Полный текст (1 325 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وكتب رجل إلى صديق له: الشوق إليك وإلى عهد أيامك- التي حسنت بك كأنها أعياد، وقصرت بك حتى كأنها ساعات- يفوت الصفات؛ ومما جدّد الشوق وكثّر دواعيه تصاقب الدار، وقرب الجوار؛ تمم الله لنا النعمة المتجدّدة فيك بالنظر إلى الغرّة المباركة التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها.
قال الحسن «١» : المؤمن لا يحيف «٢» على من يبغض ولا يأثم فيمن يحبّ.
وقرأت في بعض الكتب: إنه ليبلغ من حسن شفاعة المحبة أنّ الحبيب يسيء فيظنّ به الغلط ويذنب فيحتجّ له بالدّالّة «٣» ، وذنبه لا يحتمل التأويل ولا مخرج له في جواز العقول.
وفيه: كلّ ذنب إذا شئت أن تنساه نسيته وإن شئت أن تذكره ذكرته، فليس بمخوف. وليس الصغير من الذنب ما صغّره الحبّ، وإنما الصغير ما صغّره العدل. وليس الذنب إلا ما لا يصلح معه القلب ولا يزال حاضرا الدهر، وإلا ما كان من نتاج اللؤم ومن نصيب المعاندة، فأما ما كان من غير ذلك فإنّ الغفران يتغمّده والحرمة تشفع فيه.
وكتب رجل إلى صديق له في فصل من كتاب: لساني رطب بذكرك، ومكانك من قلبي معمور بمحبّتك. ونحوه قول معقل أخي أبى دلف لمخارق:
стр. 877
[من الطويل]
لعمري لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون «١»
فسر وأقم، وقف عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون
وقال رجل لشبيب بن شيبة: والله أحبّك، قال: وما يمنعك من ذلك وما أنت لي بجار ولا أخ ولا قرابة «٢» ! يريد أن الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
قال رجل لشهر بن حوشب «٣» ؛ إني لأحبّك قال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ومؤنتي على غيرك! قال بشار:
[من البسيط]
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
وقال غيره: [متقارب]
أحبّك حبّين لي واحد ... وحبّ لأنك أهل لذاكا
فأمّا الذي أنت أهل له ... فحسن فضلت به من سواكا
وأمّا الذي في ضمير الحشا ... فلست أرى الحسن حتى أراكا
وليس لي المنّ في واحد ... ولكن لك المنّ في ذا وذاكا
وقال المسيّب بن علس «٤» : [من الوافر]
وعين السّخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرّضنا عن ذاك تعمى
стр. 878
ونحوه لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [من الطويل]
فلست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا «١»
وقال بعض الخلفاء لرجل: إني لأبغضك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فقد الحبّ المرأة، ولكن عدل وإنصاف. وقال شريح «٢» : [من الطويل]
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب «٣»
فإنّي رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال أعرابيّ: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، ولا يظهر الودّ السليم إلا من القلب المستقيم.
وقال آخر: من جمع لك مع المودّة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة.
قال اليزيديّ: رأيت الخليل بن أحمد فوجدته قاعدا على طنفسة «٤» ، فأوسع لي فكرهت التضييق عليه؛ فقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط «٥» على متحابّين ولا تسع الدنيا متباغضين. وقال أبو زبيد «٦» للوليد بن عقبة:
стр. 879
[من الخفيف]
من يخنك الصفاء أو يتبدّل ... أو يزل مثلما تزول الظلال
فاعلمن أنّني أخوك أخو العه ... د حياتي حتى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّي بمال ... أبدا ما استقلّ سيفا حمال «١»
فلك النّصر باللسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال «٢»
كلّ شيء يحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
وقال المنخّل اليشكريّ «٣» : [من مجزوء الكامل المرفّل]
وأحبّها وتجبّني ... ويحبّ ناقتها بعيري
وذكر أعرابيّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت «٤» له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده قال عبد الله بن الزّبير ذات يوم: والله لوددت أنّ لي بكلّ عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم؛ فقال أبو حاضر: مثلنا ومثلك كما قال الأعشى: [من البسيط]
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل «٥»
أحبّك أهل العراق وأحببت أهل الشّام وأحبّ أهل الشآم عبد الملك ابن مروان.
стр. 880
وقال عمر لأبي مريم السّلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم؛ قال: فتمنعني لذلك حقّا؟ قال: لا؛ قال: فلا ضير. وقال عمر أيضا لرجل همّ بطلاق امرأته: لم تطلّقها؟ قال: لا أحبّها؛ قال: أو كلّ البيوت بنيت على الحبّ! وأين الرعاية «١» والتذمّم!.
قال أعرابيّ: [من الطويل]
أحبّك حبّا ببعضه ... أصابك من وجد عليّ جنون «٢»
لطيف مع الأحشاء أمّا نهاره ... فسبت وأما ليله فأنين «٣»
وكتب رجل إلى صديق له: الله يعلم أنّني أحبّك لنفسك فوق محبتّي إياك لنفسي، ولو أني خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لأثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي؛ وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك.
وقال بعضهم: هوّن «٤» فقد يفرط «٥» الحبّ فيقتل ويفرط الغمّ فيقتل ويفرط السرور فيقتل؛ وينفتح القلب للسرور، ويضيق وينضمّ للحزن والحبّ.
وقالوا: العشق اسم لما فضل عن المحبة. وقال بعضهم: العشق مرض قلب ضعف. وقال بعض الشعراء «٦» : [من الطويل]
فتمّ على معشوقة لا يزيدها ... إليه بلاء السّوء إلّا تحبّبا «٧»
стр. 881
ما يجب للصديق على صديقه
حدّثنا أحمد بن الخليل قال حدّثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن ابن إسحاق عن الحارث عن عليّ بن أبي طالب ﵇ قال: قال النبيّ ﷺ : «للمسلم على المسلم خصال ستّ: يسلّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمّته إذا عطس «١» ، ويعوده إذا مرض، ويحضر جنازته إذا مات، ويحبّ له ما يحبّ لنفسه» .
