ قال: ضعه حيث تعلم أنّه أنفع.
مات ابن صغير لأعرابيّ، فقيل له: نرجو أن يكون لك شفيعا؛ فقال:
لا وكلنا الله إلى شفاعته، حسبه المسكين أن يقوم بأمر نفسه.
جاء أعرابيّ إلى المسجد والإمام يخطب، فقال لبعض القوم: ما هذا؟
قال: يدعون الناس إلى الطعام؛ قال: فما يقول صاحب المنبر؟ قال: يقول ما يرضى الأعراب أن يأكلوا حتى يحملوا معهم؛ فتخطّى الأعرابيّ الناس حتى دنا من الوالي فقال: يا هذا، إن الذين يفعلون ما تقول سفهاؤنا.
أخذ الحجاج لصّا أعرابيّا فضربه سبعمائة سوط فكلّما قرعه بسوط قال:
اللهم شكرا؛ فأتاه ابن عمّ له فقال: والله ما دعا الحجّاج إلى التمادي في ضربك إلا كثرة شكرك، لأن الله يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٢» ؛ فقال: إنّ هذا في كتاب الله؟ فقال: اللهمّ نعم؛ فأنشأ الأعرابيّ يقول: [رجز]
يا ربّ، لا شكر فلا تزدني ... أسرفت في شكرك فاعف عنّي
باعد ثواب الشاكرين منّي
فبلغ الحجاج فخلّي سبيله. جاء أعرابيّ إلى صيرفيّ بدرهم؛ قال: هذا
стр. 528
ستّوق «١» ؛ فقال الأعرابيّ: وما هو السّتّوق بأبي أنت؟ قال: داخله نحاس وخارجه فضّة؛ قال: ليس كذلك؛ قال: أكسره فإن كان كذلك فأنا منه بريء؟
قال: نعم؛ فكسره فلما رأى النحاس قال: بأبي أنت، متى أموت؟ فأنا أشهد أنك تعلم الغيب.
لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قطّ فلعلي أن أبقى، ثم تمثّل: [طويل]
لكلّ جديد لذّة غير أنّني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ
المدائنيّ قال: دعا رجل بمكة لأمّه؛ فقال له قائل: فما بال أبيك؟ قال:
هو رجل يحتال لنفسه. قيل لأشعب: أرأيت أحدا قطّ أطمع منك؟ قال: نعم خرجت إلى الشام فنزلت أنا ورفيق لي بدير فيه راهب، فتلاحينا في أمر فقلت: الكاذب منّا كذا من الراهب في كذا من أمّه، فأتى الراهب وقد أنعظ «٢» وهو يقول: بأبي من الكاذب منكما؟. مرّ إسحاق بن سليمان بن عليّ الهاشميّ بقاصّ وهو يقرأ: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
«٣» فتنفّس ثم قال: اللهمّ اجعلنا ممن يتجرّعه ويسيغه.
الأصمعيّ عن أبيه: قلت لأعرابيّ: أفيكم زنا؟ قال: بالحرائر؟ ذاك عند الله عظيم، ولكن مساعاة بهذه الإماء. موسى بن طلحة قال: جاءنا عليّ بن أبي طالب ﵀ ونحن في المسجد شباب من شباب قريش، فنحّينا له عن الأسطوانة وقلنا: هاهنا يا عمّ؛ فقال: يا بني أخي، أنتم لشيوخكم خير
стр. 529
من مهرة «١» فإنه إذا كبر الشيخ فيهم شدّوه عقالا ثم يقال له: ثب فيه، فإن وثب خلّوا سبيله وقالوا: فيه بقيّة من علالة، وإن لم يثب قدّموه فضربوا علاوته «٢» وقالوا: لا يصيبك عندنا بلاء.
قيل لبحر بن الأحنف: ما يمنعك أن تكون مثل أبيك؟ قال: الكسل.
وقال يوما لزبراء جارية أبيه: يا زانية؛ فقالت: لو كنت كذلك جئت أباك بمثلك. أبو الحسن قال: جاء قوم إلى رجل من الوجوه فقالوا له: مات جارك فلان فمر لنا بكفن؛ فقال: ما عندنا اليوم شيء ولكن تعودون؛ قالوا: أفنملي إلى أن يتيسر عندك شيء!. وأتى رجل رجلا فقال له: أصلحك الله، تعيرنا ثوبا نكفّن فيه ميتا؟. قال قاسم التّمار في كلام له: بينهما كما بين السماء إلى قريب من الأرض. وقال أيضا: رأيت إيوان كسرى فإذا هو كأنما رفعت اليد عنه أوّل من أمس.
كان عبد الملك بن هلال الهينابيّ له زبيل «٣» مملوء حصا للتسبيح، فكان يسبّح بواحدة واحدة، فإذا ملّ طرح ثنتين ثنتين ثم ثلاثا ثلاثا، فإذا زاد ملاله طرحه قبضة قبضة وقال: سبحان الله عددك، فإذا ضجر أخذ بعرى الزّبيل وقال: الحمد لله بعدد هذا كلّه. دخل قوم منزل الرّستميّ لأمر وقع، فحضر وقت صلاة الظهر فقالوا: كيف القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنما نزلناها منذ شهر.
المدائنيّ عن عليّ بن مجاهد عن حميد بن أبي البختريّ أن الشعبيّ
стр. 530
قال: مرضت فلقيت ابن الحرّ فأمرني أن أمشي كل يوم إلى الثّويّة، فكنت أغدو كلّ يوم إليها، فانصرفت ذات يوم فلّما كنت في جهينة الظاهرة إذا شيخ منهم قاعد على طنفسة «١» متّكيء على وسادة، فسلّمت ثم ألقيت نفسي على الرمل؛ فقال: لقد جلست جلسة عاجز أو ضعيف؛ قلت: قد جمعتهما؛ قال:
أدام الله لك ذلك. ثم قال: إنّ أهلي كانوا يتخوّفون عليّ ثلاثا؛ نقصان البصر وترك النساء والقطاف في المشي، فوالله إنهم ليرون الشخص واحدا وأراه اثنين، ولقد تركت النساء فما لي فيهن من حاجة، وإني لأمشي فأهملج «٢» ؛ قلت: أدام الله لك ذلك.
قال المدائنيّ: ركب يزيد بن نهشل النهشليّ بعيرا وقال: اللهم إنّك قلت: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
«٣» وإنّي لبعيري هذا لمقرن؛ فنفر به فطرحه وبقيت رجله في الغرز، فجعل يضرب برأسه كلّ حجر ومدر «٤» حتى مات.
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: اختصمت الطّفاوة وبنو راسب «٥» في رجل يدّعيه الفريقان إلى ابن عرباض، فقال: الحكم بينكم أبين من ذلك، يلقى في النهر فإن طفا فهو لطفاوة، وإن رسب فهو لبني راسب.
