Полный текст (1 325 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
ومن ذلك قول بشّار: [طويل]
كأنّ مثار «١» النّقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومن ذلك قوله: [وافر]
جفت عيني عن التّغميض حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
ومن ذلك قول الآخر: [طويل]
ومولى كأنّ الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه»
يقول: لا أقدر على النظر إليه من بغضه، فكأنّ الشمس بيني وبينه.
ومن ذلك قول الآخر: [بسيط]
كأنّ نيرانهم في كلّ منزلة ... مصبّغات على أرسان قصّار «٣»
الناس يستحسنون هذا، وأنا أرى أن أقول: الأولى أن يشبّه المصبّغات بالنيران، لا النيران بالمصبّغات.
الأبيات التي لا مثل لها
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا معتمر عن ليث عن طاوس عن ابن عبّاس قال: إنّها كلمة نبيّ: [طويل]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «٤»
стр. 667
حدّثني الرياشيّ عن الأصمعيّ قال: أبرع بيت قالته العرب قول أبي «١»
ذؤيب [كامل]
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وأحسن ما قيل في الكبر قول حميد بن ثور «٢»
الهلاليّ: [طويل]
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما «٣»
وأحسن من ابتدأ مرثية أوس بن حجر «٤»
في قوله: [منسرح]
أيتها النفس أجملي جزعا ... إنّ الذي تكرهين قد وقعا.
وأغرب من ابتدأ قصيدة النابغة في قوله: [طويل]
كليني لهمّ، يا أميمة، ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
حدّثني الخثعميّ الشاعر قال: أحسن بيت قيل في الجبن قول نهشل ابن حرّي «٥»
: [طويل]
فلو كان لي نفسان كنت مقاتلا ... بإحداهما حتى تموت وأسلما
قال: وبيت المخبّل في قساوة القلب: [بسيط]
стр. 668
يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل
قال: وبيت عبيد «١»
في الإستعفاف: [مخلع البسيط]
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
قال: وبيت منجوف بن مرّة السلمي في الإحتفاظ بالمال: [طويل]
وأدفع عن مالي الحقوق وإنّه ... لجمّ فإنّ الدهر جمّ مصائبه
قال: وبيت الحطيئة في إكرام النفس: [طويل]
وأكرم نفسي اليوم عن سوء طعمة ... ويقنى الحياء المرء والرمح شاجره «٢»
قال: وقول كعب «٣»
في الإقدام: [كامل]
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
قال: وبيت عمرو «٤»
بن الإطنابة في الصبر: [وافر]
وقولي كلّما جشأت «٥» وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وأحسن من هذا عندي قول قطريّ «٦»
: [وافر]
стр. 669
وقولي، كلما جشأت، لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
قال: وبيت مسكين «١»
الدارميّ في الجود: [طويل]
طعامي طعام الضّيف والرّحل رحله ... ولم يلهني عنه الغزال المقنّع
قال: وفي حسن الجوار قوله «٢»
: [كامل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألّا يكون لبابه ستر
قال: وممن رضي بالقليل جميل، قال: [طويل]
أقلّب طرفي في السماء لعلّه ... يوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقول الآخر «٣»
: [وافر]
أليس الليل يلبس أمّ عمرو ... وإيّانا، فذاك بنا تداني؟
ترى وضح النهار كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
قال: وبيت عمرو بن كلثوم في الجهل: [وافر]
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال: وبيت النابغة في ترك الإلحاح: [كامل]
стр. 670
فاستبق ودّك للصديق ولا تكن ... قتبا يعضّ بغارب ملحاحا «١»
قال: وفي إدراك الثأر قول مهلهل: [بسيط]
لقد قتلت بني بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد «٢»
قال: وبيت عروة بن الورد في تبليغ العذر في الطلب: [طويل]
لتبلغ عذرا أو تفيد غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
قال: وبيت جميل في إنفاق المال والتوكل على الله تعالى: [طويل]
كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الرحمن رزقكمو غدا
قال: وفي الشجاعة قول العباس «٣» بن مرداس: [وافر]
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
قال: وبيت المتلمّس في المال وتثميره: [وافر]
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وأخبرنا دعبل بن عليّ الشاعر قال: أهجي بيت قيل قول الطّرمّاح «٤» في تميم: [طويل]
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
стр. 671
قال؛ وكذلك قول الأخطل: [بسيط]
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهمو بولي على النار «١»
قال: وكذلك قول الحطيئة للزّبرقان «٢» في قصر الهمّة: [بسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي «٣»
قال غيره: وقول الطّرمّاح في القلّة والخمول: [بسيط]
لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه حفيت عنه بنو أسد
ونحوه قول الآخر «٤» : [متقارب]
وأنت مليخ كلحم الحوا ... ر لا أنت حلو ولا أنت مرّ «٥»
стр. 672
وكذلك قول جرير في التّيم «١» : [وافر]
وإنّك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت أيّهما العبيد
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود «٢»
وأحسن ما قيل في الهيبة: [بسيط]
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم
وأغرب ما قيل في مضلوب قول محمد بن أبي حمزة مولى الأنصار: [طويل]
لعمري لئن أصبحت فوق مشذّب «٣» ... طويل تعفّيك الرياح مع القطر
لقد عشت مبسوط اليدين مرزّأ»
وعوفيت عند الموت من ضغطة القبر
وأفلتّ من ضيق التّراب وغمّه ... ولم تفقد الدنيا فهل لك من شكر؟
وأغرب ما قيل في مجوسيّ قول أعرابيّ: [متقارب]
شهدت عليك بطيب المشاش «٥» ... وأنّك بحر جواد خضمّ
стр. 673
وأنّك سيّد أهل الجحيم ... إذا ما تردّيت فيمن ظلم
ومن أغرب ما قيل في دعيّ قول إبراهيم بن إسماعيل البنوي: [بسيط]
لو أنّ موتي تميم كلّها نشروا ... وأثبتوك لقيل الأمر مصنوع
مثل الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن الناس أنّ الثوب مرقوع
ونحوه قول الآخر: [طويل]
أجارتنا بان الخليط «١» فأبشري ... فما العيش إلا أن يبين خليط
أعاتبه في عرضه ليصونه ... ولا علم لي أنّ الأمير لقيط «٢»
ونحوه قول دعبل «٣» في مالك بن طوق: [بسيط]
الناس كلّهمو يسعى لحاجته ... ما بين ذي فرح منهم ومهموم
ومالك ظلّ مشغولا بنسبته ... يرمّ «٤» منها خرابا غير مرموم
يبني بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو بن كلثوم
التلطّف في الكلام والجواب وحسن التعريض
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ترك عقيل عليّا وذهب إلى معاوية؛ فقال معاوية: يا أهل الشام، ما ظنّكم برجل لم يصلح لأخيه؟ فقال عقيل: يا
стр. 674
أهل الشام، إنّ أخي خير لنفسه وشرّ لي، وإن معاوية شرّ لنفسه وخير لي.