قال حدّثني شبابة قال حدّثنا القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أعن أخاك ظالما أو مظلوما، إن كان مظلوما فخذ له بحقه وإن كان ظالما فخذ له من نفسه» .
وحدّثني القومسيّ «٢» قال: حدّثنا أبو بكر الطبريّ عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن بكير قال قال معاذ بن جبل: إذا آخيت أخا فلا تماره ولا تشاره «٣» ولا تسأل عنه، فعسى أن توافق عدوّا فيخبرك بما ليس فيه فيفرّق بينكما.
وقال النّمر بن تولب «٤» في هذا المعنى: [من الطويل]
جزى الله عنّا حمزة بنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب «٥»
بما سألت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد واليتها في النوائب «٦»
стр. 882
قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثني سعد بن منصور عن جرير عن عبد الحميد عن عنبسة قال قال ابن سيرين «١» : لا تكرم أخاك بما يكره، ولا تحملنّ كتابا إلى أمير حتى تعلم ما فيه.
وكان يقال: يستحسن الصبر عن كلّ أحد إلّا عن الصديق.
وقال بعض الشعراء: [من الوافر]
إذا ضيّقت أمرا ضاق جدّا ... وإن هوّنت ما قد عزّ هانا
فلا تهلك بشيء فات يأسا ... فكم أمر تصعّب ثم لانا
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلّا الهوانا «٢»
وقال ابن المقفّع: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعامّة بشرك وتحيّتك، ولعدوّك عدلك، وضن «٣» بدينك وعرضك عن كلّ أحد.
قال أبو اليقظان: ولي خالد بن عبد الله بن أبي بكرة قضاء البصرة فجعل يحابي «٤» ، فقيل له في ذلك؛ فقال: وما خير رجل لا يقطع لأخيه قطعة من دينه!.
قالوا: وقف رسول الله ﷺ على عجوز، فقال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
قال إبراهيم النّخعيّ «٥» : إنّ المعرفة لتنفع عند الأسد الهصور والكلب
стр. 883
العقور فكيف عند الكريم الحسيب!. وقال الخليل بن أحمد: [من البسيط]
وفّيت كلّ صديق ودّني ثمنا ... إلا المؤمّل دولاتي وأيامي «١»
وقال عمر بن أبي ربيعة في مساعدة الصّديق: [من الوافر]
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا سميعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا شنيعا «٢»
أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وقال بعض الكوفيين: [من الوافر]
فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب ... وإن كانت معتّقة عقارا «٣»
وإن يأكل أبو فرّوخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا «٤»
وقال رجل من الأعراب لأخ له: أما والله، ربّ يوم كتنّور الطّاهي رقّاص بشراره، قد رميت بنفسي في أجيج لهيبه فأحتمل منه ما أكره لما تحبّ.
وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الوافر]
أغمّض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
وقال كثّير «٥» : [من الطويل]
ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
стр. 884
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة «١» ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
وقال آخر: [من الطويل]
إذا ما صديقي رابني سوء فعله ... ولم يك عمّا ساءني بمفيق
صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق «٢»
ومن المشهور في هذا قول النابغة: [من الطويل]
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب «٣»
وكان يقال: من لك بأخيك كلّه. وأنشدني الرّياشيّ: [من مجزوء الكامل المرفل]
اقبل أخاك ببعضه ... قد يقبل المعروف نزرا «٤»
واقبل أخاك فإنّه ... إن ساء عصرا سرّ عصرا
ونحوه قول الآخر: [من الطويل]
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا علّى خطوبها
إذا عبت منه خلّة فهجرته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [منسرح]
اصبر إذا عضّك الزمان، ومن ... أصبر عند الزمان من رجله
ولا تهن للصّديق تكرمه ... نفسك حتى تعدّ من خوله «٥»
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
ولست مستبقيا أخا لك لا ... تصفح عما يكون من زلله
стр. 885
ليس الفتى بالذي يحول عن ال ... عهد ويؤتى الصديق من قبله «١»
وقيل لخالد بن صفوان: أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ قال: الذي يغفر زللي، ويقبل عللي «٢» ويسدّ خللي «٣» .
وقال بشار: [من الطويل]
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه «٤»
وقال الخريمي «٥» لأبي دلف: [من المتقارب]
تملّك إن كنت ذا إربة ... من العالمين لشيخ وصيف «٦»
الإنصاف في المودّة
كان يقال: لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له.
وقال جرير: [من الطويل]
وإنّي لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الحق الذي لا يرى ليا «٧»
وله أيضا: [من الطويل]
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل «٨»
стр. 886
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أيّ كفّ تبدّل
وقال آخر «١» : [من الكامل]
يا ضمر أخبرني ولست بمخبري ... وأخوك نافعك الذي لا يكذب
هل في القضيّة إن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرّة ... أشجينكم فأنا المحبّ الأقرب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
ولما لكم طيب البلاد ورعيها ... ولي الثّماد ورعيهن المجدب «٢»
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب «٣»
هذا لعمركم الصّغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب «٤»
وقال ابن عيينة: سئل عليّ كرم الله وجهه عن قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«٥» ، فقال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضّل.
وقال الشاعر: [من الكامل]
صبغت أميّة في الدماء رماحنا ... وطوت أميّة دوننا دنياها
ويقال: من سنّ سنة فليرض أن يحكم عليه بها، ومن سأل مسئلة فليرض بأن يعطى بقدر بذله.
