Полный текст (1 325 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لطلب الطّعم فمرّت ببيض نعامة أخرى فحضنته وتركت بيضها؛ ولذلك قال الشاعر وهو ابن هرمة «١» : [متقارب]
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا «٢»
وقال سهم بن حنظلة «٣» : [متقارب]
إذا ما لقيت بني عامر ... رأيت جفاء ونوكا «٤» كبيرا
نعام تمدّ بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا
ويضرب بها المثل في الشّراد والنّفار؛ قال بشر بن أبي خازم «٥» : [متقارب]
وأمّا بنو عامر بالنّسار «٦» ... فكانوا غداة لقونا نعاما
يريد: مرّوا منهزمين. وربما حضنت النعامة أربعين بيضة أو نحوها وأخرجت ثلاثين رألا؛ قال ذو الرمّة: [بسيط]
стр. 562
كأنه خاضب بالسّيّ «١» مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
والبواقي من بيضها الذي لا تنقفه «٢» يقال لها: التّرائك. وأشدّ ما يكون الظليم عدوا إذا استقبل الريح لأنه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح وإذا استدبرها كبته من خلفه. والنعامة تضع بيضها طولا ثم تغطّيها كلّ بيضة بما يصيبها من الحضن؛ قال ابن أحمر «٣» : [وافر]
وضعن وكلّهنّ على غرار
وقال آخر: [رجز]
على غرار كاستواء المطمر
والمطمر خيط البنّاء، إلا أن ثعلبة بن صعير «٤» خالف ذلك فقال يذكر الظليم والنعامة: [كامل]
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر «٥»
والرثيد: المنضود بعضه على بعض. قالوا: الوحش في الفلوات ما لم تعرف الإنسان ولم تره ولا تنفر منه إذا رأته خلا النعام فإنه شارد أبدا؛ قال ذو الرمّة: [طويل]
وكلّ أحمّ المقلتين كأنّه ... أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل «٦»
стр. 563
يريد: أنه لا ينفر من الناس لأنه في خلاء ولم ير أحدا قبل ذلك. وقال الأحيمر السعديّ: كنت حين خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي وهربت وتردّدت في البوادي ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، وذلك أني كنت أرى النّوى في رجع الذئاب وكنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر منيّ؛ لأنها لم تر أحدا قبلي وكنت أمشي إلى الظبي السّمين فآخذه، وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام فإنه لم أره قطّ إلا نافرا فزعا.
الطير
قال: حدّثني زياد بن يحيى قال: حدّثنا أبو عتّاب قال: حدّثنا طلحة بن يزيد الشاميّ عن بقيّة بن الوليد عن عبد الله بن أبي كبشة عن أبيه قال: كان النبيّ ﵇ يعجبه أن ينظر إلى الأترجّ وإلى الحمام الأحمر.
حدّثني الرياشيّ قال: ليس شيء يغيب أذناه إلا وهو يبيض؛ وليس شيء يظهر أذناه إلا وهو يلد، وروى ذلك عن عليّ بن أبي طالب ﵇.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن جريح قال ابن شهاب: قال رسول الله ﷺ : «أربع لا يقتلن: النملة والنحلة والهدهد والصّرد» «١» . بلغني عن مكحول قال: كان من دعاء داود النبيّ ﵇: يا رازق النّعّاب في عشّه. وذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه خرجت بيضا فإذا رآها كذلك نفر عنها فتفتح أفواهها ويرسل الله لها ذبابا
стр. 564
فيدخل في أجوافها فيكون غذاءها حتى تسودّ، وإذا اسودّت عاد الغراب فغذّاها ويرفع الله عنها الذباب.
قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن عباد عن الوليد بن كثير عن عبد الملك بن يحيى قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطرقوا الطير في أوكارها فإنّ الليل أمان الله» .
حدّثني أبو سفيان الغنويّ عن معاوية بن عمرو عن طلحة بن زيد عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ :» الدّيك الأبيض صديقي وصديق صديقي وعدوّ عدوّ الله يحرس دار صاحبه وسبع أدور، وكان النبيّ ﵇ يبيته معه في البيت» .
قالوا: الطير ثلاثة أضرب، بهائم الطير وهو ما لقط الحبوب والبزور؛ وسباع الطير وهي التي تغتذي اللحم؛ والمشترك وهو مثل العصفور يشارك بهائم الطير في أنه ليس بذي مخلب ولا منسر «١» وإذا سقط على عود قدّم أصابعه الثلاث وأخر الدّابرة. وسباع الطير تقدّم إصبعين وتؤخّر إصبعين ويشارك سباع الطير بأنه يلقم فراخه ولا يزقّ وأنه يأكل اللحم ويصطاد الجراد والنمل.
قالوا: والعصفور شديد الوطء، والفيل خفيف الوطء، والورشان يصرع في كلّ شهر مرة. قالوا: وأسوأ الطير هداية الأسود، والأبيض لا يجيء من الغاية «٢» لضعف قوّته وأجودها هداية الغبر والنّمر.
قال صاحب الفلاحة: الحمام يعجب بالكمّون ويألف الموضع الذي يكون فيه الكمّون، وكذلك العدس ولا سيما إذا أنقعا في عصير حلو. ومما
стр. 565
يصلحن عليه ويكثرن أن تدخّن بيوتهن بالعلك؛ وأسلم مواضعها وأصلحها أن يبنى لها بيت على أساطين خشب ويجعل فيه ثلاث كوى: كوّة في سمك البيت وكوّة من قبل المشرق وكوّة من قبل المغرب، وبابان من قبل مهبّ الجنوب. قال: والسّذاب «١» ، إذا ألقي في البرج تحامته السّنانير البرّية.
حدّثني ابن أبي سعد عن عليّ بن الصّبّاح عن أبي المنذر هشام بن محمد قال: حدّثني الكلبي أن أسماء كنائن «٢» نوح إذا كتبن في زوايا بيت حمام نمت الفروخ وسلمت من الآفات. قال هشام: قد جرّبته أنا وغيري فوجدته كما قال أبي. قال: واسم امرأة سام بن نوح «محلث محو» ، واسم امرأة حام «أذنف نشا» ، واسم امرأة يافث «زدقت نبث» «٣» .
قالوا: وأمراض الحمام أربعة: الكباد «٤» والخنان والسّل والقمّل، فدواء الكباد الزعفران والسكّر «٥» الطّبرزذ وماء الهندباء يجعل في سكرّجة «٦» ثم يمجّ في حلقه قبل أن يلتقط شيئا ودواء الخنان أن يليّن لسانه يوما أو اثنين بدهن البنفسج ثم بالرّماد والملح ويدلك بهما حتى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت
стр. 566
لسانه ثم يطلى بعسل ودهن ورد حتى يبرأ. ودواء السّلّ أن يطعم الماش «١» المقشور ويمجّ في حلقه لبن حليب ويقطع من وظيفيه عرقان ظاهران في أسفل ذلك مما يلي المفصل. ودواء القمّل أن تطلى أصول ريشه بالزّنبق «٢» المخلوط بدهن البنفسج، يفعل به ذلك مرارا حتى يسقط قمله، ويكنس مكانه الذي يكون فيه كنسا نظيفا.
قالوا: والطير الذي يخرج من وكره بالليل البومة والصّدى والهامة والضّوع «٣» والوطواط والخفّاش وغراب الليل. قالوا: إذا خرج فرخ الحمامة نفخ أبواه في حلقه الريح لتتسع الحوصلة من بعد التحامها وتنبثق، فإذا اتسعت زقّاه عند ذلك اللعاب ثم زقّاه سورج «٤» أصول الحيطان ليدبغا به الحوصلة، ثم زقّاه بعد الحبّ.
