Полный текст (1 325 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
يجعلنا وإيّاكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعته غفله، ولا تحلّ به بعد الموت فزعة؛ إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعّال لما يريد.
وفي خطبة «١» المأمون يوم الأضحى بعد التكبير الأوّل:
إنّ يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظّم حرمته، ووفّق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذّبح نبيّه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومتقدّم الأيام المعدودات من النّفر «٢» ؛ يوم حرام من أيّام عظام، في شهر حرام، يوم الحجّ الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جلّ وعزّ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ
«٣» الآيات؛ فتقرّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظّموا شعائر الله واجعلوها من طيّب أموالكم وبصحّة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
«٤» ، ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبيّ والوصية بالتقوى، ثم قال بعد ذكر الجنة والنار: عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العملين «٥» وطالت مدّة الفريقين. الله الله! فوالله إنّه الجدّ لا اللّعب، وإنه الحقّ لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص والصّراط ثم العقاب والثّواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز،
стр. 737
ومن هوى يومئذ فقد خاب. الخير كلّه في الجنّة، والشرّ كله في النار.
وفي خطبة «١» المأمون يوم الفطر بعد التكبير الأوّل:
إنّ يومكم هذا يوم عيد وسنّة وابتهال ورغبة، يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حجّ بيته الحرام، فجعله خاتمة الشهر وأوّل أيام شهور الحجّ، وجعله معقّبا لمفروض صيامكم ومتنفّل قيامكم، أحلّ فيه الطعام لكم وحرّم فيه الصيام عليكم؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال، لا كبير مع استغفار، ولا صغير مع إصرار. ثم التكبير والتحميد وذكر النبيّ ﵇ والوصيّة بالتقوى. ثم قال: فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، لم يحتضر «٢» الشكّ فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقل بعده عثرة، ولا تحظر قبله توبة.
واعملوا أنه لا شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه. ولا يعين على جزعه وعلزه «٣» وكربه، ولا يعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به. فمن زلّت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرّجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه. فالله الله عباد الله! وكونوا قوما سألوا الرّجعة فأعطوها إذ منعها الذين حذّركم الله، واتّقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به، وما يملّ «٤» في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛
стр. 738
فقد حكى الله لكم ما قال المفرّطون عندها إذ طال إعراضهم عنها، قال:
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
«١» الآية. وقال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
«٢» . ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإنه كلّ ما لها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها.
وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذمّ كتاب الله لها ونهي الله عنها، فإنه يقول: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
«٣» وقال: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
«٤» الآية. فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أنّ قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنّة بما تركوا منها.
كلام من أرتجّ عليه
حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عيسى بن عمر قال: خطب أمير مرّة فانقطع فخجل، فبعث إلى قوم من القبائل عابوا ذلك ولفّهم «٥» وفيهم يربوعيّ جلد، فقال: اخطبوا؛ فقام واحد فمرّ في الخطبة، حتى إذا بلغ أما بعد قال: أما بعد أما بعد، ولم يدر ما يقول، ثم قال: فإنّ امرأتي طالق ثلاثا، لم أرد أن أجمع اليوم فمنعتني. وخطب آخر، فلما بلغ أما بعد بقي ونظر فإذا
стр. 739
إنسان ينظر إليه، فقال: لعنك الله! ترى ما أنا فيه وتلمحني ببصرك أيضا!.
قال: وقال أحدهم: رأيت القراقير «١» من السّفن تجري بيني وبين الناس. قال:
وصعد اليربوعيّ فخطب فقال: أمّا بعد، فوالله ما أدري ما أقول ولا فيم أقمتموني، أقول ماذا؟ فقال بعضهم: قل في الزيت؛ فقال: الزيت مبارك، فكلوا منه وادّهنوا. قال: فهو قول الشّطّار «٢» اليوم إذا قيل: لم فعلت ذا، فقل في شأن الزيت وفي حال الزيت.
ولما أتى يزيد بن أبي سفيان الشام واليا لأبي بكر ﵁، خطب فأرتج «٣» عليه، فعاد إلى الحمد لله فأرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه، فقال: يا أهل الشّام، عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا، ومن بعد عيّ بيانا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل. ثم نزل. فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه.
صعد ثابت قطنة «٤» منبرا بسجستان فحمد الله ثم أرتج عليه، فنزل وهو يقول: [طويل]
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها على المنبر كنت أخطب الناس.
وارتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فمكث ساعة ثم
стр. 740
قال: والله ولا أجمع عليكم عيّا ولؤما، من أخذ شاة من السّوق فهي له وثمنها عليّ.
وارتج على خالد بن عبد الله القسريّ فقال: إنّ هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب «١» أحيانا، وربما طلب فأبى وكوبر فعسا «٢» ، فالتّأنّي لمجيّه، أيسر من التّعاطي لأبّيه؛ وقد يختلط من الجريء جنانه «٣» ، وينقطع من الذّرب «٤» لسانه، فلا يبطره ذلك ولا يكسره؛ وسأعود إن شاء الله.
وارتج على معن بن زائدة فضرب المنبر برجله ثم قال: فتى حروب لا فتى منابر.
وكان عبد ربّه اليشكريّ عاملا لعيس بن موسى على المدائن، فصعد المنبر فحمد الله وارتج عليه فسكت، ثم قال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري، ولقد كنت وما في الأيّام يوم أحبّ إليّ من يوم الجمعة، فصرت وما في الأيام يوم أبغض إليّ من يوم الجمعة، وما ذلك إلّا لخطبتكم هذه.
صعد روح بن حاتم المنبر، فلما رأى جمع الناس حصر «٥» ، فقال: نكّسوا
стр. 741
رؤوسكم وغضّوا أبصاركم، فإنّ أوّل مركب صعب، وإذا يسّر الله فتح قفل تيسّر.
ودعي رجل ليخطب في نكاح فحصر، فقال: لقّنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله؛ فقالت امرأة حضرت: ألهذا دعوناك! أماتك الله!.
قال عبيد الله بن زياد: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد والتشرّف للخطب.
قيل لعبد الملك: عجّل عليك الشّيب؛ فقال: كيف لا يعجّل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرّة أو مرتين.
وولي رجل من بني هاشم يعرف بالدّندان بحر اليمامة، فلمّا صعد المنبر أرتج عليه، فقال: حيّا الله هذه الوجوه وجعلني فداءها، إنّي قد أمرت طائفي بالليل ألّا يرى أحدا إلا أتاني به ولو كنت أنا إياه ثم نزل.
المنابر
قال بعض المفسّرين في قول الله جلّ وعزّ: وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ
«١» إنّه المنبر، وقال: الشاعر: [بسيط]
لنا المساجد نبنيها ونعمرها ... وفي المنابر قعدان لنا ذلل
فلا نقيل عليها حين نركبها ... ولا لهنّ لنا من معشر بدل
وقال الكميت يذكر بني أميّة: [طويل]
مصيب على الأعواد يوم ركوبه ... لما قال فيها، مخطىء حين ينزل
يشبّهها «٢» الأشباه وهي نصيبه ... له مشرب منها حرام ومأكل
стр. 742
وقال بعض المحدثين [طويل]
فما منبر دنّسته باست أفكل «١» ... بزاك ولو طهّرته بابن طاهر
ومرّ الأقيشر «٢» بمطر بن ناجية اليربوعيّ حين غلب على الكوفة في أيام الضّحّاك بن قيس الشّاري ومطر يخطب، فقال: [كامل]
إبني تميم ما لمنبر ملككم ... لا يستمرّ قعوده يتمرمر «٣»
إنّ المنابر أنكرت أشباهكم ... فادعوا خزيمد يستقرّ المنبر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا ... مطرا لعمرك بيعة لا تظهر
واستخلفوا مطرا فكان كقائل ... بدل بعمرك من أميّة أعور
خطب «٤» قتيبة بن مسلم على منبر خراسان فسقط القضيب من يده، فتفاءل له عدوّه بالشرّ واغتمّ صديقه، فعرف ذلك قتيبة فقال: ليس الأمر على ما ظنّ العدوّ وخاف الصديق، ولكنه كما قال الشاعر: [طويل]
فألقت عصاها واستقرّ «٥» بها النوّى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقال واثلة بن خليفة السّدوسيّ يهجو عبد الملك بن المهلّب «٦» : [طويل]
стр. 743
لقد صبرت للذّلّ أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب
بكى المنبر الغربيّ إذ قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب
تم كتاب العلم وهو الكتاب الخامس من عيون الأخبار لابن قتيبة ﵀، ويتلوه في الكتاب السادس كتاب الزهد.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين.
