Полный текст (1 325 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الحضرميّ عبر إلى أهل دارين «١» البحر بهذه الكلمات: يا حليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا يزيد بن هارون عن هشام الدّستوائيّ «٢» عن حمّاد عن إبراهيم عن عبد الله في الرجل إذا أراد الحاجة صلّى ركعتين ثم قال: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتملك ولا أملك، وتعلم ولا أعلم، إن كان هذا الأمر الذي أريده- وتسمّيه- خيرا لي في ديني وخيرا لي في معيشتي وخيرا لي فيما أبتغي فيه الخيرة فيسّره لي وبارك لي فيه، وإن كان شرّا لي في ديني وشرّا في معيشتي وشرّا لي فيما أبتغي فيه الخير فاصرفه عنيّ ويسّر لي الخير حيث كان ثم رضّني به.
ومن دعاء بعض الصالحين: اللهمّ إنّي أستغفرك من كلّ ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته يدي بفضل نعمتك، وانبسطت إليه بسعة رزقك، واحتجبت فيه عن الناس بسترك، واتّكلت فيه على أناتك وحلمك، وعوّلت فيه على كريم عفوك.
الأوزاعيّ قال: من قال: «اللهمّ إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من نفسي وأخلفتك، وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطه ما ليس لك، وأستغفرك للنّعم التي أنعمت بها عليّ فتقوّيت
стр. 772
بها على معصيتك، واستغفرك لكلّ ذنب أذنبته أو معصية ارتكبتها» غفر الله له ولو كانت ذنوبه عدد ورق الشجر، ورمل عالج «١» ، وقطر السماء.
وكان مطرّف يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ السلطان، ومن شرّ ما تجري به أقلامهم، وأعوذ بك أن أقول قولا حقّا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، وأعوذ بك أن أتزيّن للناس بشيء يشينني، وأعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، وأعوذ بك أن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني منّي، وأعوذ بك أن أستغيث بمعصية لك من ضرّ يصيبني.
الأزديّ عن عبد الواحد بن زيد قال: شهدت مالك بن دينار يوما وقيل له: يا أبا يحيى، أدع الله أن يسقينا، قال: تستبطئون المطر! قالوا: نعم؛ قال: إنني والله أستبطىء الحجارة.
قال أبو كعب: سمعت عطاء السّلميّ يقول: اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا، ومصرعي عند الموت، ووحدتي في القبور، ومقامي بين يديك.
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا زهير عن زبيد الياميّ «٢» عن مرّة عن عبد الله قال: إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، إنّ الله يؤتي المال من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يؤتي الإيمان إلا من يحب. فمن ضنّ بالمال أن ينفقه، وهاب العدوّ أن يجاهده، والليل أن يكابده فليكثر من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» .
стр. 773
ومن جامع الدعاء: اللهمّ أغنني بالعلم، وزيّني بالحلم، وجمّلني بالعافية، وأكرمني بالتقوى.
وكان من دعاء أبي المجيب: اللهمّ لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع، اللهمّ اجعل خير عملي ما قارب أجلي.
ومن دعاء عمرو بن عبيد: اللهمّ أغنني بالإفتقار إليك، ولا تغنني بالإستغناء عنك.
ابن عائشة عن سلّام بن أبي مطيع قال: سمعت ابن عون يقول: كانوا يستحبّون من الدعاء: اللهمّ عبدك وابن عبدك وابن أمتك لعبيدك وإمائك، أنا الذليل ولا أنتصر، وأنا الظالم، ولا أعتذر، عملت سوءا وظلمت نفسي وإلّا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، فما أتّمها ابن عون حتى أجهش «١» بالبكاء.
ومن دعاء النبيّ ﷺ : «اجعلني لك سكّارا، لك ذكّارا، لك رهّابا، لك مطيعا، إليك مخبتا، لك أوّاها منيبا، ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبّت حجّتي واهد قلبي وسدّد لساني» .
المناجاة
حدّثني عبد الله بن هارون عن سليم بن منصور عن أبيه قال: كنت بالكوفة فخرجت في بعض الليل لحاجة وأنا أظنّ أنّي قد أصبحت فإذا عليّ ليل فملت إلى بعض أبوابها أنتظر الصبح فسمعت من وراء الباب كلام رجل وهو يقول: فوعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ
стр. 774
عصيتك وأنا بنكالك جاهل، ولا بعقوبتك ولا بنظرك مستخفّ، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ، فعصيتك بجهل وخالفتك بجهل، فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي، فواسوأتاه من الوقوف بين يديك غدا! إذا قيل للمخفّين: جوزوا وللمثقلين: حطّوا؛ أفمع المثقلين أحطّ أم مع المخفّين أجوز؟ ويلي! كلّما كبرت سنّي كثرت ذنوبي؛ ويلي! كلّما طال عمري كثرت معاصيّ فمن كم أتوب! وفي كم أعود! أما آن لي أن أستحي من ربّي؟
بلغني عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان داود النبيّ ﵇ يقول في مناجاته: سبحانك إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدّ إليّ روحي، سبحانك إلهي! أتيت أطبّاء عبادك ليداووا لي خطيئتي فكلّهم عليك يدلّني.
حدّثني بعض أشياخنا قال: كان داود الطائيّ يقول: همّك عطّل عليّ الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشدّة الشفق من لقائك أوبق «١» عليّ الشهوات، ومنعني اللذّات، فأنا في طلبك أيها الكريم مطلوب. وقال: تعبّد ضيعم قائما حتى أقعد، وقاعدا حتى استلقى، ومستلقيا حتى أفحم؛ فلما جهد رفع بصره إلى السماء وقال: سبحانك، عجبا للخليقة كيف أرادت بك بدلا؟ وسبحانك، عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر غيرك؟ وعجبا للخليقة كيف أنست بسواك؟
عتبة أبو الوليد قال: كانت امرأة من التابعين تقول:
سبحانك، ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله! سبحانك ما أوحش
стр. 775
الطريق على من لم تكن أنيسه!.
أبو الحسن قال: كان عروة بن الزّبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله ومات ابنه: كانوا أربعة، يعني بنيه، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، وكنّ أربعا يعني يديه ورجليه، فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا، ليمنك «١» لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.
وفي حديث بني إسرائيل أنّ يونس ﵇ قال لجبريل ﵇: دلّني على أعبد أهل الأرض فدلّه على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره، فسمعه يقول: متّعتني ما شئت، وسلبتني حين شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بارّ يا وصول.
ومن دعاء بعض الصالحين: اللهمّ اقطع حوائجي من الدنيا بالشوق إلى لقائك، واجعل قرّة عيني في عبادتك، وارزقني غمّ خوف الوعيد، وشوق رجاء الموعود، أللهمّ إنك تعلم ما يصلحني في دنياي وآخرتي فكن بي خفيّا «٢» .