قال المثنّى بن زهير: لم أر شيئا قطّ في رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذكور، ورأيت حمامة لا تزيف «٥» إلا بعد شدّة طلب، ورأيت حمامة تزيف للذكر ساعة يطلبها، ورأيت حمامة وهي تمكّن آخر ما تعدوه، ورأيت حمامة تقمط حمامة، ورأيت حمامة تقمط الذكر، ورأيت ذكرا يقمط الذكر، ورأيت الذكر يقمط ما لقي ولا يزاوج، ورأيت ذكرا له أنثيان يحضن مع هذه وهذه ويزقّ مع هذه وهذه.
стр. 567
البيض
قالوا: والبيض يكون من أربعة أشياء: منه ما يكون من السّفاد؛ ومنه ما يكون من التراب؛ ومنه ما يكون من نسيم الريح يصل إلى أرحامها؛ ومنه شيء يعتري الحجل «١» وما شاكله في الطبيعة، فإنّ الأنثى منه ربما كانت على سفالة الريح التي تهبّ من شقّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا، وكذلك النخلة تكون بجنب الفحّال «٢» وتحت ريحه فتلقح بتلك الريحة وتكتفي بذلك، والدّجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها محّ، وإذا لم يكن للبيضة محّ لم يخلق فيها فرخ، لأنه لا يكون له طعم يغذوه؛ والفرخ والفرّوج يخلقان من البياض وغذاؤهما الصّفرة، وإذا باضت الدجاجة بيضتين في اليوم كان ذلك من علامات موتها؛ والطائر إذا نتف ريشه احتبس بيضه وإذا سمع صوت الرعد الشديد.
الخفّاش «٣»
قالوا: عجائب الخفّاش أنه لا يبصر في الضوء الشديد ولا في الظلمة الشديدة وتحبل وتلد وتحيض وترضع وتطير بلا ريش، وتحمل الأنثى ولدها تحت جناحها وربما قبضت عليه بفيها خوفا عليه، وربما ولدت وهي تطير.
ولها أذنان وأسنان وجناحان متصلان برجليها، وأبصارها تصحّ على طول العمر، وإنما يظهر في القمر منها المسنّات؛ وقال بعض الحكماء: الخفّاش فأر يطير.
стр. 568
الخطّاف والزّرزور «١»
قالوا: الخطّاف والزّرزور يتبع الربيع حيث كان. قالوا: وتقلع إحدى عينيه فترجع. والزّرزور لا يمشي ومتى وقع بالأرض لم يستقلّ «٢» وأخذ، وإنما يعشّش في الأماكن المرتفعة فإذا أراد الطيران رمى بنفسه في الهواء فطار، وإذا أراد أن يشرب الماء انقضّ عليه فشرب منه اختلاسا من غير أن يسقط بالأرض.
العقاب والحدأة
قالوا: العقاب تبيض ثلاث بيضات في أكثر حالاتها فإذا فرّخت غذّت، اثنين وباعدت عنها واحدا فيتعهد فرخها طائر يقال له: كاسر العظام «٣» ، ويغذوه حتى يكبر ويقوى. وقال صاحب الفلاحة: العقاب والحدأة «٤» يتبدّلان فتصير العقاب حدأة والحدأة عقابا، قال: وكذلك الأرانب تتبدّل فيصير الذكر منها أنثى وتصير الأنثى ذكرا. قال صاحب المنطق: العقاب إذا اشتكت كبدها من رفعها الثعلب والأرنب في الهواء وحطّها لذلك وأشباهه تعالجت بأكل الأكباد حتى تبرأ.
стр. 569
الغراب
الغربان لا تقرب النخل المواقير «١» وإنما تسقط على النخل المصرومة «٢» فتلقط ما يسقط من التمر في القلبة «٣» وأصول الكرب «٤» . وعلى إناث الغربان الحضن وعلى الذكور أن تأتي الإناث بالطّعم والإوزّة دون الذكر «٥» والعربان أكتم شيء للسّفاد.
القطا
قالوا: والقطا لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا؛ قال أبو وجزة «٦» : [بسيط]
وهنّ ينسبن وهنا كلّ صادقة ... باتت تباشر عرما «٧» غير أزواج
الحيوان الذي لا يصلح شأنه إلا برئيس أو رقيب: الناس، والغرانيق «٨» ، والكراكي والنحل؛ فأما الإبل والبقر والحمير فتتخذ رئيسا من غير رقيب.
باب مصايد الطير
قال صاحب الفلاحة: من أراد أن يحتال للطير والدّجاج حتى يتحيّرن ويغشى عليهنّ حتى يصيدهنّ عمد إلى الحلتيت «٩» فدافه بالماء ثم جعل في
стр. 570
ذلك الماء شيئا من عسل ثم أنقع فيه برّا يوما وليلة ثم ألقى ذلك البرّ للطير فإنها إذا التقطته تحيرّت وغشي عليها فلم تقدر على الطيران إلا أن تسقى لبنا خالطه سمن. قال: وإن عمد إلى طحين برّ غير منخول فعجن بخمر ثم طرح للطير والحجل فأكلن منه تحيرن. وإن جعل خمر في إناء وجعل فيه بنج فشربن منه غشي عليهنّ. قال: ومما يصاد به الكراكي وغيرها من الطير أن يوضع لهنّ في مواقعهن إناء فيه خمر وقد جعل فيه خربق «١» أسود وأنقع فيه شعير فإذا أكلن منه أخذهنّ الصائد كيف شاء.
قال غيره: ومما تصاد به العصافير بأسهل حيلة أن تؤخذ شبكة في صورة المحبرة اليهودية المنكوسة وتجعل في جوفها عصفور فتنقضّ عليه العصافير ويدخلن عليه وما دخل منها لم يقدر على الخروج فيصيد الرجل في اليوم الواحد مائتين وهو وادع. قال: ويصاد طير الماء بالقرعة وذلك أن تؤخذ قرعة يابسة صحيحة فيرمى بها في الماء فإنها تتحرّك فإذا أبصرها الطير تتحرّك فزع فإذا كثر ذلك عليه أنس حتى لربما سقط عليها، ثم تؤخذ قرعة فيقطع رأسها ويخرق فيها موضع عينين ثم يدخل الصائد رأسه فيها ويدخل الماء فيمشي إليها مشيا رويدا فكلّما دنا من طائر أدخل يده في الماء فقبض على رجليه ثم غمسه في الماء ثم دقّ جناحه وخلّاه فبقي طافيا فوق الماء يسبح برجله ولا يطيق الطيران، وسائر الطير لا يمكن انغماسه فإذا فرغ من صيد ما يريد رمى بالقرعة ثم يلتقطها ويحملها.
الحشرات
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا عبد الله بن الربيع قال: أخبرنا هشام
стр. 571
ابن عبد الله عن قتادة عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الفأرة يهودية ولو سقيتها ألبان الإبل وما شربتها، والفأر أصناف: منهنّ الزّباب «١» وهو أصمّ؛ قال الحارث «٢» بن حلّزة: [مجزوء الكامل]
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا «٣»
والخلد وهو أعمى؛ وتقول العرب: هو «أسرق من زبابة» ، وفأرة البيش، والبيش سمّ قاتل؛ ويقال: هو قرون السّنبل، وله فأرة تغتذيه لا تأكل غيره، ومن غير هذا فأرة المسك وفأرة الإبل فاحت «٤» أرواحها إذا عرقت.