صورة ما كتبه الناسخ بخطه في آخر النسخة الفتوغرافية
كتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
وقال بعضهم: بني الإسلام على خمسة؛ التواضع عند الدولة، والعفو عند القدرة، والسخاء مع القلّة، والعطيّة من غير منّة، والنصيحة للعامّة.
وقال بعض الشعراء في الصبر: [كامل]
وإذا ابتليت بمحنة فالبس لها ... ثوب السكوت فإنّ ذلك أسلم
لا تشكونّ إلى العباد فإنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ويروى للشافعيّ ﵁: [وافر]
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
стр. 744
وقد نهجو الزمان بغير جرم ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
فدنيانا التّصنّع والترائي ... ونحن به نخادع من يرانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضا عيانا
стр. 745
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الزهد
ما أوحى الله جل وعز الى انبيائه ﵈
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا خلف بن تميم عن أبي عصمة الشاميّ عن ابن أخت وهب بن منبّه عن وهب قال: أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرمياء حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أنّ لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وأنّي تذكرت صلاح آبائهم، فعطّفني ذلك على أبنائهم، سلهم كيف وجدوا غبّ طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي! إنّ الدوابّ تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإنّ هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم، والتمسوا الكرامة من غير وجهها.
أما أحبارهم فأنكروا حقّي؛ وأما قرّاؤهم فعبدوا غيري؛ وأمّا نسّاكهم فلم ينتفعوا بما علّموا من حكمتي؛ وأمّا ولاتهم فكذبوا عليّ وكذّبوا رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعوّدوا الكذب ألسنتهم؛ وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيّجنّ عليهم جنودا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم؛ ولأبتعثنّ فيهم ملكا جبّارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال العجاج، كأنّ خفقان راياته طيران النسور، وكأنّ حمل فرسانه كرّ
стр. 746
العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة. فياويل إيلياء «١» وسكانها! كيف أذلّلهم للقتل، وأسلّط عليهم السّباء، وأعيد بعد لجب الأعراس صراخ الهام، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرفات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء الشّرج رهج العجاج. ولأبدلنّ رجالهم بتلاوة الكتاب انتهار الأرباب، وبالعزّ الذلّ، وبالنعمة العبوديّة. ولأبدلنّ نساءهم بالطّيب التراب، وبالمشي على الزّرابيّ الخبب «٢» ؛ ولأجعلنّ أجسادهم زبلا للأرض، وعظامهم ضاحية للشمس. وفي رواية أخرى: ولأدوسنّهم بألوان العذاب، حتى لو كان الكائن خاتما في يميني لوصلت الحرب إليه؛ ثم لآمرنّ السماء فلتكوننّ طبقا من حديد، والأرض فلتكوننّ سبيكة من نحاس، فإن أمطرت السماء وأنبتت الأرض شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم، ثم أحبسه في زمن الزرع وأرسله في زمن الحصاد، فإن زرعوا خلال ذلك شيئا سلّطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا صرفت وجهي عنهم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب: أنّ الله، ، أوحى إلى موسى بن منسى بن يوسف أن قل لقومك: إني بريء ممن سحر أو سحر له، أو تكهّن أو تكهّن له، أو تطيّر أو تطيّر له؛ من آمن بي صادقا فليتوكّل عليّ صادقا، فكفى بي مثيبا؛ ومن عدل عنيّ ووثق بغيري فإني
стр. 747
خير شريك أردّ عليه ما توسّل به إليّ، وأكله إلى من توكل عليه؛ ومن وكلته إلى غيري فليستعدّ للفتنة والبلاء.
وحدّثني بهذا الإسناد قال: أوحى الله إلى داود ﵇ في الزّبور:
يا عبدي الشكور، إني قد وهبت لك الزّبور، وأتبعته بنصح منّي من أعين السطور، ومن الوحي المحفوظ المحجوب من وراء الستور، فاعبدني به في الأيام والليالي والشهور؛ وأحببني من كلّ قلبك، وحبّبني إلى خلقي، وأبغض من عبادي كلّ منافق جهول، قال: يا ربّ كيف أحبّبك إلى خلقك؟ قال:
تذكّرهم آلائي.
وبهذا الإسناد قال: أنزل الله على إبراهيم ﵇ عشرين صحيفة، وكانت صحفه أمثالا وعبرا وتسبيحا وتمجيدا وتهليلا، فكان فيها؛ أيها الملك المسلّط المغرور المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولتبني المدائن والحصون، ولكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر.
وبهذا الإسناد أن الله تعالى قال لشعيا: قم في قومك أوح على لسانك؛ فلما قام شعيا أنطق الله لسانه بالوحي، فقال: يا سماء استمعي، يا أرض أنصتي، فأنصتت الأرض واستمعت السماء؛ فقال: إن الله يقول لكم:
إني استقبلت بني إسرائيل بالكرامة وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها، فآويت شاذّتها، وجمعت ضالتها، وجبرت كسيرها، وداويت مريضها، وأسمنت مهزولها؛ فبطرت فتناطحت، فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير. إنّ الحمار مما يتذكر آريّه «١» الذي شبع عليه
стр. 748
فيراجعه، وإنّ الثور مما يتذكر مرجه الذي يمن فيه فينتابه، وإنّ البعير مما يتذكر وطنه الذي نتج فيه فينزع إليه، وإنّ هؤلاء القوم لا يذكرون أنّي جاءهم الخير وهم أهل الألباب وأهل العقول، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلا فاسمعوه: قل لهم: كيف ترون في أرض كانت زمانا من زمانها خربة مواتا لا حرث فيها، وكان لها ربّ قويّ حليم، فأحاط عليها سياجا وشيّد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا وصنّف فيها غراسا من الزيتون والرّمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار، وولّى ذلك ذا رأي وهمّة حفيظا قويّا أمينا؛ فلما جاء إبّان إثمارها أثمرت خرّوبا، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟ قالوا:
كنا نقول: بئست الأرض أرضك، ونشير عليه أن يقلع سياجها، ويهدم قصرها، ويدفن نهرها، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتا لا عمران فيها؛ قال الله تعالى: قل لهم، إن السياج ذمتي، وإنّ القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبيّ، وإن الغرس مثل لهم، والخرّوب أعمالهم الخبيثة؛ وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، يتفزّبون إليّ بذبح الغنم والبقر وليس ينالني اللحم ولا آكله. ويدعون أن يتقرّبوا إليّ بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التي حرّمتها ويشيّدون لي البيوت ويزوّقون لي المساجد؛ وأيّ حاجة بي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى تزويق المساجد ولست أدخلها؛ إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبّح، وينجّسون أنفسهم وعقولهم وقلوبهم ويخرّبونها، يقولون: لو كان يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان يقدر على أن يفقّه قلوبنا لفقّهها. فاعمد إلى عودين يابسين فاكتب فيهما كتابا ثمّ ائت ناديهم أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تعودا عودا واحدا؛ فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عودا واحدا، وصار الكتاب في طرفي العود كتابا واحدا: يا معشر القبائل، إن الله يقول لكم: إني قدرت على أن أفقّه العيدان اليابسة وعلى أن أؤلّف بينها؛ فكيف لا أقدر على أن أجمع
стр. 749
ألفتكم إن شئت؟ أم كيف لا أقدر على أن أؤلّف قلوبكم؟ يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلّينا فلم تنوّر صلاتنا وزكّينا فلم تزك زكاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، في كلّ ذلك كلا يسمع منّا ولا يستجاب لنا؛ قال الله ﵎: سلهم لم ذلك؟ وما الذي منعني أن أجيبهم؟
ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟
ألأنّ خزائني فنيت؟ كيف ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء؟ أم لأن ذات يدي قلّت؟ كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يغلقها غيري؟ أم لأنّ رحمتي ضاقت؟ كيف ورحمتي وسعت كلّ شيء؟ وإنما يتراحم بفضلها المتراحمون! أم لأنّ البخل يعتريني؟ كيف وأنا النفاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سئل؟ ولكن كيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور ويتقوّون عليه بطعمة الحرام؟ كيف أنوّر صلاتهم وقلوبهم صاغية إليّ من يحادّني وينتهك محارمي؟ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والعمل من ذلك بعيد؟ أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم؟ إنما أجزي عليها المغصوبين. وإنّ من علامة رضاي رضا المساكين.