باب البكاء
حدّثني أبو مسعود الدارميّ قال: حدّثني جدّي عن أنس بن مالك قال:
جاء فتى من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وقال: إنّ أمّي تكثر البكاء وأخاف على بصرها أن يذهب؛ فلو أتيتها فوعظتها! فذهب معه فدخل فقال لها في ذلك؛ فقالت: يا رسول الله، أرأيت إن ذهب بصري في الدنيا ثم صرت إلى الجنة، أيبدلني الله خيرا منه؟ قال: «نعم» قالت: فإن ذهب بصري في الدنيا
стр. 776
ثم صرت إلى النار؛ أفيعيد الله بصري؟ فقال النبيّ ﵇ للفتى: «إنّ أمّك صدّيقة» .
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأوزاعيّ عن ثابت بن سعيد قال: ثلاث أعين لا تمسّها النار؛ عين حرست في سبيل الله؛ وعين سهرت في كتاب الله؛ وعين بكت في سواد الليل من خشية الله.
أبو حاتم عن العتبيّ قال: حدّثنا أبو إبراهيم قال: لا يكون البكاء إلا من فضل فإذا اشتدّ الحزن ذهب البكاء، وأنشد: [كامل]
فلئن بكيناه يحقّ لنا ... ولئن تركنا ذاك للكبر
فلمثله جرت العيون دما ... ولمثله جمدت فلم تجر
بلغني عن أبي الحارث الليث بن سعد عن أبيه عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: دخل يحيى بن زكريّا بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج، فنظر إلى عبّاد بيت المقدس قد لبسوا مدارع الشّعر، وبرانس الصوف، ونظر إلى متهجّديهم أو قال مجتهديهم قد خرقوا التراقي، وسلكوا فيها السلاسل، وشدّوها إلى حنايا بيت المقدس، فهاله ذلك؛ فرجع إلى أبويه فمرّ بصبيان يلعبون فقالوا: يا يحيى، هلمّ فلنلعب قال: إني لم أخلق للّعب، فذلك قول الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
«١» فأتى أبويه فسألهما أن يدرّعاه الشّعر ففعلا، ثم رجع إلى بيت المقدس فكان يخدمه نهارا ويصيح فيه ليلا، حتى أتت له خمس عشرة سنة، وأتاه الخوف فساح ولزم أطراف الأرض وغيران «٢» الشّعاب، وخرج أبواه في طلبه فوجداه
стр. 777
حين نزلا من جبال التّيه على بحيرة الأردنّ وقد قعد على شفير البحيرة وأنقع قدميه في الماء، وقد كاد العطش يذبحه وهو يقول: وعزّتك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك! فسأله أبواه أن يأكل قرصا كان معهما من شعير، ويشرب من الماء ففعل وكفّر عن يمينه فمدح بالبرّ؛ قال الله :
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
«١» وردّه أبواه إلى بيت المقدس، فكان إذا قام في صلاته بكى، ويبكي زكريّا لبكائه حتى يغمى عليه، فلم يزل كذلك حتى خرقت دموعه لحم خدّيه، وبدت أضراسه، فقالت له أمه: يا يحيى، لو أذنت لي اتخذت لك لبدا «٢» ليواري إضراسك عن الناظرين؛ قال: أنت وذاك، فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خدّيه، فكان إذا بكى استنقعت دموعه في القطعتين فتقوم إليه أمّه فتعصرهما بيديها، فكان إذا نظر إلى دموعه تجري على ذراعي أمّه قال: اللهمّ، هذه دموعي وهذه أمّي وأنا عبدك وأنت أرحم الراحمين.
بلغني عن أبي معاوية عن أبي إسحاق الخميسيّ قال: كان يزيد الرّقاشيّ يقول: ويحك يا يزيد! من يصوم عنك! من يصلّي عنك! ومن ذا يترضّى لك ربّك من بعدك! ثم يقول: يا معشر من الموت موعده، والقبر بيته ألا تبكون؟ قال: فكان يبكي حتى تسقط أشفار «٣» عينيه.
بلغني عن محمّد بن فضيل عن العلاء بن المسيّب عن الحسن قال: قال النبيّ ﷺ : «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله وقطرة دمع في
стр. 778
جوف الليل من خشيته، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة مصيبة موجعة ردّها بصبر وحسن عزاؤه، وجرعة غيظ كظم عليها» .
معتمر بن سليمان عن رجل قال: كان في وجنتي ابن عباس خطّان من أثر الدموع.
حدّثني محمّد بن داود عن سعيد بن نصير قال: حدّثنا سيّار عن جعفر قال: كنت إذا أحسست من قلبي بقسوة أتيت محمد بن واسع فنظرت إليه نظرة: قال: وكنت إذا رأيت وجهه حسبته وجه ثكلى.
وكان يقال: أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه.
تكلّم الحسن يوما حتى أبكى من حوله فقال: عجيج «١» كعجيج النساء ولا عزم، وخدعة كخدعة إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.
أبو عاصم قال: فقد مالك بن دينار مصحفه في مجلسه؛ فنظر إليهم كلّهم يبكون؛ فقال: كلّكم يبكي! فمن سرق المصحف؟.
قال عبد العزيز بن مرزوق: الكمد أبقى للحزن؛ وكانت له شعيرات في مقدّم صدغه فإذا رقّ نتفها أو مدّها إلى فوق فتقلّص دمعه.
قيل لغالب بن عبيد الله: إنا نخاف على عينك العمى من طول البكاء؛ فقال: هو لها شهادة؛ قال بعض الشعراء: [طويل]
سأبكيك حتى تنفد العين ماءها ... ويشفي منّي الدمع ما أتوجّع
وقال بعض الكتّاب في مثله: [سريع]
إبك فمن أنفع ما في البكا ... أنّه للأحزان تسهيل
стр. 779
وهو إذا أنت تأمّلته ... حزن على الخدّين محلول
قيل لعفيرة العابدة: ألا تسأمين من طول البكاء؟ فبكت ثم قالت: كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أن يكون له فيه من دائه شفاء؟
قال ابن أبي الحواريّ: رأيت أبا سليمان الدارانيّ يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: إنما أبكي لذلك الغمّ الذي ليس فيه فرح، وذلك الأمد الذي ليس له انقطاع.
قال بعضهم: أتيت الشام، فمررت بدير حرملة، وبه راهب كأنّ عينيه عدلا مزاد «١» ؛ فقلت؛ ما يبكيك؟ فقال: يا مسلم، أبكي على ما فرّطت فيه من عمري، وعلى يوم مضى من أجلي لم يتبيّن فيه عملي. قال: ثم مررت بعد ذلك فسألت عنه؛ فقالوا: أسلم وغزا فقتل في بلاد الروم.