وقال أبو العتاهية: [من الوافر]
إذا ما لم يكن لك حسن فهم ... أسأت إجابة وأسأت سمعا
стр. 887
ولست الدّهر متّسعا بفضل ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا
وقال حمّاد عجرد «١» : [مجزوء الرّمل]
ليت شعري أيّ حكم ... قد أراكم تحكمونا
أن تكونوا غير معط ... ين وأنتم تأخذونا
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالترك أجمل
وفي العيس منجاة وفي الهجر راحة ... وفي الأرض عمّن لا يؤاتيك مرحل «٢»
وقال بشار: [من السّريع]
إن كنت حاولت هوانا فما ... هنت وما في الهون لي من مقام «٣»
في الناس أبدال ولي مرحل ... عن منزل ناء ومرعى وخام «٤»
لا نائل منك ولا موعد ... ولا رسول، فعليك السلام
وقال آخر «٥» : [من الوافر]
له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
وقال أكثم بن صيفيّ: أحقّ من يشركك في النّعم شركاؤك في المكاره.
أخذه دعبل «٦» فقال: [من البسيط]
стр. 888
وإنّ أولى البرايا أن تواسيه ... عند السرور لمن آساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «١»
وانشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
فإن آثرت بالودّ أهل بلادها ... على نازح من أهلها لا ألومها «٢»
فلا يستوي من لا ترى غير لمّة ... ومن هو ثاو عندها لا يريمها «٣»
وقال رجل لبعض السلطان: أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسطت القدرة بين يديه؛ فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما عليك من الحق.
قال المستهلّ بن الكميت لبني العباس: [من الطويل]
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم ... وخفناكم إنّ البلاء لراكد «٤»
مداراة الناس وحسن الخلق والجوار
قال حدّثنا الحسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك عن وهيب قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه «٥» فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وقد حدّثت نفسي ألّا أخالطهم؛ فقال له وهب: لا تفعل، فإنه لا بدّ للناس منك ولا بدّ لك منهم؛ لهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعا، وأعمى بصيرا، وسكوتا نطوقا.
стр. 889
قال وحدّثنا حسين بن الحسن قال حدّثنا عبد الله بن المبارك «١» عن موسى بن عليّ بن رباح قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أربع خلال إن أعطيتهنّ فلا يضرّك ما عدل به عنك من الدّنيا:
حسن خليقة، وعفاف طعمة «٢» ، وصدق حديث، وحفظ أمانة.
قال: وبلغني عن وكيع عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله ابن باباه قال: قال عبد الله بن مسعود: خالطوا الناس وزايلوهم «٣» .
عن وكيع عن سفيان عن حبيب بن ميمون قال: قال صعصعة بن صوحان لابن أخيه: إذا لقيت المؤمن فخالطه، وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك فلا تكلمنّه «٤» .
قال المسيح صلّى الله عليه: كن وسطا وامش جانبا.
وروى أبو معاوية عن الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهريّة قال: قال أبو الدّرداء: إنّا لنكشر «٥» في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم.
ودخل لبيدة العجليّ على عمر ﵁، فقال له عمر: أقتلت زيدا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد قتلت رجلا يسمّى زيدا، فإن يكن أخاك فهو الذي أكرمه الله بيدي ولم يهنّي به؛ ثم لم ير من عمر بعد ذلك مكروها.
قال محمد بن أبي الفضل الهاشميّ: قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان
стр. 890
وقد عرفت عداوته؟ فقال: أخبى «١» نارا وأقدح عن ود. وقال المهاجر بن عبد الله الكلابىّ «٢» : [من الطويل]
وإنّي لأقصي المرء من غير بغضة ... وأدنى أخا البغضاء منّي على عمد
ليحدث ودّا بعد بغضاء أو أرى ... له مصرعا يردي به الله من يردي «٣»
وقال عقال بن شبّة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحيّاه أبي وألطفه؛ فلمّا مضى قلت: أبعد ما قال لنا ما قال! قال: يا بنيّ، أفأوسّع جرحي!.
قال ابن الحنفيّة: قد يدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه.
قال الحسن: حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة.
مدح ابن شهاب شاعر فأعطاه، وقال: من ابتغى الخير اتقى الشرّ.
وفي الحديث المرفوع: «أوّل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن» .
وقال: «إنّ حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار» .
وقال: «من حسّن الله خلقه وخلقه كان من أهل الجنة» .
قال الشاعر: [من الرّجز]
فتى إذا نبّهته لم يغضب ... أبيض بسّام وإن لم يعجب
стр. 891
موكّل النفس بحفظ الغيّب ... أقصى رفيقيه له كالأجنب «١»
وقرأت في كتب العجم: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتّوفيق خير قائد.
وقالت عائشة ﵂: ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتن من الأنصار صالحين ألّا تنزل من أبويها.
وقال جعفر بن محمد: حسن الجوار عمارة للدار، وصدقة السرّ مثراة للمال.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنها أخلاقا وأصبحها وجوها وأشدّها حياء، إن حدّثوك لم يكذبوك، وإن حدّثتهم بحقّ أو باطل لم يكذّبوك: أبو بكر الصدّيق، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان بن عفّان ﵃.
وقال يزيد بن الطّثريّة «٢» : [من الطويل]
وأبيض مثل السيف خادم رفقة ... أشمّ ترى سربا له قد تقدّدا «٣»
كريم على علّاته لو تسبّه ... لفدّاك رسلا لا تراه مربّدا «٤»
يجيب بلبّيه إذا ما دعوته ... ويحسب ما يدعى له الدهر أرشدا «٥»
وقرأت في كتاب للهند: من تزوّد خمسا بلّغته وآنسته: كفّ الأذى، وحسن الخلق، ومجانبة الرّيب، والنبل في العمل، وحسن الأدب.