قال: وقال معاوية يوما: يا أهل الشام، إنّ عمّ هذا أبو لهب؛ فقال عقيل: يا أهل الشام، إن عمّة هذا حمّالة الحطب؛ وكانت أمّ جميل امرأة أبي لهب وهي بنت حرب.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا أبو هلال عن قتادة قال:
قال عبيد الله بن زياد لقيس بن عبّاد: ما تقول فيّ وفي الحسين؟ فقال:
أعفني أعفاك الله! فقال: لتقولنّ؛ قال: يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له، ويجيء أبوك فيشفع لك؛ قال: قد علمت غشّك وخبثك، لئن فارقتني يوما لأضعنّ بالأرض أكثرك شعرا.
قيل لميمون بن مهران: كيف رضاك عن عبد الأعلى «١» ؟ قال: نعم المرء عمرو بن ميمون.
مرّ عمر بن الخطّاب بالصبيان وفيهم عبد الله بن الزبير، ففرّوا ووقف؛ فقال له عمر: ما لك لم تفرّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أجرم فأخافك، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع لك.
حدّثني الفضل بن محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة قال: قال عبد الله بن طاهر ذات يوم لرجل أمره بعمل: إحذر أن تخطىء فأعاقبك بكذا. (لأمر عظيم) قلت له: أيها الأمير، من كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابه على الإصابة!.
رأى رجل من قريش رجلا له هيئة رثّة، فسأل عنه، فقالوا: من تغلب، فوقف له وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء؛ فقال
стр. 675
له: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة «١» ، وهي لي دونك؛ وبطحاء ذي قار «٢» ، وأنا أحقّ بها منك؛ وهذه البطحاء «٣» وسواء العاكف فيه والبادي.
حدّثني سهل عن الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء أو غيره: أنّ معاوية عرض فرسا على عبد الرحمن بن حسّان فقال: كيف تراه؟ قال: أراه أجشّ هزيما «٤» ، يريد قول النجاشيّ «٥» : [طويل]
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال:؛ حدّثنا أبو سلمة عن حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن محمد بن عبّاد المخزوميّ أنّ قريشا قالت:
قيّضوا «٦» لأبي بكر رجلا يأخذه، فقيّضوا له طلحة بن عبيد الله؛ فأتاه وهو في القوم فقال: يا أبا بكر، قم إليّ؛ قال: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللّات والعزّى «٧» ؛ قال أبو بكر: من اللّات؟ قال بنات الله، قال: فمن أمّهم؟
فسكت طلحة وقال لأصحابه: أجيبوا صاحبكم، فسكتوا؛ فقال طلحة: قم يا
стр. 676
أبا بكر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله؛ فأخذ أبو بكر بيده فأتى به النبيّ ﷺ فأسلم.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن عمر أنّ عمر قال: من يخبرنا عن قندابيل «١» ؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين، ماؤها وشل «٢» ، وتمرها دقل «٣» ، ولصّها بطل؛ إن كان بها الكثير جاعوا، وإن كان بها القليل ضاعوا؛ قال عمر: لا يسألني الله عن أحد بعثته إليها أبدا.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: مرض زياد فدخل عليه شريح، فلما خرج بعث إليه مسروق بن الأجدع يسأله: كيف تركت الأمير؟
قال: تركته يأمر وينهي، فقال مسروق: إنّ شريحا صاحب تعريض فسلوه فسألوه؛ قال: تركته يأمر بالوصيّة وينهي عن البكاء. ومات ابن لشريح ولم يشعر به أحد، فغدا عليه قوم يسألون به، وقالوا: كيف أصبح من تصل يا أبا أميّة؟ فقال: الآن سكن علزه «٤» ورجاه أهله.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثني بعض الأعراب قال: هوي رجل امرأة ثم تزوّجها، فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقّا من خمر، فشرب الرسول في الطريق بعض الخمر وذبح شاة؛ فقالت للرسول لمّا أراد الانصراف: اقرأ على مولاك السلام، وقل له إنّ شهرنا نقص يوما، وإنّ سحيما راعي شائنا أتانا
стр. 677
مرثوما «١» . فلما أتى مولاه فأخبره ضربه حتى أقرّ.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: خطب أعرابي إلى قوم، فقالوا: ما تبذل من الصّداق؟ وارتفع السّجف «٢» فرأى شيئا كرهه، فقال والله ما عندي نقد، وإني لأكره أن يكون عليّ دين.
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعي قال: قال سلم بن قتيبة للشّعبيّ: ما تشتهي؟ قال: أعزّ مفقود، وأهون موجود؛ قال: يا غلام، إسقه ماء.
المدائني قال: كان لابن عون ابن عمّ يؤذيه، ولاحاه «٣» يوما فقال له ابن عون لمّا بلغ منه: لتسكتنّ أو لأشتمنّ مسيلمة. فشهد بعد ذلك عند عبيد الله ابن الحسن، فردّ شهادته.
المدائني: قال المغيرة بن شعبة: ما خدعني أحد قطّ غير غلام من بلحارث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم، فقال: أيها الأمير، لا خير لك فيها، إني رأيت رجلا قد خلا لها يقبّلها، ثم بلغني بعد أنه تزوّجها، فأرسلت إليه فقلت: ألم تعلمني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ فقال: بلى! رأيت أباها يقبّلها.
قال المدائني: أتى شريحا القاضي قوم برجل، فقالوا: إن هذا خطب إلينا: فسألناه عن حرفته فقال: أبيع الدوابّ؛ فلما زوّجناه، فإذا هو يبيع السنانير؛ قال: أفلا قلتم أيّ الدوابّ تبيع! وأجاز ذلك.
المدائني قال: دخل رجل على عيسى بن موسى وعنده ابن شبرمة،
стр. 678
فقال له: أتعرفه؟ وكان رمي عنده بريبة قال: نعم، إنّ له بيتا وشرفا وقدما، فخلّى سبيله فلما خرج قال له أصحابه: أعرفته؟ قال: لا، ولكني أعلم أنّ له بيتا يأوي إليه، وشرفه أذناه ومنكباه، وقدمه هي قدمه التي يمشي عليها.
المدائني قال: سئل الشعبيّ عن رجل، فقال: إنه لنافذ الطّعنة، ركين القعدة، يعني أنه خيّاط فأتوه فقالوا: غررتنا؛ فقال: ما فعلت! وإنه لكما وصفت.
المدائني قال: أتي العريان بن الهيثم بشابّ سكران، فقال له: من أنت؟ فقال «١» : [طويل]
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
فظنّ أنه من بعض أشراف الكوفة فخلّاه، ثم ندم على ألّا يكون سأله من هو، فقال لبعض الشّرط: سل عن هذا، فسأل، فقالوا: هو ابن بيّاع الباقلّي.
دخل حارثة بن بدر الغدانيّ على زياد، وكان حارثة صاحب شراب وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال حارثة: أصلح الله الأمير، ركبت فرسا لي أشقر فحملني حتى صدم بين الحائط، فقال زياد: أما إنك لو ركبت الأشهب لم يصبك مكروه؛ عنى زياد اللبن، وعنى حارثة النبيذ.