قالوا: ومن الحيات ما يقتل ولا يخطىء: الثّعبان والأفعى والهنديّة؛ فأما سوى هذه فإنما يقتل بما يمدّه من الفزع، لأنه إذا فزع تفتّحت منافسه فوغل السّم إلى مواضع الصّميم وعمق البدن، فإن نهشت النائم والمغمى عليه والطّفل الصغير والمجنون الذي لا يعقل لم تقتل.
وأذناب الأفاعي تقطع فتنبت ونابها يقطع بالعكّاز «٥» فينبت حتى يعود في ثلاث ليال؛ والحيّة إن نفث في فيها حمّاض الأترجّ وأطبق لحيها على الأعلى على الأسفل لم تقتل بعضّتها أياما صالحة. ومن الناس من يبصق في فم الحية فيقتلها بريقه، والحيّات تكره ريح السّذاب والشّيح، وتعجب باللّفّاح والبطّيخ والحرف والخردل الموخف «٦» واللبن والخمر وليس في الأرض
стр. 572
حيوان أصبر على جوع من حية؛ ثم الضّبّ بعدها، فإذا هرمت صغرت في بدنها وأقنعها النسيم ولم تشته الطعام، ولذلك قال الراجز: [رجز]
حارية «١» قد صغرت من الكبر
وقال صاحب الفلاحة: إنّ الحية إن ضربتها بقصبة مرة أو هنتها القصبة في تلك الضربة وحيّرتها، فإن ألححت عليها بالضرب انسابت ولم تكترث.
قال: ومن جيّد ما يعالج به الملسوع أن يشقّ بطن الضّفدع ثم يرفد به موضع لسعة العقرب. والضّفدع لا يصيح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، فإذا صار في فيه بعض الماء صاح، ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا خرجن من الماء، قال الراجز: [رجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه «٢» ... حتى ينقّ والنقيق يتلفه
يريد أن النقيق يدل عليه حية البحر، كما قال الآخر: [طويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
وقال في السّبخ «٣» : إنه إن انخرق فيه خرق بمقدار منخر الثور حتى تدخله الريح استحال ذلك السّبخ ضفادع. والضّفادع لا عظام لها، ويضرب بها المثل في الرّسح «٤» ؛ فيقال: «أرسح من ضفدع» و «أجحظ عينا من ضفدع» .
стр. 573
قالوا: وكل شيء يأكل فهو يحرّك فكّه الأسفل إلا التمساح فإنه يحرّك فكه الأعلى. وبمصر سمك يقال له الرّعّاد، من صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد وتنتفض مادام في شبكته أو شصّه «١» . والجعل «٢» إذا دفنته في الورد سكنت حركته حتى يتوهّم من رآه أنه قد مات، فإذا أعدته إلى الروث تحرّك ورجع في حسّه. والبعير إذا ابتلع في علفه خنفساء قتله إن وصلت إلى جوفه حية. وأطول شيء ذماء «٣» الخنفساء فإنها يسرج على ظهرها فتصبر وتمشي.
والضبّ «٤» يذبح فيمكث ليلة ثم يقرّب من النار فيتحرّك. والأفعى إذا ذبحت تبقى أياما تتحرّك وإن وطئها واطىء نهشته، ويقطع ثلثها الأسفل فتعيش وينبت ذلك المقطوع. والكلب والخنزير يجرحان الجرح القاتل فيعيشان.
قالوا: وللضبّ «٥» ذكران وللضبّة حران، خبّرني بذلك سهل عن الأصمعيّ أو غيره. قال: ويقال لذكره نزك وأنشد: [طويل]
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في البلاد وناعل «٦»
стр. 574
وكذلك الحرذون. «١» والذّبّان «٢» لا تقرب قدرا فيها كمأة «٣» . وسامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران. ومن عضّه الكلب الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من الذّباب لئلا يسقط عليه. وخرطوم الذباب يده، ومنه يغنّي، وفيه يجري الصوت كما يجري الزامر الصوت في القصبة بالنفخ.
قالوا: ليس شيء يذخر إلا الإنسان والنملة والفأرة. والذّرّة «٤» تدّخر في الصيف للشتاء فإذا خافت العفن على الحبوب أخرجتها إلى ظاهر الأرض فشرّرتها «٥» ، وأكثر ما تفعل ذلك ليلا في القمر. فإن خافت أن ينبت الحبّ نقرت وسط الحبة لئلا تنبت. والسّلحفاة إذا أكلت أفعى أكلت سعترا جبليا «٦» .
وابن عرس «٧» إذا قاتل الحية أكل السّذاب. والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح. والأيّل إذا نهشته الحية أكل السّراطين «٨» . قال ابن ماسويه: فلذلك يظنّ أن السراطين صالحة لمن نهش من الناس. والوزغ «٩» يزاقّ الحيّات ويقاربها، ويكرع في اللبن والمرق ثم يمجّ في الإناء. وأهل
стр. 575
السجن يعملون من الوزغ سمّا أنفذ من سم البيش «١» ومن ريق الأفاعي، وذلك أنهم يدخلون الوزغة قارورة ثم يصبّون فيها من الزيت ما يغمرها ويضعونها في الشمس أربعين يوما حتى تتهرّأ «٢» في الزيت، فإن مسحت على اللّقمة منه مسحة وأكله آكل مات من يومه.
والجراد إذا طلع فعمد إلى التّرمس والحنظل فطبخا بماء ثم نضح ذلك الماء على زرع تنكّبه الجراد. وإذا زرع خردل في نواحر زرع نجا من الدبى «٣» . وإذا أخذ المرداسنج «٤» فعجن بعجين ثم طرح للفأر فأكلته موّتن عنه، وكذلك براية الحديد. وإذا أخذ الأفيون والشّونيز «٥» والبارزذ «٦» وقرن الأيّل وبابونج وظلف من أظلاف المعز فخلط ذلك جميعا ثم دقّ وعجن بخلّ عتيق ثم قطع قطعا فدخّن بقطعة منه نفرت لذلك الحيّات والهوامّ والنمل والعقارب، وإن أحرق منه شيء ودخّن به هرب ما وجد منها تلك الريح. والنمل تهرب من دخان أصول الحنظل. وإن عمد إلى كبريت وسذاب وخربق فدقّ ذلك جميعا وطرح في قرية النمل قتلها ومنعها ظهورهن من ذلك الموضع.
والبعوض تهرب من دخان القلقديس «٧» إذا دخّن به ومعه حبّ السوس «٨» ، وتهرب من دخان الكبريت والعلك.