أشعث قال: دخلت على يزيد الرّقاشيّ فقال لي: يا أشعث، تعالى حتى نبكي على الماء البارد في يوم الظمأ، ثم قال: والهفاه! سبقني العابدون وقطع بي؛ وكان قد صام ثلاثين أو أربعين سنة.
زيد الحميريّ قال: قلت لثوبان الراهب: أخبرني عن لبس النصارى هذا السواد، ما المعنى فيه؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب؛ قال:
فقلت: وكلّكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة؟ فقال: يرحمك الله! وأيّ مصيبة أعظم من مصائب الذنوب على أهلها؟ قال زيد: فلا أذكر قوله ذلك إلا أبكاني.
ابن أبي الحواريّ قال: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي؛ فقلت: ما
стр. 780
يبكيك؟ قال: يا أحمد، إنه إذا جنّ الليل وهدأت العيون وأنس كلّ خليل بخليله، فرش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم يسمع لها وقع على أقدامهم، وقد أشرف الجليل عليهم فقال: بعيني من تلذّذ بكلامي واستراح إليّ، فما هذا البكاء الذي أراه منكم؟ هل أخبركم أحد أنّ حبيبا يعذّب أحباءه؟ أم كيف أبيّت قوما، وعند البيات أجدهم وقوفا يتملّقونني! فبي حلفت أن أكشف لهم يوم القيامة عن وجهي ينظرون إليّ.
قالت خنساء: كنت أبكي لصخر من القتل، فأنا أبكي له اليوم من النار.
قال عمر بن ذرّ لأبيه: يا أبت، مالك إذا تكلّمت أبكيت الناس، وإذا تكلّم غيرك لم يبكهم؟ فقال: يا بنيّ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
وفي بعض ما أوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع، وادعني، فإني قريب.
وكان عمر يقول: استغزروا العيون بالتذكّر.
التهجد
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرني معمر والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير (١) عن أبي سلمة عن أبي زمعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند حجرة النبيّ ﷺ فكنت أسمع، إذا قام من الليل، «سبحان الله ربّ العالمين» الهويّ «١» من الليل، ثم يقول:
стр. 781
«سبحان الله وبحمده» الهويّ.
حدثنا حسين قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة قال:
سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ حتى تورّمت قدماه؛ فقيل:
يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؛ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» .
حدّثنا حسين قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت البنانيّ عن مطرّف بن عبد الله عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي ولجوفه أزير كأزيز المرجل.
بلغني عن رباح عن معتمر عن رجل قد سمّاه قال: قال يزيد الرّقاشيّ:
إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم نمت فلا نامت عيناي، وعلى الماء البارد السلام. يعني بالنهار.
وروى جرير عن عطاء بن السائب قال: قال عبيدة بن هلال الثّقفي: لا يشهد عليّ ليل بنوم ولا شمس بإفطار؛ فبلغ ذلك عمر فأقسم عليه ليفطرنّ العيدين.
وروى حمّاد بن سلمة عن أبي جعفر الخطميّ عن جدّه عمير بن حبيب قال: كان يقول لأهله: يآهلاه، الدّلجة الدّلجة، إنه من يسبق إلى الماء يظمأ؛ يآهلا، الدّلجة الدّلجة، إنه من يسبق إلى الظلّ يضحى.
قال أبو سليمان الدارانيّ: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء.
خرج عيسى ﵇ على الحواريّين، وعليهم العباء «١» وعلى
стр. 782
وجوههم النور، فقال: يا أبناء الآخرة، ما تنعّم المتنعّمون إلا بفضل نعيمكم.
وقيل للحسن: ما بال المتهجّدين من أحسن الناس وجوها؟ فقال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره.
حصين بن عبد الرحمن عن إبراهيم قال: كان رجل يقال له همام يقول: اللهمّ اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهرا في طاعتك. وكان يصبح وجمّته «١» مرجّلة؛ فيقول بعضهم لبعض: إن جمّة همام تخبركم أنه لم يتوسّدها الليلة.
قال عبد الله بن داود: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه.
وكان بعضهم يحيي الليل، فإذا نظر إلى الفجر قال: «عند الصباح يحمد القوم السّرى» «٢» .
حدّثنا حسين بن حسن قال: أخذ الفضيل بن عياض بيدي ثم قال: يا حسين، يقول الله: كذب من ادّعى محبتي وإذا أجنّه الليل نام عني، أليس كلّ حبيب يحبّ خلوة حبيبه؟ هأنذا مطّلع على أحبّائي، إذا أجنّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثّلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة وكلّموني على الحضور.
الوليد بن مسلم قال: حدّثني عبد الرحمن بن يزيد قال: كنّا نقاريء «٣» عطاء الخراسانيّ فكان يحيى الليل صلاة، فإذا مضى من الليل ثلثه أو أكثر نادانا ونحن في فسطاطنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا
стр. 783
هشام بن الغازي، قوموا فتوضّأوا وصلّوا. فإنّ قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ومن مقطّعات الحديد؛ فالوحا الوحا ثم النجاء النجاء؛ ويقبل على صلاته.
مالك بن مغول عن رجل من جعفيّ «١» عن السديّ عن أبي أراكة قال:
صلّى عليّ الغداة ثم جلس حتى ارتفعت الشمس كأنّ عليه كآبة، ثم قال:
والله، لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله ﷺ فما أرى أحدا يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثا غبرا صفرا، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم؛ إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم ريح، وانهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، وكأنهم، والله، باتوا غافلين. يريد أنهم يستقلّون ذلك.
المحاربيّ عن الإفريقيّ قال: حدّثنا أبو علقمة عن أبي هريرة قال: إنّ أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.
يعلى بن عبيد عن محمّد بن عون عن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله بن عيسى قال: كونوا ينا بيع العلم، مفاتيح الهدى، أحلاس «٢» البيوت، جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، تعرفوا في أهل السماء، وتخفوا في أهل الأرض.
стр. 784
حدّثني محمد بن داود قال: حدثنا أبو الربيع الزّهرانيّ قال: حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم: في الرجل يرى الضوء بالليل؛ قال: هو من الشيطان، لو كان هذا فضلا لأوثر به أهل بدر.
الموت
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثني عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب قال: نظرت إلى عمر بن عبد العزيز فأدمت النظر إليه؛ قال:
ما تنظر يا محمد؟ قلت: أنظر إلى ما ابيضّ من شعرك، ونحل من جسمك، وتغيّر من لونك؛ فقال: أما والله لو رأيتني في القبر بعد ثالثة؛ وقد سالت حدقتاي على وجنتيّ، وسال منخراي صديدا ودودا، لكنت أشدّ نكرة «١» .