стр. 679
قعد قوم على نبيذ فسقط ذباب في قدح أحدهم، فقال رجل منهم: غطّ التميميّ، فقال آخر: غطّه فإن كان تميميّا رسب، وإن كان أزديّا طفا؛ قال ربّ المنزل: ما يسرّني أنه كان قال بعضكم حرفا. وإنما عنى أنّ أزد عمان ملّاحون.
المدائني قال: رأى رجل في يد امرأة كانت تأتيه خاتم ذهب، فقال لها: إدفعي إليّ خاتمك أذكرك به، فقالت: إنه ذهب، وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود لعلك تعود.
حدّثني الزياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة مردفا أبا بكر شيخا يعرف، ورسول الله شابّ لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل؛ فيحسب السامع أنه يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
كان سنان «١» بن مكمّل النميريّ يشاير ابن هبيرة يوما وهو على بغلة، فقال له عمر بن هبيرة: غضّ من بغلتك؛ قال: كلا! إنها مكتوبة. أراد ابن هبيرة قول الشاعر «٢» : [وافر]
стр. 680
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «١»
وأراد سنان قول الآخر «٢» : [بسيط]
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «٣»
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قال معاوية للأحنف: يا أحنف، ما الشيء الملّفف في البجاد «٤» ؟ فقال: هو السّخينة «٥» يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر: [وافر]
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفّف في البجاد «٦»
стр. 681
وأراد الأحنف «١» أنّ قريشا تعيّر بأكل السخينة.
المدائني قال: سأل الحرسيّ أبا يوسف القاضي عن السواد؛ فقال: النور في السواد. يعني نور العينين في سواد الناظر.
المدائني قال: لقي شيطان الطّاق «٢» خارجيّ فقال: ما أفارقك أو تبرأ من عليّ، فقال: أنا من عليّ ومن عثمان بريء. يريد أنه من عليّ، وبريء من عثمان.
سمع عمر بن الخطّاب امرأة في الطّواف تقول: [طويل]
فمنهنّ من تسقى بعذب مبرّد ... نقاخ «٣» فتلكم عند ذلك قرّت
ومنهنّ من تسقى بأخضر آجن ... أجاج ولولا خشية الله فرّت «٤»
فعلم ما تشكو، فبعث إلى زوجها فوجده متغيّر الفم، فخيّره بين خمسمائة درهم أو جارية من الفيء على أن يطلّقها فاختار خمسمائة، فأعطاه وطلّقها «٥» .
حدّثني أحمد بن محمد أبو نصر الكاتب قال: كنت واقفا بهذا المكان، وأقبلت امرأة من هذه الناحية، وغلام من الناحية الأخرى أبيض الوجه
стр. 682
رائعه، ونظرت إليه المرأة، فلما التقيا قالت له: ما اسمك يا فتى؟ قال:
محمد؛ قالت: ابن من؟ قال: ابن زانة، وتبسّم عن ثغر أفلج «١» مختلف قبيح؛ فقالت: واحرباه على ما قال! فقلت لها: قد وقعت لك عليها؛ قالت: من أين؟ قلت: من كنية أبي الخير النصرانيّ كاتب سعيد الحاجب، أراد أن الياء إذا نقلت عن أبي الخير إلى زانة، صار هذا أبا الخر، وصار هذا ابن زانية.
مر ابن أبي علقمة بمجلس بني ناجية «٢» فكبا حماره لوجهه فضحكوا؛ فقال: ما يضحككم! إنه رأى وجوه قريش فسجد.
قال عمرو «٣» بن بحر: قال أبو الهذيل لمحمد بن الجهم وأنا عنده: يا أبا جعفر، إني رجل منخرق الكفّ لا أليق «٤» درهما، ويدي هذه صناع في الكسب ولكنها في الإنفاق خرقاء، كم من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس وأبو عثمان يعلم ذلك! أسألك بالله يا أبا عثمان، هل تعلم ذلك؟ قال: يا أبا الهذيل، ما أشك فيما تقول؛ قال: فلم يرض أن حضرت حتى استشهدني، ولم يرض إذ استشهدني حتى استحلفني.
قال المدائنيّ: بعث يزيد بن قيس الأرحبيّ، وكان واليا لعليّ، إلى الحسن والحسين ﵃ بهدايا بعد انصرافه من الولاية وترك ابن الحنفيّة، فضرب عليّ- ﵇ على جنب ابن الحنفيّة وقال: [وافر]
стр. 683
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذي لا تصبحينا «١»
فرجع يزيد إلى منزله وبعث إلى ابن الحنفيّة بهديّة سنيّة.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدّثني موسى بن محمد قاضي المدينة، قال: مرّ رجل بأعرابي يوقد في أصل ميل، فقال: كم على الميل؟
فقال: لست أقرأ، ولكنّ كتابه فيه؛ قال: وما كتابه؟ قال: محجن وخلقه سمط وثلاثة أطباء وحلقة مذنّبة «٢» (يغني صورة خمسة) .
قال أبو اليقظان: إن عمرو بن مالك بن ضبيعة هو الذي قيل فيه:
[طويل]
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما
وذلك أنّ سعد بن مالك كان عند بعض الملوك «٣» ، فأراد الملك أن يبعث رائدا يرتاد له منزلا ينزله، فبعث بعمرو فأبطأ عليه، فآلى الملك لئن جاء ذامّا أو حامدا ليقتلنّه؛ فلما جاء عمرو وسعد عنده، قال سعد للملك؛ أتأذن لي فأكلّمه؟ قال: إذا أقطع لسانك؛ قال: فأشير إليه؛ قال: إذا أقطع يدك؛ قال: فأومىء إليه؛ قال: أقطع حنو «٤» عينك؛ قال: فأقرع له العصا؛ قال:
إقرع فأخذ العصا فضرب بها عن يمينه ثم ضرب بها عن شماله ثم هزّها بين
стр. 684
يديه، فلقن «١» عمرو، فقال: أبيت اللّعن! أتيتك من أرض زائرها واقف، وساكنها خائف، والشّبعى بها نائمة، والمهزولة ساهرة جائعة، ولم أر خصبا محلا، ولا جدبا هزلا.
لما حكّم أبو موسى وقدم ليحّكم، دسّ معاوية إلى عمرو رجلا ليعلم علمه وينظر كيف رأيه؛ فأتاه الرجل فكلّمه بما أمره به، فعضّ عمرو على إبهامه ولم يجبه؛ فنهض الرجل فأتى معاوية فأخبره؛ فقال: قاتله الله! أراد أن يعلمني أني فررت قارحا «٢» .
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثني الأصمعي قال: حدّثنا عيسى بن عمر قال: سأل الحجاج جبر بن حبيب عن رجل، وكره أن يعاقبه إن دلّ عليه، فقال: تركته والله جسدا يحرّك رأسه يصبّ في حلقه الماء، والله لئن حمل على سرير ليكوننّ عليه عورة؛ قال: فتركه.
