Полный текст (1 325 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
على ما يستيقن، طال عليه الأمل ففتر، وطال عليه الأمد فاغترّ؛ وأعذر إليه فيما عمّر وليس فيما عمّر بمعذر «١» ، عمّر فيما يتذكر فيه من تذكّر، فهو من الذنب والنعمة موقر، إن أعطي لم يشكر، وإن منع لم يعذر، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم ويبغض المسيئين وهو أحدهم، يرجو الأجر في البغض على ظنّه ولا يخشى اليقين من نفسه، يخشى الخلق في ربه ولا يخشى الربّ في خلقه، يعوذ بالله ممن هو فوقه، ولا يريد أن يعيذ الله منه من هو تحته، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأيسر من عمله، يبصر العورة من غيره ويغفلها من نفسه، إن صلّى اعترض «٢» ، وإن ركع ربض، وإن سجد نقر، وإن جلس شعر، وإن سأل الحف، وإن سئل سوّف، وإن حدّث أخلف «٣» . وإن وعظ كلح «٤» ، وإن مدح فرح، يحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل، إن أفيض في الخير برم «٥» وضعف واستسلم وقال: الصمت حكم «٦» ، وهذا ما ليس لي به علم؛ وإن أفيض في الشرّ قال: يحسب بي عيّ، فتكلّم يجمع بين الأراوي «٧» والنعام وبين الخال والعمّ ولاءم ما لا يتلاءم؛ يتعلّم للمراء، ويتفقّه للرياء، ويبادر ما يفنى، ويواكل ما يبقى.
حدّثني محمد بن داود عن أبي شريح الحوارزمي قال: سمعت أبا الرّبيع الأعرج عمرو بن سليمان يقول:
стр. 842
قال الحسن بن عليّ: ألا أخبركم عن صديق كان لي من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يتشهّى ما لا يحلّ ولا يكنز إذا وجد، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمدّ يدا إلا على ثقة لمنفعة، كان لا يتشكّى ولا يتبرّم، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذّ القائلين، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا، كان إذا جامع العلماء على أن يسمع أحرص منه على أن يقول، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، كان لا يقول ما يفعل ويفعل ما لا يقول، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيّهما أقرب إلى الحق نظر أقربهما من هواه فخالفه، كان لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله. زادني غيره: كان لا يقول حتى يرى قاضيا عدلا وشهودا عدولا.
وفي كلام علي ﵁ لكميل حين ذكر حجج الله في الأرض فقال: هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى؛ هاه «١» شوقا إلى رؤيتهم.
قال رجل ليونس بن عبيد: تعلم أحدا يعمل بعمل الحسن؟ قال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله فكيف يعمل بعمله! قيل: فصفه لنا؛ قال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلّا له.
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال:
أخبرنا معمر عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: ما مثل قرّاء هذا الزمان
стр. 843
إلا كمثل غنم ضوائن «١» ذات صوف عجاف أكلت من الحمض «٢» وشربت من الماء حتى انتفخت خواصرها، فمرّت برجل فأعجبته، فقام إليها فعبط منها شاة فإذا هي لا تنقي «٣» ، ثم عبط أخرى فإذا هي كذلك، فقال: أفّ لك، سائر اليوم.
حدّثنا حسين قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال: إذا شئت لقيته أبيض بضّا «٤» حديد النظر ميت القلب والعمل، أنت أبصر به من نفسه؛ ترى أبدانا ولا قلوب، وتسمع الصوت ولا أنس، أخصب ألسنة وأجدب قلوب.
حدّثني أبو سهل عن علي بن محمد عن وكيع قال:
قال سفيان: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس الغليظ. قال: وقال يوسف بن أسباط: لو أنّ رجلا في ترك الدنيا مثل أبي ذرّ وأبي الدّرداء وسلمان، ما قلنا له: إنك زاهد، لأن الزهد لا يكون إلا على ترك الحلال المحض، والحلال المحض لا نعرفه اليوم، وإنما الدنيا حلال وحرام وشبهات؛ فالحلال حساب، والحرام عذاب، والشبهات عتاب؛ فأنزل الدنيا منزلة الميتة خذ منها ما يقيمك، فإن كان ذلك حلالا كنت زاهدا فيها،
стр. 844
وإن كان حراما لم تكن أخذت منها إلا ما يقيمك كما يأخذ المضطرّ من الميتة، وإن كان عتاب كان العتاب يسيرا. ومثله قول بعضهم: ليس الزهد بترك كلّ الدنيا، ولكن الزهد التهاون بها وأخذ البلاغ منها. قال الله تعالى:
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
«١» ، فأخبر أنهم زهدوا فيه وقد أخذوا له ثمنا.
قال أبو سليمان الدارانيّ: الرضا عن الله والرحمة للخلق درجة المرسلين، وما تعرف الملائكة المقرّبون حدّ الرضا. وقال: أرجو أن أكون قد نلت من الرضا طرفا، لو أنه ﵎ أدخلني النار كنت بذلك راضيا.
قال: وليس الحمد له أن تحمده بلسانك وقلبك مقتصر على المصيبة، ولكن هو أن تحمده بلسانك وقلبك مسلّم راض.
وقال أبو أبي الحواريّ: قلت لأبي سليمان: بلغني في قول الله تعالى:
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
«٢» أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد غيره؛ فبكى وقال: ما سمعت مذ ثلاثين سنة أحسن من هذا. وقال: كلّ قلب فيه شرك فهو ساقط. قال: وما في الأرض أحد أجد له محبّة ولكن رحمة. وقال:
ينبغي للخوف أن يكون أغلب على الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب.
وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله.
стр. 845
الحسين بن علي عن عبد الملك بن أبجر: أنّ رجلا يكنى أبا سعيد كان يقول: والله ما رأيت قرّاء زمان قطّ أغلظ رقابا ولا أدقّ ثبابا ولا آكل لمخّ العيش منكم.
أبو أسامة عن حمّاد بن زيد عن إسحاق بن سويد قال.
قال مطرّف: انظروا قوما إذا ذكروا بالقراءة فلا تكونوا منهم، وقوما إذا ذكروا ذكروا بالفجور فلا تكونوا منهم، كونوا بين هؤلاء وبين هؤلاء.
أوصى ابن محيريز رجلا فقال: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف وتسأل ولا تسأل وتمشي ولا يمشى إليك، فافعل.
قال أيّوب: ما أحبّ الله عبدا إلّا أحبّ ألّا يشعر به.