وقال الأصمعيّ: دخلت بعض الجبابين «٢» ، فإذا أنا بجارية ما أحسبها أتت عليها عشر سنين، وهي تقول: [متقارب]
عدمت الحياة ولا نلتها ... إذا كنت في القبر قد ألحدوكا
وكيف أدوق لذيذ الكرى ... وأنت بيمناك قد وسّدوكا
قال الأزديّ: بلغني أنّ داود الطائيّ مرّ بامرأة تبكي عند قبر وهي تقول:
يا أخاه! ليت شعري: [سريع]
بأيّ خدّيك تبدّى البلى ... وأيّ عينيك إذا سالا
فصعق مكانه ثم تعبّد.
حدّثني محمد بن مرزوق قال: حدّثنا محمد بن نصر المعلّم قال:
стр. 785
حدّثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال: [متقارب]
أتيت القبور فناديتهن ... ن أين المعظم والمحتقر؟
وأين المدلّ بسلطانه؟ ... وأين المزكّي إذا ما افتخر؟
قال: فنوديت من بينها ولا أرى أحدا: [متقارب]
تفانوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثرى «١» ... فتمحو محاسن تلك الصّور
فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر؟
قال: فرجعت وأنا أبكي.
بلغني أنه قرىء على قبر بالشام: [بسيط]
باتوا على قلل «٢» الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم ... فأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا
ناداهم وصارخ من بعد ما دفنوا ... أين الأسرّة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت محجّبة ... من دونها تضرب الأستار والكلل «٣» ؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود تقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما نعموا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وقال آخر: [رمل]
ربّ قوم عبروا من عيشهم ... في نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
стр. 786
نزل النّعمان ومعه عديّ بن زيد في ظلّ شجرة عظيمة ليلهوا؛ فقال له عدي بن زيد: أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا؛ قال تقول: [رمل]
ربّ شرب «١» قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
وقال إبراهيم بن المهدي «٢» : [بسيط]
بالله ربّك كم بيت مررت به ... قد كان يعمر باللذّات والطرب
طارت عقاب المنايا في سقائفه ... فصار من بعدها للويل والحرب «٣»
أنشدنا أبو عبد الرحمن صاحب الأخفش عن الأخفش للخليل بن أحمد العروضيّ: [كامل]
كن كيف شئت فقصرك الموت ... لا مزحل عنه ولا فوت «٤»
بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوّض البيت
حدّثني يزداد بن أسد عن الطّنافسيّ قال: حدّثنا أبو محمد قال: كان مالك بن دينار يخرج إلى القبور كلّ خميس على حمار قوطرانيّ ويقول:
[وافر]
ألا حيّ القبور ومن بهنّه ... وجوه في القبور أحبهنّه
стр. 787
فلو أنّ القبور سمعن صوتي ... إذا لأجبنني من وجدهنّه
ولكنّ القبور صمتن عنّي ... فأبت بحسرة من عندهنّه
ثم يبكي ونبكي.
قال معاوية بن أبي سفيان لعبيد بن شرية الجرهميّ: أخبرني بأعجب شيء رأيته في الجاهليّة؛ فقال: إني نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث وخرجت معهم، حتى إذا واروه في حفرته انتبذت جانبا عن القوم وعيناي تذرفان ثم تمثّلت بأبيات شعر كنت أرويها قبل ذلك بزمان طويل: [بسيط]
تجري أمور ولا تدري أوائلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرّمس «١» تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال لي: يا عبد الله، هل لك علم بقائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله؛ إلا أنّي أرويها منذ زمان؛ فقال:
والذي تحلف به إنّ قائلها لصاحبنا الذي دفنّاه آنفا، وهذا الذي ترى ذو قرابته أسرّ الناس بموته، وإنك لغريب وتبكي عليه كما وصفت؛ فعجبت لما ذكره في شعره وما صار إليه من أمره وقوله، كأنه ينظر إلى مكاني من جنازته، فقلت: «إنّ البلاء موكّل بالقول» ؛ فذهبت مثلا.
قال أعرابيّ: خير من الحياة ما أذا فقدته أبغضت لفقده الحياة، وشرّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت لنزوله الموت.
стр. 788
وقال أبو زبيد «١» : [خفيف]
يملك المرء بالرجاء ويضحي ... غرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشق ... فمصيب أوصاف غير بعيد «٢»
وقال أبو العتاهية: [مجزوء الكامل]
وعظتك إجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت
وتكلّمت عن أوجه ... تبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت
وقال أعرابيّ: أبعد سفر أوّل منقلة «٣» منه الموت. وقيل لأعرابيّ: مات فلان أصحّ ما كان؛ فقال: أو صحيح من الموت في عنقه؟ وقال بعض المحدثين: [سريع]
اسمع فقد أسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت
بل كل إذا شئت وعش ناعما ... آخر هذا كلّه الموت
وكان صالح المرّيّ يقول في قصصه: [متقارب]
مؤمّل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمّل قبل الأمل
وبات يروّي أصول الفسيل «٤» ... فعاش الفسيل ومات الرجل
وقال مسلم بن الوليد: [رمل]
стр. 789
كم رأينا من أناس هلكوا ... وبكى أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهم ... ودّهم لو قدّموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
قلب الدهر عليهم وركا ... فاستداروا حيث دار الفلك
حدّثني أبي عن أبي العتاهية أنه قرىء له بيتان على جدار من جدر كنيسة القسطنطينية: [منسرح]
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا بنقل السلطان عن ملك ... كان يحبّ الدنيا إلى ملك
وقال آخر: [منسرح]
ما أنزل الموت حقّ منزله ... من عدّ يوما لم يأت من أجله
والصّدق والصّبر يبلغان بمن ... كانا قرينيه منتهى أمله
عليك صدق اللسان مجتهدا ... فإنّ جلّ الهلاك في زلله
وقال الطّرمّاح «١» : [طويل]
فيا ربّ لا تجعل وفاتي إن أتت ... على شرجع «٢» يعلى بركن «٣» المطارف
ولكن أجز يومي شهيدا وعصبة ... يصابون في فجّ من الأرض خائف «٤»
стр. 790
عصائب من شتّى يؤلّف بينهم ... هدى الله نزّالون عند المواقف
إذا فارقوا دنياهمو فارقوا الأذى ... وصاروا إلى «١» موعودها في المصاحف
فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظمي ... كضغث الخلا بين الرياح العواصف «٢»
ويصبح لحمي بطن طير «٣» مقيله ... دوين السماء في نسور عوائف «٤»
وهيب بن الورد قال: اتّخذ نوح بيتا من خصّ «٥» ، فقيل له: لو بنيت بيتا؟ فقال: هذا لمن يموت كثير.