المدائنيّ قال: لما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص؛ قال: بم أوصي! مالي للذكور دون الإناث؛ فقالوا: إن الله لم يأمر بهذا؛ فقال: لكني
стр. 531
آمر به، ثم قال: ويل للشعر من راوية الشعر؛ فقيل له: أوص يا أبا مليكة للمساكين بشيء؛ قال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور. قيل:
أعتق عبد يسارا؛ قال: اشهدوا أنه عبد ما بقي. قيل: فلان اليتيم ما توصي فيه؟ قال: أوصي أن تأكلوا ماله وتنيكوا أمّه؛ قالوا: ليس إلا هذا! قال:
احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم لعليّ أنجو؛ ومات مكانه.
لمّا حضرت سعد بن زيد الوفاة جمع ولده وقال: يا بنيّ، أوصيكم بالناس شرّا كلّموهم نزرا، وانظروا إليهم شزرا، ولا تقبلوا لهم عذرا؛ قصّروا الأعنّة، واشحذوا الأسنّة، تأكلوا القريب، ويرهبكم البعيد. ولمّا حضرت وكيعا الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني، إنّي لأعلم أن قوما سيأتونكم قد أقرحوا جباههم وعرّضوا لحاهم يدّعون أنّ لهم على أبيكم دينا فلا تقضوهم، فإنّ أباكم قد حمل من الذّنوب ما إن غفر الله له لم تضرره، وإلّا فهي مع ما تقدّم.
تقدّم رجل من بني العنبر إلى سوّار فقال: إنّ أبي مات وتركني وأخا لي، وخطّ خطّين ناحية، ثم قال: وهجينا لنا، ثم خط خطّا آخر ناحية، ثم قال: كيف ينقسم المال بيننا؟ فقال: المال بينكم أثلاثا إن لم يكن وارث غيركم؛ فقال له: لا أحسبك فهمت، إنه تركني وأخي وهجينا لنا؛ فقال سوّار: المال بينكم سواء؛ فقال الأعرابيّ أيأخذ الهجين كما آخذ ويأخذ أخي؟ قال أجل! فغضب الأعرابيّ وقال: تعلم والله أنك قليل الخالات بالدّهناء «١» ؛ فقال سوّار: إذا لا يضرّني ذلك عند الله شيئا.
стр. 532
قال بعض العمّال الأعرابيّ: ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة؛ فقال: أرأيت إن أنبأتك بذلك تجعل لي عليك مسألة؟ قال: نعم: قال الأعرابيّ: [رجز]
إن الصّلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيّع
قال: قد صدقت، فسل؛ قال: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري؛ قال:
أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟.
أخبرني رجل حضر مجلس محمد بن الجهم البرمكيّ أنه دخل عليه رجل يكتب في حوائج له؛ فقرأها ووعده قضاءها؛ فنهض وهو يدعو له وقال:
أبقاك الله وحفظك وأتمّ نعمته عليك؛ فقال له محمد بن الجهم: كتابي إليك وأنا في عافية.
طبائع الإنسان
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه أنه وجد في التّوراة: إنّي حين خلقت آدم ركّبت جسده من أربعة أشياء ثم جعلتها وراثة في ولده تنمي في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة: رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء ثم جعلت فيه نفسا وروحا، فيبوسة كلّ جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت الجسد بعد هذا الخلق الأوّل أربعة أنواع من الخلق الآخر وهي معلاك الجسد بإذني وقوامه، لا يقوم
стр. 533
الجسد إلا بهنّ ولا تقوم واحدة إلا بهنّ، المرّة الصفراء والمرّة السوداء والدّم والبلغم، ثم أسكنت بعض هذه الخلق في بعض فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ومسكن الرطوبة في الدم ومسكن البرودة في البلغم ومسكن الحرارة في المرّة الصفراء، فأيّما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع فكانت كلّ واحدة منهنّ ربعا لا يزيد ولا ينقص كملت صحتّه واعتدل بنيانه، وإن زادت واحدة منهنّ غلبتهنّ وقهرتهنّ ومالت بهن ودخل على أخواتها السّقم من ناحيتها بقدر ما زادت وإذا كانت ناقصة تقلّ عنهنّ ملن بها وعلونها وأدخلن عليها السّقم من نواحيهنّ لقلّتها عنهنّ حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقاومتهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورعبه في رئته، وضحكه في طحاله وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا.
قال: حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا بشر بن عمر عن أبي الزّناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «كلّ ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركّب» . وقالت الحكماء: الخنث يعتري الأعراب والأكراد والزّنج والمجانين وكلّ صنف إلا الخصيان فإنه لا يكون خصيّ مخنّث. وقالوا: كلّ ذي ريح منتنة وذفر كالتيس وما أشبهه، إذا خصي نقص نتنه وذهب صنانه «١» غير الإنسان فإنّ نتنه يشتدّ وصنانه يحدّ وعرقه يخبث وريحه. وكلّ شيء من الحيوان يخصى فإنّ عظمه يدقّ، فإذا دقّ عظمه استرخى لحمه وتبرّأ من عظمه خلا الإنسان فإنه إذا خصي طال عظمه وعرض.
وقالوا: الخصيّ والمرأة لا يصلعان، والخصيّ تطول قدمه وتعظم. وبلغني أنه كان لمحمد بن الجهم برذون رقيق الحافر فخصاه فجاد حافره، اعتبر ذلك
стр. 534
بالإنسان إذا خصي عظمت رجله. قالوا: والخصيّ يشتدّ وقع رجله لأن معاقد عصبه تسترخي، ويعتريه الاعوجاج والفدع «١» في أصابعه، وتسرع دمعته، ويتخدّد «٢» جلده، ويسرع غضبه ورضاه، ويضيق صدره عن كتمان السرّ.
ويزعم قوم أنّ أعمارهم تطول لترك الجماع، قالوا: وتلك علّة طول عمر البغل. وقالوا: علّة قصر عمر العصفور كثرة سفاده «٣» . قالوا: وشأن الغريق إذا كان رجلا ثم ظهر على الماء أن يظهر على قفاه، وإن كان امرأة أن تظهر على وجهها. والرجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه ثم يقلبه ذكره إذا انتفخ.
قالوا: وفي الغلمان من لا يحتلم أبدا، وفي النساء من لا تحيض أبدا، وذلك عيب. وفي الناس من لا يسقط ثغره ولا يستبدل منه، منهم عبد الصّمد بن عليّ ذكروا أنه دخل قبره برواضعه «٤» . والضّبّ لا تسقط له سنّ. وكذلك الخنزير لا يلقي شيئا من أسنانه. ولذلك تقول العرب في مثل لها: لا آتيك سنّ الحسل «٥» يريدون لا آتيك أبدا. وتقول الأطبّاء: إنه ليس شيء من الحيوان يستطيع أن ينظر إلى أديم السماء الا الإنسان، وذلك لكرامته على الله. ويقول بعضهم؛ إن الجنين يغتذي دم الحيض يسيل إليه من السّرّة بغذائه؛ وقالوا: لذلك لا تحيض الحوامل. وقد رأينا من الحوامل من تحيض.
стр. 535
والعرب تقول: حملت فلانة سهوا، إذا حاضت على الحمل. قال الهذليّ «١» يمدح رجلا: [كامل]
ومبّرإ من كلّ غبّر حيضة ... ورضاع مغيلة وداء معضل «٢»
فأعلمك أنها لم تر عليه دم حيض في حملها، ودلّ على أنه قد يكون.