إسحاق بن سليمان عن جرير بن عثمان قال: جاء شريح بن عبيد إلى أبي عائذ الأزدي فقال: يا أبا عبد الله، لو أحييت سنّة قد تركها الناس: إرخاء طرف العمامة من الجانب الأيسر! قال: يا بن أخي، ما كان أحسنها! تركها الناس فتركناها، ما أحبّ أن أعرف في خير ولا شرّ.
كلام من كلام الزّهّاد
حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال:
أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز قال:
قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية لرجل: يا فلان، هل أنت على حال أنت فيها مستعدّ للموت؟ قال: لا؛ قال: فهل أنت مجمع «١» على التحوّل إلى حال ترضى بها؟ قال: ما شخصت نفسي لذلك؛ قال: فهل بعد
стр. 846
الموت دار فيها مستعتب؟ «١» قال: لا، قال: فهل تأمن الموت أن يأتيك؟ قال:
لا؛ قال فهل رضي بمثل هذا الحال عاقل؟.
حدثنا حسين قال: حدّثنا عبد الله بن مبارك قال: حدّثني غير واحد عن معاوية بن قرّة قال:
قال أبو الدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أراض الله عنه أم ساخط عليه. وأبكاني فراق الأحبّة: محمد وحزبه، وهول المطّلع، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السرائر، ثم لا أدري إلى الجنة أو إلى النار.
كان عبد الله بن ثعلبة الحنفيّ يقول: تضحك ولعل أكفانك قد خرجت من القصّار «٢» . قال: وقال الفضيل: أصل الزهد الرضا عن الله، وقال: ألا تراه كيف يزويها عنه ويمرمرها «٣» عليه بالعري مرة وبالجوع مرة وبالحاجة مرة، كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها: تسقيه مرّة صبرا «٤» ومرة حضضا «٥» ، وإنما تريد بذلك ما هو خير له.
وقال السريّ: ليس من أعلام الحبّ أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: أمّا زهدك في الدنيا فتعجّلك الراحة لنفسك، وأمّا انقطاعك إليّ فتعزّزك بي، ولكن هل عاديت لي عدوّا أو واليت لي وليّا؟
стр. 847
قال مالك بن دينار: بلغنا أن حبرا من أحبار بني إسرائيل كان يغشاه الرجال والنساء، فغمز بعض بنيه النساء، فرآهم فقال: مهلا يا بنيّ مهلا! قال: فسقط عن سريره فانقطع نخاعه «١» وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيوش. وقيل له: ما يكون من جنسك حبر أبدا، ما كان غضبك لي إلا أن قلت يا بنيّ مهلا يا بنيّ مهلا.
ضمرة بن ربيعة قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ارض بالله صاحبا ودع الناس جانبا.
كان بشر بن الحارث يقول: أربعة رفعهم الله بغير كبير عمل في الظّاهر إلا بطيب المطعم: إبراهيم بن أدهم وسالم الخوّاص ووهيب المكّي ويوسف ابن أسباط.
وحدّثني أبو حاتم أو غيره عن العتبيّ قال: سمعت ابن عيينة يقول:
أربع ليس عليك في واحدة منهنّ حساب: سدّ الجوعة، وبرد العطشة، وستر العورة، والاستكنان؛ ثم تلا: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
«٢» .
بلغني عن يعلى عن سفيان: قال عليّ ﵇ لرجل: كيف أنتم؟
قال: نرجو ونخاف؛ قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف؟ وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو؟.
بلغني عن عيسى بن يونس عن الأوزاعيّ عن مكحول قال: إن كان
стр. 848
الفضل في الجماعة فإن السلامة في العزلة. وبلغ الفضيل هذا فقال: سمعتم كلاما أحسن منه! قال ابن المبارك: ركبت مع محمد بن النّضر الحارثيّ السفينة فقلت:
بأيّ شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ فقال:
إنما هي المبادرة؛ فجاءني والله بفتوى غير فتوى إبراهيم والشّعبيّ.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: الثقة بما في يد الله واليأس مما في أيدي الناس. وقال أبو حازم: إنه ليس شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلكم، فآثر نفسك أيها المرء بالنصيحة على ولدك، واعلم إنما تخلف مالك في يد أحد رجلين:
عامل فيه بمعصيه الله فتشقى بما جمعت له، وعامل فيه بطاعة الله فتسعد بما شقيت له؛ فارج لمن قدّمت منهم رحمة الله، وثق لمن خلّقت منهم برزق الله.
وقال أبو حازم: إن كنت إنما تريد من الدنيا ما يكفيك ففي أدناها ما يكفيك، وإن كنت لا ترضى منها بما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك.
ونظر أبو حازم إلى الفاكهة في السوق فقال: موعدك الجنّة. ومرّ بالجزّارين فقال له رجل منهم: يا أبا حازم، هذا سمين فاشتر منه؛ قال: ليس عندي ثمنه؛ قال: أنا أنظرك؛ ففكّر ساعة ثم قال: أنا أنظر نفسي.
قال سفيان: حلف أبو حازم لجلسائه: إني لأرضى أن يبقى أحدكم على دينه كما يبقى على نعله.
حدّثني محمد بن زياد الزياديّ قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ :
«الصحّة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس» .
стр. 849
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا أبو ربيعة فهد بن عون عن حمّاد بن سلمة عن يعقوب قال: سمعت الحسن يقول: ابن آدم، إنما أنت عدد، فإذا مضى يوم فقد مضى بعضك.
وروى عبد الله بن بكر بن حبيب السّهميّ عن الحسن بن ذكوان رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «أوصاني ربّي بتسع خصال وإني موصيكم بها:
بالإخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمّن ظلمني، وأصل من قطعني وأعطي من حرمني، وأن يكون صمتي تفكّرا، ومنطقي ذكرا، ونظري عبرا» .
مسلم بن إبراهيم عن حمّاد بن سلمة عن حميد قال: كان ابن عمر يقول: البرّ شيء هيّن: وجه طليق وكلام ليّن.
جعفر بن سليمان قال: سمعت مالكا يقول: اتّقوا السّحّارة، فإنها تسحر قلوب العلماء. قال: وسمعته يقول: وددت أنّ رزقي في حصاة أمصّها حتى أموت، ولقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربّي.
بشر بن مصلح عن أبي سعيد المصّيصيّ عن أسد بن موسى قال: في الجوع ثلاث خلال: حياة القلب، ومذلّة النفس، ويورث العقل الدقيق السماويّ.