بلغني عن إسماعيل بن عيّاش عن شرحبيل بن مسلم أن أبا الدّرداء كان إذا رأى جنازة قال: إغدي فإنّا رائحون، أو قال: روحي فإنا غادون. وهذا مثل قول لبيد «٦» : [طويل]
وإنا وإخوانا لنا قد تتابعوا ... لكالمغتدي والرائح المتهجّر
بلغني عن وكيع عن شريك عن منصور عن هلال بن إساف قال: ما من
стр. 791
مولود يولد إلا وفي سرّته من تربة الأرض التي يموت فيها. قال الأصمعيّ:
أوّل شعر قيل في ذمّ الدنيا قول ابن خذّاق «١» : [بسيط]
هل للفتى من بنات الدهر «٢» من راقي ... أم هل له من حمام الموت من واقي؟
قد رجّلوني وما رجّلت من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق «٣»
وطيّبوني وقالوا إيّما رجل ... وأدرجوني كأنّي طيّ مخراق «٤»
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي
محمد بن فضيل عن عبيد الله بن عمير قال: جاء رجل إلى النبيّ ﵇ فقال: يا نبيّ الله، مالي لا أحبّ الموت؟ فقال له: «هل لك مال» ؟
قال: نعم، قال: «قدّمه بين يديك» ؛ قال: لا أطيق ذلك؛ قال: فقال النبيّ ﵇: «إنّ المرء مع ماله إن قدّمه أحبّ أن يلحق به وإن أخّره أحبّ أن يتخلّف معه» .
المحاربيّ عن عبد الملك بن عمير قال: قيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: أنظروني؛ ثم فكر فقال: وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
«٥» قد كانت فيهم أطباء، فما أرى المداوي بقي ولا المداوى؛ هلك الناعت والمنعوت له، لا تدعوا لي طبيبا.
стр. 792
إسحاق بن سليمان عن أبي أحمد قال: كان عمر بن عبد العزيز ليس له هجّيري «١» إلا أن يقول: [طويل]
تسرّ بما يبلى وتفرح بالمنى ... كما اغترّ باللذّات في النوم حالم
نهارك، يا مغرور، سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبّه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
كم من مستقبل يوما ليس بمستكمله، ومنتظر غدا ليس من أجله؛ لو رأيتم الأجل ومسيره، وبغضتم الأمل وغروره «٢» . [كامل]
لا يلبث القرناء أن يتفرّقوا ... ليل يكرّ عليهمو ونهار
يحيى بن آدم عن عبد الله بن المبارك عن عبد الوهاب بن ورد عن سالم ابن بشير بن حجل عن أبي هريرة: أنه بكى في مرضه فقال: أما إنّي لا أبكي على دنياكم ولكنّي أبكي على بعد سفري وقلّة زادي، وأني أمسيت في صعود مهبطه على جنة أو نار، ولا أدري على أيّهما يؤخذ بي!.
أبو جناب قال: لما احتضر معاذ قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟
قالت: لا؛ ثم تركها ساعة ثم قال لها: أنظري! فقالت: نعم؛ فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار! ثم قال: مرحبا بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقة، لا أفلح من ندم! اللهمّ إنك تعلم أنّي لم أكن أحبّ البقاء في الدنيا لكري «٣» الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحبّ البقاء لمكابدة الليل الطويل ولظمأ الهواجر في الحرّ الشديد ولمزاحمة العلماء بالرّكب في حلق الذّكر
стр. 793
أبو اليقظان قال: لما احتضر عمرو بن العاص جعل يده في موضع الغل من عنقه ثم قال: اللهمّ إنك أمرتنا ففرّطنا، ونهيتنا فركبنا، اللهمّ إنه لا يسعنا إلا رحمتك؛ فلم يزل ذلك هجّيراه حتى قبض.
قيل لآزاذ مرد بن الهزبذ حين احتضر؛ ما حالك؟ فقال: ما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، وينزل حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس، ويقدم على ملك جبّار قد قدّم إليه العذر بلا حجّة! حدّثني عبدة الصفّار قال: حدّثني العلاء بن الفضل قال: حدّثني محمد ابن إسماعيل عن أبيه عن جدّه عن جدّ أبيه قال: سمعت أميّة بن أبي الصّلت عند وفاته وأغمي عليه طويلا ثم أفاق، ورفع رأسه إلى سقف البيت وقال:
لبيّكما لبيّكما، ها أنذا لديكما، لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه طويلا ثم أفاق فقال: [خفيف]
كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرّة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
ثم فاضت نفسه.
الحكم بن عثمان قال: قال المنصور عند موته: اللهمّ إن كنت تعلم أني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة منّي عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحبّ الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا أنت، منّا منك لا منّا عليك. وكان سبب إحرامه من الخضراء «١» أنه كان يوما نائما، فأتاه آت في منامه فقال: [طويل]
كأنّي بهذا القصر قد باد أهله ... وعرّي منه أهله ومنازله
стр. 794
وصار عميد القوم من بعد نعمة ... إلى جذث تبنى عليه جنادله
فلم يبق إلا رسمه وحديثه ... تبكيّ عليه معولات حلائله
فاستيقظ مرعوبا ثم نام فأتاه لآتي فقال: [طويل]
أبا جعفر، حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بدّ واقع
فهل كاهن أعددته أو منجّم ... أبا جعفر عنك المنية دافع
فقال: يا ربيع، ائتني بطهوري، فقام واغتسل وصلّى ولبّى وتجهّز للحجّ، فلما صار في الثلث الأوّل اشتدّت علّته، فجعل يقول: يا ربيع، ألقني في حرم الله، فمات ببئر ميمون «١» .
حدّثني محمد بن داود عن سعيد بن نصير عن العباس بن طالب قال:
قال الربيع بن بزّة: كنت بالشام فسمعت رجلا وهو في الموت يقال له: قل لا إله إلا الله، فقال: اشرب واسقني. ورأيت رجلا بالأهواز قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: ده يا دده، وده دوازده «٢» . وقيل لرجل بالبصرة: قل لا إله إلا الله؛ قال: [بسيط]
يا ربّ قائلة يوما وقد لغبت ... كيف الطريق إلى حمّام منجاب «٣»
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن معمر عن أبيه قال: لقّن ميّتك، فإذا قاله فدعه يتكلّم بغيرها من أمر الدنيا ولا تضجره.
стр. 795
قال مالك بن ضيغم: لما احتضر أبي قلنا له: ألا توصي؟ قال: بلى، أوصيكم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
«١» وأوصيكم بصلة الرحم وحسن الجوار وفعل ما استطعتم من المعروف، وادفنوني مع المساكين.