قال وهب: وفيما ناجى الله به موسى ﵇: لا تعجبكما زينة ولا ما متّع به، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين.
ولو شئت أن أزيّنكما بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أنّ مقدرته تعجز عما أوتيتما فعلت، ولكنّي أرغب بكما عن ذلك وأزويه «١» عنكما؛ وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وإني لأحميهم عيشها وسلوتها «٢» كما يجنب الراعي الشفيق إبله مبارك العرّ «٣» ، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي
стр. 750
سالما موفّرا لم يكلمه الطمع ولم يطبّعه «١» الهوى. واعلم أنه لن يتزيّن العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، إنما هي زينة الأبرار عندي، وأنقى ما تزيّن به العباد في عيني عليهم منها، لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم النحول والسجود، أولئك أوليائي حقا. فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك.
واعلم أنه من أهان لي وليّا أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرّضني لنفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظنّ الذي يحاربني فيهم أنهم يقوم لي؟ أم يظنّ الذي يعاديني فيهم أنه يعجزني؟ أم يظنّ الذي يبادرني إليهم أنه يسبقني أو يفوتني؟ كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكل نصرهم إلى غيري؟
وفي التوراة: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ بطور سيناء: يا موسى بن عمران صاحب جبل لبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الديّان؛ لا تستذلّ الفقير، ولا تغبط الغنيّ بشيء يسير؛ وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوة وحيي طائعا؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين.
وفيما أوحى الله إلى عيسى ﵇: أنزلني من نفسك كهمّك، واجعلني ذخرك في معادك، وتقرّب إليّ بالنوافل أدنك، وتوكّل عليّ أكفك، ولا تولّ غيري فأخذلك؛ اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرّتي فيك، فإنّ مسرّتي أن أطاع، وأحي ذكري بلسانك، وليكن ودّي في قلبك؛ تيقّظ لي في ساعات الغفلة، وكن راهبا لي وراغبا إليّ. أمت قلبك بالخشية؛ راع الليل لتحرّي مسرّتي، واظمأ لي نهارك لليوم الذي عندي؛ نافس في
стр. 751
الخيرات جهدك. قم في الخليقة بعدلي، واحكم فيهم بنصيحتي، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس ما في الصدور من مرض الشيطان، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال؛ ولا تكن حلسا «١» كأنك مقبور وأنت حيّ تتنفّس. إكحل عينيك بملمول «٢» الحزن إذا ضحك البطّالون. إبك على نفسك أيّام الحياة بكاء من قد ودّع الأهل وقلى الدنيا، وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه. طوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين! ترجّ من الدنيا يوما فيوما، وارض بالبلغة، وليكفك منها الخشن. تذّوق مذاقة ما قد خلا أين طعمه! وما لم يأت أين لذّته! لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي لذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه.
وفيما قال للحواريّين: بحقّ أقول لكم: إنّ شجر الأرض بمطر السماء تعيش وتزكو، وكذلك القلوب بنور الحكمة تبصر وتهتدي؛ بحقّ أقول لكم:
إنه من ليس عليه دين أروح وأقلّ همّا ممن عليه دين وإن حسن قضاؤه، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح وأقلّ همّا ممن عمل بها وإن حسنت توبته. إنّ الدابة تزداد على كثرة الرياضة خيرا، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة. إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وإنّ القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة. كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العجب. يا بني إسرائيل، استمعوا قولي، فإنّ مثل من يستمع قولي ثم يعمل به مثل رجل حكيم أسس بنيانه على الصّفا «٣» ، فمطرت السماء وسالت الأودية وضربته الرياح فثبت بنيانه ولم يخرّ، ومثل الذي يستمع قولي
стр. 752
ثم لا يعمل به مثل رجل سفيه أسّس بنيانه على الرمل، فمطرت السماء وسالت الأودية وهاجت الريح فضربته فسقط بنيانه. يا بني إسرائيل، ما يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها! وما يغني عن العالم كثرة العلم وهو لا يعمل به!. بحقّ أقول لكم: إنّ قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حقّقها بعمله. بحقّ أقول لكم: لو وجدتم سراجا يتوقّد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم بنوره ولم يمنعكم منه نتن قطرانه، فكذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها عنده.
بلغني عن محمد بن فضيل عن عمران بن سليم قال: بلغني أنّ عيسى ابن مريم قال لأصحابه: إن كنتم إخواني وأصحابي فوطّنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس؛ إنكم لا تدركون ما تطلبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تحبّون إلا بالصبر على ما تكرهون. إياكم والنّظرة، فإنها تزرع في القلب الشهوة. طوبى لمن كان بصره في قلبه ولم يكن قلبه في بصره! قال: وبلغني أنّ عيسى خرج على أصحابه وعليه جبّة من صوف وكساء وتبّان «١» حافيا مجزوز الرأس والشاربين باكيا شعثا مصفرّ اللون من الجوع يابس الشّفتين من العطش، طويل شعر الصدر والذراعين والساقين؛ فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلها، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي «٢» في الشتاء مشارق الشمس، وطعامي ما تيسّر، وفاكهتي وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف، وشعاري الخوف، وجلسائي الزّمني «٣» والمساكين، أصبح
стр. 753
وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيّب النفس غنيّ مكثر، فمن أغنى وأربح مني!.
وقرأت في بعض الكتب: عبدي! ما يزال ملك كريم قد صعد إليّ منك بعمل قبيح؛ أتقرّب إليك بالنّعم، وتتمقّت إليّ بالمعاصي؛ خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد.
وفي التوراة: لعلّك يا إسرائيل إذا أنت خرجت من البرّيّة فدخلت الأرض المقدّسة، أرض بني آبائك إبراهيم وإسحاق، فإنها تفيض برّا وشعيرا ولبنا وعسلا، فورثت بيوتا بناها غيرك وعصرت كروما غرسها غيرك، فأكلت وشربت وتنعّمت بشحم لباب القمح، ضرّبت بيدك إلى صدرك ورمحت كما ترمح الدابّة برجليها، وقلت: بشدّتي وبقوّتي وبأسي ورثت هذه الأرض وغلبت أهلها، ونسيت نعمتي عليك! فأقذف الرّعب في صدرك إذا أنت لقيت عدوّك، وإذا هبّت الريح فتقعقع لها ورق الشجر انهزمت، فأقلّ رجالك، وأرمّل نساءك، وأيتّم أبناءك، وأجعل السماء عليك نحاسا والأرض حديدا، فلا السماء تمطر ولا الأرض تنبت، وأقلّ لك البركة حتى تجتمع نسوة عشر يختبزن في تنوّر واحد.
