Полный текст (1 325 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فمن علمه ظاهر بيّن ... ومن علمه غامض قد بطن
فكنت بظاهره عالما ... وكنت بباطنه ذا فطن
خلا أنّ بابا عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن
وللواو باب إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لماذا يق ... ال لست بآتيك أو تأتين
أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النّصب قالوا لإضمار أن
وما إن رأيت لها موضعا ... فأعرف ما قيل إلا بظنّ «١»
فقد خفت يا بكر من طول ما ... أفكّر في أمر «أن» أن أجن «٢»
قال ابن سيرين: ما رأيت على رجل أحسن من فصاحة، ولا على امرأة أحسن من شحم.
وقال ابن شبرمة: إذا سرّك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرا، ويصغر في عينك من كان في عينك عظيما فتعلّم العربيّة، فإنها تجريك على المنطق وتدنيك من السّلطان. ويقال: النحو في العلم بمنزلة الملح في القدر والرّامك «٣» في الطّيب. ويقال: الإعراب حلية الكلام ووشيه. وقال بعض الشعراء «٤» : [كامل]
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه «٥» إذا لم يلحن
стр. 632
وإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها «١» منها مقيم الألسن
قال رجل لأعرابيّ: كيف أهلك بكسر اللام؟ - يريد كيف أهلك- فقال الأعرابيّ: صلبا «٢» ؛ ظنّ أنه سأله عن هلكته كيف تكون.
وقيل لأعرابيّ: أتهمز إسراييل؟ قال: إني إذا لرجل سوء؛ قيل له: أتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقويّ. وقيل لآخر: أتهمز الفارة؟ فقال: الهرّة تهمزها.
وقيل: كان بشر المريسيّ يقول لأصحابه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها «٣» فقال قاسم التّمار «٤» : هذا كما قال الشاعر: [منسرح]
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها «٥»
سمع أعرابيّ مؤذّنا يقول: أشهد أنّ محمدا رسول الله بنصب رسول، فقال: ويحك! يفعل ماذا؟.
قال مسلمة بن عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه. وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس. قال أبو الأسود: إني لأجد للّحن غمزا كغمز اللحم.
قال الخليل بن أحمد «٦» : أنشدني أعرابيّ: [طويل]
стр. 633
وإنّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
فجعلت أعجب من قوله: عشر أبطن حين أنّث لأنه عنى القبيلة، فلما رأى عجبي من ذلك، قال: أليس هكذا قول الآخر: [طويل]
فكان مجنّي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر «١»
قال رجل من الصالحين: لئن أعربنا في كلامنا حتّى ما نلحن لقد لحنّا في أعمالنا حتى ما نعرب.
دخل أعرابيّ السّوق فسمعهم يلحنون، فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون ونحن لا نلحن ولا نربح!.
دخل رجل على زياد فقال له: إنّ أبينا هلك، وإنّ أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا «٢» ؛ فقال زياد: ما ضيّعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك.
قال الرّياشيّ عن محمد بن سلّام عن يونس قال: قال بلال لشبيب بن شيبة وهو يستعدي على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: أحضرنيه،
стр. 634
قال: قد دعوته لكلّ ذلك يأبى؛ برفع كلّ؛ قال بلال؛ فالذنب لكلّ. قال بعض الشعراء: [بسيط]
إمّا تريني وأثوابي مقاربة «١» ... ليست بخزّ ولا من نسج كتّان
فإنّ في المجد همّاتي وفي لغتي ... علويّة ولساني غير لحّان
وقال: فيل مولى «٢» زياد لزياد: أهدوا لنا همار وهش «٣» ، فقال: ما تقول؟
ويلك! فقال: أهدوا لنا أيرا «٤» ؛ فقال زياد: الأوّل خير.
سمع أعرابيّ واليا يخطب فلحن مرّة أو اثنتين، فقال: أشهد أنك ملكت بقدر. وسمع أعرابيّ إماما يقرأ: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا
«٥» [بفتح تاء تنكحوا] فقال: سبحان الله! هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده! فقيل له:
إنه لحن، والقراءة وَلا تَنْكِحُوا
فقال: قبّحه الله، لا تجعلوه بعدها إماما فإنّه يحلّ ما حرّم الله. قال الشاعر في جارية له: [رجز]
أوّل ما أسمع منها في السّحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذّكر
والسّوءة السّوءاء في ذكر القمر «٦»
قال الحجّاج لرجل من العجم نخّاس «٧» : أتبيع الدّوابّ المعيبة من جند
стр. 635
السلطان؟ فقال: «شريكاتنا في هوازها «١» وشريكاتنا في مداينها «٢» وكما تجيء تكون» فقال الحجّاج: ما تقول؟ ففسّروا له ذلك؛ فضحك وكان لا يضحك.
أمّ الحجّاج قوما فقرأ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً
«٣» وقرأ في آخرها «٤» إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ
«٥» بنصب «٦» أنّ، ثمّ تنبّه على اللام في لخبير وأنّ «إنّ» قبلها لا تكون إلا مكسورة فحذف الّلام من «لخبير» ، فقرأ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.
قال أبو زيد: قلت للخليل بن أحمد: لم قالوا في تصغير واصل أويصل ولم يقولوا وويصل؟ فقال: كرهوا أن يشبّه كلامهم بنبح الكلاب.