حدّثني القاسم بن الحسن عن خالد بن خداش عن حمّاد عن مجالد عن عمير بن روذى قال: خطبنا عليّ ﵇ فقال: لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا أدخلها ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا أدخلها؛ فقيل له: ما صنعت! فرّقت الناس فخطبهم فقال: إنكم قد أكثرتم في قتل عثمان، ألا وإن الله قتله وأنا معه؛ قال: فحدّثنا خالد عن حمّاد عن حبيب بن الشّهيد عن محمد بن سيرين قال: كلمة عربيّة لها وجهان. أي وسيقتلني معه.
سأل زياد رجلا بالبصرة: أين منزلك؟ فقال: واسط، قال: مالك من الولد؟ قال: تسعة. فلما قام، قيل لزياد: كذبك في كل ما سألته، ما له إلا
стр. 685
ابن واحد، وإن منزله بالبصرة، فلما عاد إليه، قال: ذكرت أن لك تسعة من الولد، وأن منزلك بواسط؟ قال: نعم؛ قال: خبّرت بغير ذلك؛ قال: صدقت وصدقوك، دفنت تسعة بنين فهم لي، ولي اليوم ابن واحد ولست أدري أيكون لي أم لا: وأما منزلي فإلى جانب الجبّان «١» بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأيّ منزل أوسط منه! قال: صدقت.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عيسى بن عمر قال: قال المختار لجنده: يا شرطة الله، ليخرجنّ إلى قريب على الكعبة الحرام دابّة «٢» له ستّ قوائم وله رأس بلا عنق، ثم التفت إلى رجل إلى جانبه فقال: أعني اليعسوب.
كان إبراهيم إذا لم يعجبه الرجل قال: ما هو بأعجب الناس إليّ.
بلغني عن معاوية بن حيّان عن المبارك بن فضالة عن عبد الله بن مسلم ابن يسار، قال: كان أبي إذا غضب على البهيمة، قال: أكلت سمّا قاضيا حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا أبو قتيبة قال: حدّثنا أبو المنهال البكراويّ قال: كان الحسن إذا أخذ من لحيته شيء، قال: لا يكن بك السوء.
وقيل للحسن؛ أتى رجل صاحبا له في منزله وكان يصلي، فقال:
стр. 686
أدخل؟ فقال في صلاته: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
«١» ؛ فقال: لا بأس.
كان محمد بن عليّ إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة. وكان لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا؛ ويقول: سمّوهم بالحسن الجميل عباد الله، فتقولون: يا عبد الله، بورك فيك.
قيل لعليّ بن أبي طالب ﵇: كم بين السماء والأرض؟ قال:
دعوة مستجابة. قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم (يعني للشمس) .
كان رشم «٢» عمر بن مهران الذي يرشم به على طعامه: اللهم احفظه ممن يخطفه.
خرج رجل من بني أسد بإبل له يسقيها، ومعه ابنة له جميلة عاقلة، حتى دفع إلى ماء لبني فزارة، فسألهم أن يأذنوا له في سقي إبله؛ فقالوا: على ألا تجأجىء «٣» بها، قال: فإذا لا تشرب شرب خير؛ قالوا: إن رضيت وإلّا فانصرف؛ فقالت له الجارية: أشرط لهم ما طلبوا وأنا أكفيك؛ فأخذ الدلو، وجعلت الجارية ترتجز وتقول: [رجز]
جارية شبّت شباب العسلج ... ذات وشاحين وذات دملج «٤»
وذات ثغر أشنب مفلّج ... وذات خلق مستتبّ مدمج «٥»
стр. 687
في أبيات كثيرة، فشربت الإبل حتى رويت من غير أن جأجأ بها.
وتبايع أعرابيان على أن يشرب أحدهما لبنا حازرا «١» ولا يتنحنح، فلما شربه وتقطّع في حلقه؛ قال: كبش أملح؛ فقال صاحبه؛ فعلها وربّ الكعبة! فقال: من فعلها فلا أفلح. وكان ما تبايعا عليه كبشا.
قال الأصمعي: قلت لأعرابي معه شاء: لمن هذه الشّاء؟ فقال: هي لله عندي.
حدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا أبو داود عن عمارة بن زاذان قال:
حدّثنا أبو الصهباء قال: قال الحجّاج لسعيد بن جبير: اختر أيّ قتلة شئت؛ فقال له: بل اختر أنت لنفسك، فإن القصاص أمامك.
ولي هرثمة الحرس مكان جعفر بن يحيى، فقال له جعفر: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك.
أمر الحجّاج ابن القرّيّة أن يأتي هند بنت أسماء فيطلقها بكلمتين، ويمتّعها بعشرة آلاف درهم؛ فأتاها فقال لها: إنّ الحجّاج يقول لك: كنت فبنت، وهذا عشرة آلاف متعة لك: فقالت: قل له: كنا فما حمدنا، وبنّا فما ندمنا؛ وهذه العشرة الآلاف لك ببشارتك إياي بطلاقي.
سئل سفيان بن عيينة عن قول طاوس في ذكاة السمك أو الجراد؛ فقال ابنه عنه: ذكاته صيده.
اجتمع الناس عند معاوية وقام الخطباء لبيعة يزيد وأظهر قوم الكراهة،
стр. 688
فقام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، واخترط «١» من سيفه شبرا، ثم قال: أمير المؤمنين هذا، وأشار إلى معاوية، فإن يهلك فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبي فهذا، وأشار إلى سيفه. فقال معاوية: أنت سيّد الخطباء.
قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم؛ قال ابن شبرمة: ثم لم يعد إليكم.
قال المدائنيّ: قال معاوية لابن عبّاس؛ أنتم، يا بني هاشم، تصابون في أبصاركم؛ فقال ابن عباس؛ وأنتم، يا بني أمية، تصابون في بصائركم.
وقال له معاوية: ما أبين الشّبق «٢» في رجالكم! فقال: هو في نسائكم أبين.
أبو اليقظان قال: قال ابن ظبيان التّيميّ لزرعة بن ضمرة: لقد طلبتك يوم الأهواز ولو ظفرت بك لقطعت منك طابقا سخنا؛ قال: أفلا أدلّك على طابق هو أسخن وأحوج إلى القطع؟ قال: بلى! قال: بظر بين إسكتي «٣» أمّك.
أبو اليقظان قال: بعث الحجّاج إلى الفضيل بن بزوان العدواني، وكان خيّرا من أهل الكوفة، فقال: إني أريد أن أولّيك، قال: أو يعفيني الأمير؟
فأبى وكتب عهده، فأخذه وخرج من عنده فرمى بالعهد وهرب، فأخذ به الحجّاج، فقال: يا عدوّ الله؛ فقال: لست لله ولا للأمير بعدوّ؛ قال: ألم أكرمك؟ قال: بل أردت أن تهينني؛ قال: ألم أستعملك؟ قال: بل أردت أن
стр. 689
تستعبدني؛ قال: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
«١» الآية؛ قال: ما استوجبت واحدة منهن؛ قال: كل ذلك قد استوجبت بخلافك. وأمر رجلا من أهل الشام أن يضرب عنقه.
سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني حجر بن عبد الجبّار عن عبد الملك ابن عمير قال: كان في مجلس زياد، الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع زواياه كتاب بقلم جليل: الوالي شديد في غير عنف، ليّن في غير ضعف؛ الأعطية لإبّانها «٢» ، والأرزاق لأوقاتها؛ البعوث لا تجمّر «٣» ؛ المحسن يجزى بإحسانه والمسيء يؤخذ على يديه كلما رفع رأسه إلى زاوية قرأ ما فيها.
قال سليمان: وحدّثنا أبو سفيان الحميريّ قال: أبلى أبو جهم بن كنانة يوم الراوية، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال: أنا أبو جهم بن كنانة، قال له الحجاج: قد زدناك في اسمك ألفا ولاما فأنت أبو الجهم، وزدنا في عطائك ألفا.
العباس بن بكّار عن عبيد الله بن عمر الغسّانيّ عن الشعبيّ قال: قال معاوية لشدّاد بن أوس: يا شدّاد، أنا أفضل أم عليّ؟ وأينا أحبّ إليك؟ فقال:
عليّ أقدم هجرة، وأكثر مع رسول الله إلى الخير سابقة، وأشجع منك قلبا، وأسلم منك نفسا، وأما الحبّ فقد مضى عليّ، فأنت اليوم عند الناس أرجى منه.
стр. 690
قال الأحنف لمعاوية في كلام: أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، فلا تلقمه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.
خطب «١» الحجّاج فشكا سوء طاعة أهل العراق؛ فقال جامع المحاربيّ «٢» : أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لنسبك ولا لبلدك ولا لذات نفسك، فدع ما يباعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية فيمن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك؛ فقال الحجاج: والله ما أراني أردّ بني اللّكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف؛ فقال: أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار؛ قال الحجّاج: الخيار يومئذ لله؛ قال: أجل! ولكنك لا تدري لمن يجعله الله؛ فقال: يا هناه «٣» ، إنك من محارب! فقال جامع: [طويل]
وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا»
فقال الحجاج «٥» : والله لقد هممت أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك؛ فقال له: يا حجّاج، إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله.
стр. 691
قال الأصمعيّ: أخبرنا شيخ من قضاعة قال: ضللنا مرة الطريق فاسترشدنا عجوزا؛ فقالت: استبطن الوادي وكن سيلا حتى تبلغ.
ابن الكلبيّ قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد «١» : أما بعد، فإنما أنت يهوديّ ابن يهوديّ، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكلّ بك، وقد كان أبوك وترقوسه ورمى غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه؛ ثم مات طريدا بحوران؛ والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد، فإنما أنت وثن ابن وثن «٢» ، دخلت في الإسلام كرها وخرجت منه طوعا، ولم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه، وشغّب «٣» عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشقّ غباره، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي خرجت إليه؛ والسلام.
قال يحيى بن سعيد الأمويّ: سمعت الأعمش يقول لخالد بن صفوان:
شعرت أنّ منزلك لا يعرف إلا بي حتى يقال عند منزل الأعمش؛ فقال خالد:
صدقت، مثل حمام عنترة، ويقال وردان وبيطار (حيان) .
قال الربيع لشريك بين يدي المهديّ: بلغني أنك خنت أمير المؤمنين؛ فقال شريك: لو فعلنا ذلك لأتاك نصيبك.
قال رجل من العرب: أريت البارحة في منامي كأني دخلت الجنة فرأيت
стр. 692
جميع ما فيها من القصور، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: للعرب؛ فقال رجل عنده من الموالي: أصعدت الغرف؟ قال: لا؛ قال: فتلك لنا.
وكتب قتيبة بن مسلم إلى عبيد الله بن زياد بن ظبيان: أما بعد، فإن عشمشم أعشى الشجر. فكتب إليه ابن ظبيان: من ذلك الشجر كان بربط «١» أبيك. يعني مسلم بن عمرو، وكان مغنّيا ليزيد بن معاوية.
قال بحر بن الأحنف لجارية أبيه زبراء: يا فاعلة: فقالت: لو كنت كما تقول أتيت أباك بمثلك.
وقال رجل لابنه: يابن الفاعلة؛ فقال: والله لئن كنت صدقت ما فعلت حتى وجدتك فحل سوء.
أتت ابنة الخسّ عكاظ، فأتاها رجل يمتحن عقلها ويمتحن جوابها، فقال لها: إني أريد أن أسألك؛ قالت: هات. قال: كاد؛ فقالت: المنتعل يكون راكبا. قال: كاد: قالت: الفقر يكون كفرا. قال: كاد؛ قالت: العروس تكون ملكا. قال: كاد؛ قالت: النّعامة تكون طائرا. قال: كاد؛ قالت:
السّرار «٢» يكون سحرا. ثم قالت للرجل: أسألك؟ قال: هاتي، قالت:
عجبت؛ قال: للسّباخ لا ينبت كلؤها ولا يجف ثراها. قالت: عجبت؛ قال:
للحجارة لا يكبر صغيرها ولا يهرم كبيرها. قالت: عجبت؛ قال: لشفرك «٣» لا يدرك قعره ولا يملأ حفره.
стр. 693
المدائنيّ قال: كان عرام بن شتير عند عمر بن هبيرة، فألقى إليه ابن هبيرة خاتمة وفصّه أخضر، فعقد عرام في الخاتم سيرا. أراد عمر قول الشاعر: [طويل]
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق «١»
وأراد عرام: [بسيط]
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «٢»
قال جرير للأخطل: أرّقت نومك، واستهضمت قومك؛ قال الأخطل:
قد أرّقت نومي، ولو نمت كان خيرا لك.
أراد معاوية أن يخطب بصفّين فقال له عمرو بن العاص: دعني أتكلّم فإن أتيت على ما تريد وإلّا كنت من وراء ذلك، فأذن له؛ فتكلّم بكلمات، قال: قدّموا المستلئمة «٣» وأخّروا الحسّر، كونوا مقصّ الشارب، أعيرونا أيديكم ساعة، قد بلغ الحقّ مفصله، إنما هو ظالم أو مظلوم.
حدّثني «٤» ابن أبي سعد عن محمد بن الحسن التميمي عن عبد الله بن أحمد بن الوضّاح، قال: دخل أعرابيّ على عبد الملك بن مروان؛ فقال له:
يا أعرابيّ، صف الخمر فقال: [طويل]
стр. 694
شمول إذا شجّت وفي الكأس مزّة ... لها في عظام الشاربين دبيب «١»
تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب
فقال: ويحك يا أعرابيّ! لقد اتّهمك عندي حسن صفتك لها: قال: يا أمير المؤمنين، واتهمك عندي معرفتك بحسن صفتي لها.