بلغني عن عبد الرحمن المحاربيّ عن جعفر بن برقان قال: بلغني عن وهب بن منبّه قال: أجد في الكتاب أنّ قوما يتدّينون لغير العبادة، ويختلون «١» الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون مسوك «٢» الضأن على قلوب الذئاب، ألسنتهم
стр. 754
أحلى من العسل وأنفسهم أمرّ من الصبر، أبى يغترّون! أم إياي يخادعون! أقسمت لأبعثنّ عليهم فتنة يعود الحليم فيها حيران.
وقرأت في الإنجيل: «لا تجعلوا كنوزكم في الأرض حيث يفسدها السّوس والدود وحيث ينقب السراق، ولكن اجعلوا كنوزكم في السماء فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم. إنّ العين هي سراج الجسد فإذا كانت عينك صحيحة فإن جسدك كلّه مضيء. وإنه لا يستطيع أحد أن يعمل لربّين اثنين إلا أن يحبّ أحدهما ويبغض الآخر، ويوقّر أحدهما ويهين الآخر، فكذلك لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال. ولا يهمّنّكم ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون، أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟
أنظروا إلى طير السماء فإنهنّ لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهراء «١» ، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنّ، أفلستم أفضل منهنّ؟
وأيّكم الذي إذا جهد قدر أن يزيد في طوله ذراعا واحدا! فلم تهتمون باللباس؟ اعتبروا بسوس «٢» البرّيّة فإنه لا يعمل ولا يغزل، أنا أقول: إنّ سليمان بوقاره «٣» لم يستطع أن يلبس كواحدة منه؛ فإذا كان الله يلبس عشب الأرض الذي ينبت اليوم ويلقى في النار غدا أفلستم يا قليلي الإيمان أفضل منه؟ ولا نهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس، فإنه إنما يهتمّ لذلك ابن الدنيا؛ وإنّ أباكم الذي في السماء يعلم أنّ ذلك ينبغي لكم؛ فابدأوا فالتمسوا ملكوت الله وصدّيقيّته «٤» ، فإنكم سوف تكفون. ولا يهمّنّكم ما في غد، فإنّ غدا مكتف بهمه، وحسب اليوم شرّه. وكما تدينون تدانون، وبالمكيال الذي
стр. 755
تكيلون يكال لكم. وكيف تبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر السارية في عينك؟ لا تعطوا الكلاب القدس، ولا تلقوا لؤلؤكم للخنازير. سلوا تعطوا، وابتغوا تجدوا، واستفتحوا يفتح لكم، وانظروا الذي تحبّون أن يأتي الناس إليكم فاتوا إليهم مثله. أدخلوا الباب الضيّق، فإنّ الباب والطريق إلى الهلكة عريضان، والذين يسلكونهما كثير. وما أضيق الباب والطريق اللذين يبلّغان إلى الحياة! والذين يسلكونهما قليل» .
وقال له رجل: أتبعك حيث ذهبت؛ فقال له عيسى: للثعالب جحرة، ولطير السماء كنان، وليس لابن الإنسان مكان يسند فيه رأسه.
وقال له رجل من الحواريّين: أتأذن لي أن أدفن أبي؟ فقال له: دع الموتى يدفنون موتاهم واتبعني. وقال للحواريّين: لا تتزوّدوا شيئا، فإنّ العائل محقوق أن يطعم قوته، وإني أرسلكم كالخرفان بين الذئاب، فكونوا حلماء كالحيّات وبلها كالحمام. وإذا دخلتم البيت فسلّموا على البيت، فإن كان ذلك البيت أهلا لسلامكم فليصبهم، وإن لم يكن أهلا لسلامكم فإنه يرجع إليكم.
ومن لم يؤوكم ويسمع لقولكم، فإذا خرجتم من قريته فانفضوا الغبار عن أرجلكم.
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: كان فيما ناجى به عزير «١» ربّه: اللهمّ فإنّ لك من كلّ خلق خلقته خيرة اخترتها، وإنك اخترت من النبات الحبلة «٢» ، ومن المواشي الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن
стр. 756
البيوت بيت إيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس، ومن جميع الخلائق آدم، ومن ولد آدم نوحا، ومن ولد نوح إبراهيم، ومن ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق، ومن ولد إسحاق إسرائيل؛ اللهمّ فاصبحت خيرتك قد تمّت ونفذت في كلّ ما اخترت إلا ما كان من ولد خليلك إبراهيم، فإنّهم أصبحوا أعبدا لأهل معصيتك وخولا لأعدائك، فما الذي سلّط علينا ذلك؟ أمن أجل خطايانا؟
فالخاطئون ولدونا، أو من أجل ضعفنا؟ فمن ضعف خلقنا؛ قال: فجاءني الملك فكلّمني، فبينما أنا كذلك سمعت صوتا هالني فنظرت، فإذا امرأة حاسرة عن رأسها، ناشرة شعرها، شاقّة جيبها، تلطم وجهها. وتصرخ بأعلى صوتها، وتحثو التراب على رأسها، فأقبلت عليها وتركت ما كنت فيه، فقلت لها: ما بالك أيتّها المرأة وما الذي دهاك؟ أخبريني خبرك، فقد أصابت المصائب غيرك؛ قالت: إليك عنّي أيها الرجل، فإن ربّي هو الذي أبكاني، ومصيبتي أعظم مما ترى؛ فقلت: فإنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، وعوضا من كلّ فائت، فإياه فاستعيني، وإلى نظره لك فانظري؛ قالت: إني كنت امرأة كثيرا مالي، عظيما شرفي، وكنت عاقرا لا ولد لي، وكنت عند بعل له نسوة معي وكلّهن ولد له غيري، فملن به لحبّ الولد فصرف وجهه عنّي، فحزنت وحزن أهلي وصديقي، فلما رأيت هواني عليه وسقوط منزلتي عنده، رغبت إلى ربي ودعوته فأجابني، واستوهبته غلاما فوهبه لي، فقرّت به عيني، وفرح أهلي، وعطّف الله به زوجي، وقطع عنّي ألسنة ضرائري، فربّيت غلاما لم تحمل أنثى مثله حسنا وجمالا ونضرة وتماما، فلما بلغ أشدّه وكمل به سروري خطبت عليه عظيمة قومي، وبذلت دونه مالي، وخرجت من خلعتي «١» ، وجمعت رجال قومي، فخرج يمشي بينهم حتّى دخل
стр. 757
بيته، فلما قعد على سريره، خرّ منه فاندقّت عنقه فمات ابني وضلّ عملي وبطل نصيبي وتلف مالي، فخرجت إلى هذه البرّيّة أبكيه فيها لا أريد أن أرى أثرا من آثاره ولا أحدا من أصحابه، ولن أبرح أبكيه حتّى ألحق به. قال عزير: اذكري ربّك وراجعيه، فقد أصابت المصائب غيرك أما رأيت هلاك إيلياء وهي سيّدة المدائن وأمّ القرى؟ أو ما رأيت مصيبة أهلها وهم الرجال؟