التشادق والغريب
حدّثني سهل عن الأصمعيّ قال: كان عيسى بن عمر لا يدع الإعراب لشيء. وخاصم إلى بلال بن أبي بردة في جارية اشتراها مصابة، فقال: لأن يذهب بعض حقّ هذا أحبّ إليه من أن يلحن؛ فقال له: ومن يعلم ما تقول؟
فقال: ابن طرنوبة. وضربه عمر بن هبيرة ضربا كثيرا في وديعة أودعها إياه إنسان فطلبها، فما كان يزيد على أن يقول: والله إن كانت إلا أثيّابا في
стр. 636
أسيفاط قبضها عشّاروك «١» .
تبع أبو خالد النّميري صاحب الغريب جارية متنقّبة فكلّمها فلم تكلّمه، فقال: يا خريدة «٢» ، لقد كنت عندي عروبا أنمقك وتشنئينا «٣» ! وقال سهل بن هارون لجارية له روميّة أعجميّة: إنّ أقلّ ما ينطوي عليه ضميري من رسيس «٤» حبّك لأجلّ من كلّ جليل، وأكثر من كلّ كثير.
وقال مالك «٥» بن أسماء في جارية له: [خفيف]
أمغطىّ منيّ على بصري لل ... حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا؟
وحديث ألذّه هو ممّا ... يشتهي الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا «٦»
قال ابن دريد: استثقل منها الإعراب.
دخل أبو علقمة على أعين الطبيب فقال له: أمتع الله بك، إنّي أكلت من لحوم هذه الجوازل «٧» فطسئت طسأة «٨» ، فأصابني وجع ما بين الوابلة «٩» إلى
стр. 637
دأية «١» العنق فلم يزل يربو وينمى حتى خالط الخلب «٢» والشّراسيف «٣» ، فهل عندك دواء؟ فقال أعين: نعم، خذ خربقا «٤» وشلفقا وشبرقا فزهزقه وزقزقه «٥» واغسله بماء روث «٦» واشربه؛ فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك؛ فقال أعين:
أفهمتك كما أفهمتني. وقال له يوما آخر: إني أجد معمعة في بطني وقرقرة؛ فقال له: أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهي ضراط لم ينضج «٧» .
أتى رجل الهيثم بن العريان بغريم له قد مطله حقّه فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي على هذا حقّا قد غلبني عليه؛ فقال له الآخر: أصلحك الله، إن هذا باعني عنجدا «٨» واستنسأته «٩» حولا وشرطت عليه أن أعطيه مشاهرة «١٠» فهو لا يلقاني في لقم «١١» إلّا اقتضاني؛ فقال له الهيثم: أمن بني أميّة أنت؟
стр. 638
قال: لا؛ قال: فمن بني هاشم؟ قال: لا؛ قال: فمن أكفائهم من العرب؟
قال: لا؛ قال: ويلي عليك! انزع ثيابه يا جلواز «١» ، فلما أرادوا نزع ثيابه قال:
أصلحك الله، إنّ إزاري مرعبل «٢» ؛ قال: دعوه، فلو ترك الغريب في وقت لتركه في هذا الوقت.
ومرّ أبو علقمة ببعض الطّرق بالبصرة فهاجت به مرّة «٣» فسقط ووثب عليه قوم فأقبلوا يعصرون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون «٤» عليّ كما تتكأكؤون على ذي جنّة! إفرنقعوا «٥» عنّي؛ فقال رجل منهم: دعوه فإنّ شيطانه هنديّ، أما تسمعونه يتكلّم بالهنديّة؟ وقال لحجّام «٦» يحجمه: أنظر ما آمرك به فاصنعه، ولا تكن كمن أمر بأمر فضيّعه، أنق غسل المحاجم واشدد قضب الملازم «٧» وأرهف ظبات المشارط «٨» وأسرع الوضع وعجّل النّزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ آبيا، ولا تردّن آتيا؛ فوضع الحجّام محاجمه في جونته «٩» ومضى.
стр. 639
سمع أعربيّ أبا المكنون النحويّ في حلقته وهو يقول في دعاء الإستسقاء: اللهمّ ربّنا وإلهنا ومولانا، صلّ على محمد نبيّنا؛ اللهمّ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد على ترائب الولائد «١» ، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السّجّيل «٢» ، على هام أصحاب الفيل؛ اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا مجلجلا «٣» مسحنفرا هزجا سحّا سفوحا طبقا غدقا مثعنجرا؛ فقال الأعرابيّ: يا خليفة نوح، هذا الطوفان وربّ الكعبة، دعني آوي إلى جبل يعصمني من الماء «٤» .
أبو الحسن «٥» قال: كان غلام يقعّر «٦» في كلامه، فأتى أبا الأسود الدّؤليّ يلتمس ما عنده؛ فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمّى فطبخته طبخا وفضخته «٧» فضخا وفنخته «٨» فنخا فتركته فرخا «٩» ؛ قال أبو الأسود:
فما فعلت امرأته التي كانت تجارّه «١٠» وتشارّه وتزارّه وتهارّه؛ قال: طلّقها فتزوّجت غيره فرضيت وخظيت وبظيت، قال أبو الأسود: قد عرفنا حظيت،
стр. 640
فما بظيت «١» ؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك؛ قال أبو الأسود: يا ابن أخي، كلّ حرف من الغريب لم يبلغ عمّك فاستره كما تستر السّنّور خرأها.
قال زيد بن كثيرة: أتيت باب كبير دار وهناك حدّاد «٢» ، فأردت أن ألج الدار فدلظني «٣» دلظة وازدحم «٤» الناس ببابه، فوالله إن زلنا نظار نظار حتّى عقل الظّل «٥» . وقال أيضا: أتيت باب كبير وإذا الرجال صتيتان «٦» وإذا أرمداء «٧» كثيرة وطهاة لا أحصيهم ولحام كأنّها آكام. وقال الطائي: [وافر]
أيوسف «٨» جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في شكّ مريب
سمعت بكل داهية نآد «٩» ... ولم أسمع بسرّاج أديب
أما لو أنّ جهلك كان علما ... إذا لنفذت «١٠» في علم الغيوب
فمالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
قال رؤبة بن العجّاج: خرجت مع أبي، نريد سليمان بن عبد الملك،
стр. 641
فلّما صرنا في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء «١» الشّحم وخريطة من كمأة ووطب من لبن فطبخنا هذا بهذا، فما زال ذفرياي تنتحان «٢» منه إلى أن رجعت.