стр. 892
وقال المرّار «١» في مداراة القرابة: [من الطويل]
ألا إنّما المولى كعظم جبرته ... فلا يخرق المولى ولا جابر العظم «٢»
وقال آخر في مداراة الناس: [من الطويل]
وأنزلني طول النّوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرا لا أشاكله «٣»
فحامقته حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله «٤»
وقال بشار: [من الطويل]
خليليّ إنّ العسر سوف يفيق ... وإنّ يسارا في غد لخليق
وما أنا إلّا كالزمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزّمان أموق «٥»
التلاقي والزيارة
حدّثنا محمد بن عبيد قال حدّثنا الفضل بن دكين عن طلحة بن عمر عن عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «زر غبّا تزدد حبّا» «٦» .
وقال الأصمعيّ: دخل حبيب بن سويد على جعفر بن سليمان بالمدينة؛ فقال جعفر: حبيب بن سويد وادّ الصّديق، حسن الثّناء، يكره الزيارة المملّة، والقعدة المنسيّة.
وقرأت في كتاب للهند: ثلاثة أشياء تزيد في الأنس والثّقة: الزيارة في الرّحل «٧» ، والمؤاكلة، ومعرفة الأهل والحشم.
стр. 893
وقال الطائيّ: [من الوافر]
وحظّك لقية في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الصّواف عن موسى بن يعقوب السّدوسيّ عن أبي السّنان عن عثمان بن أبي سودة قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضا أو زار أخا ناداه مناد من السماء: أن طبت وطاب ممشاك تبوّأت من الجنة منزلا» .
كتب رجل إلى صديق له: مثلنا، أعزّك الله، في قرب تجاوزنا وبعد تزاورنا ما قال الأوّل: [من المنسرح]
ما أقرب الدار والجوار وما ... أبعد مع قربنا تلاقينا
وكلّ غفلة منك محتملة، وكل جفوة مغفورة، للشّغف بك، والثّقة بحسن نيّتك، وسآخذ بقول أبي قيس «١» : [من الطويل]
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعذر «٢»
وقال أعرابية: [من الطويل]
فلا تحمدوني في الزّيارة إنّني ... أزوركم إذا لم أجد متعلّلا
وكتب رجل إلى صديق له يستزيره: طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند التلاقي، وقد جعلك الله للسّرور نظاما، وللأنس تماما، وجعل المشاهد موحشة إذا خلت منك.
وقال سهل بن هارون «٣» : [من الطويل]
стр. 894
وما العيش إلّا أن تطول بنائل ... وإلّا لقاء المرء ذي الخلق العالي
وقال بشار: [من الخفيف]
تسقط الطير حيث تلتقط الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
قال رجل لصديق له: قد تصدّيت للقائك غير مرّة فلم يقض ذلك، فقال له الآخر: كلّ برّ تأتيه فأنت تأتي عليه.
قال ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
وأرمي إلى الأرض التي من ورائكم ... لترجعني يوما عليك الرواجع «١»
وقال آخر: [من الطويل]
رأيت أخا الدنيا وإن بات آمنا ... على سفر يسرى به وهو لا يدري
تثاقلت إلّا عن يد أستفيدها ... وزورة ذي ودّ أشدّ به أزري «٢»
وقال آخر: [من الوافر]
أزور محمدا وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور
فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير
كان سفيان بن عيينة يقول: لا تعفّروا «٣» الأقدام إلا إلى أقدارها؛ وأنشد:
[من الكامل]
نضع الزيارة حيث لا يزري بنا ... شرف الملوك ولا تخيب الزّور
وكان يقال: امش ميلا وعد مريضا، وامش ميلين واصلح بين اثنين، وامش ثلاثة أميال وزر أخا في الله.
стр. 895
وقال بعض المحدثين: [من الطويل]
إذا شئت أن تقلى فرز متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبّا «١»
وقال آخر: [مجزوء الكامل المرفّل]
أقلل زيارتك الصّدي ... ق يراك كالثوب استجدّه «٢»
إنّ الصديق يملّه ... ألّا يزال يراك عنده
قال رجل لصديق له: ما أخلو وإن كان اللقاء قليلا من سؤال أو مطالعة لك، فقلبي يقوم مقام العيان «٣» .
وقال آخر لصديق له: قد جمعتنا وإياك أحوال لا يزري بها بعد اللقاء ولا يخلّ بها تنازح الديار «٤» .
وقال آخر: لولا ما في بديه اللقاء من الحيرة والتعرّض به قبل معرفة العين للجفوة، لم أتوقّف على مطالعة حتى أصير إليك.
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومالي وجه في اللئام ولا يد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض
أصحّ إذا لاقيتهم وكأنّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال عليّ بن الجهم «٥» : [من البسيط]
أبلغ أخا ما تولّى الله صحبتنا ... أنّي وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وأنّ طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
стр. 896
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف أذكره إذ لست أنساه
المعاتبة والتجنّي
قال حدّثنا محمد بن داود عن المضاء عن فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر قال قال أبو الدّرداء: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كلّه!.
وكان يقال: التجنّي وافد الصّرم «١» .
وقرأت في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب فعاتبه فيما بينك وبينه، فإن أطاعك فقد ربحت أخاك وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلا أو رجلين يشهدان ذلك الكلام، فإن لم يستمع فأنه أمره إلى أهل البيعة «٢» ، فإن لم يستمع من أهل البيعة فليكن عندك كصاحب المكس «٣» .
وقال ابن أبي فنن «٤» : [من المتقارب]
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليّا
طلبت رضاك فإن عزّني ... عددتك ميتا وإن كنت حيّا
قنعت وإن كنت ذا حاجة ... فأصبحت من أكثر الناس شيّا
فلا تعجبنّ بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديّا
وقال أبو نهشل «٥» يعاتب صديقا له: [من الوافر]
عدلت عن الرّحاب إلى المضيق ... وزرت البيت من غير الطريق
стр. 897
وتظلم عند طاعتك الموالي ... وليس الظلم من فعل الصديق
تجود بفضل عدلك للأقاصي ... وتمنعه من الخلّ الشفيق
أما والراقصات بذات عرق ... وربّ البيت والرّكن الوثيق «١»
لقد أطلقت لي تهما أراها ... ستحملني على مضض العقوق «٢»
وقال آخر: [من مجزوء الكامل المرفّل]
فدع العتاب فربّ شرّ هاج أوّله العتاب
وقال الجعديّ «٣» : [من المتقارب]
وكان الخليل إذا رابني ... فعاتبته ثم لم يعتب «٤»
هواي له وهوى قلبه ... سواي وما ذاك بالأصوب
فإنّي جرىء على صرمه ... إذا ما القرينة لم تصحب «٥»
قال رجل لصديق له يعاتبه: ما أشكوك إلّا إليك، ولا استبطئك إلّا لك، ولا أستزيدك إلّا بك، فأنا منتظر واحدة من اثنتين: عتبى تكون منك، أو عقبى الغنى عنك.