مقطّعات ألفاظ تقع في الكتاب والكلام
لو أخطأت سبيل إرشادك، لما أخطأت سبيل حسن النية فيما بيني وبينك.
لو خطر ذلك ببالي من فعلك، ما عرّضت ستر الإخاء للهتك بيني وبينك.
قد أحسنت في كذا قديما. وفعلك كذا إحدى الحسنيين بل ألطفهما موقعا.
أنت رجل لسانك فوق عقلك وذكاؤك فوق حزمك. فقدّم على نفسك من قدّمك على نفسه. الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثّل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك وضنّا بك واغتباطا بإخائك.
لعل الأيام أن تسهّل لأخيك السبيل إلى ما تقتضيه نفسك من برّك ومعاوضتك ببعض ما سلف لك.
ما هذا الغبا العجيب الذي إلى جانبه فطنة لطيفة. حكم الفلتات خلاف حكم الإصرار.
من أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يؤخذ بالعين، كان حريّا أن يخطىء في
стр. 695
باطن دينه وفيما يؤخذ بالعقل.
ومن أوّل ما أحبّ أن أوثرك به وأقضي فيه واجب حقّك، تنبيهك على عظيم ما لله عندك، وحثّك على الإزدياد مما يزيدك.
من كان بمثل موضعك فجمع له حمد إخوانه ورضا معامليه والإستقصاء مع ذلك لمن استكفاه، فقد عظمت النعمة عليه، ولا أعلم بما أسمع فيك إلا أنك كذلك والحمد لله.
ما أغنى الفقير عن الحمد، وأحوجه إلى ما يجد به طعم الحمد!.
قد حسدك من لا ينام دون الشّفاء، وطلبك من لا يقصّر دون الظفر، فاشدد حيازيمك «١» وكن على حذر.
أنت تتجنّى على مالك لتتلفه بأسباب العلل، كما يدفع عن ماله البخيل بوجوه الاعتلال. أنت طالب مغنم، وأنا دافع مغرم، فإن كنت شاكرا لما مضى، فاعذر فيما بقي. مكرك حاضر، ووفاؤك متأخّر. أنا راض بعفوك، باذل لمجهودي.
نوائب الأيام رمت به ناحيتك، وإذا رأيته أنبأك ظاهره عن باطنه ودعاك إلى محبّته قبوله، وهو في الأدب بحيث المستغني عن النسب.
قد آن أن تدع ما تسمع لما تعلم وإلّا يكون غيرك فيما يبلغك أوثق من نفسك فيما تعرفه.
هذا فلان قد أتاك على رقّة من حاله وبعد من شقّته، فنشدتك الله أن
стр. 696
تقدّم شيئا على تصديق ظنّه وسدّ خلّته وبل ما يبّست هذه النكبة من أديمه، فإنه غذيّ نعمة وخدين «١» مروءة.
أنا أسأل الله أن ينجز لي ما لم تزل الفراسة تعدنيه فيك. الحرّيّة نسب.
فهمت ما اعتذرت به في تأخّرك، وغضضت به مني طرفا طامحا إليك ونفسا توّاقة إلى قربك.
وصل كتابك فكان موقعه موقع الرّوح من البدن. فإنّ أمير المؤمنين يحب ألا يدع سبيلا من سبل البر وإن عفا ودثر إلا أناره وأوضح محجّته، ولا خلّة من خلال الخير لا أوّل لها إلا اهتبل «٢» الفرصة في إنشائها، واختيار مكرمة ابتدائها، لتجب له مساهمة الفارط «٣» في أجره، ويكون أسوة الغابر في ثوابه.
لولا وجوب تقديم العذر لصاحب السلطان، في الذهول عن مواصلة من يجب عليه مواصلته، بما يستولي عليه من الشغل بعمله، إذا لكثر العتب.
إنك لكل حسن أبليته، ومعروف أسديته، وجميل أتيته، وبلاء كان لك ربيته، أهل في الدين والحسب القديم.
لك- أعزّك الله- عندي أياد تشفع لي إلى محبّتك، ومعروف يوجب عليك الرّبّ «٤» والإتمام.
стр. 697
أفعال الأمير مختارة كالأماني، متّصلة عندنا كالأيام؛ ونحن نختار الشكر لكريم فعله، ونواصل الدعاء والذكر مواصلة برّه.
أبدأ بذكر يدك التي أجارتني على صرف الزمان، ووقتني نوائب الأيام، وثمّرت لي بقية النعمة، وصانت وجهي عن استعباد منن الرجال، وبسطت لي الأمل في بلوغ ما ناله بك محن رفعت خسيسته ونوّهت بذكره، وأعانتني على اتباع مذهب الماضين من سلفي في الوفاء لكم، وحماية النعمة عليهم بكم عن أيدي غيركم، حتى خلصت لهم منكم فعزّوا، ولم يشغلوا شكرهم بغيركم حين شكروا، ولم يحتملوا صنيعة لسواكم لما اعتدّوا، ولم تتشعّبهم الدنيا عنكم إذا اضطرّوا.
إنّ الله أحلك منا أهل البيت محلّا نراك به عوضا من الغائب، وخلفا من الهالك، ونجدك مخصوصا بضّرائنا إذ كنت وليّ سرّائنا، وكنا لك كالجوارح نألم لكل ما ألم منها.
نحن نعوذ بالله من سخطك، ونستجير به من غضبك، ونسألك النظر فيما كتبنا به صادقين، كما سمعت قصص الكاذبين، فإنا على سلامة مما رقّوه «١» .
كتبي- أعزك الله- تأتيك، في الوقت بعد الوقت، على حسب الدواعي، وإن كان حقّك يلزمني ألّا تغبّك، لولا ما أتذكر من زيادتها في شغلك.
أنت الحامل لكل إخوانه، الناهض بأعباء أهل مودّته، الصابر على ما ناب من حقوقهم.
стр. 698
كنت أمس- أكرمك الله- عليلا، وركبت اليوم على ظلع «١» ظاهر ورقّة شديدة، فلما انصرفت أمرت بإغلاق الباب للمتودّع، ووافق ذلك من سوء نيتك وإرصادك صديقك بما يستدعي عتبك عليه وعتبه عليك ما وافق.
لا أزال- أبقاك الله- أسأل الكتاب إليك في الحاجة، فأتوقف أحيانا توقف المبقي عليك من المؤونة، وأكتب أحيانا كتاب الراجع منك إلى الثقة والمعتمد منك على المقة؛ لا أعدمنا الله دوام عزك، ولا سلب الدنيا بهجتها بك، ولا أخلانا من الصّنع لله على يدك وفي كنفك، فإنا لا نعرف إلا نعمتك، ولا نجد للحياة طعما وندى إلا في ظلّك.
إن كان هذا مما ترضاه لي، فلست ألتمس أكثر منه، وقوفا بنفسي عند الحظ الذي رضيته لي.
أنا، والله، أراك في رتبة المنعم إجلالا، وبمحل الشقيق من القلب محبّة وإخلاصا.
أما شكري فمقصور على سالف أياديك، وبه قصور عنه فكيف يتّسع لما جدّدته!.