وصايا المعلّمين
قال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدّب ولده: ليكن إصلاحك بنيّ إصلاحك نفسك، فإنّ عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح ما استقبحت؛ وعلّمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهدّدهم بي وأدّبهم دوني؛ وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء؛ ولا تتّكلنّ على عذر منّي، فإني قد اتّكلت على كفاية منك.
قال الحجّاج لمؤدّب بنيه: علّمهم السّباحة قبل الكتابة، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم.
وقال عبد الملك لمؤدّب ولده: علّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السّفلة فإنّهم أسوأ الناس رعة «٣» وأقلّهم أدبا، وجنّبهم الحشم فإنّهم لهم مفسدة؛ وأحف «٤» شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا؛ علّمهم الشّعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا ويمصّوا الماء مصّا ولا يعبّوه عبّا؛ وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر لا يعلم به أحد
стр. 642
من الغاشية «١» فيهونوا عليه.
وقال آخر لمؤدّب ولده: لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ اصطكاك العلم في السمع وازدحامه في الوهم مضلّة للفهم.
وكان الشريح «٢» ابن يلعب بالكلاب، فكتب شريح إلى معلّمه «٣» :
[كامل]
ترك الصلاة لأكلب «٤» يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرّجّس «٥»
فإذا خلوت فعضّه بملامة ... وعظنه وعظك للأريب الكيّس «٦»
وإذا هممت بضربه فبدرّة «٧» ... وإذا بلغت بها ثلاثا فاحبس
واعلم بأنّك ما فعلت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس
وقال آخر لرجل يلعب بالكلاب: [خفيف]
أيها المبتلي بحبّ الكلاب ... لا يحبّ الكلاب إلا الكلاب
لو تعرّيت وسطها كنت منها ... إنما فقتها بلبس الثّياب «٨»
стр. 643
وقال آخر: [متقارب]
لتبك أبا أحمد قردة ... وكلب هراش وديك صدوح
وطير زجال وقمريّة «١» ... هتوق العشيّ وكبش نطوح
بلغني عن أبي الحسن العكليّ عن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزنيّ قال: سمعت أبي يقول: قال لقمان: ضرب الوالد ولده كالسّماد للزرع.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن مكحول قال: كتب عمر إلى أهل الشام: علّموا أولادكم السّباحة والرّمي والفروسيّة.
وكانت العرب تسمّي الرجل، إذا كان يكتب ويحسن الرّمي ويحسن العوم وهي السّباحة ويقول الشّعر، الكامل.
البيان
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: حدّثنا يحيى بن آدم عن قيس عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ إن من البيان سحرا فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطب. وقال العبّاس: يا رسول الله، فيم الجمال؟ قال: في اللسان.
وكان يقال: عقل الرجل مدفون تحت لسانه.
وقال يزيد بن المهلّب: أكره أن يكون عقل الرجل على طرف لسانه.
يريد أنه لا يكون عقله إلا في الكلام. وقال الشاعر: [وافر]
стр. 644
كفى بالمرء عيبا أن تراه ... له وجه وليس له لسان
وما حسن الرجال لهم بزين ... إذا لم يسعد الحسن البيان
وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك، فإنّه كان يقري العين جمالا، والأذن بيانا. وقال النّمر «١» بن تولب: [وافر]
أعذني ربّ من حصر وعيّ «٢» ... ومن نفس أعالجها علاجا
ومن حاجات نفسي فاعصمنّي ... فإنّ لمضمرات النّفس حاجا «٣»
وصف أعرابيّ رجلا يتكلّم فيحسن فقال: [كامل]
يضع الهناء مواضع النّقب «٤»
ومثله قولهم: فلان يجيد الحزّ، ويصيب المفصل؛ وربما قالوا: يقلّ «٥» الحزّ.
وقال معاوية في عبد الله بن عبّاس: [طويل]
إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسان على هجر
يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر
стр. 645
وقال حسّان فيه: [طويل]
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا
شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة «١» في القول جدّا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا «٢»
ويقال: الصمت منام والكلام يقظة. ويقال: خير الكلام ما لم يحتج بعده إلى الكلام.
ذكر العباس بن الحسن الطالبيّ رجلا فقال: ألفاظه قوالب معانيه.
ومدح أعرابيّ رجلا فقال: كلامه الوبل على المحل «٣» ، والعذب البارد على الظّمأ.
وقال الحطيئة: [كامل]
وأخذت أقطار الكلام فلم أدع ... ذمّا يضرّ ولا مديحا ينفع
وكان الحطيئة يقول: إنما شعري حسب موضوع؛ فسمع ذلك عمرو بن عبيد فقال: كذب، ترّحه «٤» الله، إنما ذلك التقوى.
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ فقال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: فما بصّرك مواقع رشدك، وعواقب غيّك؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن الاستماع لم يحسن القول؛ قال: ليس هذا أريد، قال: قال النبيّ ﷺ : «إنّا معشر الأنبياء بكاء» «٥»
стр. 646
وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، قال: ليس هذا أريد قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون فتنة السكون ومن سقطات الصّمت؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: فكأنّك إنما تريد تخيّر اللفظ في حسن إفهام قال: نعم؛ قال: إنك إن أردت تقرير حجّة الله في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة من الكتاب والسّنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب، واستوجبت على الله جزيل الثواب.