стр. 576
وقالت الأطباء: لحم ابن عرس نافع من الصّرع. ولحم القنفذ نافع من الجذام والسّلّ والتشنّج ووجع الكلى، يجفّف ويشرب ويطعمه العليل مطبوخا ومشويّا ويضمد به المتشنّج. والعقرب إذا شقّ بطنها ثم شدّ على موضع اللسعة نفعت. وقد تجعل في جوف فخّار مشدود الرأس مطيّن الجوانب ثم يوضع الفخّار في تنّور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرماد من به الحصاة مقدار نصف دانق وأكثر فيفتّت الحصاة من غير أن يضرّ بشيء من سائر الأعضاء والأخلاط «١» ، وقد تلسع العقرب من به حمّى عتيقة فتقلع؛ وتلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج، وتلقى في الدّهن وتترك فيه حتى يأخذ الدّهن منها ويجتذب قواها فيكون ذلك الدّهن مفرّقا للأورام الغليظة. ومن طبع العقرب أنك إن ألقيتها في ماء غمر بقيت في وسط الماء لا تطفو ولا ترسب؛ وهي من الحيوان الذي لا يسبح. وعين الجرادة وعين الأفعى لا تدوران. وإنما تنسج من العناكب الأنثى، والذكر هو الخدرنق. وولد العنكبوت ينسج ساعة يولد. والقمل يخلق في الرؤوس على لون الشعر إن كان أسود أو أبيض أو مخضوبا بالحنّاء. الحلكاء «٢» دويبّة تغوص في الرمل كما يغوص طائر الماء في الماء. وبنات النّقا كذلك، وهي التي يقال لها:
شحمة الأرض. وأمّ حبين «٣» لا تقيم بمكان تكون فيه السّرفة، والسّرفة «٤» دويبّة يضرب بها المثل في الصّنعة فيقال: «أصنع من سرفة» .
стр. 577
ومن أحسن ما قيل في الأفعى قول امرأة من الأعراب: [كامل]
خلقت لهازمه عزين، ورأسه ... كالقرص فرطح من دقيق شعير «١»
وكأن ملقاه بكلّ تنوفة ... ملقاك كفّة منجل مأطور «٢»
ويدير عينا للوقاع، كأنها ... سمراء طاحت من نفيض برير «٣»
قيل لما سرجويه: نجد ملسوع العقرب يعالج بالاسفيوش»
فينفعه، وآخر يعالج بالبندق فينفعه، وآخر يشرب الأنقاس «٥» فتنفعه، وآخر يأكل التّفاح الحامض فينفعه، وآخر يطليه بالقلي «٦» والخلّ فيحمده، وآخر يعصب عليه الثوم الحارّ المطبوخ، وآخر يدخل يده في مرجل حارّ لا ماء فيه فيحمده، وآخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، وآخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ثم رأيناه يتعالج بعد بذلك الشيء للسعة أخرى فلا يحمده! فقال: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر والزمان، وباختلاف ما لاقاه اختلف الذي يوافقه على حسب اختلافه. قالوا: وأشدّ ما تكون لسعتها إذا خرج الإنسان من الحمّام، لتفتّح المنافس وسعة المجاري وسخونة البدن.
стр. 578
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قال أبو بكر البحريّ: ما من شيء يضرّ إلا وفيه منفعة. وقيل لبعض الأطباء: إنّ قائلا قال: أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع. فقال؛ ما أقلّ علمه بها. إنها لتنفع إذا شقّ بطنها ثم شدّت على موضع اللّسعة؛ وقد تجعل في جوف فخّار مشدود الرأس مطيّن الجوانب ثم يوضع الفخّار في تنّور فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرماد مقدار نصف دانق أو أكثر قليلا من به الحصاة ففتّها من غير أن يضرّ بشيء من سائر الأعضاء والأخلاط. وقد تلسع العقرب من به الحمّى العتيقة فتقلع عنه.
ولسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج. وقد تلقى العقرب في الدهن وتترك فيه حتى يأخذ الدهن منها ويجتذب قواها فيكون ذلك الدّهن مفرّقا للأورام الغليظة.
قال أبو عبيدة: ولسعت أعرابيا عقرب بالبصرة، وخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس له: ليس شيء خيرا من أن تغسل له خصية زنجيّ عرق ففعلوا، وكان ذاك في ليلة ومدة «١» ، فلما سقوه قطب؛ فقيل له: طعم ماذا تجد؟ قال: أجد طعم قربة جديدة.
قال المأمون: قال لي بختيشوع وسلمويه وابن ماسويه: إن الذباب إذا دلك على موضع لسعة الزّنبور هدأ وسكن الألم، فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن الألم إلا في قدر الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج، فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: كان هذا الزّنبور حنقا غاضبا، ولولا ذلك العلاج قتلك. قالوا: ومما ينفع من اللسعة أن يصيروا على موضعها قطعة رصاص رقيقة وتشدّ عليه أياما. وقد يموّه بهذا قوم فيجعلونه خاتما فيدفعونه إلى الملسوع إذا نهش في إصبعه.
стр. 579
قال محمد بن الجهم: لا تتهاونوا بكثير مما ترون من علاج العجائز، فإنّ كثيرا منه وقع إليهن من قدماء الأطباء، كالذّبّان يلقي في الإثمد «١» فيسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر ونفاذ النظر وتشديد مراكز الشعر في حافات الجفون. قال: وفي أمّة من الأمم قوم يأكلون الذّبّان فلا يرمدون، وليس لذلك يأكلونه، ولكن كما يأكل غيرهم فراخ الزنابير.
وقال ابن ماسويه: المجرّب للسع العقرب أن يسقى من الزّراوند «٢» المدحرج ويشرب عليه ماء بارد، ويمضغ ويوضع على اللسعة. قال: وللسع الأفاعي والحيّات ورق الآس «٣» الرطب يعصر ويسقى من مائه قدر نصف رطل، وكذلك ماء المرزنجوش «٤» وماء ورق التفاح المدقوق والمعصور مع المطبوخ، ويضمد الموضع بورق التفاح المدقوق. وللأدوية والسموم القاتلة البندق والتين والسّذاب يطعم ذلك العليل. قال: والثّوم والملح وبعر الغنم نافع جدّا إذا وضع على موضع لسعة الحيّة إلا أن تكون أصلة «٥» ، فإن الأصلة توضع على لسعها الكليتان جميعا بالزيت والعسل. والخطميّ «٦» إذا أخذ ورقه فدقّ ثم وضع على لسع قملة «٧» النّسر كان دواء له. وإن طلى أحد به يديه أو
стр. 580
جسده لم يلدغ ذلك الموضع منه زنبور. وإن لدغ أحدا زنبور فآذاه فشرب من مائه نفعه. والبشكول وهو الطرشقوق إن دقّ فضمد به لسعة العقرب نفع إذا أغلي أو شرب من عصيره. قالوا: وإن أخذ من حذر على نفسه السّموم القاتلة التين مع الشّونيز على الريق وقاه.
النبات
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدّثنا قريش بن أنس عن كليب أبي وائل رجل من المطّوّعة قال: رأيت ببلاد الهند شجرا له ورد أحمر مكتوب فيه ببياض «محمد رسول الله» . والعرب تقول في مثل هذا هو: «أشكر من البروقة» «١» ، وهو نبت ضعيف ينبت بالغيم. ويزعم قوم أن النارجيل هو نخل المقل قلبه طباع البلد. وقال صاحب الفلاحة: بين الكرنب وبين الكرم عداوة، فإذا زرع الكرنب بحضرة الكرم ذبل أحدهما وتشنّج، ولذلك يبطىء السّكر عمن أكل منه ورقات على ريق النفس ثم شرب.