وقال آخر: قد حميت جانب الأمل فيك وقطعت الرجاء لك، وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك، فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب فيه «٦» ، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.
стр. 898
وقال بعض الشعراء: [من الطويل]
ولا خير في قربى لغيرك نفعها ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه
يخونك ذو القربى مرارا وربّما ... وفى لك عند الجهد من لا تناسبه
وقال آخر وهو أوس بن حجر: [من الطويل]
وقد اعتب ابن العمّ إن كان ظالما ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وكتب رجل إلى صديق له: الحال بيننا تحتمل الدّالّة «١» ، وتوجب الأنس والثّقة، وتبسط اللسان بالاستزادة.
وكتب رجل آخر إلى صديق له: قد جعلك الله ممن يحتمل الدّالّة الكبيرة لذي الحرمة اليسيرة، ورفعك عن أن تبلغ استزادة المستزيد بعنف الحميّة.
والعرب تقول لمن عوتب فلم يعتب «لك العتبى بأن لا رضيت» «٢» .
ونحوه قول بشر بن أبي خازم «٣» : [من الكامل]
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم «٤»
وقال أوس بن حارثة لابنه: العتاب قبل العقاب. وهذا نحو قول الآخر:
ليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
стр. 899
وقال إياس بن معاوية «١» : خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلمّا كان ببعض المناهل لقيه ابن عمّ له فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحيّ، فقال لهما الشيخ: أنعما عيشا، إنّ المعاتبة تبعث التجنّي، والتجنّي يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة، فقلت للشيخ: من أنت؟ قال: أنا ابن تجربة الدهر ومن بلا تلوّنه «٢» ، فقلت له: ما أفادك الدّهر؟ قال: العلم به، قلت: فماذا رأيت أحمد؟ قال: أن يبقي المرء أحدوثة حسنة بعده، قال: فلم أبرح ذلك الماء حتى هلك الشيخ وصلّيت عليه.
وقال رجل لصديق له: أنا أبقي على موّدتك من عارض «٣» يغيّره وعتاب يقدح فيه، وأؤمّل نائيا من رأيك يغني عن اقتضائك.
وقرأت في كتاب العتابيّ «٤» : تأنينا إفاقتك من سكر غفلتك، وترقّبنا انتباهك من وسن رقدتك، وصبرنا على تجرّع الغيظ فيك حتى بان لنا اليأس من خيرك، وكشف لنا الصبر عن وجه الغلط فيك، فها نحن قد عرفناك حقّ معرفتك في تعدّيك لطويل حقّ من غلط في اختيارك.
وقال الشاعر: [من الطويل]
فأيّهما يا ليل إن تفعلي بنا ... فآخر مهجور وأوّل معتب
وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب «٥» : يجب على
стр. 900
المرءوس إذا تجاوز به الرئيس حقّ مرتبته بعمله، وكان تفضيله إنما وقع له بخفته على القلب ومحلّه من الأدب، أن يقابل ذلك بمثله إن كان محاميا على محلّه، وإلا لن يؤمن عليه معنى بيت شريح: [من الطويل]
فإنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
باب الوداع
قال حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال حدّثنا مسلم حدّثنا سلم بن قتيبة عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد بن أمية عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول «إذا ودّع رجلا أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم «١» عملك وآخر عمرك» .
قال وحدّثني محمد بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن ابى كعب الأزديّ عن موسى بن ميسرة عن أنس بن مالك: أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إني أريد سفزا غدا فقال: «في حفظ الله وكنفه زوّدك الله التقوى وغفر ذنبك ووجّهك للخير حيث كنت» .
المعتمر عن إياس بن دغفل قال: رأيت الحسن ودّع رجلا وعيناه تهملان وهو يقول: [من الطويل]
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزيئة مال أو فراق حبيب
قال وودّع رجل صديقا له وهو يقول: [من المتقارب]
стр. 901
وداعك مثل وداع الربيع ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم «١»
عليك السلام فكم من وفاء ... نفارقه منك أو من كرم
وقال الطائي: [من الخفيف]
بيّن البين فقدها، قلّما تع ... رف فقدا للشمس حتى تغيبا «٢»
وقال جرير: [من الكامل]
يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجل ... لقنعت أو لسألت ما لم يسأل
وبلغني عن بكر المازنيّ أنه قال: دخلت على الواثق حين أمر بحملي، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: بكر، قال: من خلّفت وراءك؟، قلت: بنيّة، قال: ما قالت عند وداعك؟ قلت: قالت: [من المتقارب]
إذا غبت عنّا وخلّفتنا ... فإنّا سواء ومن قد يتم «٣»
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم «٤»
أبانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منّا الرّحم «٥»
قال: فما قلت لها أنت؟ قال: قلت ما قال جرير: [من الوافر]
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح
كان لبني عقيل عبد رضيع بلبان بعضهم فباعوه، فقال حين شخص به مواليه شعرا: [من الطويل]
стр. 902
أشوقا ولمّا يمض بي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطيّ بنا شهرا
وقال مسلم بن الوليد: [من الطويل]
وإني وإسماعيل عند وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع زايله النّصل «١»
فإن أغش قوما بعدهم وأزورهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل «٢»
وقال آخر عند توديعه: [من الطويل]
عجبت لتطويح النّوى من نحبّه ... وتدنو بمن لا يستلذّ له قرب «٣»
وقال آخر: [من البسيط]
مالت تودّعني والقلب يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
ثم استمرت وقالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال آخر لرجل ودّعه: بقي علينا أن نكفّ من غرب الشّؤون «٤» ، ونستعين على فرقة الوحشة بالكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة «٥» .