قال بعضهم: ما رأيت زيادا كاسرا إحدى عينيه واضعا إحدى رجليه على الأخرى يخاطب رجلا إلا رحمت المخاطب. وقال آخر: ما رأيت أحدا يتكلّم فيحسن إلّا أحببت أن يصمت خوفا من أن يسيء إلّا زيادا فإنّه كلّما زاد زاد حسنا، وقال «١» : [طويل]
وقبلك ما أعييت «٢» كاسر عينه ... زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
قال محمد بن سلّام: كان عمر بن الخطّاب إذا رأى رجلا يلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد!.
وتكلّم عمرو بن سعيد الأشدق، فقال عبد الملك: لقد رجوت عثرته لمّا تكلّم، فأحسن حتّى خشيت عثرته إن سكت.
أبو الحسن قال: قال معاوية لصحار العبديّ: ما هذه البلاغة التي فيكم؟ فقال: شيء تجيش به صدورنا ثم تقذقه على ألسنتنا؛ فقال رجل من
стр. 647
القوم: هؤلاء بالبسر «١» أبصر، فقال صحار: أجل، والله إنّا لنعلم أنّ الرّيح تلقحه وأنّ البرد يعقده «٢» وأنّ القمر يصبغه وأنّ الحرّ ينضجه؛ فقال معاوية: ما تعدّون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز؛ قال: وما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطىء، وتقول فلا تخطىء، ثم قال: يا أمير المؤمنين، حسن الإيجاز ألّا تبطىء ولا تخطىء.
أبو الحسن قال: وفد الحسن بن عليّ على معاوية الشام، فقال عمرو ابن العاص: إنّ الحسن رجل أفهّ «٣» فلو حملته على المنبر فتكلّم فسمع الناس من كلامه عابوه؛ فأمره فصعد المنبر فتكلّم فأحسن؛ وكان في كلامه أن قال:
أيّها الناس، لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين جابرس إلى جابلق «٤» لم تجدوه غيري وغير أخي وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين. فساء ذلك عمرا وأراد أن يقطع كلامه، فقال: يا أبا محمّد، هل تنعت الرّطب؟ «٥» فقال: أجل، تلقحه الشّمال وتخرّجه الجنوب وينضجه برد الليل بحرّ النهار؛ قال يا أبا محمّد، هل تنعت الخراءة «٦» ؟ قال: نعم، تبعد الممشى في الأرض الصّحصح «٧» حتّى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستد برها، ولا تستنجي بالرّوثة ولا العظم، ولا تبول في الماء الراكد؛ وأخذ في كلامه.
стр. 648
وكان يقال: كلّ شيء ثنيته يقصر ما خلا الكلام، فإنّك كلّما ثنيته طال.
قال الحسن: الرجال ثلاثة: رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله.
تكلّم صعصعة بن صوحان عند معاوية فعرق؛ فقال معاوية: بهرك القول! فقال صعصعة: إنّ الجياد نضّاحة للماء.
ويقال: أبلغ الكلام ما سابق معناه لفظه.
وفي كتاب للهند: أوّل البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش «١» ، ساكن الجوارح قليل اللّحظ متخيّرا للفظ، لا يكلّم سيّد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة، ويكون في قواه فضل للتّصرّف في كلّ طبقة، ولا يدقّق المعاني كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح ولا يصفّيها كلّ التّصفية ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتّى يصادف حكيما أو فيلسوفا عليما ويكون قد تعوّد حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ، قد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة لا على جهة الإعتراض والتصفّح.
ونحو هذا قول جعفر بن يحيى البرمكيّ وقيل له: ما البيان؟ فقال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويحكي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة ولا تستعين عليه بالفكرة والذي لا بدّ له منه أن يكون سليما من التكلّف، بعيدا من الصّنعة، بريئا من التعقّد، غنيّا عن التأويل.
قال الأصمعيّ: البليغ من طبّق المفصل وأغناك عن المفسّر.
стр. 649
قال المدائني: كتب قتيبة بن مسلم إلى الحجّاج يشكو قلّة مرزئته «١» من الطعام وقلّة غشيانه النساء وحصره على المنبر؛ فكتب إليه: استكثر من الألوان لتصيب من كلّ صحفة «٢» شيئا، واستكثر من الطّروقة «٣» تجد بذلك قوّة على ما تريد، وأنزل الناس بمنزلة رجل واحد من أهل بيتك وخاصّتك، وارم ببصرك أمامك تبلغ حاجتك.
قال بعض الشعراء: [بسيط]
إن كان في العيّ آفات مقدّرة ... ففي البلاغة آفات تساويها
تكلّم رجل عند معاوية فهذر «٤» ، فلمّا أطال قال: أأسكت يا أمير المؤمنين؟ قال: وهل تكلّمت!.
ويقال: أعيا العيّ بلاغة بعيّ، وأقبح اللّحن لحن بإعراب.
وقال أعرابيّ: الحظّ للمرء في أذنه، والحظّ لغيره في لسانه «٥» .
ويقال: ربّ كلمة تقول: دعني.
ويقال: الصّمت أبلغ من عيّ ببلاغة. ونحوه قول الشاعر: [متقارب]
أرى الصّمت أدنى لبعض الصّواب ... وبعض التّكلّم أدنى لعيّ
وقال جعفر البرمكيّ: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الايجاز كافيا كان الإكثار عيّا.
قال ابن السماك: العرب تقول: العيّ الناطق أعيا من العيّ الصامت.