قالوا: فإذا خرج الجنين من الرّحمن دفعت الطبيعة ذلك الدم الذي كان يغتذيه إلى الثّديين، وهما عضوان ناهدان عصبيّان فغيّراه وجعلاه لبنا. يقول الله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
«٣» . قالوا: والإنسان يعيش حيث تحيا النار ويتلف حيث لا تبقى النار. وأصحاب المعادن والحفائر إذا هجموا على نفق في بطن الأرض أو مغارة قدّموا شمعة في طرف قناة فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب ما يريدون وإلّا أمسكوا. والعرب تتشاءم ببكر ولد الرجل إذا كان ذكرا.
وكان قيس بن زهير أزرق بكرا بين بكرين.
حدّثني محمد بن عائشة عن حمّاد عن قتادة عن عبد الله بن الحارث بن
стр. 536
نوفل قال: بكر البكرين شيطان مخلّد لا يموت إلى يوم القيامة؛ يعني من الشياطين. قالوا: وابن المذكّرة من النساء والمؤنّث من الرجال أخبث ما يكون، لأنه يأخذ بأخبث خصال أبيه وخصال أمّه. والعرب تذكر أنّ الغيرى لا تنجب. قال عمرو «١» بن معد يكرب: [متقارب]
ألست تصير إذا ما نسب ... ت بين المغارة «٢» والأحمق
وقال بعض الحكماء: كلّ امرأة أو دابّة تبطىء عن الحبل، إذا واقعها الفحل في الأيام التي يجري الماء في العود فإنها تحمل بإذن الله. قال عبيد الله بن الحسن: إذا أردت أن تذكر المرأة فأغضبها ثم قع عليها. وقال الحارث ابن كلدة: إذا أردت أن تحبل المرأة، فمشّها في عرضة الدار عشرة أشواط فإنّ رحمها ينزل فلا تكاد تخلف. والعرب تقول: إن المرأة إذا لقحت في قبل الطّهر «٣» في أوّل الشهر عند تبلّج الفجر ثم أذكرت «٤» جاءت به لا يطاق. قال الشاعر وجمع هذه المعاني: [خفيف]
لقحت في الهلال عن قبل الطّه ... ر وقد لاح للصباح بشير
ويقولون: إذا أكره الرجل المرأة وهي مذعورة ثم أذكرت أنجبت. قال أبو كبير الهذليّ: [كامل]
حملت به في ليلة مزؤودة «٥» ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
стр. 537
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا، إذا ما نام ليل الهوجل «١»
ومبرّإ من كلّ غبّر حيضة ... ورضاع مغيلة وداء معضل «٢»
يقول: لم تر عليه في حملها دما باقيا من حيضة ولا حملته وهي ترضع ولا أرضعته وهي حامل؛ فكانت العرب تكره ذلك وتسبّ به. وقال رسول الله ﷺ » : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة «٣» ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلونه فلا يضرّهم» وفي حديث آخر: «إنه ليدرك الفارس فيدعثره» أي يطرحه.
حدّثني إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا يحيى بن آدم عن الحسن قال:
رأيت جدّة ابنة إحدى وعشرين سنة. قال: وأوّل أوقات حمل المرأة تسع سنين، وهو أوّل وقت الوطء. ودخل رسول الله ﷺ بعائشة وهي بنت تسع.
وقال عبد الله بن صالح: حدّثني اللّيث عن ابن عجلان أنّ امرأته حملت له مرّة وأقامت خمس سنين حاملا ثم ولدت له، وحملت له مرّة أخرى ثلاث سنين ثم ولدت. قال اللّيث: وحملت مولاة لعمر بن عبد العزيز ثلاث سنين حتى خافت أن يكون في جوفها داء ثم ولدت غلاما، قال الليث: ورأيت أنا ذلك الغلام وكانت أمه تأتي أهلنا. وفي بعض الحديث أن عيسى بن مريم ﵇ ولدته أمّه لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. وروى زيد بن الحباب عن ابن سنان قال: حدّثني ثابت بن جابان العجليّ أن الضّحّاك بن مزاحم ولد وهو ابن ستة عشر شهرا. فأما يزيد بن هارون فإنه روى عن جويبر أن الضحّاك ولد لسنتين. وولد شعبة لسنتين.
стр. 538
حدّثنا الرياشيّ أو رجل عنه قال: حدّثنا أبو عاصم عن عبد الله بن مؤمّل عن ابن أبي مليكة أن عمر ﵀ قال: يا بني السائب، إنكم قد أضويتم فانكحوا في النزائع «١» . قال: وقال الأصمعيّ: قال رجل: بنات العمّ أصبر، والغرائب أنجب، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن عجميّة. والعرب تقول:
اعتربوا لا تضووا، أي انكحوا في الغرائب فإنّ القرائب يضوين الأولاد. قال الشاعر: [رجز]
إنّ بلالا لم تشنه أمّه ... لم يتناسب خاله وعمّه
وقال آخر: [طويل]
تنجّبتها للنّسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقا «٢» معمّما
فلو شاتم الفتيان في الحيّ ظالما ... لما وجدوا غير التكذّب مشتما «٣»
وكان يقال: أنجب النساء الفروك «٤» ، لأن الرجل يغلبها على الشّبه لزهدها في الرجال.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ أن المنجبة التي تنزع بولدها إلى أكرم الجدّين. أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا حرب بن قطن قال: يقال: إن الرجل يستفرغ ولد امرأتين، يولد له وهو ابن تسعين سنة. وقالت عائشة: لا تلد امرأة بعد خمسين سنة. قالت الحكماء: الزّنج شرار الخلق وأردؤهم تركيبا؛ لأنّ بلادهم سخنت فأحرقتهم الأرحام، وكذلك من بردت بلاده فلم
стр. 539
تطبخه الأرحام، وإنما فضل أهل بابل لعلّة الاعتدال؛ قالوا: والشمس شيّطت «١» شعورهم فقبّضتها، والشّعر إذا أدنيته إلى النار تجعّد، فإن زدته تفلفل، فإن زدته احترق وقالوا: أطيب الأمم أفواها الزّنج وإن لم تستنّ «٢» ؛ وكل إنسان رطب الفم كثير الريق فهو طيّب الفم؛ وخلوف فم الصائم يكون لخثورة «٣» الريق؛ وكذلك الخلوف في آخر الليل. وقالت الحكاء. كلّ الحيوان إذا ألقي في الماء سبح إلا الإنسان والقرد والفرس الأعسر «٤» ، فإن هذه تغرق ولا تسبح إلا أن يتعلّم الإنسان السّباحة. قالوا: والرجل إذا ضربت عنقه فألقي في الماء قام في وسط الماء وانتصب ولم يلزم القعر جاريا كان الماء أو ساكنا، حتى إذا جيّف انقلب وظهر بدنه كلّه مستلقيا إلّا المرأة فإنها تظهر منكبّة على وجهها. وقالوا: كل من قطعت يداه لم يجد العدو، وكذلك الطائر إذا قطعت رجلاه لم يجد الطيران. قالوا: وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها يستعمل الحضر «٥» إلّا أخذ عن يساره إلّا أن يترك عزمه أو سوم طبيعته. ولذلك قالوا: فجاءك على وحشيّة «٦» ، وأنحى «٧» على شؤمى يديه.