وقال البحتريّ: [من مجزوء الكامل المرفّل]
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلنّي في مسي ... ري يوم سرت ولم ألاقك
стр. 903
إنّي خشيت مواقفا ... للبين تسفح غرب ماقك «١»
وعلمت ما يلقى المو ... دّع عند ضمّك واعتناقك
فتركت ذاك تعمّدا ... وخرجت أهرب من فراقك
الهدايا
قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا عمير بن عمران قال حدّثنا الحارث ابن عتبة عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا فإنّ المصافحة تذهب غلّ الصدور، وتهادوا فإنّ الهديّة تذهب بالسّخيمة» «٢» .
وحدّثني أبو الخطاب قال حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ : «لو أهديت لي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع «٣» لأجبت» .
وفي حديث آخر: «تهادوا تحابّوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت «٤» وتسلّ سخيمة القلب» .
قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: سمعت نافعا يحدث قال: كان ابن عمر يقول: الهدايا من أمراء الفتنة.
وروى الزّبير بن بكّار عن عمه قال: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يجلس وعمرو بن عبيد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان، وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كلّ يوم بقربة من ألبان إبله، فاختلف ما بينهما فأتى
стр. 904
عمرو أهله فقال: لا تبعثوا للحارث باللبن فإنا لا نأمن أن يردّه علينا؛ وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟ قالوا: لا؛ فلما راح الحارث بعمرو قال: يا هذا لا تجمعنّ علينا الهجر وحبس اللبن؛ فقال: أمّا إذا قلت هذا فلا يحملها إليك غيري، فحملها من ردم «١» بني جمح إلى أجياد «٢» .
وبعث النضر بن الحارث إلى صديق له يسكن عبّادان بنعلين مخصوفتين وكتب إليه: بعثت إليك بهما وأنا أعلم أنّ بك عنهما غنى، ولكني أحببت أن تعلم أنك مني على ذكر.
وقال بعض الشعراء: [من مجزوء الكامل المرفّل]
إنّ الهديّة حلوة ... كالسّحر تجتلب القلوبا
تدني البغيض من الهوى ... حتى تصيّره قريبا
وتعيد مضطغن العدا ... وة بعد نفرته حبيبا «٣»
أهدى رجل إلى صديق له عبدا أسود؛ فكتب إليه: أمّا بعد، فلو علمت عددا أقلّ من واحد أو لونا شرّا من الأسود لبعثت به إليّ. وهذا نظير قول الآخر وقد سئل كم لك من الولد؟ قال: خبيث قليل؛ قيل: وكيف؟ فقال: لا أقلّ من واحد ولا أخبث من بنت.
أهدى رجل إلى بعض الأمراء هدية، فكتب إليه الأمير: قد قبلتها بالموقع ورددتها بالإبقاء.
стр. 905
وكان ابن عباس يقول: من أهديت إليه هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها؛ فأهدى إليه صديق ثيابا من ثياب مصر وعنده أقوام فأمر برفعها، فقال له رجل: ألم تخبرنا أنّ من أهديت له هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها! فقال:
إنّما ذلك فيما يؤكل ويشّرب ويشم، فأمّا في ثياب مصر فلا.
وقال خلف الأحمر «١» : [من الطويل]
أتاني أخ من غيبة كان غابها ... وكنت إذا ما غاب أنشده ركبا «٢»
فجاء بمعروف كثير فدسّه ... كما دسّ راعي السّوء في حضنه الوطبا «٣»
فقلت له هل جئتني بهديّة ... فقال بنفسي قلت أتحف بها الكلبا
هي النفس لا أرثى لها من بليّة ... ولا أتمنّى أن رأيت لها قربا
أهدى رجل إلى صديق له وكتب إليه: الأنس سهّل سبيل الملاطفة، فأهديت هديّة من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
وحدّثنا أحمد بن الخليل قال حدّثنا أبو سلمة عن حبابة بنت عجلان عن أمّها أم حفص عن صفيّة بنت جرير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعيّة قالت:
قلت للنبي ﷺ : ما جزاء الغنيّ من الفقير؟ قال؛ «النصيحة والدعاء قلت: يكره ردّ اللّطف؟ «٤» . قال: ما أقبحه، لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت، تهادوا فإنه يضعف الحبّ «٥» ويذهب بغوائل القلوب» «٦» .
стр. 906
وحدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ «١» قال حدّثني خلّاد بن يزيد الباهليّ قال: أهديت ليزيد بن عمر بن هبيرة في يوم المهرجان هدايا وهو أمير العراق فصفّت بين يديه؛ فقال خلف بن خليفة وكان حاضرا: [من المتقارب]
كأنّ شماميس في بيعة ... تسبّح في بعض عيداتها «٢»
وقد حضرت رسل المهرجا ... ن وصفّوا كريم هديّاتها
علوت برأسي فوق الرءوس ... ، فأشخصته فوق هاماتها «٣»
لأكسب صاحبتي صحفة ... تغيظ بها بعض جاراتها
فأمر له بجام «٤» من ذهب، ثم أقبل يفرّق بين جلسائه تلك الهدايا وينشد: [من البسيط]
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسّرف «٥»
فإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
كتب رجل من أصحاب السلطان إلى بعض العلماء يستهديه مهارة «٦» من ناحية عمله. فكتب إليه العامل: أمّا المهارة فإن أهل عملنا يصونونها صيانة الأعراض، ويسترونها ستر الحرم، ويسومون «٧» بها مهور العقائل «٨» ؛ وأنا مستخلص لك منها ما يكون زين المربط وحملان «٩» الصديق، إن شاء الله.