стр. 650
قال أنو شروان لبزرجمهر: متى يكون العيّ بليغا؟ فقال: إذا وصف حبيبا.
قال يونس بن حبيب: ليس لعيّ مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو بلغ يأفوخه أعنان «١» السّماء. قال بعض الشعراء: [طويل]
عجبت لإدلال العيّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحقّ أعلما
وفي الصمت ستر للعيّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما
قال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحي من العيّ فيهما: إذا أنا خاطبت جاهلا، وإذا أنا سألت حاجة لنفسي.
ذكر أعرابيّ رجلا يعيا فقال: رأيت عورات الناس بين أرجلهم، وعورة فلان بين فكّيه.
وعاب آخر رجلا فقال: ذاك من يتامى المجلس، أبلغ ما يكون في نفسه أعيا ما يكون عند جلسائه.
قال ربيعة الرّأي: الساكت بين النائم والأخرس.
تذاكر قوم فضل الكلام على الصمت وفضل الصمت على الكلام، فقال أبو مسهر: كلّا! إنّ النّجم ليس كالقمر، إنّك تصف الصّمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت.
وذّمّ قوم في مجلس سليمان بن عبد الملك الكلام، فقال سليمان:
اللهمّ غفرا، إنّ من تكلّم فأحسن قدر أن يصمت فيحسن؛ وليس من صمت فأحسن قادرا على أن يتكلّم فيحسن.
стр. 651
قال بكر بن عبد الله طول الصّمت حبسة»
. ونحوه قول عمر بن الخطّاب: ترك الحركة عقلة.
وكان نوفل بن مساحق إذا دخل على امرأته صمت، وإذا خرج من عندها تكلّم؛ فقالت له: أمّا عندي فتطرق، وأمّا عند الناس فتنطق! فقال:
أدقّ عن جليلك وتجلّين عن دقيقي.
وفي حكمة لقمان: يا بنيّ، قد ندمت على الكلام ولم أندم على السكوت.
قال ابن إسحاق: النّسناس خلق باليمن لأحدهم عين ويد ورجل يقفز بها، وأهل اليمن يصطادونهم؛ فخرج قوم في صيدهم فرأوا ثلاثة نفر منهم فأدركوا واحدا فعقروه وذبحوه وتوارى اثنان في الشّجر، فقال الذي ذبحه؛ إنه لسمين، فقال أحد الاثنين: إنه أكل ضروا «٢» ، فأخذوه فذبحوه، فقال الذي ذبحه: ما أنفع الصمت! قال الثالث: فهأنا الصّمّيت فأخذوه وذبحوه.
كان يقال: إذا فاتك الأدب فالزم الصّمت.
وقال بعضهم: لا يجترىء على الكلام إلا فائق أو مائق «٣» .
وقال الشاعر يمدح رجلا: [طويل]
صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله ... وفتّاق أبكار الكلام المختّم «٤»
стр. 652
قال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنّما جعل لك أذنان اثنتان وفم واحد، تسمع أكثر ممّا تقول.
حضر قشيريّ مجلسا من مجالس العرب فأطال الصمت، فقال له بعضهم: بحقّ سمّيتم خرس العرب؛ فقال القشيريّ: يا أخي، إنّ حظّ الرجل في أذنه لنفسه، وحظّه في لسانه لغيره.
وقال بعض الحكماء: أكثر الصمت ما لم تكن مسؤولا فإنّ فوت الصواب أيسر من خطل القول: وإذا نازعتك نفسك إلى مراتب القائلين المصيبين، فاذكر ما دون الصواب من وجل الخطأ وفضائح المقصّرين.
تكلّم رجل في مجلس الهيثم بن صالح بخطأ، فقال له الهيثم: يا هذا، بكلام مثلك رزق أهل الصمت المحبة. وقال أبو نواس: [مجزوء الرمل]
خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصّمت خير ... لك من داء الكلام
إنّما السالم من أل ... جم فاه بلجام
وقال آخر: [متقارب]
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا «١»
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا صاحب لنا عن مالك بن دينار أنه قال: لو كانت الصحف من عندنا لأقللنا الكلام.
стр. 653
وقال الأصمعيّ: إذا تظرّف العربيّ كثر كلامه، وإذا تظرّف الفارسيّ كثر سكوته.
قال حاتم طيء: إذا كان الشيء يكفيكه التّرك فاتركه.
قال عبد الله بن الحسن لابنه: استعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى القول، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب.
وقال إياس بن قتادة: [طويل]
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم «١»
تكلم ابن السّمّاك يوما وجارية له تسمع كلامه، فلما دخل إليها قال:
كيف رأيت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنّك تكثر ترداده! قال: أردّده حتّى يفهمه من لم يفهمه؛ قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد ملّه من فهمه!.
قال عيسى بن مريم: من كان منطقه في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقدسها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها.
كان العباس بن زفر لا يكلّم أحدا حتى تنبسط الشمس، فإذا انفتل «٢» عن صلاته ضرب الأعناق وقطع الأيدي والأرجل. وكان جرير لا يتكلّم حتى تبزغ الشمس، فإذا بزغت قذف المحصنات.
قال قتادة: مكتوب في التّوراة: لا يعاد الحديث مرتين.
قال الزّهريّ: إعادة الحديث أشدّ من وقع الصّخر.
стр. 654
وفي كتب العجم: أنّ أربعة من الملوك اجتمعوا فقالوا كلّهم كلمة واحدة كأنّها رمية بسهم: ملك فارس، وملك الهند، وملك الروم، وملك الصين. قال أحدهم: إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها. وقال آخر: قد ندمت على ما قلت ولم أندم على ما لم أقل. وقال آخر: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت. وقال آخر: ما حاجتي إلى أن أتكلّم بكلمة، إن وقعت عليّ ضرّتني، وإن لم تقع عليّ لم تنفعني.