وقالوا: كلّ ذي عين من ذوات الأربع من السباع والبهائم الوحشيّة والإنسية فإنما الأشفار لجفنه الأعلى إلا الإنسان فإنّ الأشفار- نعني الهدب- لجفنيه:
الأعلى والأسفل. قالوا: ليس في الأرض إنسان إلا وهو يطرب من صوت نفسه ويعتريه الغلط في شعره وولده. قال الطائيّ: [كامل]
стр. 540
ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
وقالوا: كلّ ذي جلد فإنّ جلده ينسلخ إلا جلد الإنسان؛ فإنه لا ينسلخ كما تنسلخ جلود الأنعام ولكن اللحم يتبعه.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن ابن أبي طرفة الهذليّ عن جندب بن شعيب قال: إذا رأيت المولود قبل أن يغتذي من لبن أمّه فعلى وجهه مصباح من البيان «١» ؛ يريد أن ألبان النساء تغيّره؛ ولذلك قولهم: اللبن يشتبه عليه؛ يراد أنه ينزع بالمولود في شبه الظّئر «٢» . قال الشاعر: [بسيط]
لم أرضع الدهر إلّا ثدي واحدة ... لواضح الوجه يحمي ساحة الدار.
وحدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن أنّ عمر أتي بامرأة ولدت لستة أشهر فهمّ بها؛ فقال له عليّ: قد يكون هذا، قال الله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
«٣» وقال: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
«٤» .
أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: اختصم رجلان في غلام كلاهما يدّعيه؛ فسأل عمر أمّه؛ فقالت: غشيني أحدهما ثم هرقت دما، ثم غشيني الآخر،
стр. 541
فدعا عمر قائفين «١» فسألهما؛ فقال أحدهما: أعلن أم أسرّ؛ قال: إشتركا فيه؛ فضربه عمر حتى اضطجع ثم سأل الآخر، فقال مثل قوله؛ فقال: ما كنت أرى أنّ مثل هذا يكون. وقد علمت أن الكلبة يسفدها «٢» الكلاب فتؤدّي إلى كلّ فحل نجله. وركب الناس في أرجلهم وركب ذوات الأربع في أيديها، وكل طائر كفّه في رجليه.
ما نقص خلقه من الحيوان
حدّثني أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم «٣» لا مخّ لعظمه. قال زهير: [وافر]
كأن الرّحل منها فوق صعل «٤» ... من الظّلمان جؤجؤه «٥» هواء
وكذلك طير الماء وحيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة. وصفن «٦» البعير لا بيضة فيه. والسّمكة لارئة لها ولذلك لا تتنفّس، وكل ذي رئة يتنفّس.
المشتركات من الحيوان
الراعي «٧» بين الورشان «٨» والحمامة. والبخاتيّ «٩» من الإبل بين العراب «١٠»
стр. 542
والفوالج «١» . والحمير الأخدريّة من الأخدر وهو فرس كان لأردشير توحّش فحمى عانات «٢» من الحمير فضرب فيها، وأعمارها كأعمار الخيل. والزّرافة بين الناقة من نوق الوحوش وبين البقرة الوحشيّة وبين الضّبعان «٣» ؛ واسمها اشتركا و پلنك «٤» أي بين الجمل والكركند «٥» ؛ وذلك أن الضّبعان ببلاد الحبشة يسفد الناقة فتجيء لولد خلقه بين الناقة والضّبع، فإن كان ولد الناقة ذكرا عرض للمهاة «٦» فألقحها زرافة. وسمّيت زرافة لأنها جماعة وهي واحدة كأنها جمل وبقرة وضبع؛ والزّرافة في كلام العرب الجماعة. وقال صاحب المنطق:
الكلاب تسفدها الذّئاب في أرض سلوقيّة «٧» فيكون منها الكلام السّلوقيّة.
المتعاديات
بين البوم والغراب عداوة. وبين الفأرة والعقرب عداوة. وبين الغراب وابن عرس «٨» عداوة. وبين الحدأة والغداف «٩» عداوة. وبين العنكبوت وبين العظاءة «١٠» عداوة. وبين الحيّة وبين ابن عرس عداوة. وبين ابن آوى «١١»
стр. 543
والدّجاج عداوة. وبين السّنّور والحمام عداوة. وبين البوم وبين جميع الطير عداوة، لأن البومة رديّة البصر ذليلة بالنهار فإذا كان الليل لم يقو عليها شيء، والطير تعرف ذلك من حالها فهي بالنهار تضربها وتنتف ريشها، ولحرصها على ذلك صار الصائد ينصبها للطير. وبين الحمار وبين عصفور الشوك عداوة، ومتى نهق الحمار سقط بيض عصفور الشوك. وبين الحمار وبين الغراب عداوة. وبين الحيّة والخنزير عداوة. والغراب مصادق للثعلب. والثعلب مصادق للحيّة. والجمل يكره قرب الفرس أبدا ويقاتله. وبين الأسد وبين الفيل عداوة. ويقال: إنّ الأسد والنمر مختلفان، والأسد والببر «١» متّفقان.
الأمثال المضروبة بالطبائع
يقال: فلان «أسمع من قراد «٢» » ؛ والقردان تكون عند الماء فإن قربت الإبل منها تحرّكت وانتعشت، فيستدلّون بذلك على إقبال الإبل. و «أسمع من فرس» . و «أحزم من فرخ العقاب» ، وذلك أنه يكون في عرض الجبل فلا يتحرّك فيسقط. و «أحلم من حيّة» . و «أهدى من قطاة وحمامة» . و «أخفّ رأسا من الذئب» . و «أنوم من فهد» . و «أظلم من حيّة» ، وذلك لأنها تدخل حجرة الحشرات وتخرجها. و «أحذر من غراب» . و «أصنع من تنوّط» ، وهو طائر يصنع عشّا مدلّى من الشجر. و «أصنع من سرفة» ، وهي دويبّة تعمل بيتا من قطع العيدان. و «أسرق من زبابة» ، وهي فأرة برّيّة. و «أسرق من كندش»
стр. 544
وهو العقعق؛ ويقال أيضا: «أحمق من عقعق» لأنه من الطير الذي يضيّع فراخه. و «أخرق من حمامة» ، وذلك لأنها لا تجيد عمل العشّ فربما وقع البيض فانكسر. قال عبيد بن الأبرص «١» : [مجزوء الكامل]
عيّوا بأمر همو كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه «٢»
يقول: قرنت النّشم بالثّمام وهو ضعيف فتكسّر ووقع البيض فانكسر.