وقال عمر بن عبد العزيز لابنه: كيف تجدك؟ قال: في الموت؛ قال:
لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك، قال: وأنا والله لأن يكون ما تحبّ أحبّ إليّ من أن يكون ما أحبّ.
احتضر سيبويه النحويّ فوضع رأسه في حجر أخيه فقطرت قطرة من دموع أخيه على خدّه، فأفاق من غشيته وقال: [طويل]
أخيّين كنّا فرّق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا؟
أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال: قيل لهرم بن حبّان: أوص؛ فقال: قد صدقتني نفسي في الحياة، ما لي شيء أوصي فيه، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
قال الشاعر: [منسرح]
ما ارتدّ طرف امرىء بلحظته ... إلّا وشيء يموت من جسده
وقال آخر: [بسيط]
المرء يشقى بما يسعى لوارثه ... والقبر وارث ما يسعى له الرجل
حدثني محمد بن عبيد عن معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق عن أبي حيّان التيميّ عن أبيه قال: أوصى الربيع بن خيثم وأشهد على نفسه وكفى بالله
стр. 796
شهيدا وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا: إني رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، وأوصي نفسي، ومن أطاعني أن يعبد الله في العابدين ويحمده في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين؛ وأوصى أهله: ألّا تشعروا بي أحدا وسلّوني إلى ربّي سلّا.
حدّثني محمد بن أحمد بن يونس قال: سمعت عمر بن جرير المهاجريّ يقول: لما مات ذرّ بن عمر بن ذرّ قال لأصحابه: الآن يضيع الشيخ (لأنه كان به بارّا) ؛ فسمعها الشيخ فقال: أنّي أضيع والله حيّ لا يموت؟
فلما واراه التراب وقف على قبره وقال: رحمك الله يا ذرّ! ما علينا بعدك من خصاصة وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرّني أنّي كنت المقدّم قبلك، ولولا هول المطّلع لتمنّيت أن أكون مكانك، لقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فيا ليت شعري ماذا قلت وما قيل لك! ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهمّ إنّي قد وهبت حقّي فيما بيني وبينه له، فهب حقّك فيما بينك وبينه له. ثم قال عند انصرافه: مضينا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا شريح بن النعمان عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنها قالت: «توفّي رسول الله ﷺ فوالله لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها «١» ، إشرأبّ النفاق بالمدينة وارتدّت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام» . وكانت مع هذا تقول: «من رأى عمر بن الخطاب عرف أنه خلق غناء للإسلام، كان، والله، أحوزيّا «٢» نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها» . وقالت عند قبره:
стр. 797
«رحمك الله يا أبت! لقد قمت بالدين حين وهي شعبه «١» وتفاقم صدعه ورجفت جوانبه؛ انقبضت مما أصغوا إليه «٢» ، وشمّرت «٣» فيما ونوا فيه واستخففت من دنياك ما استوطنوا وصغّرت منها ما عظّموا ورعيت دينك فيما أغفلوا، أطالوا عنان الأمن واقتعدت مطيّ الحذر، ولم تهضم دينك ولم تشن غدك ففاز عند المساهمة قدحك وخفّ مما استوزروا ظهرك» . وقالت أيضا عند قبره: «نضّر الله وجهك يا أبت! فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها؛ ولئن كان أجلّ الرزايا بعد رسول الله ﷺ ، رزؤك وأكبر المصائب فقدك، إنّ كتاب الله ليعد بجميل العزاء عند أحسن العوض منك، فأنا أتنجّز من الله موعوده فيك بالصبر عليك، واستعيضه منك بالاستغفار لك؛ عليك سلام الله ورحمته، توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك» .
قال الحسين بن عليّ عند قبر أخيه الحسن: «رحمك الله أبا محمد! إن كنت لتباصر الحقّ مظانّة، وتؤثر الله عند مداحض «٤» الباطل في مواطن التقيّة بحسن الرويّة، وتستشفّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يدا ظاهرة الأطراف نقيّة الأسرّة «٥» ، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك؛ ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوّة ورضيع لبان الحكمة؛ فإلى روح وريحان وجنّة نعيم؛ أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم السّلوة
стр. 798
وحسن الأسى «١» عنه» .
حدّثني عبد الرحمن بن الحسين السعيديّ عن محمد بن مصعب أنّ ابن السمّاك قال يوم مات داود الطائيّ في كلام له: إن داود ﵀ نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين قد أذهلت الدنيا عقولكم وأماتت بحبّها قلوبكم استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه نظرت إلى حيّ وسط أموات. يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها، وإنما تريد راحتها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذّبتها ولمّا تعذّب، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا إلى الآخرة، فما أظنّك إلا وقد ظفرت بما طالبت؛ كان سيماك في سرّك ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقّهت في دينك وتركت الناس يغنّون، وسمعت الحديث وتركتهم يحدّثون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطيّة، ولا من الإخوان هدّية؛ آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس؛ فمن سمع بمثلك وصبر صبرك وعزم عزمك! لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك، سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ولا جليس معك ولا فراش تحتك ولا ستر على بابك ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، مطهرتك قلبك
стр. 799
وقصعتك تورك «١» . داود، ما كنت تشتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيّبه ولا من اللباس ليّنه، بلى! ولكن زهدت فيه لما بين يديك؛ فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت في جنب ما أمّلت، فلما متّ شهرك ربّك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أنّ ربّك قد أكرمك وشرّفك، فلتتكلّم اليوم عشيرتك بكلّ ألسنتها، فقد أوضح ربّك فضلها بك، ووالله لو لم يدع عبدا إلى خير بعمله إلا حسن هذا النّشر من كثرة هذا التّبع، لقد كان حقيقا بالإجتهاد والجهد لمن لا يضيع مطيعا ولا ينسى صنيعا شاكرا ومثيبا.
وقف محمد بن سليمان على قبر ابنه فقال: اللهمّ إني أرجوك له وأخافك عليه، فحقق رجائي وآمن خوفي.