سالم بن سالم البلخيّ عن السريّ بن يحيى قال: كان الحسن إذا عاد مريضا لم ننتفع به يوما وليلة، وإذا شيّع جنازة لم ينتفع به أهله وولده وإخوانه ثلاثا.
خلف بن تميم قال: قال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، أحبّ أن تقبل مني هذه الجبّة كسوة؛ قال إبراهيم: إن كنت غنيّا قبلتها منك، وإن
стр. 850
كنت فقيرا لم أقبلها؛ قال: فإني غنيّ؛ قال: كم عندك؟ قال: ألفان؛ قال:
فيسرّك أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم؛ قال: أنت فقير، لا أقبلها» .
قال عبيد الله بن عمر: دخلت أنا ويحيى بن سليمان على الفضيل نعوده؛ فقال: زوّجك وخوّلك وصرف وجوه الناس إليك وأنت تشغلك عنه من أنت وما أنت! ثم شهق شهقة، وأضجعه رجل كان عنده وغطّى عليه ثوبا وهو لا يعقل، ونزلنا.
بكّار بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال:
قال أبو حازم: السّرّ أملك بالعلانية من العلانية بالسرّ، والفعل أملك بالقول من القول بالفعل، فإذا كنت في زمان يرضى فيه من الفعل بالقول ومن العمل بالعلم، فأنت في شرّ زمان وشرّ أناس.
ابن أبي الحواريّ قال: ذكرت لأبي سليمان امرأتي والشغل بها، فقال:
إن علم الله من قلبك أنك تريد الفراغ له فرّغك، وإن كنت إنما تريد الراحة منها لتستبدل بها، فهذه حماقة. قال: ورأيته حين أراد الإحرام فلم يلبّ حتى سرنا مليّا وأخذه كالغشي وجعل رأسه عند ركبته فجعل محمله يخفّ ومحملي يثقل حتى سرنا هويّا «١» ، ثم أفاق فقال: يا أحمد، بلغني أن الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇ «يا موسى مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلّوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم بلعنة حتى يسكت» . ويحك يا أحمد بلغني أنه من حجّ من غير حلّه ثم لبّى، قال له ﵎: لا لبّيك ولا سعديك حتى تردّ ما في يديك؛ فما يؤمّننا أن يقال لنا ذلك. قال: وقال أبو سليمان:
стр. 851
يجيئك وأنت في شيء من الخير فيشير لك إلى شيء من الخير دونه ليربح عليك شعيرة؛ يعني إبليس.
قال المسيح لأصحابه: بحق أقول لكم، إنّ من طلب الفردوس فخبز الشعير له والنوم في المزابل مع الكلاب كثير.
مسلم بن إبراهيم عن عمرو بن حمزة عن داود بن أبي هند عن مكحول قال: كنا أجنّة في بطون أمّهاتنا فسقط من سقط وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع «١» فهلك منا من هلك وبقي من بقي، وكنا أيفاعا، وذكر مثل ذلك، ثم صرنا شبّانا، وذكر مثل ذلك، ثم صرنا شيوخا لا أبا لك فما ننتظر وما نريد! وهل بقيت حالة ننتقل إليها.
قال: وقال مكحول: الجنين في بطن أمّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمّ، فيأتيه الله برزقه من قبل سرّته، وغذاؤه في بطن أمه في دم حيضها، فمن ثمّ لا تحيض الحامل، فإذا سقط استهلّ استهلالة إنكارا لمكانه، وقطعت سرّته وحوّل الله رزقه إلى ثدي أمه ثم حوّله إلى الشيء يصنع له ويتناوله بكفّه، حتى إذا اشتدّ وعقل قال: أين لي بالرزق؟ يا ويحك! أنت في بطن أمك وفي حجرها ترزق حتى إذا عقلت وشببت قلت: هو الموت أو القتل وأين لي بالرزق؟ ثم قرأ: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ
«٢» .
عبد الملك بن عبد العزيز قال: كان محمد بن النّضر الحارثيّ إذا لم يكن في صلاة استقبل القبلة، فقعدنا إليه بعد العصر فقال: بلغني أنه من
стр. 852
قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، ألف مرة في دبر صلاة العصر، رفع له عمل نبيّ؛ ثم قال: قد أكثرت الكلام.
وقال سعيد بن عمر الكنديّ: دخل رجل على داود وهو يأكل خبزا يابسا قد بلّه في الماء بملح جريش «١» ، فقال له: كيف تشتهي هذا؟ قال: أدعه حتّى أشتهيه. ونحو هذا قول هشام بن عبد الملك لسالم: ما أدمك «٢» ؟ قال:
الزيت؛ قال: أما تأجمه «٣» ؟ قال: إذا أجمته تركته حتى أشتهيه. قال: وكان ماء داود في دنّ مقيّر «٤» في الصّيف والشتاء، فقال له بعض أصحابه: لو برّدت الماء! فقال داود: إذا أصبت في مثل هذا اليوم ماء باردا فمتى تحبّ الموت؟.
سعيد بن عمرو عن رجل قال: قال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريح ما جلس إليّ منكم اثنان. وقال محمد بن واسع: لا يطيب المال إلا من أربع: سهم في فيء المسلمين، أو عطيّة عن ظهر يد، أو إرث بكتاب الله، أو تجارة من حلال؛ ولا يقتل مسلم إلا بهذه الخصال: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل فيقتل، أو حارب الله ورسوله وقطع الطريق.
قال سليمان بن المغير: سمعت ثابتا يقول: والله لحمل الكارات أهون من العبادة. قال: ولا يسمّى الرجل عابدا وإن كانت فيه خصلة من كلّ خير حتى يكون فيه الصوم والصلاة، فإنهما من لحمه ودمه.
стр. 853
أبو نعيم عن الأعمش عن يزيد بن حيّان قال: كان عيسى بن عقبة يسجد حتى أنّ العصافير ليقعن على ظهره وينزلن، ما يحسبنه إلّا جرم حائط.
حدّثني محمد بن داود عن عبد الصمد بن يزيد قال: شكا أهل مكة إلى الفضيل القحط؛ فقال: أمدبّرا غير الله تريدون؟. قال: وسمعته يقول:
استخيروا الله ولا تخيّروا عليه، فكم من عبد تخيّر لنفسه أمرا كان هلاكه فيه! أما رأيتموه سأل ربّه طرسوس «١» فأعطيها فأسر فصار نصرانيا؟.
وحدثني أيضا عن سعيد بن نصير قال: قال وكيع: أبو يونس، ومن أبو يونس؟ بكى حتى عمي، وطاف حتى أقعد، وصلّى حتى حدب.