وفي الإنجيل أنّ المسيح ﵇ قال للحواريّين: كونوا حلماء كالحيّات وبلها كالحمام. و «أعقّ من ضبّ» ، لأنه يأكل ولده من الجوع. و «أبرّ من هرّة» ، وهي تأكل ولدها من شدّة محبتّه. و «أروغ من ثعلب» . و «أموق من رخمة «٣» » . و «أزهى من ذباب» لأنه يقع على أنف الملك وتاجه. و «أصنع من الدّبر» ، وهي النّحل. و «أسمح من لافظة» ، ويقال: هي العنز تسمح بالحلب، ويقال: الرّحا، لأنها تلفظ ما تطحنه لا تحبس منه شيئا. و «أصرد من عين حرباء «٤» » . و «ألحّ من الخنفساء» . و «أخيل من مذالة» ، وهي الأمة تهان وهي تتبختر. و «أحلم من فرخ الطائر» . و «أكيس من قشّة» ، وهي القردة. و «أجبن من صافر «٥» » ، وهو ما صفر من الطير، ويقال: هو الصّافر
стр. 545
بالمرأة للريبة. و «أنمّ من صبح» . و «أبعد من بيض الأنوق» ، والأنوق:
الرّخمة تبيض في أعالي الجبال والشواهق حيث لا يبلغه سبع ولا طائر.
و «أشجع من ليث عفرّين» «١» ، قال بعضهم: هو الأسد، كأنه قال: أشجع من ليث ليوث تعفر من نازعها وتصرعه، وقال الأصمعيّ: هو دابّة مثل الحرباء يتحدّى الراكب ويضربه بذنبه. و «أحنّ من شارف» ، وهي الناقة المسنّة.
و «أسرع من عدوى الثّؤباء» «٢» . و «أروى من النّقّاقة» ، وهي الضّفادع. و «أزنى من قرد» ، ويقول بعضهم: إنه رجل من هذيل كان كثير الزنّا. و «أخدع من ضبّ» . و «أشأم من الزّرقاء» «٣» وهي ناقة.
الأنعام
حدّثني يزيد بن عمرو عن عبد العزيز الباهليّ عن الأسود بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلق الله دابّة أكرم عليه من النّعجة وذلك أنه ستر عورتها ولم يستر عورة غيرها» .
وقال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن إهاب بن عمير قال: كان لنا جمل يعرف كشح الحامل من غير أن يشمّها. قيل لابنة الخسّ «٤» : ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: قنى؛ قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى؛ قيل:
стр. 546
فمائة من الإبل؟ قالت: منى. والعرب تضرب المثل في الصّرد بالمعزى فتقول: «أصرد من عنز جرباء» «١» . وسئل دغفل عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإنّ فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام.
وقالت العرب فيما تقول على ألسنة البهائم: قالت المعزى: الاست جهوى «٢» ، والذنب ألوى؛ والجلد رقاق، والشعر دقاق. قالوا: والضأن تضع مرة في السنة وتفرد ولا تتئم «٣» ، والماعز قد تلد مرتين في السنة، تضع الثلاثة وأكثر وأقل، والنّماء والبركة والعدد في الضّأن؛ وكذلك الخنازير تضع الأنثى منها عشرين خنّوصا ولا نماء فيها. ويقال: الجواميس ضأن البقر، والبخت ضأن الإبل، والبراذين ضأن الخيل، والجرذان ضأن الفأر، والدّلدل ضأن القنافذ، والنمل ضأن الذّرّ. ويقول الأطبّاء في لحم الماعز: إنّه يورث الهمّ ويحرّك السّوداء ويورث النّسيان ويخبّل الأولاد ويفسد الدّم، ولحم الضأن يضرّ بمن يصرع من المرة «٤» إضرارا شديدا حتى يصرعهم في غير أوان الصّرع. وأوان الصرع الأهلّة وأنصاف الشهور؛ وهذان الوقتان هما وقت مدّ البحر وزيادة الماء والدّم. ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا أثر في زيادة الدّم والدماغ وجميع الرّطوبات؛ قال الشاعر «٥» : [وافر]
стр. 547
كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم «١»
وفي الماعزة: إنها ترتضع من خلفها «٢» وهي محفّلة حتى تأتي على كلّ ما فيه؛ قال ابن أحمر: [بسيط]
إني وجدت بني أعيا وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع «٣»
وإذا رعت الضائنة والماعزة في قصير نبت لم ينبت ما تأكله الماعزة لأنّ الضائنة تقرضه بأسنانها والماعزة تقتلعه وتجذبه فتنثره من أصله. وإذا حمل على الماعزة فحملت أنزلت اللّبن في أوّل الحمل إلى الضّرع، والضائنة لا تنزل اللبن إلا عند الولاد، ولذلك تقول العرب: «رمّدت المعزى فرنّق رنّق» «٤» و «رمّدت الضأن فربّق ربّق» «٥» .
وذكور كلّ شيء أحسن من إناثه إلّا التّيوس فإنها أقبح من الصّفايا.
стр. 548
وأصوات الذكور من كلّ شيء أجهر وأغلظ إلا إناث البقر فإنها أجهر أصواتا من ذكورها.
قيل لأعرابيّ: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: إذا ورم حياؤها ورجّت شعرتها واستفاضت خاصرتها.
قال الأصمعيّ: لبني عقيل ماعزة لا ترد، تجترىء بالرّطب. وقرأت في كتاب من كتب الروم: إن أردت أن تعرف ما لون جنين النعجة فانظر إلى لسانها فإنّ الجنين يكون على لونه. وقرأت فيه أنّ الإبل تتحامى أمّهاتها وأخواتها فلا تسفدها.
قالوا: وكلّ ثور أفطس «١» ، وكلّ بعير أعلم «٢» ، وكل ذباب أقرح «٣» .
وقالوا: البعير إذا صعب وخافه الناس استعانوا عليه حتى يبرك ويعقل ثم يركبه فحل آخر فيذلّ. والعرب تعرف البعير المغدّ «٤» بسقوط الذباب عليه.
ويقولون: بعير مذبوب إذا عرض له داء يدعو الذباب إلى السقوط عليه. وقال بعض القصّاص: مما فضّل الله به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، ومما أهان به التّيس أن جعله مهتوك السّتر مكشوف القبل والدّبر.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أميّة عن وهب بن منبّه أنه قال:
كان في مناجاة عزير: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن النبات الحبلة «٥» ، ومن البيوت بكّة «٦» وإيلياء، ومن إيلياء بيت
стр. 549
المقدس. وفي الحديث أنّ امرأة أتت النبي ﵇ فقالت: يا رسول الله، صلى الله عليك، إني اتخذت غنما أبتغي نسلها ورسلها «١» وإنها لا تنمو فقال رسول الله ﷺ . «ما ألوانها» ؛ قالت: سود، فقال: «غفّري» ، «وبعث إلى الرّعيان «من كانت له غنم سود فليخلطها بعفر فإنّ دم عفراء «٢» أزكى من دم سوداوين» . وقال: «الغنم إذا أقبلت أقبلت وإذا أدبرت أقبلت. والإبل إذا أدبرت أدبرت وإذا أقبلت أدبرت ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم» «٣» . والأقط «٤» قد يكون من المعزى؛ قال امرؤ القيس: [وافر]
لنا غنم نسوّقها غزار ... كأنّ قرون جلّتها «٥» عصيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ «٦»
وقالوا: شقشقة البعير: لهاته يخرجها. ومن أحسن ما قيل في الغنم قول مخارق «٧» بن شهاب في تيس غنمه. [طويل]
стр. 550
وراحت أصيلانا كأنّ ضروعها ... دلاء وفيها واتد القرن لبلب «١»
له رعثات كالشّنوف وغرّة ... شديخ ولون كالوذيلة مذهب «٢»
وعينا أحمّ المقلتين وعصمة ... يواصلها دان من الظلف مكنب «٣»
إذا دوحة من مخرف الضّال أذبلت ... عطاها كما يعطو ذرى الضال قرهب «٤»
أبو الحور والغرّ اللواتي كأنّها ... من الحسن في الأعناق جزع مثقّب «٥»
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوّب «٦»
فوفد ابن قيس هذا على النّعمان فقال: كيف المخارق فيكم؟ قال:
سيّد كريم من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمّه. قال العجّاج في وصف شاة:
حمراء المقدّم شعراء المؤخّر إذا أقبلت حسبتها نافرا، وإذا أدبرت حسبتها ناثرا، أي كأنها تعطس، يريد من أيّ أقطارها رأيتها وجدتها مشرقة.