قالت: إي، رحمك الله! إن هذا ليس لي بعزاء وليست لي بشيء منه أسوة، إنما تبكي مدينة خربت، ولو تعمر عادت كما كانت، وإنما تبغي قوما وعدهم الله الكرّة على عدوّهم، وأنا أبكي على أمر قد فات، وعلى مصيبة لا أستقيلها «١» ؛ قال عزير: فإنه خلق لما صار إليه، وكلّ شيء خلق للدنيا فلابدّ أن سيفنى، أما رأيت مدينتنا أصبحت خاوية على عروشها بعد عمارتها، وأوحشت بعد أنسها وأثاثها؟ أو ما رأيت مسجدنا كيف غيّر حسنه، وهدم حصنه، وأطفىء نوره؟ أو ما رأيت عزّ أهلها كيف ذلّ، وشرفهم كيف خمل، ومجدهم كيف سقط، وفخرهم كيف بطل؟ أو ما رأيت كتاب الله كيف أحرق، ووليّ الله كيف رفع، وتابوت السكينة «٢» كيف سبي؟ أو ما رأيت نساء الملوك وبناتهم في بطون الأسواق حاسرات عن السّوق والوجوه والأشعار؟ أو ما رأيت الأشياخ الذين على وجوههم النور والسكينة مقرّنين في الحبال والقطار «٣» ! أو ما رأيت
стр. 758
الأحبار والرهبان مصفّدين في الإسار؟ أو ما رأيت أبناء موسى وهارون تضرب عليهم السّهام ويقتسمهم الأشرار، وولدان الملوك خدما للكفّار؟ أو ما رأيت قتلانا لم يوار أحدا منهم قبر، ولم يعهد أحد منهم إلى ولد؟ فالحكماء مبهوتون، والعلماء يموجون، والحلماء متحيّرون، وأهل الرأي ملقون بأيديهم مستسلمون. قال: فبينا أنا أكلّمها غشّى وجهها نور مثل شعاع الشمس حال بيني وبين النظر إليها، فخمّرت من شدّته وجهي ورددت يدي على بصري، ثم كشفت وجهي فإذا أنا لا أحسّها ولا أرى مكانها، وإذا مدينة قد رفعت لي حصينة بسورها وأبوابها، فلما نظرت إلى ذلك خررت صعقا، فجاءني الملك فأخذ بضبعيّ ونعّشني «١» وقال لي: ما أضعفك يا عزير! وقد زعمت أنّ بك من القوّة ما تخاطب به ربّك وتدلي بالعذر عن الخاطئين من بني إسرائيل؛ قال له عزير: مثل الذي رأيت وعاينت أضعفني وأذهب روحي؛ قال الملك: فإنّ المرأة التي كلّمتك هي المدينة التي تبكي عليها، صورّها الله لك في صورة أنثى فكلّمتك، فافقه عنها: أما قولها: أنها عمّرت زمانا من دهرها عاقرا لا ولد لها، فكذلك كانت إيلياء صعيدا من الأرض خرابا لا عمران فيها أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وأمّا قولها: إنّ الله وهب لها غلاما عند اليأس، فذلك حين أقبل الله عليها بالعمران فابتعث الله منها أنبياءه وأنزل كتابه. وأما قولها: إنه هلك ولدها حين كمل في سرورها، فذلك حين غيّر أهلها نعم الله وبدّلوها ولم يزدادوا بالنعم عليهم إلا جرأة على الله وفسادا، فغيّر الله ما بهم وسلّط عليهم عدوّهم حتى أفناهم، وقد شفّعك الله في قومك وكتابك ومدينتك، وسيعيدها الله عامرة كما رأيت: عليها حيطانها وأبوابها، وفيها مساجدها وأنهارها
стр. 759
وأشجارها.
وحدّثني بهذا الإسناد قال: لما أمر الله إبراهيم أن يذبح إسحاق ﵉ ويجعله قربانا، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له: العازر؛ فقال له الصديق: إن الله لا يبتلي بمثل هذا مثلك، ولكنّه يريد أن يجرّبك ويختبرك، وقد علمت أنه لم يبتلك بهذا ليفتنك ولا ليضلّك ولا ليعنتك ولا لينقص به بصيرتك وإيمانك ويقينك، ولا يروّعنّك هذا ولا تسوءنّ بالله ظنّك، وإنما رفع الله اسمك في البلاء على جميع أهل البلاء، حتى كنت أعظمهم في نفسك وولدك، ليرفعك بقدر ذلك عليهم في المنازل والدرجات والفضائل؛ فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك، وليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك، وليس لأهل البلاء في جسيم شرف البلاء إلا فضل شرفك. وليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي الله به أولياءه، لأن الله أكرم في نفسه وأعدل في حكمه وأعدل في عباده من أن يجعل ذبح الولد الطيّب بيد الوالد النبيّ المصطفى؛ وأنا أعوذ بالله من أن يكون هذا منّي حتما على الله أو ردّا لأمره أو سخطا لحكمه على عباده، ولكن هذا الرجاء فيه والظنّ به.
فإن عزم ربك على ذلك فكن عبدا أحسن علمه بك؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء العظيم إلا لحسن علمه بك وبصدقك وبصبرك، ليجعلك للناس إماما؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وحدّثني بهذا الإسناد أنّ يوسف ﵇ لمّا لبث في السجن سبع سنين أرسل الله إليه جبريل ﵇ بالبشارة بخروجه، فقال له:
أتعرفني أيها الصّدّيق؟ قال له يوسف: أرى صورة ظاهرة وروحا طيّبا لا يشبه أرواح الخاطئين؛ قال جبريل: أنا الروح الأمين، رسول ربّ العالمين؛ قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين وأنت سيد المرسلين ورأس المقرّبين؟
стр. 760
قال جبريل: أو لم تعلم أيها الصدّيق أنّ الله يطهّر البيوت بطهر النبيّين، وأن البقعة التي يحلّون بها هي أطهر الأرضين، وأنه قد طهّر بك السجن وما حوله يا ابن الطاهرين؛ قال يوسف: كيف تشبّهني بالصالحين، وتسمّيني بأسماء الصدّيقين، وتعدّني مع آبائي المخلصين، وأنا أسير بين هؤلاء المجرمين! قال جبريل: لم يكلم قلبك الجزع، ولم يغيّر خلقك البلاء، ولم يتعاظمك السّجن، ولم تطأ فراش سيّدك، ولم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة، ولم تنسك نفسك أباك ولا أبوك ربّك؛ وهذا الزمان الذي يفكّ الله به عنوّك «١» .
ويعتق به رقّك، ويبيّن للناس فيه حكمتك، ويصدّق رؤياك وينصفك ممن ظلمك، ويجمع إليك أحبّتك، ويهب لك ملك مصر: يملّكك ملوكها، ويعبّد لك جبابرتها، ويذلّ لك أعزّتها، ويصغّر لك عظماءها، ويخدمك سوقتها، ويخوّلك خولها، ويرحم بك مساكينها، ويلقي لك المودّة والهيبة في قلوبهم، ويجعل لك اليد العليا عليهم والأثر الصالح فيهم، ويرى فرعون حلما يفزع منه ويأخذه له كرب شديد حتى يسهره ويذهب نومه، ويعمّي عليه تفسيره وعلى السحرة والكهنة ويعلّمك تأويله.
وفي بعض الكتب: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: إذا أردت أن تسكن معي غدا في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيدا فريدا مهموما حزينا، كالطائر الوحدانيّ يظلّ بأرض الفلاة ويرد ماء العيون ويأكل من أطراف الشجر، فإذا جنّ عليه الليل أوى وحده استيحاشا من الطير واستئناسا بربّه جلّ وعزّ.