وقضبان الرمّان إذا ضرب بها ظهر رجل اشتدّ عليه الألم. قالوا: وكلّ زهر ونور فإنه ينحرف مع الشمس ويحوّل إليها وجهه؛ ولذلك يقال: هو يضاحك الشمس. قال الأعشى: [بسيط]
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل «٢»
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّة بعميم النّبت مكتهل «٣»
стр. 581
وقال آخر: [طويل]
فنوّاره ميل إلى الشمس زاهره «١»
والخبّازى «٢» ينضمّ ورقه بالليل وينفتح بالنهار. والنّيلوفر «٣» ينبت في الماء فيغيب الليل كلّه ويظهر إذا طلعت الشمس. وقالوا في الطّحلب «٤» : إن أخذ فجفّف في الظلّ ثم سقط في النار لم يحترق. وذكروا أنّ قسّا راهن على صليب في عنقه من خشب أنه لا يحترق، وقال: هو من العود الذي صلب عليه المسيح، فكاد يفتن بذلك خلقا حتى فطن له بعض أهل النظر فأتاهم بقطعة عود تكون بكرمان فكان أبقى على النار من صليبه. والطّلق «٥» كذلك لا يصير جمرا. وطلاء النفّاطين «٦» طلق وخطميّ ومغرة. وقالوا: إذا أخذ بزر السّذاب البريّ وزرع وطال به ذلك تحوّل حرملا «٧» ، والنّمام «٨» إذا أعتق تحوّل
стр. 582
حبقا «١» . قالوا: والقسط «٢» إنما هو جزر بحريّ. قالوا: بالسند نبت من الحشيش يسمّى تريّة، إذا أخذ فطبخ ثم صفّي ماؤه فجعل في وعاء لم يلبث إلا يسيرا حتى يشتدّ ويسكر شاربه إسكار الخمر.
قال صاحب الفلاحة: من أراد أن يضرّ بمبقلة عمد إلى شيء من خرء البطّ فخلط به مثله من ملح ثم طرحا في ماء فديفا فيه فينضح ذلك الماء على البقل فإنه يفسد. قال: ومن أراد إفساد الرمّان الكثير ألقى في أضعافه نوى التمر والملح والجريش. ومن أراد قتل السمك في الماء القائم عمد إلى نبت يسمى «ما هى «٣» زهرة» فدقّ وطرح في الماء فإنه يموت سمك ذلك الماء؛ والمازريون «٤» يفعل ذلك. قال: ومما يجفّ له الشجر أن يعمد إلى مسمار من حديد فيحمى بالنار حتى تشتدّ حمرته ثم يدقّ في أصل الشجرة، وأن يعمد إلى وتد من طرفاء فيثقب أصل الشجرة بمثقب حديد ثم يجعل ذلك العود على قدر الثّقب في المثقب فتجفّ الشجرة إن كان غلظ العود على قدر الثّقب.
قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة «٥» وسكّان البساتين مع أكلهم الكرّاث والتّمر وشربهم الماء الحارّ على السّمك المالح أقلّ عميانا وعورانا وعمشانا؟
قال: فكّرت في ذلك فلم أجد علّة إلا طول وقوع أبصارهم على الخضرة.
стр. 583
الحجارة
قال أرسطا طاليس: حجر «١» سنقيلا إذا ربط على بطن صاحب الاستسقاء نشّف منه الماء، والدليل على ذلك أنه يوزن بعد أن كان على بطنه فيوجد قد زاد في وزنه؛ وذاكرت بهذا رجلا من علماء الأطبّاء فعرفه، وقال: هذا الحجر مذكور في التوراة. وحجر المغناطيس يجذب الحديد من بعد وإذا وضع عليه علقه، فإن دلك بالثّوم بطل عمله. قالوا: والرّماد والقلي «٢» يدبّران فيستحيلان حجارة سودا تصلح للأرجاء. ومن الحجارة حصاة في صورة النواة تسبح في الخلّ كأنها سمكة. ومنها خرزة العقر «٣» إن كانت في حقو «٤» المرأة فلا تحبل.
وحجر يوضع على حرف التنّور فيتساقط خبز التنّور كلّه. وبمصر حجر من قبض عليه بجميع كفّيه فأكل شيئا في جوفه فإن هو لم ينبذه من كفّه خيف عليه. ومن الحجارة النّشف «٥» ، ليس شيء من الحجارة يطفو على الماء غيره وفيه حفر صغار.
قالوا: الرصاص قد يدبّر فيستحيل مردا سنجا. وإقليمياء «٦» النّحاس يدبّر فيصير توتياء. وحجر البازهر «٧» يفرّق الأورام. وباليمن جبل يقطر منه ماء. فإذا صار إلى الأرض ويبس استحال وصار شبّا، وهو هذا الشبّ اليمانيّ.
стр. 584
حدّثنا الرياشيّ عن الأصمعيّ قال: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن: الورس والكندر والخطر والعصب «١» . وبمصر حجر تحرّكه فتسمع في جوفه شيئا يتقلقل كالنواة.
حدّثني شيخ لنا عن عليّ بن عاصم عن خالد الخذّاء عن محمد بن سيرين قال: إختصم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: إنّي استودعت هذا وديعة فأبى أن يردّها عليّ؛ فقال له شريح: ردّ على هذا الرجل وديعته؛ قال:
يا أبا أميّة، إنه حجر إذا رأته الحبلى ألقت ولدها، وإذا وقع في الخلّ غلى، وإذا وضع في التنّور برد، فسكت شريح، ولم يقل شيئا حتى قاما.
الجنّ
قالوا: الشياطين مردة الجنّ، والجانّ ضعفة الجنّ، وبلغني عن يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن مجاهد قال قال- يعني إبليس عليه لعنة الله-:
أعطينا أنّا نرى ولا نرى، وأنا ندخل تحت الثّرى، وأنّ شيخنا يردّفتى.
حدّثنا عبد الرحمن عن عمّه قال: حدّثني يعلى بن عقبة- شيخ من أهل المدينة مولى لآل الزّبير-: أن عبد الله بن الزبير بات بالقفر، فقام ليرحل فوجد رجلا طوله شبران عظيم اللحية على الوليّة «٢» ، فنفضها فوقع ثم وضعها على الراحلة، وجاء وهو بين الشّرخين «٣» ، فنفض الرّحل ثم شدّه، وأخذ
стр. 585
السّوط ثم أتاه، فقال: من أنت؟ قال: أنا أزبّ قال: وما أزبّ؟ قال: رجل من الجنّ؛ قال: افتح فاك أنظر؛ ففتح فاه؛ قال: أهكذا حلوقكم! لقد شوّه حلوقكم! ثم قلب السوط فوضعه في رأس أربّ حتى شقّه.
حدّثني خالد بن محمد الأزديّ قال: حدّثنا عمر بن يونس قال: حدّثنا عكرمة ابن عمّار قال: حدّثنا إسحاق بن أبي طلحة الأنصاريّ قال: حدّثني أنس بن مالك قال: كانت بنت عوف بن عفراء مضطجعة في بيتها قائلة إذ استيقظت وزنجيّ على صدرها آخذا بحلقها، قالت: فأمسكني ما شاء الله وأنا حينئذ قد حرمت عليّ الصلاة، فبينا أنا كذلك نظرت إلى سقف البيت ينفرج، حتى نظرت إلى السماء فإذا صحيفة صفراء تهوي بين السماء والأرض حتى وقعت على صدري، فنشرها وأرسل حلقي فقرأها، فإذا فيها:
من ربّ لكيز إلى لكيز، إجتنب ابنة العبد الصالح إنه لا سبيل لك عليها، ثم ضرب بيده على ركبتي وقال: لولا هذه الصحيفة لكان دم، أي لذبحتك؛ فاسودّت ركبتي حتى صارت مثل رأس الشاة، فأتيت عائشة، فذكرت لها ذلك؛ فقالت لي: يا بنة أخي، إذا حضت فألزمي عليك ثيابك فإنه لا سبيل له عليك إن شاء الله. فحفظها الله بأبيها وكان استشهد يوم بدر.