стр. 551
قال الأصمعيّ: قال أعرابيّ يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة فقماء «١» كأنها تضحك، مندلقة «٢» خاصرتاها، لها ضرع أرقط «٣» كأنّه جيب؛ قال: فكيف العطل؟ قال: إنّي لهذا عطل! العطل: العنق. يقول: من سمنها يحسب أنه لا عنق لها.
ومما تقوله العرب على ألسنة البهائم. قالت الضائنة: أولّد رخالا «٤» وأجزّ جفالا وأحلب كثبا ثقالا ولم تر مثلي مالا حفالا «٥» . تقول: أجزّ مرّة وذلك أنّ الضائنة إذا جزّت لم يسقط من صوفها شيء إلى الأرض حتى يؤتي عليه؛ والكثب جمع كثبة وهي الدّفعة من اللبن، تقول: أحلب دفعا ثقالا من اللبن، وذلك لأن لبنها أدسم وأخثر من لبن المعز فهو أثقل.
السباع وما شاكلها
يقال: إنه ليس شيء من السّباع أطيب أفواها من الكلام، ولا في الوحوش أطيب أفواها من الظّباء. ويقال: ليس شيء أشدّ بخرا من أسد وصقر، ولا في السباع أسبح من كلب. وليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلا الإنسان والكلب. والأسد لا يأكل الحاز ولا يدنو من النار ولا يأكل الحامض وكذلك أكثر السباع. وتقول الرّوم: إن الأسد يذعر بصوت الدّيك ولا يدنو من المرأة الطامث «٦» . والأسد إذا بال شغر
стр. 552
كما يشغر الكلب «١» ؛ وهو قليل الشرب للماء، ونجوه «٢» يشبه نجو الكلب، ودواء عضته دواء عضّة الكلب الكلب. وقالوا: العيون التي تضيء بالليل عيون الأسد والنّمور والسّنانير والأفاعيّ. والعرب تقول هو «أحمق من جهيزة» وهي الذّئبة لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضّبع. ويقولون: الضّبع إذا صيدت أو قتلت عال الذئب أولادها وأتاها باللحم؛ قال الكميت: [طويل]
كما خامرت في بيتها أمّ عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها «٣»
أوس: الذئب.
وقالوا: ثلاثة من الحيوان ترجع في قيئها: الأسد والكلب والسّنّور، ويقال الضّبّ أيضا. وأمراض الكلاب ثلاثة: الكلب وهو جنون، والذّبحة والنّقرس. والعرب تقول: دماء الملوك شفاء من عضّة الكلب والجنون والخبل؛ قال الفرزدق: [طويل]
من الدارميّين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنّة والخبل
وبلغني عن الخليل بن أحمد أنه قال: دواء عضّة الكلب الكلب الذّراريح «٤» والعدس والشارب العتيق يصنع؛ وقد ذكر كيف صنعته وكم يشرب منه وكيف يتعالج به، والكلب الكلب إذا عضّ إنسانا فربما أحاله نباحا مثله ثم أحبله وألقحه بأجر «٥» صغار تراها علقا في صور الكلاب.
قال أبو اليقظان: كان الأسود بن أوس بن الحمّرة أتى النجاشيّ فعلّمه
стр. 553
دواء الكلب، فهو في ولده إلى اليوم. فمن ولده المحلّ، وقد داوى المحلّ عتيبة بن مرداس فأخرج منه مثل جراء الكلاب علقا، قال ابن فسوة «١» حين برأ: [طويل]
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمه ... هررت إذا ما الناس هرّ كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع ... مولّعة أكتافها وجنوبها «٢»
الكليب: جمع كلب على غير قياس مثل عبد وعبيد.
وعضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فبال علقا في صور الكلاب، فقالت امرأته: [طويل]
أبالك أدراصا «٣» وأولاد زارع ... وتلك لعمري نهية المتعجّب
ويزعمون أنه يطلب الماء أشدّ طلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا أريد لا أريد، أو شيئا في معنى ذلك. قالوا: وتمام حمل الكلبة ستّون يوما، فإن وضعت في أقلّ من ذلك لم تكد أولادها تعيش. وإناث الكلاب تحيض في كل سبعة أيام؛ وعلامة ذلك أن يرم ثفر «٤» الكلبة ولا تريد السّفاد في ذلك الوقت. وذكور السّلوقيّة تعيش عشرين سنة، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة.
وليس يلقى الكلب شيئا من أسنانه سوى النابين.
قالوا: وعلامة سرعة الكلب أن يطول ما بين يديه ورجليه ويكون قصير الظهر. ويوصف الكلب بصغر الرأس وطول العنق وغلظها وإفراط الغضف «٥»
стр. 554
وزرق العينين وعظم المقلتين وطول الخطم «١» مع اللطافة وسعة الشّدقين ونتوء الحدقة ونتوء الجبهة وعرضها، وأن يكون الشّعر الذي تحت حنكه طاقة طاقة ويكون غليظا، وكذلك شعر خدّيه، ويكون قصير اليدين طويل الرجلين عريض الظهر طويل الصدر، في ركبته انحناء. ويكره للذكور طول الأذناب.
ومن علامة الفراهة التي لا تكاد تخلّف أن يكون على ساقيه أو على أحدهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يقطع من الساقين. وسود الكلاب أعقرها. ولذلك أمر بقتلها.
قالوا: وإذا هرم الكلب أطعم السّمن مرارا فإنه يعود كالشابّ، وإذا حفي «٢» دهنت استه وأجمّ «٣» ومسح على يديه ورجليه القطران. وإذا بلغ أن يشغر فقد بلغ الإلقاح. والكلب من الحيوان الذي يحتلم. قالوا في الكلبة: إنه يسفدها كلب أسود وكلب أبيض وكلب أصفر فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله وشبهه.
قعد جماعة من أصحابنا يعدّون ما جاء في الكلب من الأمثال فحفظت منه: «ألأم من كلب على عرق» «٤» و «أجع كلبك يتبعك» و «نعيم كلب في بؤس أهله» «٥» و «أسمن كلبك يأكلك» و «أحرص من كلب على عقي «٦» صبيّ»
стр. 555
و «أجوع من كلبة حومل» «١» و «أبول من كلب» و «جلس فلان مزجر الكلب» و «الكلاب على البقر» «٢» و «الكلب أحبّ أهله إليه الظاعن» و «هو كالكلب في الأذى لا يعتلف ولا يدع الدابّة تعتلف» .