لمّا قتل عبد الله بن الزّبير وجد الحجّاج فيما ترك صندوقا عليه فقال
стр. 761
حديد، فتعجّب منه وقال: إنّ في هذا شيئا، ففتحه، فإذا صندوق آخر عليه قفل ففتحه فإذا سفط «١» فيه درج، ففتحه فإذا صحيفة فيها: إذا كان الحديث خلفا «٢» ، والميعاد خلفا، والمقنب «٣» ألفا، وكان الولد غيظا، والشتاء قيظا؛ وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا، فأعنز عفرة «٤» ، في جبل وعر، خير من ملك بني النّضر. حدّثني بذلك كعب الحبر.
الدعاء «٥»
حدّثني أبو مسعود الدارميّ قال: حدّثنا جرير عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله ﷺ : «قال ربّكم، ، ثلاثة: واحدة لي، وواحدة لك يا ابن آدم، وواحدة بيني وبينك، فأما التي لي فتخلص لي لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فأحوج ما تكون إلى عملك أوفّيكه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة» .
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: أخبرنا زيد بن الحباب قال: حدّثنا معاوية قال: حدّثني أزهر بن سعيد عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂، ما كان يفتتح به رسول الله ﷺ به صلاته في قيام الليل؟ قالت: كان يكبّر عشرا ويحمّد عشرا ويسبّح عشرا ويهلّل عشرا ويستغفر الله عشرا، ثم
стр. 762
يقول: «اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني» ، ويتعوّذ من ضيق المقام يوم القيامة.
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا الحفاف عن أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر والليل والنهار وما يسكن فيهما لله ربّ العالمين وحده لا شريك له. اللهمّ اجعل أوّل هذا النهار صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا. اللهمّ إني أسألك خير الدنيا وخير الآخرة يا أرحم الراحمين» .
حدّثنا إسحاق بن راهويه «١» قال: أخبرنا حسين بن عليّ الجعفيّ عن إسرائيل عن الحسين أنه كان إذا استسقى قال: «اللهم اسقنا سقيا واسعة وادعة عامة نافعة غير ضارّة تعمّ بها حاضرنا وبادينا وتزيد بها في رزقنا وشكرنا. اللهمّ اجعله رزق إيمان وعطاء إيمان إنّ عطاءك لم يكن محظورا.
اللهمّ أنزل علينا في أرضنا سكنها «٢» ، وأنبت فيها زينتها ومرعاها» .
روى الكلبيّ عن أبي صالح أنّ العباس قال يوم استسقى عمر ﵁: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلّا بذنب، ولا يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه بي القوم إليك لمكاني من نبيّك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة، فاسقنا الغيث» . فأرخت السماء شآبيب مثل الجبال بديمة «٣» مطبقة.
стр. 763
وروى سفيان بن عيينة عن أبي عبد الملك قال: سمعت عمر بن عبد العزيز عشية عرفة بعرفة وهو يقول: اللهمّ زد في إحسان محسنهم، وراجع بمسيئهم إلى التوبة، وحط من ورائهم بالرحمة» .
حدّثنا حسين بن حسين قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يقوم من مجلس إلا دعا بهؤلاء الدعوات: «اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به إلى رحمتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعل ذلك الوارث منا، وانصرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنّا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» .
بلغني عن يونس عن الأوزاعيّ عن حسّان بن عطيّة قال: كان شدّاد بن أوس في سفر، فنزلنا منزلا فقال لغلامه: إئتنا بالسفرة نعبث بها؛ فأنكرت منه، فقال ما تكلمت بكلمة مذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمّها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها عني، واحفظوا عني ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضّة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهمّ إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علّام الغيوب» .
بلغني عن الوليد بن مسلم قال: حدّثنا أبو سلمة الدوسيّ عن سالم بن عبد الله قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهمّ ارزقني عينين هطّالتين
стр. 764
تبكيان بذروف الدموع وتشفيانني من خشيتك قبل أن تكون الدموع دما والأضراس جمرا» .
حدّثني أبو سفيان الغنويّ قال: حدّثنا عمر بن عمران قال: حدّثني الحارث بن عنبة عن العلاء بن كثير عن أبي الأسقع: أنه كان يحفظ من دعاء النبيّ ﷺ : «يا موضع كلّ شكوى ويا شاهد كلّ نجوى بكلّ سبيل أنت مقيم ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى» .
حدّثنا عبد الرحمن «١» عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى والزّمنى والعميان والمجانين وغيرهم:
«اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء وجبّار من في الأرض لا جبّار فيهما غيرك، وأنت حكم من في السماء وحكم من في الأرض لا حكم فيهما غيرك، وأنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك؛ قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء؛ أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم، إنك على كلّ شيء قدير» . قال وهب: هذا يقرأ للفزع على المجنون ويكتب له ويغسل ويسقى، فيبرأ بإذن الله أيّ ذلك شاء فعل.
وحدثني أيضا بهذا الإسناد قال: كان من دعاء المسيح حين أخذه اليهود ليصلبوه بزعمهم فرفعه الله إليه: «اللهمّ أنت القريب في علّوك، المتعالي في دنوّك الرفيع على كل شيء من خلقك؛ أنت الذي نفذ بصرك في خلقك، وحسرت الأبصار دون النظر إليك وعشيت دونك، وشمخ بك العلوّ في النور؛
стр. 765
أنت الذي جلّيت الظّلم بنورك فتباركت اللهمّ خالق الخلق بقدرتك، مقدّر الأمور بحكمتك، مبتدع الخلق بعظمتك، القاضي في كل شيء بعلمك؛ أنت الذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك، مستويات الطباق مذعنات لطاعتك، سما بهنّ العلوّ بسلطانك، فأجبن وهنّ دخان من خوفك، فأتين طائعات بأمرك، فيهنّ ملائكتك يسبّحون قدسك بتقديسك، وجعلت فيهنّ نورا يجلو الظلام، وضياء أضوأ من شمس النهار، وجعلت فيهنّ مصابيح يهتدى بها في ظلمات البحر والبر ورجوما للشياطين، فتباركت اللهمّ في مفطور سمواتك، وفيما دحوت «١» من أرضك، دحوتها على الماء، فأذللت لها الماء المتظاهر «٢» فذلّ لطاعتك وأذعن لأمرك، وخضع لقوّتك أمواج البحار، ففجّرت فيها بعد البحار الأنهار، وبعد الأنهار العيون الغزار والينابيع؛ ثم أخرجت منها الأشجار بالثمار، ثم جعلت على ظهرها الجبال أوتادا فأطاعتك أطوادها، فتباركت اللهمّ في صنعك، فمن يبلغ صفة قدرتك ومن ينعت نعتك. تنزل الغيث وتشىء السحاب، وتفكّ الرقاب وتقضي الحقّ وأنت خير الفاصلين. لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن يستغفرك كلّ خاطىء. لا إله إلا أنت إنما يخشاك من عبادك العلماء الأكياس. أشهد أنك لست بإله استحدثناه، ولا ربّ يبيد ذكره، ولا كان لك شركاء يقضون معك فندعوهم وندعك، ولا أعانك أحد على خلقك فنشكّ فيك. أشهد أنك أحد صمد لم تلد ولم يكن لك كفوا أحد، ولم تتّخذ صاحبة ولا ولدا. إجعل لي من أمري فرجا ومخرجا» ؛ قال وهب: وهذا الدعاء عوذة للشقيقة وغيرها من قولك: أشهد أنك لست بإله استحدثناه، إلى آخره.
стр. 766
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن عباس قال:
«الإخلاص هكذا، وبسط يده اليمنى وأشار فإصبعه من يده اليسرى، والدعاء هكذا، وأشار براحتيه إلى السماء، والإبتهال هكذا، ورفع يديه فوق رأسه ظهورهما إلى وجهه» .
حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال:
كان داود إذا دعا في جوف الليل قال: «اللهمّ نامت العيون وغارت النجوم وأنت حيّ قيّوم اغفر لي ذنبي العظيم إنك عظيم وإنما يغفر العظيم العظيم، إليك رفعت رأسي عامر السماء نظر العبيد إلى أربابها. اللهمّ تساقطت القرى وأبطل ذكرها وأنت ذائب الدهر معدّ كرسيّ القضاء» .
قال: وكان من تحميده: الحمد لله عدد قطر المطر، وورق الشجر، وتسبيح الملائكة، وعدد ما في البرّ والبحر. والحمد لله عدد أنفاس الخلق ولفظهم وطرفهم وظلالهم، وعدد ما عن أيمانهم وشمائلهم، وعدد ما قهره ملكه، ووسعه حفظه، وأحاطت به قدرته، وأحصاه علمه. والحمد لله عدد ما تجري به الرياح، وتحمله السحاب، وعدد ما يختلف به الليل والنهار، وتسير به الشمس والقمر والنجوم. والحمد لله عدد كلّ شيء أدركه بصره، ونفذ فيه علمه، وبلغ فيه لطفه. والحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنت بطيئا حين يدعوني. والحمد لله الذي أسأله فيعطيني، وإن كنت بخيلا حين يستقرضني.
والحمد لله الذي أستعفيه فيعافيني، وإن كنت متعرّضا لما يهلكني. والحمد لله الذي حلم في الذنوب عن عقوبتي حتى كأني لا ذنب لي، ولو يؤاخذني لم يظلمني سيّدي. والحمد لله الذي أرجوه أيام حياتي، وهو ذخري في آخرتي، ولو رجوت غيره لا نقطع رجائي. والحمد لله الذي تمسي أبواب الملوك مغلقة دوني، وبابه مفتوح لكلّ ما شئت من حاجاتي بغير شفيع
стр. 767
فيقضيها لي. والحمد لله الذي أخلو به في كل حاجاتي، وأضع عنده سرّي في أيّ ساعة شئت من ساعاتي. والحمد لله الذي يتحبّب إليّ وهو عنّي غنيّ فربّي أحمد شيء عندي وأحقّه بحمدي» .
وكان من دعاء يوسف: «يا عدّتي عند كربتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا غياثي عند شدّتي، ومفزعي عند فاقتي، ورجائي إذا انقطعت حيلتي، يا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، اجعل لي فرجا ومخرجا واقض حاجتي» .
وكان بكّاء بني إسرائيل يقول: «اللهمّ لا تؤدّبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك، ولا تؤاخذني بتقصيري عن رضاك، عظيم خطيئتي فاغفر، ويسير عملي فتقبّل، كما شئت تكون مشيئتك، وإذا عزمت يمضي عزمك؛ فلا الذي أحسن استغنى عنك وعن عونك، ولا الذي أساء استبدّ بشيء يخرج به من قدرتك، فكيف لي بالنجاة ولا توجد إلا من قبلك! إله الأنبياء، ووليّ الأنبياء، وبديع مرتبة الكرامة، جديد لا يبلى، حفيظ لا ينسى؛ دائم لا يبيد، حيّ لا يموت، يقظان لا ينام؛ بل عرفتك، وبك اهتديت إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت؛ فتباركت وتعاليت» .
قال الأزديّ حدّثت عن محمّد بن النضر الحارثيّ أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا تقطعوا الشهادة على أهل القبلة فإنه من يقطع الشهادة عليهم فأنا منه بريء إنّ الله كتمنا ما يصنع بأهل القبلة» . وقال: «من علّم آية من كتاب الله أو كلمة من سنّة في دين الله حثا «١» الله له من الثواب حثوا» .
قال: وقال الأوزاعيّ: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إني أسألك
стр. 768
التوفيق لمحابّك من الأعمال وحسن الظنّ بك وصدق التوكل عليك» .
محمد بن بشر العبدي قال: حدثنا بعض أشياخنا قال: اعتمر عليّ ﵇ فرأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه «١» المسائل، ولا يبرمه «٢» إلحاح الملّحين؛ أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك؛ فقال عليّ: والذي نفسي بيده، لو قلتها وعليك ملء السموات والأرضين ذنوبا لغفر لك.
دعا أعرابيّ عند الملتزم «٣» فقال: اللهمّ إنّ لك عليّ حقوقا فتصدّق بها عليّ، وللناس قبلي تبعات فتحملها عنّي، وقد أوجبت لكلّ ضيف قرى، وأنا ضيفك فاجعل قراي الليلة الجنة.
وقال آخر: اللهمّ إليك خرجت، وما عندك طلبت، فلا تحرمني خير ما عندك لشرّ ما عندي. اللهمّ وإن كنت لم ترحم نصبي وتعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته.
وقرأت في كتاب لشيخ لنا: اللهمّ إنه من تهيّأ أو تعبّأ، وأعدّ واستعدّ لوفادة مخلوق رجاء رفده وطلب نيله، فإن تهيّىء وتعبّىء وإعدادي واستعدادي لك رجاء رفدك وطلب نائلك الذي لا خطر «٤» له ولا مثل. اللهمّ إني لم آتك بعمل صالح قدّمته، ولا شفاعة مخلوق رجوته، أتيتك مقرّا بالظّلم والإساءة على نفسي، أتيتك بأنّي لا حجّة لي، أرجو عظيم عفوك الذي عدت به على
стр. 769
الخطائين، ثم لم يمنعك عكوفهم على عظيم الجرم أن جدت لهم بالمغفرة.
فيا من رحمته واسعة، وفضله عظيم اغفر الذنب العظيم.
ابن عائشة قال: قال الفضل بن عيسى الرّقاشيّ: اللهمّ لا تدخلنا النار بعد إذا أسكنت قلوبنا توحيدك؛ وإني لأرجو ألّا تفعل، ولئن فعلت لتجمعنّ بيننا وبين قوم عاديناهم فيك.
بلغني عن ابن عيينة عن أبي حازم قال: لأنامن أن أمنع الدعاء أخوف منّي من أن أمنع الإجابة.
أنشدنا محمد بن عمر لبعض الشعراء في وصف دعوة «١» : [طويل]
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الرّكاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تحلّ «٢» وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه «٣» فيه سمير وهاجع
تفتّح أبواب السماء ودونها «٤» ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع
إذا أوفدت لم يردد الله وفدها «٥» ... على أهلها والله راء وسامع
وإني لأرجو الله حتّى كأنني «٦» ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
وقال آخر: [طويل]
وإني لأدعو الله والأمر ضيّق ... عليّ فما ينفكّ أن يتفرّجا
стр. 770
وربّ فتى سدّت عليه وجوهه ... أصاب له في دعوة الله مخرجا
ونحوه: [بسيط]
إذا تضايق أمرّ فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه من الفرج
أخذ لرجل من العرب مال فكتب إلى آخذه: يا هذا، إنّ الرجل ينام على الثّكل، ولا ينام على الحرب «١» ؛ فإمّا رددته، وإمّا عرضت اسمك على الله تعالى كلّ يوم وليلة خمس مرّات.
قال عبد الرحمن بن زياد: اشتكى أبي فكتب إلى بكر بن عبد الله يسأله أن يدعو له، فكتب إليه بكر: يحقّ لمن عمل ذنبا لا عذر له فيه، وتوقّع موتا لا بدّ له منه، أن يكون وجلا مشفقا، سأدعو لك، ولست أرجو أن يستجاب لي بقوّة في عمل، ولا براءة من ذنب، والسلام.
خلف بن تميم عن عبد الجبّار بن كليب قال: قال لنا إبراهيم بن أدهم حين عرض لنا السّبع: قولوا: اللهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واجعلنا في كنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا؛ قال خلف: فما زلت أقولها مذ سمعتها، فما عرض لي قطّ لصّ ولا غيره.