أبو يعقوب الثقفيّ عن عبد الملك بن عمير عن الشّعبيّ عن زياد بن النضر أنّ عجوزا سألت جنّيّا فقالت: إن بنتي عروس وقد تمّرط شعرها «١» من حمّى ربع بها، فهل عندك دواء؟ فقال: اعمدي إلى ذباب الماء الطويل القوائم الذي يكون بأفواه الأنهار فاجعليه في سبعة ألوان من العهن «٢» : أصفر وأحمر وأخضر وأزرق وأبيض وأسود وأغبر، ثم اجعليه في وسطه وافتليه
стр. 586
بأصبعك هكذا ثم اعقديه على عضدها اليسرى؛ ففعلت فكأنّها أنشطت من عقال.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرني محمد بن مسلم الطائفيّ في حديث ذكره أنّ الشياطين لا تستطيع أن تغيّر خلقها ولكنها تسخّر.
وقال الأصمعيّ: حدّثنا أبو عمرو بن العلاء قال: حدثنا النّهّاس بن قهم قال:
دخلت مربدا لنا فإذا فيه شيء كالعجّول «١» له قرنان وله ريش ينظر إليّ كأنه شيطان.
حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن عمه قال: سمع رجل بأرض ليس بها أحد قائلا من تحته يقول: من يحرّك شعيراتي؟ ذاك مقيلي، وظلّ مظلّي، حاشا الغزيل وعبد الملك وجمعه الأدم؛ وكانوا يرون أنّ الأصمعيّ سمع هذا، وذاك أنه كان في آخر عمره وقد أصابه مسّ ثم ذهب عنه.
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عمر بن الهيثم عن عمير بن ضبيعة قال: بينا أنا أسير في فلاة أنا وابن ظبيان- أو رفيق له آخر ذكره- عرضت لنا عجوز- كذا سمعته يقول، إن شاء الله- أو شيخ- ورأيت في كتاب محمد ابنه- وصبيّ يبكي؛ فقال: إني منقطع بي في هذه الفلاة فلو تحمّلتماني! فقال صاحب عمير: لو أردفته! فحمله خلفه؛ فمكثنا ساعة فنظر في وجه عمير وتنفّس فخرج من فيه نار مثل نار الأتّون «٢» فأخد له عمير السيف؛ فبكى وقال: ما تريد منّي؛ فكفّ عنه ولم يعلم صاحبه بما رأى؛ فمكث هنيهة ثم عاد، فأخذ له السيف؛ فبكى وقال ما تريد مني؟ وبكى؛ فتركه ولم يعلم صاحبه؛ ثم عاد الثالثة ففغر «٣» في وجهه؛ فحمل عليه
стр. 587
بالسيف؛ فلما رأى الجدّ وثب وقال: قاتلك الله ما أشدّ قلبك! ما فعلته قطّ في وجه رجل إلا ذهب عقله.
بلغني عن محمد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن عن أبي أيّوب الأنصاريّ أنه كان في سفرة له وكانت الغول تجيء، فشكاها إلى النبيّ ﷺ ؛ فقال: «إذا رأيتها فقل باسم الله أجيبي رسول الله» ؛ فجاءت فقال لها ذلك؛ فأخذها فقالت: لا أعود؛ فأرسلها؛ فقال له النبيّ ﵇: «ما فعل أسيرك» ؟ فأخبره؛ فقال: «إنها عائدة» ، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا، وقالت في آخرها: أرسلني وأعلّمك شيئا تقوله فلا يضرّك شيء: آية الكرسيّ؛ فأتى النبيّ ﵇ فأخبره؛ فقال:
«صدقت وهي كذوب» .
حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا عبد الصمد عن همّام عن يحيى بن أبي كثيرة أن عامل عمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إنّا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت؛ فكتب إليه عمر: لسنا من الماء في شيء، إن قامت البينة وإلا فخلّ عنها.
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا ابن جريج عن ابن أبي الحسين المكيّ قال: قال رسول الله ﷺ : نعمت الدّخنة اللّبان واللّبان دخنة الأنبياء ولن يدخل بيتا دخّن فيه بلبان ساحر ولا كاهن.
حدّثني عبد الله بن أبي سعيد قال: حدّثني عبد الله بن مروان بن معاوية من ولد أسماء بن خارجة قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت أعرابية تقول: من يشتري منّي الحزأ؟ فقلت: وما الحزأ «١» ؟ قالت: يشتريه أكايس
стр. 588
النساء للطّشّة والخافية والإقلات؛ قال عبد الله سألت ابن مناذر فقال: الطّشّة:
شيء يصيب الصبيان كالزّكام. والخافية: الجنّ. والإقلات قلة الولد. يريد أن المرأة إذا ولدت يموت أولادها فلا يبقى لها ولد؛ يقال: امرأة مقلات.
بلغني عن شيخ من بني نمير أنه قال: أضللت أباعر لي بالشّريف «١» فخرجت في بغائها فدأبت أياما فأمسيت عشيّة بواد موحش وقد كددت راحلتي فاختليت «٢» لها من الشجر وأصبت لها من الماء ثم قيّدتها واضطجعت مغموما، فلما جرى وسن النوم في عيني إذ همس قدم قريبا منّي، فانتبهت فزعا وإذا شيخ يتنحنح وهو يقول: لا ريعة «٣» عليك! ثم سلّم وجلس؛ ثم جاء آخر وآخر حتى تألّفوا أربعة فقالوا: ما بك أيها المسلم؟ فقلت: أضللت أباعر «٤» لي وأنا في طلبها منذ أيام؛ فقال لي الأوّل منهم: كنّ لك ما كنّ، وقد ودّعن فبنّ، وصرن حيث صرن، فلا تتعنّينّ؛ فاجترأت على المسألة فقلت: أمن الخافية أنتم نشدتكم بإلهكم؟ قالوا: نعم وإلهنا وإلهكم واحد؛ فقلت: علّموني مما علّمكم الله شيئا أنتفع به؛ قالوا: إذا أردت حفظ مالك فاقرأ عليه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
«٥» إلى آخر ثلاث الآيات، وآية الكرسيّ، وإذا أمسيت في خلاء وحدك فاقرأ المعوّذتين، وإن أحببت ألّا يعبث بك ولا بأهلك وولدك عابث منّا فعليك بالديك الأبيض؛ واجعل في حجور صبيانك بريما، يعني خيطا من صوف
стр. 589
أبيض وأسود، واحتشوا بالإذخر «١» ينشر في الصوف، فحدّثوني كحديثنا تلك الليلة، فلما أصبحت رجعت.
قال المدائنيّ: كانت وفاة زياد بالعرفة «٢» ظهرت في إصبعه، واشتدّ عليه الوجع فجمع الأطّباء فشاورهم في قطع إصبعه، فأشار عليه بعضهم بذلك، وقال له رجل منهم: أتجد الوجع في الإصبع أم تجده في قلبك والإصبع؟
قال: في قلبي وفي إصبعي؛ قال: عش سليمان ومت سليما، وأمره أن يغمسها في الخلّ، فكان ذلك يخفّف عنه بعض الوجع، فمكث بذلك سبعة عشر يوما ثم مات؛ وسمع أهل الحبس ليلة مات قائلا يقول: أنا النقاد الرّقية قد كفيتكم الرجل. والعرب تدعو الطاعون رماح الجنّ. وقال النبيّ ﷺ : «إنه وخز من الجنّ يعني الطاعون» . والله أعلم.
تمّ كتاب الطبائع وهو الكتاب الرابع من عيون الأخبار لابن قتيبة ويتلوه في الكتاب الخامس كتاب العلم. والحمد لله رب العالمين وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحابته وأهل بيته أجمعين.
وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزري؛ وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة هجرية..
جاء بعد خاتمة الكتاب الرابع بعد النسخة الخطية التي تقل عنها الأصل الفتوغرافي ما يأتي:
كان سديف مولى بني هاشم يقول: اللهمّ إنه قد صار فيئنا دولة بعد
стр. 590
القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة؛ وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة؛ وحكم في أبشار «١» المسلمين أهل الذّمة وتولّى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلّة. اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهيته، واستجمع طريده، اللهم فافتح له من الحق يدا حاصدة تبدّد شمله، وتفرّق نامّته «٢» ليظهر الحقّ في أحسن صوره، وأتمّ نوره. والسلام.
وقيل «٣» : كانوا يتوقّون ظلم السلطان إذا دخلوا عليه بأن يقولوا هذا الدعاء: «باسم الله، إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
أخذت سمعك وبصرك بسمع الله وبصره، وأخذت قوّتك بقوّة الله، بيني وبينك ستر النبوة الذي كانت الأنبياء تستتر به من سطوات الفراعنة؛ جبريل عن يمينك، وميكائيل عن شمالك، ومحمد أمامك، والله مطلّ عليك يحجزك مني ويمنعني منك. والسلام» .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: «أما بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك. والسلام» .
وقدم رجل من بعض النواحي فقيل له: كيف تركت الناس؟ قال:
مظلوما لا ينتصر، وظالما لا ينتهر. والسلام.
стр. 591
في الحبس: [بسيط]
ما يدخل السجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلّا قال مظلوم «١»
وقال بعض المحدثين: [منسرح]
إن الليالي التي شغفت بها ... غيّبها الدهر في تقلّبه
لله أمري ما ملت قطّ إلى ... شيء بقلبي إلّا فجعت به
عرفت حظّي من الزمان فلا ... ألوم خلقا على تجنّبه
وكلّ سهم أعددته وقفت ... به الليالي حتى زميت به
وحكي أن عبد الملك بن مروان أتوه برجل من الخوارج فأراد قتله، فأدخل على عبد الملك ابن له صغير وهو يبكي؛ فقال الخارجيّ: دعه يا عبد الملك، فإن ذلك أرحب لشدقه، وأصحّ لدماغه، وأذهب لصوته، وأجرى ألّا تأبى عليه عينه إذا حفزته طاعة الله فاستدعى عبرتها؛ فأعجب عبد الملك بقوله وقال له متعجّبا: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟ فقال: ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شيء؛ فأمر عبد الملك بحبسه، وصفح عن قتله.
стр. 592
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب العلم والبيان
العلم
حدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعيّ عن عبد الله ابن سعد عن الصّنابحيّ عن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات، قال الأوزاعيّ: يعني صعاب المسائل «١» .
حدّثني سهيل بن محمّد عن الأصمعيّ قال: سمعت عمران بن حدير يحدّث عن رجل من أهل الشام قد سمّاه، قال: قال كعب الأحبار لقوم من أهل الشام: كيف رأيكم في أبي مسلم الخولانيّ «٢» ؟ فقالوا: ما أحسن رأينا فيه وأخذنا عنه! فقال: إنّ أزهد الناس في العالم أهله «٣» ، وإنّ مثل ذلك مثل الحمّة «٤» تكون في القوم فيرغب فيها الغرباء، ويزهد فيها القرباء، فبينا ذلك
стр. 593
غار ماؤها، وأصاب هؤلاء منفعتها، وبقي هؤلاء يتفكّنون، أي يتندّمون.
وفي الإنجيل أنّ عيسى صلى الله عليه لمّا أراهم العجائب، وضرب لهم الأمثال والحكمة، وأظهر لهم هذه الآيات، قالوا: أليس هذا ابن النّجّار! أو ليست أمّه مريم وأخوه يعقوب ويوسف وشمعون ويهوذا وأخواته كلّهنّ عندنا! فقال لهم عيسى: إنّه لا يسبّ النبيّ ولا يحقّر إلّا في مدينته وبيئته.
حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: قيل لدغفل النسّابة: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول، وكنت إذا لقيت عالما أخذت منه وأعطيته.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: حدّثنا العلاء بن أسلم عن رؤبة بن العجّاج قال: أتيت النّسابة البكريّ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا ابن العجاج، قال: قصّرت وعرّفت، لعلك من قوم إن سكتّ عنهم لم يسألوني، وإن تكلّمت لم يعوا عنّي، قلت: أرجو ألا أكون كذلك، قال: ما أعداء المروءة؟
قلت: تخبرني، قال: بنو عمّ السوء إن رأوا حسنا ستروه، وإن رأوا سيّئا أذاعوه، ثم قال: إن للعلم آفة وهجنة ونكدا، فآفته نسيانه، ونكده الكذب فيه، وهجنته نشره عند غير أهله.
كان يقال: لا يزال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أن قد علم فقد جهل.
حدّثني شيخ لنا عن محمّد بن عبيد عن الصّلت بن مهران عن رجل عن الشعبيّ عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم العلم لأربعة دخل النار ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يميل به وجوه الناس أو يأخذ به من الأمراء» .
стр. 594
وحدّثني عن أبي معاوية عن حجّاج عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يخلص العبادة لله أربعين يوما إلّا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» . وقرأت في حكم لقمان أنه قال لابنه: يا بنيّ، أغد عالما أو متعلّما أو مستمعا أو محبّا، ولا تكن الخامس فتهلك.
حدّثني محمد بن داود عن سويد بن سعيد عن إسماعيل عن ابن عيّاش عن معاذ ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: قال النبيّ ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» .
وروى أبو خالد بن الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق قال:
قال عليّ ﵇: كلمات لو رحّلتم المطيّ فيهنّ لا تصيبوهنّ قبل أن تدركوا مثلهن: لا يرجونّ عبد إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
واعلموا أنّ منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان. وكان يقول: من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم على القوم عامّة وتخصّه بالتحية، وأن تجلس قدّامه ولا تشير بيدك، ولا تغمز بعينك، ولا تقول قال فلان خلافا لقوله، ولا تغتاب عنده أحدا، ولا تسارّ في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلحّ عليه إذا كسل، ولا تغرض «١» من صحبته لك: فإنما هو بمنزلة النخلة لا يزال يسقط عليك منها شيء. وفيما قال عليّ ﵇: يا كميل «٢» ، العلم خير من
стр. 595
المال، لأنّ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. وقال: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. ويقال إذا أرذل «١» الله عبدا حظر عليه العلم. وقال الشاعر: [طويل]
يعدّ رفيع القوم من كان عالما «٢» ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعلمه ... وما «٣» عالم في بلدة بغريب
قال بزرجمهر: ما ورّثت الآباء الأبناء شيئا أفضل من الأدب، لأنها تكتسب المال بالأدب وبالجهل تتلفه فتقعد عدما منهما. قال رجل لخالد بن صفوان: مالي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار، وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟ قال: لأنّك حمار في مسلاخ»
إنسان.
خرج الوليد بن يزيد حاجّا ومعه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فكانا ببعض الطريق يلعبان بالشّطرنج فاستأذن عليه رجل من ثقيف فأذن له وستر الشّطرنج بمنديل، فلمّا دخل سلّم فسأله حاجته؛ فقال له الوليد: أقرأت القرآن؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين! شغلتني عنه أمور وهنات، قال: أفتعرف الفقه؟ قال: لا، قال: أفرويت من الشّعر شيئا؟ قال: لا، قال: أفعلمت من أيام العرب شيئا؟ قال: لا، قال: فكشف المنديل عن الشّطرنج وقال:
شاهك، فقال له عبد الله بن معاوية: يا أمير المؤمنين! قال: اسكت فما معنا أحد.