مات ابن لأنس بن مالك فقال أنس عند قبره: اللهمّ عبدك وولد عبدك وقد ردّ إليك، فارأف به وارحمه، وجاف الأرض عن بدنه، وافتح أبواب السماء لروحه وتقبّله بقول حسن. ثم رجع فأكل وشرب وادّهن وأصاب من أهله. وقال جرير في امرأته: [كامل]
لا يلبث القرناء أن يتفرّقوا ... ليل يكرّ عليهمو ونهار «٢»
صلّى الملائكة الذين تخيّروا ... والطيّبون عليك والأبرار
وقفت أعرابيّة على قبر ابنها فقالت: والله ما كان مالك لعرسك، ولا همّك لنفسك، وما كنت إلا كما قال القائل: [طويل]
رحيب الذراع بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا «٣»
стр. 800
حدّثني محمد بن داود عن الصّلت بن مسعود قال: كان سفيان بن عيينة يستحسن شعر عديّ بن زيد «١» : [خفيف]
أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود؟
بينما هم على الأسرّة والأن ... ماط أفضت إلى التراب الخدود
ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذال الوعد كلّه والوعيد
وأطبّاء بعدهم لحقوهم ... ضلّ عنهم سعوطهم واللّدود «٢»
وصحيح أضحى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممن يعود
أخذه عليّ بن الجهم «٣» فقال: [كامل]
كم من عليل قد تخطّاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الملك بن عمير عن ربعيّ بن حراش قال:
أتيت أهلي فقيل لي: مات أخوك، فوجدت أخي مسجّى عليه بثوب، فأنا عند رأسه أترحّم عليه وأدعو له إذ كشف الثوب عن وجهه فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك السلام، سبحان الله! بعد الموت! فقال: إني تلقّيت بروح وريحان وربّ غير غضبان، وكساني ثيابا من سندس واستبرق «٤» ، وإني وجدت الأمر
стр. 801
أيسر مما تظنّون ولا تتّكلوا؛ إني استأذنت ربيّ أن أخبركم وأبشّركم، احملوني إلى رسول الله، فقد عهد إليّ ألّا أبرح حتى ألقاه ثم طفىء «١» .
حدّثني أبو سهل عن عليّ بن محمد عن إسحاق بن منصور عن عمارة ابن زاذان عن ثابت أنّ مطرّفا كان يغدو على دابّته بين المقام فأغفى فإذا أهل القبور جلوس على أشفاء «٢» قبورهم يقولون: هذا مطرّف يروح إلى الجمعة؛ قلت: هل تعرفون يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، وما تقول الطير في جوف السماء، يقولون: سلام، يوم صالح.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزّبير عن جابر قال: لما أراد معاوية أن تجري العين التي حفرها- قال سفيان: تسمّى عين أبي زياد- نادوا بالمدينة: من كان له قتيل فليأت قتيله؛ قال جابر:
فأتيناهم فأخرجناهم رطابا يتثنّون، وأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانفطرت «٣» دما. قال أبو سعيد الخدريّ: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أهل القبور يتوكّفون «٤» الأخبار فإذا أتاهم الميت سألوه: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم! فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلك به غير سبيلنا.
حدّثني عبد الرحمن العبديّ عن جعفر بن أبي جعفر قال: حدّثنا أبو جعفر السائح عن الربيع بن صبيح قال: شهدت ثابتا البنانيّ يوم مات وشهده
стр. 802
أهل البصرة، فدخلت قبره أنا وحميد الطويل وأبو جعفر حسن مما يلي رأسه فلما ذهبت أسوّي عليه اللّبنة سقطت من يدي فلم أر في اللحد أحدا، وأصغى إليّ حميد أن اختطف صاحبنا وضجّ الناس فسوّينا على اللحد وحثونا التراب؛ فلم يكن لحميد همّة حتى أتى سليمان بن عليّ وهو أمير على البصرة فأخبره، فقال: ما ينكر لله قدرة! إلا أني أنكر أن يكون أحد من أهل زماننا يفعل هذا به، فهل علم به أحد سواك؟ قال: نعم، الربيع بن صبيح وحسن؛ قال: عدلان مرضيّان، فبعث أمناء جيرانه فنبشوا عنه فلم يجدوه في قبره.
وحدّثني أيضا عن أعرابيّة كان يقال لها أمّ غسّان مكفوفة وكانت تعيش بمغزلها وتقول: الحمد لله على ما قضى وارتضى، رضيت من الله ما رضي لي، وأستعين الله على بيت ضيّق الفناء قليل الكواء «١» وأستعين الله على ما يطالع من نواحيه. وماتت جارة لها فقيل لها: ما فعلت جارتك؟ فقالت:
[متقارب]
تقسّم جاراتها بيتها ... وصارت إلى بيتها الأتلد «٢»
وقالت يوما: إن تقبّل الله مني صلاة لم يعذّبني، فقيل لها: كيف ذلك؟
قالت: لأنّ الله، ، لا يثني في رحمته وحلمه، قال: وكنت سمعت حديث معاذ «من كتبت له حسنة دخل الجنّة» ولم أدر ما تفسيره حتى سمعت أمّ غسان تقول هذا، فعرفت تأويله.
الكبر والمشيب
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن عبد الجليل بن عطيّة عن
стр. 803
شهر بن حوشب عن عمرو بن عنبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ما لم يخضبها أو ينتفها» .
أبو حاتم عن الأصمعيّ عن شيخ من بني فزارة قال: مررت بالبادية وإذا شيخ قاعد على شفير قبر، وإذا في القبور رجال كأنهم الرّماح يدفنون رجلا والشيخ يقول: [رجز]
أحثوا على الدّيسم من برد الثّرى ... قدما أبى ربّك إلا ما ترى «١»
فقلت له: من الميت؟ فقال: إبني، فقلت له: من الذين يدفنونه؟ قال:
بنوه.
حدّثنا أبو عبد الرحمن قال: دخل يونس بن حبيب المسجد يهادى «٢» بين اثنين من الكبر فقال له رجل كان يتّهمه على مودّته: بلغت ما أرى يا أبا عبد الرحمن! قال: هو ما ترى فلا بلغته. ونحوه قول الشاعر: [مخلع البسيط]
يا عائب الشيب لا بلغته
ويقال في الزبور: «من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة» . وقال محمد ابن حسّان النبطيّ: لا تسأل نفسك العام ما أعطتك في العام الماضي.
رأى ضرار بن عمرو الضبيّ له ثلاثة عشر ذكرا قد بلغوا فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه.