لله عندك نعم جسام تتقاضاك الشكر. وقاك الله شرّ نفسك، فإنها أقرب أعدائك إليك.
ولم أزل وجلا من حادثة كذا عليك، إذ كان ما ينالك- لا أنالك الله سوءا- متّصلا بي ومدخلا الضرر عليّ في ركن منك أعتمد عليه، وكنف لك أستذري به.
стр. 699
وصل إليّ كتاب منك، فما رأيت كتابا أسهل فنونا، ولا أملس متونا، ولا أكثر عيونا، ولا أحسن مقاطع ومطالع، ولا أشدّ على كل مفصل حزّا منه؛ أنجزت فيه عدة الرأي وبشرى الفراسة، وعاد الظنّ بك يقينا، والأمل فيك مبلوغا.
لا غيّبك الله عن مواطن العز والصنع، وأشهدك إياها بعلوّ يدك، وهبوب ريحك، واستقادة جميع أهلها بزمام طاعتك.
قد رميت غرض الباطل بسهم الحق وحللت عقال الشر بيد الخير. كنت سالما إن سلمت من عتبك.
أنا أتوسل إليك بحسن ظنّي بك، وأسألك بحق صبري على ظلمك لمّا سعفت بما سألتك.
ليس ينبغي لك أن تستبطىء فهمي وقد أسأت إفهامي.
من أبعد من البرء من مريض لا يؤتى من دائه إلا من جهة دوائه، ولا في علّته إلا من قبل حميته!.
لست في حال يقيم عليها حرّ أو يرضى بها كريم، وليس يرضى بهذا الأمر إلا من لا ينبغي لك أن ترضى به.
قد شخت في ذراك وهرمت في ظلّك، فإمّا رددت عليّ شبابي وأعدت إليّ قوّتي، وإما دفعت إليّ ما ينوب عن الشباب ويجبر الضعف، ولا بدّ من أحدهما، فاختر لنفسك واخرج إلينا من هذا الدّين؛ فقد أمسكنا عن التقاضي ما أمكن، وصبرنا على المواعيد ما صلح؛ ودعنا من الحوالة فإنّ الصنيعة لا تتمّ بالحوالة؛ وإن جاز أن تقيم لنا زعيما بالنعمة، جاز أن نقيم لك زعيما بالشكر؛ وإن جاز أن نؤمّلك ويحقّق آمالنا غيرك، جاز أن نشكر غير المنعم ونأمل غير المصطنع.
стр. 700
ما أستعظم أن تسبق إلى حسن بل أستعظم أن تسبق إليه وتغلب عليه.
لئن كنت جاوزت بي قدري عندك لما بلغت بك أملي فيك.
لا يقبضك عن الأنس بي تقصيرك في البرّ.
بلغتني علّتك فنالني من ألمها، وغالني مما مسّك فيها حسب حقّك وما يخصّني من كل حال تصرّفت بك.
أعتذر إليك من تأخر كتبي عنك بترامي النّقلة وتقاذف الغربة وعدم الطمأنينة، فإني منذ فارقتك كما قال القائل: [طويل]
وكنت قذاة الأرض والأرض عينها ... تلجلج شخصي جانبا بعد جانب «١»
إني- أعزّك الله- على تشوّقك متزيد، فما أحاشي بك أحدا، ولا أقف لك على حسنة يوما إلا أنستنيها لك فضلة غده.
الحمد لله الذي جعل الأمير معقود النيّة بطاعته، مطويّ القلب على مناصحته، مشحوذ السيف على عدوّه؛ ثم وهب له الظفر، ودوّخ له البلاد، وشرّد به العدوّ، وخصّه بشرف الفتوح العظام شرقا وغربا، وبرّا وبحرا.
إلى الله أشكو شدّة الوحشة لغيبتك، وفرط الجزع من فراقك، وظلمة الأيام بعدك؛ وأقول كما قال حبيب بن أوس «٢» : [خفيف]
بيّن البين فقدها، قلّما تع ... رف فقدا للشمس حتّى تغيبا
ورد كتابك، فيا له واردا بالرّيّ على ذي ظمأ! ما أنقعه للغليل، وأعدل
стр. 701
شهادته لك بكرم العقد، وصدق الودّ، وحسن المغيب، ورعاية حق التحرّم، وبعد الشيمة من شيم أهل الزمان إلا من عصم الله، وقليل ما هم، ولله أبواك لقد أوجداك.
قد أجلّ الله خطرك عن الاعتذار، وأغناك في القول عن الاعتلال، وأوجب علينا أن نقنع بما فعلت، ونرضى بما أتيت وصلت أو قطعت، إذ وثقنا بحسن نيّتك ونقاء طويّتك، وألزمنا أن نأخذ أنفسنا لك بما لا نحمّلك مثله، ولا نلتمس منك مقابلة به.
ما أخرّ كتبي عنك إلا ما أنا عليه من إيثار التخفيف بقطع الكتب، إلا عند حقّ يقع فأقضيه، أو نعمة تحدث فأهنّىء بها، والقصد للزيادة في البرّ بالزيارة في الغبّ، واستدعاء دوام الوداد بانتهاز فرص الوصل.
وكتبت إلى محمد بن عبد الله بن طاهر:
أمّا شكري للأمير على سالف معروفه فقد غار وأنجد. وأمّا ابتهالي إلى الله في جزائه عنّي بالحسنى فإخلاص النيّة عند مظانّ القبول. وأمّا أملي فأحياه على بعد العهد بلاؤه عندي، إذ كان ما تقدّم منه شافعا في المزيد، وفسحة وعده إياي عند مفارقتي له، إذ كان مؤذنا بالإنجاز. وأما زللي في التأخّر عما أوجب الله عليّ له، فمقرون بالعقوبة فيما حرمته من عزّ رياسته، ونباهة صحبته، وعلوّ الدرجة به، وإن كنت سائر أيام انقطاعي عنه معتلقا بسبب لا خيار معه. مكاتبتك- أعزّك الله- وأنا مجاورك ببلد دون السعي إليك مجلّا لقدرك مما أكبر. لاقيك بكتابي هذا فلان، وله عليّ حقّان؛ حقّ عمّ المسلمين فلزمني بلزومه لهم، وحق خصّني بالحرمة والعشرة. فرأيك في كذا إن سهل السبيل إلى ذلك ورحب، وإن يعق عائق فلست على جميل رأي عندي بمتّهم.
стр. 702
للمتفضّل أن يخصّ بفضله من يشاء؛ ولله الحمد ثم له فيما أعطي، ولا حجّة عليه فيما منع.
مستعفى السلطان أحد ثلاثة: رجل آثر الله وما عنده، وأسأل الله توفيقه؛ ورجل عجز عن عمله فخاف بعجزه عواقب تقصيره، وأستعين الله؛ ورجل سمت به نفسه عن قليل هو فيه إلى كثير أمله. وأعوذ بالله من أن أدنّس نعمة الله بك عليّ وعلى سلفي قبلي بالتصدّي لمن لا يشبه دهره يومك، ولا أكثر جهده في المعروف أقلّ عفوك.