حدّثني محمد بن عبيد قال: محمد بن عبد الله الأنصاريّ عن بهز بن حكيم قال: صلّى بنا زرارة بن أوفى الغداة، فقرأ الإمام: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
«٢» ، فخر مغشيّا عليه، فحملناه ميتّا.
ابن أبي الحواريّ قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: الصلاة تبلّغك نصف الطريق، والصوم يبلّغك باب الملك، والصّدقة تدخلك عليه.
ذكر أبو حنيفة ﵀ أيوب فقال: ﵀ ثلاثا- لقد قدم المدينة
стр. 854
مرّة وأنا بها، فقلت: لأقعدنّ له، لعليّ أتعلّق عليه بسقطة، فقام من القبر مقاما ما ذكرته قطّ إلا اقشعرّ جلدي.
روى ابن عيّاش عن سعيد بن أبي عروبة قال: حجّ الحجّاج فنزل بعض المياه ودعا بالغداء، فقال لحاجبه: انظر من يتغدّى معي واسأله عن بعض الأمر؛ فنظر الحاجب فإذا هو بأعرابيّ بين شملتين من شعر نائم، فضربه برجله وقال: ائت الأمير فأتاه؛ فقال له الحجاج: اغسل يدك وتغدّ معي؛ قال:
إنه دعاني من هو خير منك فأجبته؛ فقال له الحجاج: من الذي دعاك؟. قال:
الله تعالى دعاني إلى الصوم فصمت؛ قال: في هذا اليوم الحارّ؟ قال: نعم، صمت ليوم أحرّ منه؛ قال: فأفطر وتصوم غدا؛ قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد؛ قال: ليس ذاك إليّ؛ قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؛ قال: إنه طعام طيّب؛ قال: إنك لم تطيّبه ولا الخبّاز، ولكن طيّبته العافية.
ونحو هذا حدّث الأصمعيّ عن شبيب بن شيبة قال: كنّا في طريق مكة فجاء أعرابيّ في يوم صائف شديد الحرّ ومعه جارية سوداء وصحيفة، فقال:
أفيكم كاتب؟ قلنا: نعم؛ وحضر غداؤنا فقلنا: لو دخلت أصبت من الطعام! قال: إني صائم؛ قلنا: في الحرّ وشدّته وجفاء البادية؟ فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أحبّ أن أغبن أيّامي، ثم نبذ إلينا الصحيفة، وقال: اكتب ولا تزيدنّ على ما أقول حرفا: هذا ما أعتق عبد الله ابن عقيل الكلابيّ، أعتق جارية له سوداء يقال لها لؤلؤة، ابتغاء وجه الله تعالى وجواز العقبة، وإنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء، المنّة لله عليها وعليه واحدة. قال الأصمعيّ: فحدّثت بها الرشيد، فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة أو مائة نسمة، ويكتب لهم هذا الكتاب.
стр. 855
قال خالد بن صفوان: بتّ أتمنّى ليلتي كلّها، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني من ذاك رغيفان وكوزان وطمران!.
رأى رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له، فقال: هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا! فقال: رحمك الله، ما فقدنا إلا الفضول.
سمعت بعض العبّاد يقول: علامة التّوبة الخروج من الجهل، والنّدم على الذنب، والتّجافي عن الشهوة، واعتقاد مقت نفسك المسوّلة، وإخراج المظلمة، وإصلاح الكسرة، وترك الكذب، وقطع الغيبة، والانتهاء عن خدن «١» السّوء.
لقي زاهد زاهدا فقال له: يا أخي، إني لأحبّك في الله؛ قال الآخر: لو علمت منّي ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله؛ قال له الأوّل: لو علمت منك ما تعلم من نفسك، لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.
كان الثّوريّ مستخفيا بالبصرة، فورد عليه كتاب من أهله، وفيه: قد بلغ بنا الجهد إلى أن نأخذ النّوى فنرضّه ثم نخلطه مع التبن فنأكله؛ فحرّك ذلك من قلبه، ورمى بالكتاب إلى أخ له؛ فقرأه فدمعت عينه، ثم قال: يا أبا عبد الله، لو أنّك حدّثت الناس اتّسعت واتّسع هؤلاء! فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال: اسمع حديثا أحدّثك به ثم لا أكلّمك بعده سنة؛ رئي نور في الجنّة تجدّد، فقيل: ما هذا النور؟ فقيل: حوراء ضحكت في وجه زوجها فبدت ثناياها؛ فترى لي أن أغرّر بتلك وأصير إلى ما تقول!.
أراد قوم سفرا فحادوا عن الطريق وانتهوا إلى راهب منفرد في ناحية،
стр. 856
فنادوه فأشرف عليهم، فقالوا: إنا قد ضللنا فكيف الطريق؟ قال لهم: ها هنا، وأومأ إلى السماء، فعلموا الذي أراد، فقالوا: إنا سائلوك، أفتجيبنا أنت؟ قال:
سلوا ولا تكثروا، فإنّ النهار لن يرجع والعمر لن يعود والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد؛ قالوا: ما الخلق عليه غدا عند مليكهم؟ فقال: على نيّاتهم؛ فقالوا: فإلام الموئل؟ قال: إلى المقدّم؛ قالوا: أوصنا؛ قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فإنّ خير الزاد ما بلّغ المحلّ؛ ثم أرشدهم إلى المحجّة وانقمع «١» .
وقال آخر: قلت لراهب: عظني عظة نافعة؛ فقال: جميع المواعظ منتظمة في حرف واحد؛ قلت: ما هو؟ قال: تجمع على طاعته، فإذا أنت قد حويت المواعظ والأذكار.
الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ معه ماشية: لمن هذه الماشية؟ قال: لله عندي.
كان ابن السماك يقول في كلامه: لقد أمهلكم حتى كأنه أهملكم، أما تستحيون من الله من طول ما لا تستحيون؟.
قال بكر بن عبد الله: اجتهدوا في العمل، فإن قصّر بكم ضعف فكفّوا عن المعاصي.
كان مالك بن دينار يقول في قصصه: ما أشدّ فطام الكبير «٢» ! وينشد: [كامل]
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم «٣»
стр. 857
كان أعرابيّ يسرق الإبل يسمّى يزيد، ثم تاب وقال: [طويل]
ألا قل لرعيان المخائض «١» أهملوا ... فقد تاب، مما تعلمون، يزيد
وإنّ امرأ ينجو من النار بعد ما ... تزوّد من أعمالها لسعيد «٢»
وقال نصيح الأسديّ: [طويل]
كفى نطفا «٣» بالمرء يا أمّ صالح ... ركوب المعاصي عامدا واحتقارها
كان خالد بن معدان «٤» يقول: [طويل]
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر
قال منصور بن عمّار: ما أرى إساءة تكبر عن عفو الله فلا تأيس، ربما أخذ الله على الصغير فلا تأمن.