стр. 907
وقال بعضهم: الهدّية إذا كانت من الصغير إلى الكبير، فكلّما لطفت ودقّت كان أبهى لها، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير، فكلّما عظمت وجلّت كان أوقع لها وأنجع.
وكتب أبو السّمط «١» : [من الوافر]
بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا بك كلّ يوم مهرجان
ليوم المهرجان بك اختيال ... وإشراق ونور يستبان
جعلت هديّتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان «٢»
أهدى حسام بن مصكّ إلى قتادة نعلا رقيقة، فجعل قتادة يزنها بيده، وقال: إنك تعرف سخف عقل الرجل في سخف هديّته.
وقال الشاعر: [من الوافر]
سقى حجّاجنا نوء الثريّا ... على ما كان من بخل ومطل «٣»
هم جمعوا النعال وأحرزوها ... وسدّوا دونها بابفا بقفل
فإن أهديت فاكهة وجديا ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من ردىء المقل حسل «٤»
فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي
أناس تائهون لهم رواء ... تغيم سماؤهم من غير وبل «٥»
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكنّ الفعال فعال عكل «٦»
стр. 908
كتب رجل إلى صديق له: لولا أنّ البضاعة قصّرت بي عن بلوغ الهمة لأتعبت المسابقين إلى برّك. وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ، وليس لي فيها ذكر، فبعثت إليك بالمبتدأ بيمنه وبركته، والمختوم بطيبه ورائحته: جراب ملح، وجراب أشنان «١» .
أهدى الطائيّ إلى الحسن بن وهب قلما وكتب إليه: [من الخفيف]
قد بعثنا إليك أكرمك الل ... هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل «٢»
واغتفر قلّة الهديّة منّي ... إنّ جهد المقلّ غير قليل
وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل وكتب معها: [من لكامل]
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يمكن أن أشرّكها ... جلدي جعلت شراكها خدّي «٣»
وقال بعض الشعراء في نحو ذلك: [من الكامل]
أو ما رأيت الورد أتحفنا به ... إتحاف من خطر الصديق بباله
لو كان يهدى لامرىء ما لا يرى ... يهدى لعظم فراقه وزياله «٤»
لرددت تحفته عليه وإن علت ... عن ذاك واستهديت بعض خصاله
وقال المهديّ «٥» : [من السّريع]
تفّاحة من عند تفّاحة ... جاءت فماذا صنعت بالفؤاد
стр. 909
والله ما أدري أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها في الرّقاد
قال: وكتب بعض العمال إلى صديق له: إنّي تصفّحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السّادة في مثل هذا اليوم والتأسّي بهم في الإهداء، وإن قصّرت الحال عن قدرك، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظّ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدت أكثرها منك، فكنت إن أهديت شيئا منه كالمهدي مالك إليك ومنفق نفقتك عليك؛ وفزعت إلى مودّتي وشكري فوجدتهما خالصين لك قديمين غير مستحدثين، ورأيت إن أنا جعلتهما هديّتي لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا. ولم أقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلّا كان الشكر مقصّرا عن الحق، وكانت النعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة؛ ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برّا أعتدّ به أو لطفا أتوصّل إليه، إلا وجدت رضاك قد سبقني إليه، فجعلت الإعتراف بالتقصير عن حقّلك هدّية إليك؛ وقد قلت في ذلك: [من السّريع]
إن أهد نفسي فهي من ملكه ... أو أهد مالي فهو من ماله
لمّا قدم معاوية المدينة منصرفا من مكة، بعث إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وعبد الله بن صفوان ابن أميّة بهدايا من كسى وطيب وصلات من المال، ثم قال لرسله: ليحفظ كلّ رجل منكم ما يرى ويسمع من الردّ. فلما خرج الرّسل من عنده، قال لمن حضر: إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم؛ قالوا: أخبرنا يا أمير المؤمنين؛ قال: أمّا الحسن فلعله ينيل نساءه شيئا من الطّيب وينهب «١» ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبا. وأما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفّين،
стр. 910
فإن بقي شيء نحر به الجز وسقى به اللبن. وأما عبد الله بن جعفر فيقول: يا بديح «١» ! أقض به ديني، فإن بقي شيء فأنفذ به عداتي «٢» . وأما عبد الله بن عمر فيبدأ بفقراء عديّ بن كعب، فإن بقي شيء ادّخره لنفسه ومان «٣» به عياله.
وأما عبد الله بن الزبير فيأتيه رسولي وهو يسبّح فلا يلتفت إليه ثم يعاوده الرسول فيقول لبعض كفاته «٤» : خذوا من رسول معاوية ما بعث به، وصله الله وجزاه خيرا، لا يلتفت إليها وهي أعظم في عينه من أحد، ثم ينصرف إلى أهله فيعرضها على عينه ويقول: ارفعوا، لعلّي أن أعود على ابن هند يوما ما.
وأما عبد الله بن صفوان فيقول: قليل من كثير، وما كلّ رجل من قريش وصل إليه هكذا، ردّوا عليه؛ فإن ردّ قبلناها. فرجع رسله من عندهم بنحو ممّا قال معاوية؛ فقال معاوية: أنا بن هند! أعلم بقريش من قريش.
قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين «٥» فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولوا له: إنّي نائم- يريد: سأنام-؛ فقلت: معي خبيص «٦» ؛ فقال:
مكانك حتى أخرج إليك.
قال رجل لأبي الدّرداء: إن فلانا يقرئك السلام؛ فقال: هدّية حسنة ومحمل خفيف.