قال زبيد الياميّ «١» : أسكتتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنّما يوبّخ نفسه.
وفي كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة يؤمرون بالسكوت: الراقي في جبل طويل، وآكل السمك، والمروّي «٢» في الأمر الجسيم. قال بعض «٣» الشعراء:
[مخلع البسيط]
قد أفلح السالم الصّموت ... كلام واعى الكلام قوت
ما كلّ نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت
يا عجبا لامرىء ظلوم ... مستيقن أنّه يموت
بلغني عن أبي أسامة عن ابن عون عن الحسن قال: جلسوا عند معاوية فتكلّموا وصمت الأحنف؛ فقال معاوية: يا أبا بحر، مالك لا تتكلّم؟ قال:
أخافكم إن صدقتكم، وأخاف الله إن كذبت.
حدّثني محمد بن داود قال: حدّثنا الحميديّ قال: حدّثنا أبو الحكم
стр. 655
مروان بن عبد الواحد عن موسى بن أبي درهم عن وهب بن منبّه قال: قال ابن عبّاس: كفى بك ظالما ألّا تزال مخاصما، وكفى بك آثما ألّا تزال مماريا، وكفى بك كاذبا ألّا تزال محدّثا بغير ذكر الله تعالى:
وقال بعضهم: [طويل]
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرّجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرّجل تبرا على مهل «١»
سئل بعض الحكماء عن البلاغة، فقال: من أخذ معاني كثيرة فأدّاها بألفاظ قليلة، أو أخذ معاني قليلة فولّد فيها ألفاظا كثيرة.
بلغني عن أبي إسحاق الفزاريّ قال: كان إبراهيم يطيل السكوت، فإذا تكلّم انبسط، فقلت له ذات يوم: لو تكلّمت! فقال: الكلام على أربعة وجوه، فمنه كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل منه السلامة؛ ومنه كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته، فأقلّ مالك في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك؛ ومنه كلام لا ترجو منفعته وتخشى عاقبته، وهذا هو الدّاء العضال؛ ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا الذي يجب عليك نشره؛ قال: فإذا هو قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام.
الاستدلال بالعين والإشارة والنّصبة «٢»
يقال: ربّ طرف أفصح من لسان. قال أعرابيّ: [بسيط]
إن كاتمونا القلى «٣» نمّت عيونهم ... والعين تظهر ما في القلب أو تصف
стр. 656
وقال آخر: [سريع]
إذا قلوب أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون «١»
وقال آخر: [هزج]
أما تبصر في عيني ... ي عنوان الذي أبدي «٢» ؟
وقال ذو الرّمّة: [طويل]
نعم هاجت الأطلال شوقا كفى به ... من الشّوق إلّا أنّه غير ظاهر
فما زلت أطوي النفس حتّى كأنّها ... بذي الرّمث لم تخطر على بال ذاكر «٣»
حياء واشفاقا من الرّكب أن يروا ... دليلا على مستودعات الضمائر
وقال الحارثيّ يذكر ميتا: [طويل]
أتيناه زوّارا فأمجدنا قرى ... من البثّ والدّاء والدّخيل المخامر «٤»
وأوسعنا علما بردّ جوابنا ... فأعجب به من ناطق لم يحاور
ومثل هذا قول القائل «٥» : سل الأرض فقل لها: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن تجبك حوارا «٦» ، أجابتك اعتبارا، قال أبو العتاهية: [هزج]
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
стр. 657
وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه «١»
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه
وفي العين غنى للعي ... ن أن تنطق أفواه
الشعر
يقال: خير الشّعر ما روّاك نفسه. ويقال: خير الشعر الحوليّ المنقّح المحكّك.
سمع أعرابيّ رجلا ينشد شعرا لنفسه، فقال: كيف ترى؟ قال: سكّر لا حلاوة له. قيل لبعض علماء اللغة؛ أرأيت الشاعرين يجتمعان على المعنى الواحد في لفظ واحد؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.
قال بشّار يصف نفسه: [منسرح]
زور «٢» ملوك عليه أبّهة ... يعرف من شعره ومن خطبه
لله ما راح في جوانحه ... من لؤلؤ لا ينام عن طلبه
يخرجن من فيه في النّديّ كما ... يخرج ضوء السّراج من لهبه
ترنو إليه الحدّان غادية ... ولا تملّ الحديث من عجبه
تلعابة «٣» تعكف الملوك به ... تأخذ من جدّه ومن لعبه
يزدحم الناس كلّ شارقة ... ببابه مسرعين في أدبه
стр. 658
وقال الطائيّ يذكر الشعر: [كامل]
إنّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النّظام إذا أصاب فريدا «١»
هي جوهر نثر فإن ألّفته ... بالشعر صار قلائدا وعقودا
من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سؤددا مجدودا
وتندّ عندهم العلا إلّا علا ... جعلت لها مرر القريض قيودا «٢»
وقال أيضا: [طويل]
ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم
وإنّ العلا ما لم تر الشعر بينها ... لكالأرض غفلا «٣» ليس فيها معالم
وما هو إلا القول يسري فيغتدي ... له غرر في أوجه ومواسم
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضى بما يقضي به وهو ظالم
ولولا خلال سنّها الشعر ما درى ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم
وقال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك؛ قال: ولم ذاك؟
قال: لأنّي أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمّه.
قيل لعقيل بن علّفة: ألا تطيل الهجاء؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقال بعضهم: خير الشّعر المطمع.