وفي كتاب للهند: العالم إذا اغترب فمعه من علمه كاف، كالأسد معه
стр. 596
قوّته التي يعيش بها حيث توجّه. وكان يقال: العلم أشرف الأحساب، والمودّة أشدّ الأسباب، قال الشاعر: [منسرح]
الحلم والعلم خلّتا كرم ... للمرء زين إذا هما اجتمعا
صنوان لا يستتمّ حسنهما ... إلا بجمع لذا وذاك معا
كم من وضيع سما به العلم وال ... حلم فنال العلاء وارتفعا
ومن رفيع البنا أضاعهما ... أخمله ما أضاع فاتّضعا
قال الأحنف: كاد العلماء أن يكونوا أربابا، وكلّ عزّ لم يؤكّد بعلم فإلى ذلّ ما يصير. وقال ابن المقفّع: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنّك ذلك، فإنّ زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لدين أو أدب. وفي بعض الحديث المرفوع: «مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء» . وكان يقال: إستدلّ على فضل العلم أنه ليس أحد يحبّ أنّ له بحظه منه خطرا. قال يونس بن حبيب: علمك من روحك، ومالك من بدنك. قال أبو الأسود: الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك.
قيل لبزرجمهر: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ فقال: العلماء، فقيل له:
فما بال العلماء بأبواب الأغنياء أكثر من الأغنياء بأبواب العلماء؟ فقال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى وجهل الأغنياء بفضل العلم. وفي الحديث: «ليس الملق من أخلاق المؤمن إلّا في طلب العلم» . قال ابن عبّاس: دللت طالبا، فعزرت مطلوبا؛ وكان يقول: وجدت عامّة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحيّ من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت أذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وكان يقال: أوّل العلم الصّمت والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العقل، والخامس نشره. ويقال: إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. قال الحسن: من أحسن عبادة الله
стр. 597
في شبيبته لقاه الله الحكمة في سنّه، وذلك قوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
«١» قال بعض الحكماء من الصحابة: تقول الحكمة: من التمسني فلم يجدني فليفعل بأحسن ما يعلم، وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه وإن لم يعرفني. وكان يقال: لا يكون الرجل عالما حتّى يكون فيه ثلاث: لا يحقر من دونه في العلم، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على علمه ثمنا. وقال ابن عيينة: يستحبّ للعالم إذا علّم ألّا يعنّف، وإذا علّم ألّا يأنف. وفي كلام لغيلان، لا تكن كعلماء زمن الهرج «٢» إن علّموا أنفوا وإن علّموا عنفوا. وفي حكمة لقمان: إن العالم الحكيم يدعو الناس إلى علمه بالصّمت والوقار، وإن العالم الأخرق يطرد الناس عن علمه بالهذر والإكثار. قال إبراهيم بن المنصور: سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس. وأنشد ابن الأعرابيّ: [كامل]
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر
فسل الفقيه تكن فقيها مثله ... من يسع في عمل بفقه يمهر
وتدبّر الأمر الذي تعنى به ... لا خير في عمل بغير تدبّر
فلقد يجدّ المرء وهو مقصّر ... ويخيب جدّ المرء غير مقصّر
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزيّن بعضهم ... بعضا ليدفع معور «٣» عن معور
стр. 598
وقال الشاعر «١» : [طويل]
شفاء العمى طول السؤال وإنّما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل
وقال بعضهم: خير خصال المرء السؤال. ويقال: إذا جلست إلى عالم فسل تفقّها ولا تسل تعنّتا. قال الحسن. من استتر عن الطلب بالحياء لبس للجهل سرباله، فقطّعوا سرابيل الحياء، فإنّه من رقّ وجهه رق علمه؛ وقال:
إنّي وجدت العلم بين الحياء والستر. وقال الخليل؛ منزلة الجهل بين الحياء والأنفة. وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والحكمة ضالّة المؤمن فليطلبها ولو في يدي أهل الشّرك. وقال عروة بن الزّبير لبنيه: تعلّموا العلم فإن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، فيا سوءتا ماذا أقبّح من جهل بشيخ! وكان يقال: علّم علمك من يجهل، وتعلّم ممّن يعلم، فإنّك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت وحفظت ما علمت.
قيل لبزرجمهر: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال: ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار. وقال الحسن:
طلب العلم في الصغر كالنّقش في الحجر، وطلب العلم في الكبر كالنقش على الماء. ويقال: التفقّه على غير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح. وفي الحديث المرفوع «ارحموا عزيزا ذلّ ارحموا غنيّا افتقر ارحموا عالما ضاع بين جهّال» ويقال: أحقّ الناس بالرحمة عالم يجوز عليه حكم جاهل.
قال المسيح ﵇: يا بني إسرائيل، لا تلقوا اللؤلؤ إلى الخنازير،
стр. 599
فإنّها لا تصنع به شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها، فإنّ الحكمة أفضل من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شرّ من الخنازير. قال ديمقراط: عالم معاند خير من منصف جاهل. وقال آخر: الجاهل لا يكون منصفا؛ وقد يكون العالم معاندا. قال سفيان: تعوّذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر. قيل للحسن: الحرفة في أهل العلم: ولغيرهم الثّروة، فقال: إنّك طلبت قليلا في قليل فأعجزك، طلبت المال وهو قليل في الناس، في أهل العلم وهم قليل من الناس. وقال الخريمي «١» : [بسيط]
لا تنظرنّ إلى عقل ولا أدب ... إنّ الجدود قرينات الحماقات
وقال آخر: [بسيط]
ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ به ... إلّا تزيّدت حرفا تحته شوم
إنّ المقدّم في جذق بصنعته ... أنّى توجّه منها فهو محروم
وقال الطائيّ لمحمد بن عبد الملك: [طويل]
أبا جعفر، إنّ الجهالة أمّها ... ولود وأمّ العلم جذّاء حائل «٢»
قال الثّوريّ: من طلب الرّياسة بالعلم سريعا فاته علم كثير؛ وقال:
يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحل. قال بعض أهل العلم: يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد. قال بلال بن أبي بردة: لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون. وقال الخليل بن أحمد «٣» : [بسيط]
стр. 600
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
كتب رجل إلى أخ له: إنّك قد أوتيت علما فلا تطفئنّ نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم.
وقال بعض الحكماء: لولا العلم لم يطلب العمل، ولولا العمل لم يطلب العلم، ولأن أدع الحقّ جهلا به أحبّ إليّ من أن أدعه زهدا فيه. وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ القطر عن الصّفا. «١» ونحوه قول زياد: إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان.
ويقال: العلماء إذا علموا كملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا. قال الحسن: ما أحسن الرجل ناطقا عالما ومستمعا واعيا وواعيا عاملا. وقال ابن مسعود: إني لأحسب الرّجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها. وقال ابن عبّاس: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك: [متقارب]
إذا ما تحدّثت في مجلس ... تناهى حديثي إلى ما علمت
ولم أعد علمي إلى غيره ... وكان إذا ما تناهى قصرت
وقال آخر «٢» : [طويل]
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فأقصرا
ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيّب المرء مخبرا
قال عمر بن الخطّاب: لا أدركت لا أنا ولا أنت زمانا يتغاير الناس فيه
следующие страницы →