وروى وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل عن عتيبة بن سمعان عن مسيكة عن عائشة ﵂ أنها أتت رسول الله ﷺ بصفحة فيها خبز شعير
стр. 858
وقطعة من الكرش، فقالت: يا رسول الله، ذبحنا اليوم شاة فما أمسكنا منها إلا هذا؛ قال: بل كلّها أمسكتم إلا هذا.
استقبل عامر بن عبد قيس رجل في يوم حلبة، فقال: من سبق يا شيخ؟
فقال: المقرّبون. وأتي به عثمان أقعد في دهليزه، فلما خرج رأى شيخا ثطا «١» في عباءة، فأنكر مكانه، فقال: يا أعرابيّ، أين ربّك؟ قال: بالمرصاد.
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما بالنا نكره الموت؟ قال:
لأنكم عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
قال الحسن نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.
وقال الحسن: تتفق دينك في شهوتك سرفا، وتمنع في حق الله درهما، ستعلم يا لكع «٢» .
خرج المسيح من بيت مومسة، فقيل له: يا روح الله، ما تصنع عند هذه؟
فقال: إنما يأتي الطبيب إلى المرضى. ومرّ بقوم شتموه فقال خيرا، ومرّ بآخرين شتموه فقال خيرا؛ فقال رجل من الحواريّين: كلما زادوك شرّا زدت خيرا، كأنك تغريهم بنفسك! فقال: كل إنسان يعطي مما عنده.
أخبر أبو حازم سليمان بن عبد الملك بوعيد الله للمذنبين؛ فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
стр. 859
قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب: عظني: فقال: لا أرضى نفسي لك، إني لأصلّي بين الغنيّ والفقير، فأميل على الفقير وأوسّع للغنيّ.
نظرت امرأة إلى أخرى وحولها عشرة من ولدها كأنهم الصقور، فقالت:
لقد ولدت أمّكم حزنا طويلا.
أحتضر فتى كان فيه زهو، فرفع رأسه فإذا أبواه يبكيان، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا: الخوف عليك لإسرافك على نفسك؛ فقال: لا تبكيا، فوالله ما يسرّني أنّ الذي بيد الله من الرحمة بأيديكما.
قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يا ابن آدم، لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، فإن يك من أجلك يأت فيه رزقك، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك. قال النابغة في نحوه: [وافر]
ولست بحابس لغد طعاما ... حذار غد لكلّ غد طعام
تذاكر حذيفة وسلمان أمر الدّنيا، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامديّ «١» سرير كسرى، وكان أعرابيّ من غامد يرعى شويهات «٢» له، فإذا كان الليل صيّرها إلى عرصة إيوان كسرى، وفي العرصه سرير رخام كان يجلس عليه كسرى، فتصعد غنيمات الغامديّ إلى ذلك السرير.
دخل أبو حازم المسجد فوسوس إليه الشيطان: إنك قد أحدثت بعد
стр. 860
وضوئك، فقال: وقد بلغ هذا من نصحك!.
قال الزبير: يكفينا «١» من خضمكم القضم، ومن نصّكم العنق. قال رجل لأمّ الدّرداء: إني لأجد في قلبي داء لا أجد له دواء، أجد قسوة شديدة وأملا بعيدا؛ قال: اطلع في القبور واشهد الموتى.
قيل للربيع بن خيثم: لو أرحت نفسك! قال: راحتها أريد.
قال رجل من الصالحين: لو أنزل الله كتابا أنه معذّب رجلا واحدا لخفت أن أكونه، أو أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه، أو أنه معذّبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أرجع على نفسي بلائمة.
أثنى قوم على عوف بن أبي جميلة، فقال لهم: دعونا من الثّناء، وأمدّونا بالدعاء.
قيل لبعض العبّاد: من شرّ الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
قال المسور بن مخرمة: لقد وارت الأرض أقواما لو رأوني معكم لاستحييت منهم.
قال عليّ بن أبي طالب ﵁: عجبت لمن يهلك والنجاة معه؛ قيل: وما هي؟ قال: الإستغفار.
كان فتى يجالس سفيان الثوريّ ولا يتكلّم، وكان سفيان يحب أن يتكلم ليسمع كلامه، فمرّ به يوما فقال له: يا فتى، إنّ من كان قبلنا مرّوا على خيل
стр. 861
وبقينا على حمير دبرة؛ فقال الفتى: يا أبا عبد الله، إن كنّا على الطريق فما أسرع لحقوقنا بالقوم!.
قال الحسن: إن خفق النعال خلف الرجال قلّ ما تلبث الحمقى.
وذكر عنده الذين يلبسون الصوف، فقال: ما لهم تفاقدوا «١» ! - ثلاثا- أكنّوا الكبر في قلوبهم وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشدّ عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه. ودخل عليه رجل فوجد عنده ريح قدر طيّبة، فقال: يا أبا سعيد، إنّ قدرك لطيّبة؛ قال: نعم لا رغيفي مالك وصحناه فرقد.
طلب أبو قلابة للقضاء فلحق بالشام هربا، فأقام حينا ثم قدم البصرة؛ قال أيّوب؛ فقلت له: لو أنك وليت القضاء وعدلت بين الناس رجوت لك في ذلك أجرا؛ قال لي: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح؟.
قالت امرأة أبي حازم يوما له: يا أبا حازم، هذا الشتاء قد هجم ولا بدّ لنا مما يصلحنا فيه، فذكرت الثياب والطعام والحطب؛ فقال: من هذا كله بدّ، ولكن خذي ما لا بدّ منه: الموت ثم البعث ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنّة أو النار.
قال أبو العتاهية: [مجزوء الرمل]
أطع الله بجهدك ... عامدا أو دون جهدك
أعط مولاك كما تط ... لب من طاعة عبدك
وقال أيضا: [بسيط]
стр. 862
أرى أناسا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
وقال محمد بن حازم «١» : [منسرح]
ما الفقر عار ولا الغنى شرف ... ولا سخاء في طاعة سرف
ما لك إلّا شيء تقدّمه ... وكلّ شيء أخّرته تلف
تركك مالا لوارث يتهن ... ناه وتصلى بحرّه أسف
وقال أبو العتاهية: [طويل]
ألا إنما التّقوى هي العزّ والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذّلّ والندم
وليس على عبد تقيّ نقيصة ... إذا صحّح التقوى وإن حاك أو حجم
قال عليّ بن الحسين: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
قيل لابن سيرين: ما أشدّ الورع! قال: ما أيسره! إذا شككت في شيء فدعه.