قيل لكثيّر: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال:
стр. 659
أطوف بالرّباع المخلية «١» والرّياض المعشبة، فيسهل عليّ أرصنه ويسرع إليّ أحسنه.
ويقال: إنه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشّرف العالى، والمكان الخضر الخالي «٢» أو الحالي.
وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟
قال: ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب؛ وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه.
وقيل لكثيّر: ما بقي من شعرك؟ فقال: ماتت عزّة فما أطرب، وذهب الشّباب فما أعجب، ومات ابن ليلى فما أرغب- يعني عبد العزيز بن مروان- وإنما الشعر بهذه الخلال.
وقيل لبعضهم: من أشعر الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم!.
وقلت في وصف الشّعر: الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، وديوان أخبارها، ومستودع أيامها، والسّور المضروب على مآثرها، والخندق المحجوز على مفاخرها، والشاهد العدل يوم النّفار، والحجّة القاطعة عند الخصام، ومن لم يقم عندهم على شرفه وما يدّعيه لسلفه من المناقب
стр. 660
الكريمة والفعال الحميد بيت منه. شذّت مساعيه وإن كانت مشهورة، ودرست على مرور الأيّام وإن كانت جساما؛ ومن قيّدها بقوافي الشعر، وأوثقها بأوزانه، وأشهرها بالبيت النادر، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، أخلدها على الدهر، وأخلصها من الجحد، ورفع عنها كيد العدوّ وغضّ عين الحسود.
وما جاء في الشعر كثير. وقد أفردت للشعراء كتابا، وللشعر بابا طويلا في كتاب العرب. وذكرت هذه النّتفة في هذا الكتاب كراهية أن أخليه من فنّ من الفنون.
حسن التشبيه في الشعّر
من ذلك قول ابن الزّبير الأسديّ في الثّريّا: [طويل]
وقد لاح في الغور الثّريّا كأنّما ... به راية بيضاء تخفق للطّعن «١»
شبّه الثّريّا حين تدلّت للمغيب براية بيضاء خفقت للطعن.
ومن ذلك قول عنترة في الذّباب: [كامل]
وخلا الذّباب بها فليس بنازح ... هزجا كفعل الشارب المترنّم «٢»
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم «٣»
شبّه حكّه يده بيده برجل مقطوع الكفّين يقدح النار بعودين.
стр. 661
ومن ذلك قول أعرابي في العنب: [كامل]
يحملن أوعية السّلاف كأنّما ... يحملنها بأكارع «١» النّغران
أوعية السّلاف: العنب، جعله ظرفا للخمر، وشبّه شعب العناقيد التي تحمل الحبّ بأرجل النّغران.
وقال الآخر، وكان غشي عينيه بياض أو نزل فيهما ماء [طويل]
يقولون ماء طيّب خان عينه ... وما ماء سوء خان عيني بطيب «٢»
ولكنّه أزمان أنظر طيّب ... بعيني غدافيّ علا فوق مرقب «٣»
كأنّ ابن جحل مدّ فضل جناحه ... على ماء إنسانيهما المتغيّب «٤»
شبّه ما علا الحدقة بجناح فرخ من فراخ الزنابير «٥» قد مدّ على ناظره.
ومن ذلك قول امرىء القيس وذكر العقاب: [طويل]
стр. 662
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي «١»
شبّه الرّطب بالعنّاب، واليابس بالحشف. وشبّه شيئين بشيئين في بيت واحد.
ومن ذلك قول أوس بن حجر وذكر السيف: [طويل]
كأنّ مدبّ النمل يلتمس الرّبى ... ومدرج ذرّ «٢» خاف بردا فأسهلا
شبّه فرند السيف «٣» بمدرج الذّرّ ومدبّ النمل.
ومن ذلك قول أبي نواس في البازي: [سريع]
ومنسر أكلف فيه شغا ... كأنّه عقد ثمانينا «٤»
ومن ذلك قول أعرابيّ في امرأة: [بسيط]
قامت تصدّى له عمدا لتقتله ... فلم ير الناس وجدا مثل ما وجدا
بجيد آدم «٥» لم تعقد قلائده ... وناهد مثل قلب الظّبي ما نهدا
فظّل كالحائم «٦» الهيمان ليس له ... صبر ولا يأمن الأعداء إن وردا
شبّه ثديها في نهوده بقلب الظبي في صلابته، ولا نعلم أحدا شبه الثّدي بقلب الظّبي غيره.
стр. 663
ومن ذلك قول جحدر «١» العكليّ في امرأة: [طويل]
على قدم مكنونة اللون رخصة ... وكعب كذفرى جؤذر الرّمل أدرما «٢»
شبّه كعبها بأصل أذن الجؤذر، وهو الصغير من أولاد البقر.
ومن ذلك قول حميد بن ثور «٣» يصف فرخ القطاة: [طويل]
كأنّ على أشداقه نور حنوة «٤» ... إذا هو مدّ الجيد منه ليطعما
ومن ذلك قول دعبل «٥» يهجو امرأة: [متقارب]
كأنّ الثآليل في وجهها ... إذا سفرت بدد الكشمش «٦»
لها شعر قرد إذا ازّيّنت ... ووجه كبيض القطا الأبرش «٧»
ومن ذلك قول أبي نواس في وصف البطّ: [رجز]
стр. 664
كأنّما يصفرن من ملاعق «١»
ومن ذلك قول بعض الرّجّاز في جارية سوداء: [رجز]
كأنّها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها «٢»
ومن ذلك قول الجعديّ في فرس: [منسرح]
خيط على زفرة فتمّ ولم ... يرجع إلى دقّة ولا هضم «٣»
يقول هو منتفخ الجنبين، فكأنّه زفر فانتفخ جنباه ثم خيط على ذلك.