وبعث رجل إلى جارية يقال لها «راح» براح «٧» ، وكتب إليها:
стр. 911
[من مجزوء الخفيف]
قل لمن يملك الملو ... ك وإن كان قد ملك
قد شربناك فاشربي ... وبعثنا إليك بك
أهدى رجل إلى عبيد بن الأخطل شاة مهزولة «١» ، فكتب إليه عبيد:
[من المتقارب]
وهبت لنا يا أخا منقر ... وعجل وأكرمها أوّلا «٢»
عجوزا أضرّ بها دهرها ... وأنزلها الذّلّ دار البلى
سلوحا حسبت بأن الرّعاء ... سقوها الغريقون والحنظلا «٣»
وأجدب من ثور زرّاعة ... أصاب على جوعه سنبلا «٤»
وأزهد من جيفة لم تدع ... لها الشمس من مفصل مفصلا
فأهوت يميني إلى جنبها ... فخلت حراقيقها جندلا «٥»
وأهوت يساري لعرقوبها ... فخلت عراقيبها مغزلا «٦»
فقلت أبيع فلا مشربا ... تؤدّى إليّ ولا مأكلا
أم اجعل من جلدها حنبلا ... فأقذر بحنبلها حنبلا «٧»
إذا هي مرّت على مجلس ... من العجب كبّر أو هلّلا
رأوا آية خلفها سائق ... يحثّ وإن هرولت هرولا
стр. 912
فكنت أمرت بها ضخمة ... بشحم ولحم قد استكملا
ولكنّ روحا عدا طوره ... وما كنت أحسب أن يفعلا «١»
فعضّ الذي خانني حاجتي ... بإست امّه بظرها الا غرلا «٢»
فلولا مكانك خضّبتها ... وعلّقت في جيدها جلجلا «٣»
فجاءت لكيما ترى حالها ... فتعلم أنّي بها مبتلى
سألتك لحما لصبياننا ... فقد زدتني فيهم عيّلا «٤»
فخذها وأنت بها محسن ... وما زلت بي محسنا مجملا
وبعث رجل إلى دعبل بأضحيّة «٥» ، فكتب إليه: [متقارب]
بعثت إليّ بأضحيّة ... وكنت حريّا بأن تفعلا
ولكنّها خرجت غثّة ... كأنك أرعيتها حرملا «٦»
فإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربّك ما أعدلا
قيل لرجل قدم من مكة: كيف أثمان النّعال بمكة؟ قال: أثمان الجداء «٧» بالعراق.
وقال مسلم بن الوليد: [طويل]
جزى الله من أهدى التّرنج تحية ... ومنّ بما يهوى عليه وعجّلا «٨»
стр. 913
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه ... وأشبه في الحسن الغزال المكحّلا
ولو أنّه أهدى إليّ وصاله ... لكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
وكتب رجل إلى صديق له شرب دواء: [وافر]
تأنّق في الهديّة كلّ قوم ... إليك غداة شربك للدواء
فلمّا أن هممت به مدلا ... لموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدي قليلا ... لعبدك فاقتصرت على الدّعاء
وكتب رجل إلى صديق له: وجدت المودّة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلّطة، وليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة، ولا تقع المؤانسة إلا بالبرّ والملاطفة.
العيادة
قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا يزيد بن هارون قال حدّثنا شريك عن أبي نصير عن أنس بن مالك، قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار من رمد كان بعينه. ومن حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : «ثلاثة لا يعادون صاحب الدّمّل والرمد والضرس» .
وحدّثني القاسم بن الحسن عن ابن الأصبهانيّ عن إسماعيل بن عيّاش عن أرطأة بن المنذر: أن أبا الدرداء عاد جارا له نصرانيا.
قال الشّعبيّ «١» : عيادة النّوكى «٢» أشدّ على المريض من وجعه.
стр. 914
وعن شيبان عن أبي هديّة عن أبي هلال قال: قال بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا عنده: المريض يعاد، والصحيح يزار.
عاد قوم عليلا فأطالوا عنده، فقال لهم: إن كان لكم في الدار حقّ فخذوه وانصرفوا.
عاد رجل رقبة، فنعى رجالا اعتلّوا مثل علّته، فقال له رقبة: إذا دخلت على مريض فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.
عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال: بأبي أنت! بلغني أنك مريض، فضاق والله عليّ الأمر العريض، وأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض؛ فلما حملتني رجلان، وليستا تحملان؛ أتيتك بجرزة «١» شيح ما مسّها عرنين قطّ «٢» ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.
قال كثيّر: [متقارب]
ألا تلك عزّة قد أقبلت ... تقلّب للبين طرفا غضيضا «٣»
تقول مرضت وما عدتنا ... فقلت لها لا أطيق النهوضا
كلانا مريضان في بلدة ... وكيف يعود مريض مريضا «٤»
وقال آخر «٥» : [بسيط]
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
стр. 915
وقال بشّار: [سريع]
لو كانت الفدية مقبولة ... لقلت بي لا بك حمّاكا «١»
وكتب آخر إلى عليل: [بسيط]
نبّئت أنّك معتلّ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كلّ محذور
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وكتب آخر إلى عليل: [طويل]
أقول بحقّ واجب لك لازم ... وإخلاص شكر لا يغيّره الدهر
بي السوء والمكروه لا بك كلّما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر
وقال آخر في مثله: [طويل]
فإن تك حمّى الغبّ شفّك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر «٢»
وقيناك! لو نعطى المنى فيك والهوى ... لكان بي الشكوى وكان لك الأجر
وفي الحديث المرفوع «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلايا بالدعاء» . وفي آخر أنه ﷺ قال يوما لأصحابه: «من أصبح منكم صائما؟ قال عمر: أنا، قال: فمن شيّع جنازة؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن عاد مريضا؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن فيكم تصدّق بصدقة؟ قال عمر: أنا؛ فقال ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . وفي حديث آخر: أنه ﷺ قال:
إتمام عيادتكم المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على رأسه، أو يده، «في يده ويسأله كيف هو، وتمام تحياتكم المصافحة» .
следующие страницы →