قال ابن أبي فنن: [بسيط]
стр. 804
من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه الثّقتان السّمع والبصر
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشباب جنون برؤه «١» الكبر
أبو عبيدة قال: قيل لشيخ: ما بقي منك؟ قال: يسبقني من بين يديّ، ويدركني من خلفي، وأنسى الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملا، وأسهر في الخلا، وإذا قمت قربت الأرض منّي، وإذا قعدت تباعدت عنّي؛ قال الشاعر: [بسيط]
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشباب جنون برؤه الكبر «٢»
قال عبد الملك بن مروان للعريان «٣» بن الهيثم: كيف تجدك؟ «٤» قال:
أجدني قد ابيضّ منّي ما كنت أحبّ أن يسودّ واسودّ منّي ما كنت أحبّ أن يبيضّ واشتدّ منّي ما أحبّ أن يلين ولان منّي ما أحبّ أن يشتدّ وقال: [رجز]
سلني أنبّئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسّحر
وقلّة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلّة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركك الحسناء في قبل الطّهر «٥»
والناس يبلون كما تبلى الشّجر
وقال حميد بن ثور «٦» : [طويل]
стр. 805
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال الكميت «١» : [منسرح]
لا تغبط المرء أن يقال له ... أمسى فلان لسنّه حكما
إن سرّه طول عمره فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما
وقال النّمر بن تولب «٢» : [طويل]
يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل؟
وقال آخر: [كامل]
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السّلامة داء «٣»
وقال أبو العتاهية: [رجز]
أسرع في نقص امرىء تمامه «٤»
وقال عبد الحميد الكاتب «٥» : [متقارب]
стр. 806
ترحّل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالآئل
فلهفي من الخلف النازل ... ولهفي على السّلف الراحل
أبكّي على ذا وأبكي لذا ... بكاء المولّهة الثاكل
تبكّي من ابن لها قاطع ... وتبكي على ابن لها واصل
تقضّت غوايات سكر الصبا ... وردّ التّقى عند الباطل
محمد بن سلّام الجمحيّ عن عبد القاهر بن السريّ قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني نظرت في سنّك فوجدتك لدتي «١» وقد بلغت الخمسين وإنّ امرأ سار إلى منهل خمسين عاما لقريب منه. فسمع به الحجاج ابن يوسف التيميّ فقال: [طويل]
إذا كانت السبعون سنّك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإنّ امرأ قد سار سبعين حجّة ... إلى منهل من ورده لقريب
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
إذا ما انقضى القرن الذي أنت منهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وقال لبيد «٢» ؛ [طويل]
أليس ورائي إن تراخت منيّتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون التي مضت «٣» ... أدبّ «٤» كأني كلّما قمت راكع
وقال آخرون مثله: [وافر]
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاثل يدنو لصيد
стр. 807
وقيل لرجل من الحكماء: مالك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: لأذكر أني مسافر؛ قال الشاعر: [طويل]
حملت العصالا الضعف أوجب حملها ... عليّ ولا أني تحنّيت من كبر
ولكنّني ألزمت نفسي حملها ... لأعلمها أنّ المقيم على سفر
ومرّ شيخ من العرب بغلام فقال له الغلام: أحصدت «١» يا عمّاه فقال: يا بنيّ، وتختضرون «٢» .
قال الحسن في موعظة له: يا معشر الشيوخ، الزرع إذا بلغ ما يصنع به؟
قالوا: يحصد قال: يا معشر الشباب، كم من زرع لم يبلغ أدركته آفة، قال الشاعر: [كامل]
الدّهر أبلاني وما أبليته ... والدّهر غيّرني وما يتغيّر
والدّهر قيّدني بخيط مبرم ... فمشيت فيه وكلّ يوم يقصر
وقال عمارة «٣» بن عقيل: [طويل]
وأدركت ملء الأرض ناسا فأصبحوا ... كأهل الدّيار قوّضوا فتحمّلوا
وما نحن إلا رفقة قد ترحّلت ... وأخرى تقضّي حاجها وترحّل «٤»
ذكر أعرابيّ الشّيب فقال: والله لقد كنت أنكر الشعرة البيضاء فقد صرت أنكر السوداء، فيا خير بدل ويا شرّ مبدول. وقال بعض الشعراء: [خفيف]
стр. 808
شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... أس إلّا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض فإن ع ... مرت شيئا أنكرت لون السواد
رأى إياس بن قتادة شعرة بيضاء في لحيته، فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بك يا ربّ من فجاءات الأمور، يا بني سعد، قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي، ولزم بيته.
قال قيس بن عاصم: الشيب خطام «١» المنيّة.
قال آخر: الشيب بريد الحمام.
قال آخر: الشيب توأم الموت.
قال آخر: الشيب تاريخ الموت.
قال آخر: الشيب أوّل مراحل الموت.
قال آخر: الشّيب تمهيد الحمام.
قال آخر: الشيب عنوان الكبر.
قال عبيد «٢» بن الأبرص: [مخلع البسيط]
والشّيب شين لمن يشيب
ويقال: شيب الشّعر موت الشّعر، وموت الشعر علّة موت البشر. قال الشاعر: [طويل]
وكان الشباب الغضّ لي فيه لذة ... فوقّرني عنه المشيب وأدّبا
فسقيا ورعيا للشباب الذي مضى ... وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا
стр. 809
وقال أعرابيّ- ويقال هي لأبي دلف «١» -: [بسيط]
في كل يوم من الأيام نابتة ... كأنما نبتت فيه على بصري
لئن قرضتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همّي ولا فكري
وقال أعرابيّ: [طويل]
أرى الشّيب مذ جاوزت خمسين دائبا ... يدبّ دبيب الصبح في غسق الظّلم
هو السّمّ إلا أنه غير مؤلم ... ولم أر مثل الشيب سمّا بلا ألم
وقال آخر «٢» : [كامل]
قصر الحوادث «٣» خطوه فتدانى ... وحنين صدر «٤» قناته فتحانى
صحب الزمان على اختلاف فنونه ... فأراه منه شدّة وليانا
ما بال شيخ «٥» قد تخدّد لحمه ... أنضى «٦» ثلاث عمائم ألوانا
سوداء داجية «٧» وسحن مفوّف ... وأجدّ أخرى «٨» بعد ذاك هجانا
ثم الممات وراء ذلك كلّه ... وكأنما يعنى بذاك سوانا «٩»
стр. 810
وقال آخر يذكر الشباب: [بسيط]
لما مضى ظاعنا «١» عنا فودّعنا ... وكان كالميت لم يترك له عقبا
عدنا إلى حالة لا نستطيع لها ... وصل الغوانى وعاب الشيب من لعبا
وقال محمود الورّاق «٢» : [مجزوء المتقارب]
بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرا «٣» ... بعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقا «٤» ... وجاء بشير الأجل
طوى صاحب صاحبا ... كذاك انتقال الدّول «٥»
وقال أبو الأسود «٦» يذمّ الشباب: [طويل]
غدا منك أسباب الشباب فأسرعا ... وكان كجار بان يوما فودّعا
فقلت له فاذهب ذميما فليتني ... قتلتك علما قبل أن تتصدّعا
جنيت عليّ الذنب ثم خذلتني ... عليه فبئس الخلّتان هما معا
وكنت سرابا ما ضحا «٧» إذ تركتني ... رهينة ما أجني من الشرّ أجمعا
وقال آخر: [كامل]
استنكرت شيبي فقلت لها ... ليس المشيب بناقص عمري
следующие страницы →