ومن ذلك قول الطّرمّاح يصف الثّور: [كامل]
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
ومن ذلك قول النابغة للنّعمان: [طويل]
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ومن ذلك قوله في المرأة «٤»
: [كامل]
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجوه العوّد
يقول: نظرت إليك ولم تقدر أن تتكلّم، كما ينظر المريض إلى وجوه عوّاده ولا يقدر أن يكلّمهم.
стр. 665
ومن ذلك قول طرفة: [طويل]
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكا لطّول «١» المرخى وثنياه باليد
ومن ذلك قول بعض الضّبّيين يصف أباريق الشّراب: [طويل]
كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... إوزّ بأعلى الطّفّ عوج الحناجر «٢»
ونحوه قول أبي الهنديّ «٣»
: [طويل]
سيغني أبا الهنديّ عن وطب سالم ... أباريق لم يعلق بها وضر الزّبد «٤»
مفدّمة قزّا كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء تفزع للرّعد «٥»
ومن ذلك قول نصيب «٦»
في عبد العزيز بن مروان: [متقارب]
وكلبك آنس بالمعتفين «٧» ... من الأمّ بابنتها الزائره
ومن ذلك قول عديّ «٨»
بن الرّقاع في الظبية: [كامل]
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «٩»
стр. 666
ومن ذلك قول بشّار: [طويل]
كأنّ مثار «١» النّقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومن ذلك قوله: [وافر]
جفت عيني عن التّغميض حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
ومن ذلك قول الآخر: [طويل]
ومولى كأنّ الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه»
يقول: لا أقدر على النظر إليه من بغضه، فكأنّ الشمس بيني وبينه.
ومن ذلك قول الآخر: [بسيط]
كأنّ نيرانهم في كلّ منزلة ... مصبّغات على أرسان قصّار «٣»
الناس يستحسنون هذا، وأنا أرى أن أقول: الأولى أن يشبّه المصبّغات بالنيران، لا النيران بالمصبّغات.
الأبيات التي لا مثل لها
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا معتمر عن ليث عن طاوس عن ابن عبّاس قال: إنّها كلمة نبيّ: [طويل]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «٤»
стр. 667
حدّثني الرياشيّ عن الأصمعيّ قال: أبرع بيت قالته العرب قول أبي «١»
ذؤيب [كامل]
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وأحسن ما قيل في الكبر قول حميد بن ثور «٢»
الهلاليّ: [طويل]
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما «٣»
وأحسن من ابتدأ مرثية أوس بن حجر «٤»
في قوله: [منسرح]
أيتها النفس أجملي جزعا ... إنّ الذي تكرهين قد وقعا.
وأغرب من ابتدأ قصيدة النابغة في قوله: [طويل]
كليني لهمّ، يا أميمة، ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
حدّثني الخثعميّ الشاعر قال: أحسن بيت قيل في الجبن قول نهشل ابن حرّي «٥»
: [طويل]
فلو كان لي نفسان كنت مقاتلا ... بإحداهما حتى تموت وأسلما
قال: وبيت المخبّل في قساوة القلب: [بسيط]
стр. 668
يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
قال: وبيت عبيد «١»
في الإستعفاف: [مخلع البسيط]
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
قال: وبيت منجوف بن مرّة السلمي في الإحتفاظ بالمال: [طويل]
وأدفع عن مالي الحقوق وإنّه ... لجمّ فإنّ الدهر جمّ مصائبه
قال: وبيت الحطيئة في إكرام النفس: [طويل]
وأكرم نفسي اليوم عن سوء طعمة ... ويقنى الحياء المرء والرمح شاجره «٢»
قال: وقول كعب «٣»
في الإقدام: [كامل]
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
قال: وبيت عمرو «٤»
بن الإطنابة في الصبر: [وافر]
وقولي كلّما جشأت «٥» وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وأحسن من هذا عندي قول قطريّ «٦»
: [وافر]
стр. 669
وقولي، كلما جشأت، لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
قال: وبيت مسكين «١»
الدارميّ في الجود: [طويل]
طعامي طعام الضّيف والرّحل رحله ... ولم يلهني عنه الغزال المقنّع
قال: وفي حسن الجوار قوله «٢»
: [كامل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألّا يكون لبابه ستر
قال: وممن رضي بالقليل جميل، قال: [طويل]
أقلّب طرفي في السماء لعلّه ... يوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقول الآخر «٣»
: [وافر]
أليس الليل يلبس أمّ عمرو ... وإيّانا، فذاك بنا تداني؟
ترى وضح النهار كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
قال: وبيت عمرو بن كلثوم في الجهل: [وافر]
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال: وبيت النابغة في ترك الإلحاح: [كامل]
стр. 670
فاستبق ودّك للصديق ولا تكن ... قتبا يعضّ بغارب ملحاحا «١»
قال: وفي إدراك الثأر قول مهلهل: [بسيط]
لقد قتلت بني بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد «٢»
قال: وبيت عروة بن الورد في تبليغ العذر في الطلب: [طويل]
لتبلغ عذرا أو تفيد غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
قال: وبيت جميل في إنفاق المال والتوكل على الله تعالى: [طويل]
كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الرحمن رزقكمو غدا
قال: وفي الشجاعة قول العباس «٣» بن مرداس: [وافر]
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
قال: وبيت المتلمّس في المال وتثميره: [وافر]
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وأخبرنا دعبل بن عليّ الشاعر قال: أهجي بيت قيل قول الطّرمّاح «٤» في تميم: [طويل]
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
следующие страницы →