قال أعرابيّ: من أقام بأرضنا فليكثر من الإستغفار، فإنّ مع الإستغفار القطار «٢» .
بلغني عن موسى بن مسعود النّهديّ عن سفيان الثوريّ عن قدامة بن حماطة الضّبيّ عن خالد بن منجاب عن زياد بن حدير الأسديّ أن العلاء بن
стр. 771
الحضرميّ عبر إلى أهل دارين «١» البحر بهذه الكلمات: يا حليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا يزيد بن هارون عن هشام الدّستوائيّ «٢» عن حمّاد عن إبراهيم عن عبد الله في الرجل إذا أراد الحاجة صلّى ركعتين ثم قال: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتملك ولا أملك، وتعلم ولا أعلم، إن كان هذا الأمر الذي أريده- وتسمّيه- خيرا لي في ديني وخيرا لي في معيشتي وخيرا لي فيما أبتغي فيه الخيرة فيسّره لي وبارك لي فيه، وإن كان شرّا لي في ديني وشرّا في معيشتي وشرّا لي فيما أبتغي فيه الخير فاصرفه عنيّ ويسّر لي الخير حيث كان ثم رضّني به.
ومن دعاء بعض الصالحين: اللهمّ إنّي أستغفرك من كلّ ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته يدي بفضل نعمتك، وانبسطت إليه بسعة رزقك، واحتجبت فيه عن الناس بسترك، واتّكلت فيه على أناتك وحلمك، وعوّلت فيه على كريم عفوك.
الأوزاعيّ قال: من قال: «اللهمّ إني أستغفرك لما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من نفسي وأخلفتك، وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطه ما ليس لك، وأستغفرك للنّعم التي أنعمت بها عليّ فتقوّيت
стр. 772
بها على معصيتك، واستغفرك لكلّ ذنب أذنبته أو معصية ارتكبتها» غفر الله له ولو كانت ذنوبه عدد ورق الشجر، ورمل عالج «١» ، وقطر السماء.
وكان مطرّف يقول: اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ السلطان، ومن شرّ ما تجري به أقلامهم، وأعوذ بك أن أقول قولا حقّا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، وأعوذ بك أن أتزيّن للناس بشيء يشينني، وأعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، وأعوذ بك أن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني منّي، وأعوذ بك أن أستغيث بمعصية لك من ضرّ يصيبني.
الأزديّ عن عبد الواحد بن زيد قال: شهدت مالك بن دينار يوما وقيل له: يا أبا يحيى، أدع الله أن يسقينا، قال: تستبطئون المطر! قالوا: نعم؛ قال: إنني والله أستبطىء الحجارة.
قال أبو كعب: سمعت عطاء السّلميّ يقول: اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا، ومصرعي عند الموت، ووحدتي في القبور، ومقامي بين يديك.
حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا زهير عن زبيد الياميّ «٢» عن مرّة عن عبد الله قال: إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، إنّ الله يؤتي المال من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يؤتي الإيمان إلا من يحب. فمن ضنّ بالمال أن ينفقه، وهاب العدوّ أن يجاهده، والليل أن يكابده فليكثر من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» .
стр. 773
ومن جامع الدعاء: اللهمّ أغنني بالعلم، وزيّني بالحلم، وجمّلني بالعافية، وأكرمني بالتقوى.
وكان من دعاء أبي المجيب: اللهمّ لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع، اللهمّ اجعل خير عملي ما قارب أجلي.
ومن دعاء عمرو بن عبيد: اللهمّ أغنني بالإفتقار إليك، ولا تغنني بالإستغناء عنك.
ابن عائشة عن سلّام بن أبي مطيع قال: سمعت ابن عون يقول: كانوا يستحبّون من الدعاء: اللهمّ عبدك وابن عبدك وابن أمتك لعبيدك وإمائك، أنا الذليل ولا أنتصر، وأنا الظالم، ولا أعتذر، عملت سوءا وظلمت نفسي وإلّا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، فما أتّمها ابن عون حتى أجهش «١» بالبكاء.
ومن دعاء النبيّ ﷺ : «اجعلني لك سكّارا، لك ذكّارا، لك رهّابا، لك مطيعا، إليك مخبتا، لك أوّاها منيبا، ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبّت حجّتي واهد قلبي وسدّد لساني» .
المناجاة
حدّثني عبد الله بن هارون عن سليم بن منصور عن أبيه قال: كنت بالكوفة فخرجت في بعض الليل لحاجة وأنا أظنّ أنّي قد أصبحت فإذا عليّ ليل فملت إلى بعض أبوابها أنتظر الصبح فسمعت من وراء الباب كلام رجل وهو يقول: فوعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ
стр. 774
عصيتك وأنا بنكالك جاهل، ولا بعقوبتك ولا بنظرك مستخفّ، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ، فعصيتك بجهل وخالفتك بجهل، فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي، فواسوأتاه من الوقوف بين يديك غدا! إذا قيل للمخفّين: جوزوا وللمثقلين: حطّوا؛ أفمع المثقلين أحطّ أم مع المخفّين أجوز؟ ويلي! كلّما كبرت سنّي كثرت ذنوبي؛ ويلي! كلّما طال عمري كثرت معاصيّ فمن كم أتوب! وفي كم أعود! أما آن لي أن أستحي من ربّي؟
بلغني عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان داود النبيّ ﵇ يقول في مناجاته: سبحانك إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدّ إليّ روحي، سبحانك إلهي! أتيت أطبّاء عبادك ليداووا لي خطيئتي فكلّهم عليك يدلّني.
حدّثني بعض أشياخنا قال: كان داود الطائيّ يقول: همّك عطّل عليّ الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشدّة الشفق من لقائك أوبق «١» عليّ الشهوات، ومنعني اللذّات، فأنا في طلبك أيها الكريم مطلوب. وقال: تعبّد ضيعم قائما حتى أقعد، وقاعدا حتى استلقى، ومستلقيا حتى أفحم؛ فلما جهد رفع بصره إلى السماء وقال: سبحانك، عجبا للخليقة كيف أرادت بك بدلا؟ وسبحانك، عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر غيرك؟ وعجبا للخليقة كيف أنست بسواك؟
عتبة أبو الوليد قال: كانت امرأة من التابعين تقول:
سبحانك، ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله! سبحانك ما أوحش
стр. 775
الطريق على من لم تكن أنيسه!.
أبو الحسن قال: كان عروة بن الزّبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله ومات ابنه: كانوا أربعة، يعني بنيه، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، وكنّ أربعا يعني يديه ورجليه، فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا، ليمنك «١» لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.
وفي حديث بني إسرائيل أنّ يونس ﵇ قال لجبريل ﵇: دلّني على أعبد أهل الأرض فدلّه على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصره، فسمعه يقول: متّعتني ما شئت، وسلبتني حين شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بارّ يا وصول.
ومن دعاء بعض الصالحين: اللهمّ اقطع حوائجي من الدنيا بالشوق إلى لقائك، واجعل قرّة عيني في عبادتك، وارزقني غمّ خوف الوعيد، وشوق رجاء الموعود، أللهمّ إنك تعلم ما يصلحني في دنياي وآخرتي فكن بي خفيّا «٢» .
باب البكاء
حدّثني أبو مسعود الدارميّ قال: حدّثني جدّي عن أنس بن مالك قال:
جاء فتى من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وقال: إنّ أمّي تكثر البكاء وأخاف على بصرها أن يذهب؛ فلو أتيتها فوعظتها! فذهب معه فدخل فقال لها في ذلك؛ فقالت: يا رسول الله، أرأيت إن ذهب بصري في الدنيا ثم صرت إلى الجنة، أيبدلني الله خيرا منه؟ قال: «نعم» قالت: فإن ذهب بصري في الدنيا
следующие страницы →