الذئب
الذئب إذا سفد الذئبة فالتحم الفرجان وهجم عليهما هاجم قتلهما كيف شاء، إلا أنهما لا يكادان يوجدان كذلك، لأن الذئب إذا أراد السّفاد توخّى موضعا لا يطؤه أنيس خوفا على نفسه. وتقول الروم: إن الذئب إذا نهش شاة ثم أفلتت منه طاب لحمها وخفّ وسلمت من القردان. قالوا: والذئب إذا رأى إنسانا قبل أن يراه الإنسان أبحّ الذئب صوت ذلك الإنسان. وقالوا: في طبع الذئب محبّة الدّم، ويبلغ به طبعه أنّه يرى الذئب مثله قد دمي فيثب عليه فيمزّقه؛ قال الشاعر «٣» : [طويل]
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أحال «٤» على الدّم
قالوا: والفرس إذا وطىء أثر الذئب ثقلت قائمته التي وطىء بها. وفي كتاب عليّ ﵁ إلى ابن عبّاس: لمّا رأيت العدوّ على ابن عمّك قد
стр. 556
حرب، والزمان قد كلب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من الأموال اختطاف الذئب الأزلّ «١» دامية المعزى. ويقولون؛ إنّ الذئب ربما نام بإحدى عينيه وفتح الأخرى؛ وقال حميد بن ثور «٢» : [طويل]
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا، فهو يقظان هاجع
والذئب أشدّ السّباع مطالبة، وإذا عجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذّئاب فأقبلت حتى تجتمع على الإنسان فتأكله؛ وليس شيء من السّباع يفعل ذلك.
الفيل
قالوا: لسان الفيل مقلوب طرفه إلى داخل. والهند تقول: لولا أن لسانه مقلوب لتكلّم. والفيل إذا ساء خلقه وصعب عصبوا رجليه فسكن. وليس في جميع الحيوان شيء لذكوره ثدي في صدره إلا الإنسان والفيل. والفيل المغتلم إن سمع صوت خنّوص «٣» من الخنازير ارتاع ونفر. والفيل يفزع من السّنّور. وتزعم الهند أن نابي الفيل هما قرناه يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا أعقفين. وقال صاحب المنطق: ظهر فيل عاش أربعمائة سنة.
وقال: حدّثني شيخ لنا قال: رأيت فيلا أيام أبي جعفر قيل: إنه سجد لسابور
стр. 557
ذي الاكتاف ولأبي جعفر، والفيلة تضع في سبع سنين.
الفهد
قالوا: السّباع تشتهي رائحة الفهد، فإذا سمن الفهد عرف أنّه مطلوب وأنّ حركته قد ثقلت فأخفى نفسه حتى ينقضي الزمان الذي تسمن فيه الفهود.
ويعتري الفهد داء يقال له خانقة الفهود، فإذا اعتراه أكل العذرة «١» فبرأ.
والوحشيّ المسنّ منها في الصيد أنفع من الجرو المربّب «٢» .
الأرنب
قالوا: الأرنب تحيض ولا تسمن إلا بزيادة اللحم. وقضيب الذّكر من الأرانب ربما كان من عظم، وكذلك قضيب الثعلب. والأرنب تنام مفتوحة العين. وإنفحة «٣» الأرنب إذا شربتها المرأة من بعد أن تطهر من المحيض منعت من الحبل. والكلف «٤» إن طلي بدم الأرنب أذهبه.
القرد والدّبّ
قال: حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثني سلم بن قتيبة عن هشام عن حصين وأبي بلج عن عمرو بن ميمون قال: زنت قردة في الجاهليّة فرجمها القرود ورجمتها معهم. قالوا: وليس شيء يجتمع فيه الزواج والغيرة
стр. 558
إلا الإنسان والقرد؟ قالوا: والدّيسم جرو الدّبّ تضعه أمّه وهو كفدرة «١» لحم فتهرب به في المواضع العالية من الذّرّ والنّمل حتى تشتدّ أعضاؤه.
مصايد السباع العادية
السباع العادية: تصطاد بالزّبى والمغوّيات «٢» وهي آبار تحفر في أنشاز «٣» الأرض، فلذلك يقال: قد «بلغ السيل الزّبى» «٤» ، قال صاحب الفلاحة: ومما تصاد به السباع العادية أن يؤخذ سمك من سمك البحر الكبار السّمان فتقطع قطعا ثم تشرّح ثم تكتّل كتلا ثم تؤجّج نار في غائط «٥» من الأرض يقرب فيه السباع ثم تقذف تلك الكتل في النار واحدة بعد واحدة حتى ينتشر دخان تلك النار وقتار «٦» تلك الكتل في تلك الأرض ثم تطرح حول تلك النار قطع من لحم قد جعل فيها الحربق «٧» الأسود والأفيون وتكون تلك النار في موضع لا ترى فيه حتى تقبل السباع لريح القتار وهي آمنة فتأكل من قطع اللحم ويغشى عليها فيصيدها الكامنون لها كيف شاءوا.