قال رجل لحذيفة: أخشى أن أكون منافقا؛ فقال لو كنت منافقا لم تخش.
وقال محمود «٢» الورّاق: [كامل]
يا ناظرا «٣» يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أنّ الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
стр. 863
وقال وضّاح «١» اليمن: [منسرح]
مالك، وضّاح، دائم الغزل ... ألست تخشى تقارب الأجل
يا موت، ما إن تزال معترضا ... لآمل دون منتهى الأمل
تنال كفّاك كلّ مسهلة ... وحوت بحر ومعقل الوعل
صلّ لذي العرش واتّخذ قدما ... تنجيك بعد العثار والزّلل
قيل ليوسف ﵇: مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال:
أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
وقال أميّة بن أبي الصّلت «٢» : [منسرح]
هما طريقان فائز دخل ال ... جنّة حفّت به حدائقها
وفرقة في الجحيم مع فرق الشّ ... يطان يشقى بها مرافقها
تعرف هذا القلوب حقّا إذا ... همّت بخير فما عوائقها
وصدّها للشقاء عن طلب ال ... جنّة دنيا والله ما حقها
عبد دعا نفسه فعاتبها ... يعلم أنّ البصير رامقها
إقترب الوعد والقلوب إلى ... الّلهو وحبّ الحياة سائقها
ما رغبة النفس في البقاء وأن ... تحيا قليلا والموت لا حقها
стр. 864
أمامها قائد إليه ويح ... دوها حثيثا إليه سائقها
قد أيقنت أنها تصير كما ... كان يراها بالأمس خالقها
وأنّ ما جمّعت وأعجبها ... من عيشة مرّة مفارقها
من لم يمت عبطة «١» يمت هرما ... للموت كأس والمرء ذائقها
قال بعض الزهّاد: إنّ صفاء الزهد في الدنيا وكماله ألّا تأخذ من الدنيا شيئا ولا تتركه إلا لله، فإذا كنت كذلك كان أخذك تركا ومعاملتك لله فيها ربحا، وإنّ صفاء الرغبة في الدنيا وكمالها ألّا تأخذ منها شيئا ولا تتركه إلا لها، فإذا كنت كذلك كان تركك أخذا وفوت ما فات عليك منها حسرة.
حبس بعض الملوك رجلا ثم غفل عنه إلى أن مضى عليه زمان؛ فقال للموكّل به: قل له: إنّ كلّ يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي، والأمر قريب والحكم الله . والسلام.
جاء في آخر النسخة الفتوغرافية ما نصه:
تم كتاب الزهد، وهو الكتاب السادس من عيون الأخبار لابن قتيبة ﵀، ويتلوه في الكتاب السابع كتاب الإخوان. والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين.
كتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
يوجد في النسخة الفتوغرافية عقب هذا الكتاب (كتاب الزهد) بعض قطع شعرية ونثرية في نحو ست صفحات منقول جلها عن العقد، وليست من تأليف ابن قتيبة.
стр. 865
الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإخوان
الحث على اتخاذ الاخوان واختيارهم
حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: أخبرنا العجليّ قال بعض الأدباء لابنه: يا بنيّ، إذا دخلت المصر فاستكثر من الصديق فأمّا العدوّ فلا يهمنّك؛ وإياك والخطب فإنها مشوار «١» كثير العثار «٢» .
قال: وبلغني عن الأوزاعيّ «٣» عن يحيى بن كثير: أنّ داود النبيّ ﵇ قال لابنه سليمان ﵇: يا بنيّ، لا تستبدلنّ بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقلّنّ أن يكون لك عدوّ واحد، ولا تستكثرنّ أن يكون لك ألف صديق.
وكان يقال: أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم.
وفي الحديث المرفوع: «المرء كثير بأخيه» . وأنشد ابن الأعرابيّ «٤» :
стр. 866
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ إخوان الثقات الذخائر
وقال أبو الجرّاح العقيلي: وجدت أعراض الدّنيا «١» وذخائرها بعرض المتالف «٢» إلّا ذخيرة الأدب وعقيلة الخلّة، فاستكثروا من الإخوان واستعصموا بعرا الأدب.
وكان يقال: الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال. وقال الشاعر:
[من طويل]
إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكن ... لهم رجل عند الإمام مكين
فكانوا كأيد أوهن الله بطشها ... ترى أشملا ليست لهنّ يمين
قال أيوب السّختيانيّ: إذا بلغني موت أخ لي فكأنّما سقط عضو منّي.
وقال القطاميّ «٣» : [من الكامل] وإذا يصيبك- والحوادث جمّة-* حدث حداك إلى أخيك الأوثق «٤» وقال آخر «٥» : [من الطويل]
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح «٦»
وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
стр. 867
وقال الثّقفيّ «١» : [من الطويل]
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إنّ الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد «٢»
وقال آخر: [من الوافر]
وبغضاء التقيّ أقلّ ضيرا ... وأسلم من مودّة ذي الفسوق «٣»
ولن تنفكّ تحسد أو تعادى ... فأكثر ما استطعت من الصّديق
وكتب الفضل بن سيّار إلى الفضل بن سهل «٤» : [من الرّمل]
يا أبا العباس إني ناصح ... لك والنصح لذي الودّ كبير
لا تعدّنّ ليوم صالح ... إنّ إخوانك في الخير كثير
وليكن للشرّ ما أعددتهم ... إنّ يوم الشرّ صعب قمطرير «٥»
هذه السّوق التي آملها ... يا أبا العباس والعمر قصير
قال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلّا أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
قال حدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا إسماعيل بن زكريا عن سعيد ابن طريف عن عمير بن المأمون قال: سمعت الحسن بن عليّ يقول: من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال: آية محكمة، وأخا مستفادا،
стр. 868
وعلما مستطرفا، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّه على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياء أو خشية.
قال وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه قال: كان يقال: الصاحب رقعة في قميص الرجل، فلينظر أحدكم بم يرقع قميصه.
وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبيه أنه قال: كان يقال: ما وجدنا شيئا أبلغ في خير أو شرّ من صاحب.