كن كيف شئت، فإنّي واحد أمري خالصة سريرتي، أرى ببقائل بقاء سروري، وبتمام النعمة عليك تمامها عندي، فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصّة إلا اتصلت برعيّته عامّة، وشملت المسلمين كافّة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب عليهم شكره عليها؛ لأنّ الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبسلامته هدوءهم واستقامتهم، وبتدبيره صلاح أمورهم وأمنهم، وبذبّه عن دينهم حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبلهم، وبرعيته اتّساقهم وانتظامهم؛ فأطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيّدا بالنصر، معزّا بالتمكين، موصول الطلب بالظفر، ومدّة البقاء بالنعيم المقيم.
فهمت كتابك ولم تعد في وعدك ووعيدك سبيل الراغب في ربّ عارفته، المحامي على سالف بلائه، المؤثر لاستتمام صنيعته، وإني لأرجو أن أكون على غاية ما عليه ذو نيّة حسنة في شكر مصطنعه، وعناية بأداء ما يلزمه لوليّ نعمته، ومراقبة لرئيسه في سرّ أمره وعلانيته، وإيثار للقليل من جميل رأيه على كثير المنافع مع سخطه. وليس مذهبي فيما أشرحه من العذر وأطيل بذكره الكتب، مذهب من يموّه بالاحتجاج ويحتال في الاعتذار، ومن تطمعه نفسه في سلامة النعمة مع فساد النيّة، وفي محمود العاقبة مع شره النفس،
стр. 703
وفي زيادة الحال مع التفريط في العمل. ولو كنت ممن سوّلت له نفسه ذلك سائر دهره، لقد وجب إلى أن يضطرّني إلى النزوع عنه تأديبك وتقويمك.
وإني لمجتهد أن يكون أثر فعلي هو المخبر عني دون قولي، وأن يكون ما أمتّ به إليك ظاهر كفايتي دون ذمامي.
لولا ما أنا بسبيله من العمل، وما في الإخلال به من تعريضه للانتشار ودخول الخلل، وعلمي بأن طاعة السلطان مقرونة بطاعة الأمير، وأنه لا فرق عنده بين الجاني على السلطان وعليه، لكنت الجواب راجلا معظّما لأمره، مكبرا لسخطه؛ وإن كان الله قد جعل عند الأمير من إيثار الحق والعمل به، وتقديم الرويّة قبل الإيقاع، والاستثناء «١» بمن وضح ذنبه وظهر جرمه دون من وقعت الشبهة في أمره، ما أمّنني بادرة غضبه ونازل سطوته.
لم أكن أحسبني أحلّ عندك محلّ من جهل حظّه، وعدم تمييزه، وغبي عمّا عليه وعمّا له؛ إذ توهّمت عليّ أنّي أبيع خطيرا من رضاك، ونفيسا من رأيك، وشرفا باقيا على الأيام بطاعتك، وعدّة للنوائب أستظهر بها من نصرتك، بالثمن البخس الحقير من كذا، أو أن أستبدل بما أنا ذو فاقة إليه من عزّ كنفك ومنيع ذراك، ما قد وهب الله الغنى عنه بحمده.
كان ورودك وشخوصك في وقتين انظويا عني، وكان مقامك في حال شغل منك ومني، ولذلك فقدتني في القاضين لحقك والمثابرين على لقائك.
ورد كتابك مضمّنا من برّك وتطوّلك ما حسّن شكري، وأثقل ظهري، وأرتج عن مضاهاتك بمثله قولي؛ فذكرت به- إذ تحيرّت دون تأمّله، وضعفت
стр. 704
عن تحمّله، وعجزت عن الشكر عليه عند تمحّله- قول القائل: [كامل]
أنت آمرؤ أوليتني نعما ... أوهت قوى شكري، فقد ضعفا
لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «١»
ألفاظ تقع في كتب الأمان
هذا كتاب من فلان لفلان: إن أمّنتك على دمك ومالك ومواليك وأتباعك، لك ولهم ذمّة الله الموفى بها، وعهده المسكون إليه، ثم ذمّة الأنبياء الذين أرسلهم برسالته وأكرمهم بوحيه، ثم ذمم النجباء من خلائفه: بحقن دمك ومن دخل اسمه معك في هذا الكتاب، وسلامة مالك وأموالهم وكذا وكذا؛ فاقبلوا معروضه، واسكنوا إلى أمانه، وتعلّقوا بحبل ذمته، فإنه ليس بعدما وكّد من ذلك متوثّق لداخل في أمان إلا وقد اعتلقتم بأوثق عراه، ولجأتم إلى أحرز كهوفه، والسلام.
وفي كتاب آخر:
هذا كتاب من فلان: إن أمير المؤمنين، لما جعل الله عليه نيّته في إقالة العاثر واستصلاح الفاسد، رأى أن يتلافاك بعفوه، ويتغمد زلّاتك برحمه، ويبسط لك الأمان على ما خرجت إليه من الخلاف والمعصية: على دمك وشعرك وبشرك وأهلك وولدك ومالك وعقارك؛ فإن أنت أتيت وسمعت وأطعت، فأنت آمن بأمان الله على ما أمّنك عليه أمير المؤمنين، ولك بذلك
стр. 705
ذمّة الله وذمّة رسوله، إلا ما كان من حق قائم بعينه لمسلم أو معاهد، والله بذلك راع وكفيل، وكفى بالله وكيلا.
وفي كتاب آخر
: إن فلانا استوهب أمير المؤمنين ذنبك، وسأله أن يقبل توبتك وإنابتك، ويؤمّنك على دمك وشعرك وبشرك وأهلك وولدك ومالك وعقاراتك، على أن تسمع وتطيع وتشايع، وتوالي أولياءه، وتعادي أعداءه؛ فأجابه أمير المؤمنين إلى ذلك، لرأيه في العفو والصفح وما يحتسب في ذلك من الثواب والأجر، فأنت آمن بأمان الله على كذا لا تؤخذ بشيء مما سلف من أحداثك، ولا تتبع فيه بمكروه ما أقمت على الوفاء ولم تحدث حدثا تفسخ به أمانك وتجعل به سبيلا على نفسك، والله لك بذلك راع كفيل؛ وكفى به شهيدا.
ألفاظ تقع في كتب العهود
أمره بتقوى الله فيما أسند إليه وجعله بسبيله، وأن يؤثر الله وطاعته آخذا ومعطيا، وأعلمه أنّ الله سائله عمّا عمل به وجاز عليه، وأنّه خارج من دنياه خروجه من بطن أمّه إمّا مغبوطا محمودا، وإمّا مذموما مسلوبا، فليعتبر بمن كان قبله من الولاة الذين ولوا مثل ما ولي، أين صار بهم مرّ الليل والنهار، وما انقلبوا به من أعمالهم إلى قبورهم! ويتزوّد لنفسه الزاد النافع الباقي: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
«١» .
следующие страницы →