النّعام
قالوا في الظّليم: إن الصيف إذا أقبل وابتدأ البسر «٨» في الحمرة ابتداء
стр. 559
لون وظيفيه»
بالحمرة ولا يزالان يتلوّنان ويزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر، ولذلك قيل له: خاضب. وفي الظليم: إنّ كل ذي رجلين إذا انكسرت إحدى رجليه قام على الأخرى وتحامل على ظلع غيره فإنه إذا انكسرت إحدى رجليه جثم، ولذلك قال الشاعر في نفسه وأخيه: [طويل]
فإنّي وإيّاه كرجلي نعامة ... على ما بنا من ذي غنى وفقير
يقول: لا غنى بواحد منّا عن الآخر. وقال آخر: [طويل]
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على أختها نهضا ولا باستها حبوا «٢»
قالوا: وعلّة ذلك أنه لا مخّ له في ساقيه، وكلّ عظم فهو ينجبر إلا عظما لا مخّ فيه؛ وزماخر «٣» الشّاء لا تنجبر؛ قال الشاعر: [طويل]
أجدّك لم تظلع برجل نعامة ... ولست بنهّاض وعظمك زمخر
أي أجوف لا مخّ فيه. والظليم يغتذي المرو «٤» والصّحر فتذيبه قانصته «٥» بطبعها حتى يصير كالماء؛ قال ذو الرمّة يذكره: [بسيط]
стр. 560
ألهاه آء وتنّوم وعقبته ... من لائح المرو والمرعى له عقب «١»
قال أبو النجم «٢» : [رجز]
والمرو يلقيه إلى أمعائه ... في سرطم «٣» هاد على التوائه
والظليم يبتلع الجمرة وربما ألقي الحجر في النار حتى إذا صار كأنّه جمرة قذف به بين يديه فيبتلعه وربما ابتلع أوزان الحديد. وفي النعامة إنها أخذت من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة؛ ومن الطائر الرّيش والجناحين والمنقاعر فهو لا بعير ولا طائر؛ وقال أوس «٤» بن حجر: [طويل]
وتنهى ذوي الأحلام عنيّ حلومهم ... وأرفع صوتي للنّعام المخزّم
جعله مخزّما للخرقين اللذين في عرض أنفه في موضع الخزامة من البعير. قال يحيى بن نوفل «٥» : [وافر]
ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاصينا إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت فإني ... من الطير المربّة «٦» في الوكور
وتقول العرب في المثل: هذا «أموق من نعامة» وذلك أنها ربما خرجت
стр. 561
لطلب الطّعم فمرّت ببيض نعامة أخرى فحضنته وتركت بيضها؛ ولذلك قال الشاعر وهو ابن هرمة «١» : [متقارب]
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا «٢»
وقال سهم بن حنظلة «٣» : [متقارب]
إذا ما لقيت بني عامر ... رأيت جفاء ونوكا «٤» كبيرا
نعام تمدّ بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا
ويضرب بها المثل في الشّراد والنّفار؛ قال بشر بن أبي خازم «٥» : [متقارب]
وأمّا بنو عامر بالنّسار «٦» ... فكانوا غداة لقونا نعاما
يريد: مرّوا منهزمين. وربما حضنت النعامة أربعين بيضة أو نحوها وأخرجت ثلاثين رألا؛ قال ذو الرمّة: [بسيط]
стр. 562
كأنه خاضب بالسّيّ «١» مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
والبواقي من بيضها الذي لا تنقفه «٢» يقال لها: التّرائك. وأشدّ ما يكون الظليم عدوا إذا استقبل الريح لأنه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح وإذا استدبرها كبته من خلفه. والنعامة تضع بيضها طولا ثم تغطّيها كلّ بيضة بما يصيبها من الحضن؛ قال ابن أحمر «٣» : [وافر]
وضعن وكلّهنّ على غرار
وقال آخر: [رجز]
على غرار كاستواء المطمر
والمطمر خيط البنّاء، إلا أن ثعلبة بن صعير «٤» خالف ذلك فقال يذكر الظليم والنعامة: [كامل]
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر «٥»
والرثيد: المنضود بعضه على بعض. قالوا: الوحش في الفلوات ما لم تعرف الإنسان ولم تره ولا تنفر منه إذا رأته خلا النعام فإنه شارد أبدا؛ قال ذو الرمّة: [طويل]
وكلّ أحمّ المقلتين كأنّه ... أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل «٦»
стр. 563
يريد: أنه لا ينفر من الناس لأنه في خلاء ولم ير أحدا قبل ذلك. وقال الأحيمر السعديّ: كنت حين خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي وهربت وتردّدت في البوادي ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، وذلك أني كنت أرى النّوى في رجع الذئاب وكنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر منيّ؛ لأنها لم تر أحدا قبلي وكنت أمشي إلى الظبي السّمين فآخذه، وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام فإنه لم أره قطّ إلا نافرا فزعا.
الطير
قال: حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا أبو عتّاب قال: حدّثنا طلحة بن يزيد الشاميّ عن بقيّة بن الوليد عن عبد الله بن أبي كبشة عن أبيه قال: كان النبيّ ﵇ يعجبه أن ينظر إلى الأترجّ وإلى الحمام الأحمر.
حدّثني الرياشيّ قال: ليس شيء يغيب أذناه إلا وهو يبيض؛ وليس شيء يظهر أذناه إلا وهو يلد، وروى ذلك عن عليّ بن أبي طالب ﵇.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن جريح قال ابن شهاب: قال رسول الله ﷺ : «أربع لا يقتلن: النملة والنحلة والهدهد والصّرد» «١» . بلغني عن مكحول قال: كان من دعاء داود النبيّ ﵇: يا رازق النّعّاب في عشّه. وذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه خرجت بيضا فإذا رآها كذلك نفر عنها فتفتح أفواهها ويرسل الله لها ذبابا
стр. 564
فيدخل في أجوافها فيكون غذاءها حتى تسودّ، وإذا اسودّت عاد الغراب فغذّاها ويرفع الله عنها الذباب.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن عباد عن الوليد بن كثير عن عبد الملك بن يحيى قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطرقوا الطير في أوكارها فإنّ الليل أمان الله» .
حدّثني أبو سفيان الغنويّ عن معاوية بن عمرو عن طلحة بن زيد عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ :» الدّيك الأبيض صديقي وصديق صديقي وعدوّ عدوّ الله يحرس دار صاحبه وسبع أدور، وكان النبيّ ﵇ يبيته معه في البيت» .
قالوا: الطير ثلاثة أضرب، بهائم الطير وهو ما لقط الحبوب والبزور؛ وسباع الطير وهي التي تغتذي اللحم؛ والمشترك وهو مثل العصفور يشارك بهائم الطير في أنه ليس بذي مخلب ولا منسر «١» وإذا سقط على عود قدّم أصابعه الثلاث وأخر الدّابرة. وسباع الطير تقدّم إصبعين وتؤخّر إصبعين ويشارك سباع الطير بأنه يلقم فراخه ولا يزقّ وأنه يأكل اللحم ويصطاد الجراد والنمل.
قالوا: والعصفور شديد الوطء، والفيل خفيف الوطء، والورشان يصرع في كلّ شهر مرة. قالوا: وأسوأ الطير هداية الأسود، والأبيض لا يجيء من الغاية «٢» لضعف قوّته وأجودها هداية الغبر والنّمر.
قال صاحب الفلاحة: الحمام يعجب بالكمّون ويألف الموضع الذي يكون فيه الكمّون، وكذلك العدس ولا سيما إذا أنقعا في عصير حلو. ومما
стр. 565
يصلحن عليه ويكثرن أن تدخّن بيوتهن بالعلك؛ وأسلم مواضعها وأصلحها أن يبنى لها بيت على أساطين خشب ويجعل فيه ثلاث كوى: كوّة في سمك البيت وكوّة من قبل المشرق وكوّة من قبل المغرب، وبابان من قبل مهبّ الجنوب. قال: والسّذاب «١» ، إذا ألقي في البرج تحامته السّنانير البرّية.
حدّثني ابن أبي سعد عن عليّ بن الصّبّاح عن أبي المنذر هشام بن محمد قال: حدّثني الكلبي أن أسماء كنائن «٢» نوح إذا كتبن في زوايا بيت حمام نمت الفروخ وسلمت من الآفات. قال هشام: قد جرّبته أنا وغيري فوجدته كما قال أبي. قال: واسم امرأة سام بن نوح «محلث محو» ، واسم امرأة حام «أذنف نشا» ، واسم امرأة يافث «زدقت نبث» «٣» .
قالوا: وأمراض الحمام أربعة: الكباد «٤» والخنان والسّل والقمّل، فدواء الكباد الزعفران والسكّر «٥» الطّبرزذ وماء الهندباء يجعل في سكرّجة «٦» ثم يمجّ في حلقه قبل أن يلتقط شيئا ودواء الخنان أن يليّن لسانه يوما أو اثنين بدهن البنفسج ثم بالرّماد والملح ويدلك بهما حتى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت
следующие страницы →