وحدّثني الرياشيّ عن الأصمعيّ قال حدّثنا سليمان بن المغيرة قال: قال يونس «١» : اثنان ما في الأرض أقلّ منهما ولا يزدادان إلا قلّة: درهم يوضع في حقّ «٢» ، وأخ يسكن إليه في الله.
وحدّثني شيخ لنا عن محمد بن مناذر عن سفيان بن عيينة «٣» قال: قال علقمة بن لبيد العطارديّ لابنه: يا بنيّ، إذا نزغتك «٤» إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب منهم من إن تحبّه زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك «٥» ؛ وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ صولك «٦» ؛ وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها؛ وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه آبتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات آساك؛ من لا يأتيك منه
стр. 869
البوائق «١» ، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق؛ وإن حاول حويلا آمرك «٢» ، وإن تنازعتما منفسا «٣» آثرك.
قال محمد بن كعب القرظيّ لعمر بن عبد العزيز: إنّ فيك عقلا وإنّ فيك جهلا، فداو بعض ما فيك ببعض، وآخ من الإخوان من كان ذا معلاة «٤» في الدّين ونيّة في الحقّ، ولا تؤاخ منهم من تكون منزلتك عنده على قدر حاجته إليك، فإذا قضى حاجته منك ذهب ما بينك وبينه. وإذا غرست غراسا من المعروف فلا تبقين «٥» أن تحسن تربيته.
وقال الأحنف بن قيس «٦» : خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن عثرت عضدك، وإن احتجت إلى مؤونته رفدك. وقال الشاعر: [من الرجز]
إنّ أخاك الصّدق من لن يدعك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك «٧» ... شتّت شمل نفسه ليجمعك
وإن رآك ظالما سعى معك
стр. 870
وقال حجيّة بن المضرّب «١» : [من الطويل]
أخوك الذي إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السّيف يغضب
وكتب رجلّ إلى صديق له: أنت كما قال أعشى باهلة «٢» : [من البسيط]
من ليس في خيره منّ فيفسده ... على الصّديق ولا في صفوه كدر «٣»
وليس فيه إذا استنظرته عجل ... وليس فيه إذا ياسرته عسر «٤»
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: [من الطويل]
أخوك الذي إن أحوجتك ملمّة ... من الدّهر لم يبرح لها الدّهر واجما «٥»
وليس أخوك الحقّ من إن تشعّبت ... عليك أمور ظلّ يلحاك لائما «٦»
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كان إخوان الرجال حرارة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعداء مركبه صعب «٧»
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرطب «٨»
وقال آخر: [من البسيط]
أبكي أخا يتلقّاني بنائله ... قبل السؤال ويلقى السّيف من دوني «٩»
стр. 871
إنّ المنايا أصابتني مصائبها ... فاستعجلت بأخ قد كان يكفيني
وقرأت في كتاب للهند: رأس المودّة الاسترسال «١» .
وقال أكثم بن صيفيّ «٢» : من تراخى تألّف «٣» ، ومن تشدّد نفّر، والشرف التغافل. وقال حاتم: العاقل فطن متغافل.
وقرأت في كتاب للهند: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا ولعدوّ صديقه عدوّا. قال العتّابيّ في ذلك «٤» : [من الطويل]
تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك، إنّ الرأي عنك لعازب «٥»
وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من صدّقته المغايب «٦»
قيل لبزرجمهر: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ قال: إنما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
وقال بعضهم: إنّ أحبّ إخواني إليّ، من كثرت أياديه عليّ.
وقال رجل في أخ له: [من الوافر]
وكنت إذا الشدائد أرهقتني ... يقوم لها وأقعد لا أقوم
стр. 872
وقال آخر: [المتقارب]
أخ طالما سرّني ذكره ... فأصبحت أشجى لدى ذكره «١»
وقد كنت أغدو إلى قصره ... فأصبحت أغدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا به ... عن الناس لو مدّ في عمره
إذا جئته طالبا حاجة ... فأمري يجوز على أمره «٢»
وصف أعرابيّ رجلا قال: كان والله يتحسّى مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه. وقال أعرابي «٣» : [من الوافر]
أخ لك ما تراه الدّهر إلّا ... على العلّات بسّاما جوادا «٤»
سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا «٥»
فأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا
مرارا لا أعود إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا «٦»
المودّة بالتشاكل «٧»
بلغني عن ابن عيينة أنه قال: قال ابن عباس: القرابة تقطع والمعروف يكفر، ولم ير كتقارب القلوب.
стр. 873
قال رجل للعرجيّ «١» : جئتك أخطب إليك مودّتك؛ فقال: لا حاجة بك إلى الخطبة، قد جاءتك زنا فهو ألذّ وأحلى. وقال الكميت بن معروف «٢» : [من الطويل]
وما أنا بالنّكس الدّنيء ولا الذي ... إذا صدّ عنه ذو المودّة يقرب «٣»
ولكنّه إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني فلي عنه مذهب «٤»
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
وقال الطائي «٥» : [من البسيط]
ذو الودّ منّي وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشام أو خراسان
وقال عبد الله بن عبد الله بن عتبة لعمر بن عبد العزيز: [من الطويل]
أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا ... كمثلك إنّي مبتغ صاحبا مثلي
عزيز إخائي، لا ينال مودّتي ... من القوم إلا مسلم كامل العقل
وما يلبث الإخوان أن يتفرّقوا ... إذا لم يؤلّف روح شكل إلى شكل
стр. 874
وقال الطائي: [من الطويل]
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما ينظم الشمل الشّتيت الشمائل «١»
كتب بعض الكتّاب إلى صديق له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام «٢» ، لأن النفس يتبع بعضها بعضا.
قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثنا يزيد بن خلف عن يعقوب بن كعب عن بقيّة عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي عبيد قال: كتب أبو الدرداء إلى سلمان «٣» : إن تكن الدار من الدار بعيدة فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطير السماء على إلفه من الأرض يقع.
وقال أبو العتاهية: [من الهزج]
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هوّ ما شاه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللشّكل على الشّكل ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للعي ... ن أن تنطق أفواه
وقال المساحقيّ: [من الطويل]
يزهّدني في ودّك ابن مساحق ... مودّتك الأرذال دون ذوي الفضل
وأنّ شرار النّاس سادوا خيارهم ... زمانك، إنّ الرّذل للزّمن الرّذل
стр. 875
باب المحبّة
قال حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن ثور بن يزيد عن حبيب بن عبيد عن المقدام بن معد يكرب «١» ، وكان أدرك النبيّ ﷺ ، قال: قال النبيّ ﷺ : «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبّه» .
وحدّثني محمد بن داود عن أبي الرّبيع عن حمّاد بن زيد عن ليث عن مجاهد «٢» قال: ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه. وثلاث من العيّ «٣» : أن تعيب على الناس ما تأتي، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.
وكان يقال: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا. أي لا تسرف في حبك وبغضك. ونحوه قول الحسن: أحبّوا هونا «٤» فإنّ أقواما أفرطوا في حب قوم فهلكوا. وكان يقال: من وجد دون أخيه سترا فلا يهتكه.
وقال عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكّنا
قال عمر بن الخطاب ﵁ لطليحة الأسديّ: قتلت عكّاشة بن محصن! لا يحبّك قلبي! قال: فمعاشرة جميلة يا أمير المؤمنين، فإنّ الناس يتعاشرون على البغضاء.
стр. 876
وكتب رجل إلى صديق له: الشوق إليك وإلى عهد أيامك- التي حسنت بك كأنها أعياد، وقصرت بك حتى كأنها ساعات- يفوت الصفات؛ ومما جدّد الشوق وكثّر دواعيه تصاقب الدار، وقرب الجوار؛ تمم الله لنا النعمة المتجدّدة فيك بالنظر إلى الغرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها.
قال الحسن «١» : المؤمن لا يحيف «٢» على من يبغض ولا يأثم فيمن يحبّ.
وقرأت في بعض الكتب: إنه ليبلغ من حسن شفاعة المحبة أنّ الحبيب يسيء فيظنّ به الغلط ويذنب فيحتجّ له بالدّالّة «٣» ، وذنبه لا يحتمل التأويل ولا مخرج له في جواز العقول.
وفيه: كلّ ذنب إذا شئت أن تنساه نسيته وإن شئت أن تذكره ذكرته، فليس بمخوف. وليس الصغير من الذنب ما صغّره الحبّ، وإنما الصغير ما صغّره العدل. وليس الذنب إلا ما لا يصلح معه القلب ولا يزال حاضرا الدهر، وإلا ما كان من نتاج اللؤم ومن نصيب المعاندة، فأما ما كان من غير ذلك فإنّ الغفران يتغمّده والحرمة تشفع فيه.
وكتب رجل إلى صديق له في فصل من كتاب: لساني رطب بذكرك، ومكانك من قلبي معمور بمحبّتك. ونحوه قول معقل أخي أبى دلف لمخارق:
стр. 877
[من الطويل]
لعمري لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون «١»
فسر وأقم، وقف عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون
وقال رجل لشبيب بن شيبة: والله أحبّك، قال: وما يمنعك من ذلك وما أنت لي بجار ولا أخ ولا قرابة «٢» ! يريد أن الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
قال رجل لشهر بن حوشب «٣» ؛ إني لأحبّك قال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ومؤنتي على غيرك! قال بشار:
[من البسيط]
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره: [متقارب]
أحبّك حبّين لي واحد ... وحبّ لأنك أهل لذاكا
فأمّا الذي أنت أهل له ... فحسن فضلت به من سواكا
وأمّا الذي في ضمير الحشا ... فلست أرى الحسن حتى أراكا
وليس لي المنّ في واحد ... ولكن لك المنّ في ذا وذاكا
وقال المسيّب بن علس «٤» : [من الوافر]
وعين السّخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرّضنا عن ذاك تعمى
стр. 878
ونحوه لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [من الطويل]
فلست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا «١»
وقال بعض الخلفاء لرجل: إني لأبغضك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فقد الحبّ المرأة، ولكن عدل وإنصاف. وقال شريح «٢» : [من الطويل]
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب «٣»
فإنّي رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال أعرابيّ: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، ولا يظهر الودّ السليم إلا من القلب المستقيم.
وقال آخر: من جمع لك مع المودّة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة.
قال اليزيديّ: رأيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعدا على طنفسة «٤» ، فأوسع لي فكرهت التضييق عليه؛ فقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط «٥» على متحابّين ولا تسع الدنيا متباغضين. وقال أبو زبيد «٦» للوليد بن عقبة:
стр. 879
[من الخفيف]
من يخنك الصفاء أو يتبدّل ... أو يزل مثلما تزول الظلال
فاعلمن أنّني أخوك أخو العه ... د حياتي حتى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّي بمال ... أبدا ما استقلّ سيفا حمال «١»
فلك النّصر باللسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال «٢»
كلّ شيء يحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
وقال المنخّل اليشكريّ «٣» : [من مجزوء الكامل المرفّل]
وأحبّها وتجبّني ... ويحبّ ناقتها بعيري
وذكر أعرابيّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت «٤» له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده قال عبد الله بن الزّبير ذات يوم: والله لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم؛ فقال أبو حاضر: مثلنا ومثلك كما قال الأعشى: [من البسيط]
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل «٥»
أحبّك أهل العراق وأحببت أهل الشّام وأحبّ أهل الشآم عبد الملك ابن مروان.
стр. 880
وقال عمر لأبي مريم السّلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم؛ قال: فتمنعني لذلك حقّا؟ قال: لا؛ قال: فلا ضير. وقال عمر أيضا لرجل همّ بطلاق امرأته: لم تطلّقها؟ قال: لا أحبّها؛ قال: أو كلّ البيوت بنيت على الحبّ! وأين الرعاية «١» والتذمّم!.
قال أعرابيّ: [من الطويل]
أحبّك حبّا ببعضه ... أصابك من وجد عليّ جنون «٢»
لطيف مع الأحشاء أمّا نهاره ... فسبت وأما ليله فأنين «٣»
وكتب رجل إلى صديق له: الله يعلم أنّني أحبّك لنفسك فوق محبتّي إياك لنفسي، ولو أني خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لأثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي؛ وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك.
وقال بعضهم: هوّن «٤» فقد يفرط «٥» الحبّ فيقتل ويفرط الغمّ فيقتل ويفرط السرور فيقتل؛ وينفتح القلب للسرور، ويضيق وينضمّ للحزن والحبّ.
وقالوا: العشق اسم لما فضل عن المحبة. وقال بعضهم: العشق مرض قلب ضعف. وقال بعض الشعراء «٦» : [من الطويل]
فتمّ على معشوقة لا يزيدها ... إليه بلاء السّوء إلّا تحبّبا «٧»
следующие страницы →