Полный текст (791 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم*
المقدمة
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلّم.
أمّا بعد؛ فإنّ بي من حبّ العربيّة والشغف بها ما يدفعني إلى احتمال المصاعب والرّضا بركوب المخاطر والأهوال، وبذل النفيسين الوقت والراحة.
وإني لأجد من السرور بهذا ما لا يبلغ معشاره غريب ألقى بين أهله عصا الترحال، أو محبّ لقي حبيبه بعد طول افتراق، وواصله بعد طول تجنّ وجهود.
وقد أخذت على عاتقي أن أقوم لهذه اللغة بما يسعه جهدي من خدمة، فلم أجد أنبل مقصدا، ولا أسمى غرضا، ولا أقرب عند الله قبولا؛ من أن أتوفّر على كتب أسلافنا من علماء هذه اللغة، فأحققها وأحاول ردّها إلى الصورة التي خرجت عليها من أيدي مؤلّفيها قبل أن يصيبها تحريف النسّاخ وتصحيف الناشرين، أو مسحهم.
وأردت أن أجمع بذلك بين خلال أربع:
أولاها: أن أبتعد عن الغرور بالنفس والتفاخر بالتأليف.
وثانيتها: أن أظهر شباب هذه الأمة على تراثنا الذي ورثناه عن آباء لنا كانوا قادة العالم وأهل الرأي فيه يوم كان الناس كلهم يتيهون في بيداوات الجهالة ويعيشون عيش السائمة والأنعام، وأنا أعلم أنّ شبابنا اليوم ليس لهم الصبر والجلد على قراءة هذه الذخائر في منظرها الذي يختاره لهم الورّاقون وتجار الكتب، وأن من حسن الرأي أن نضع بين أيديهم كتبا بهيجة المنظر بديعة الرّواية؛ ليقلبوا عليها، وينتفعوا بما فيها من علم.
стр. 2
وثالثتها: أن أثبت لهؤلاء الذين ينتقصون من قدر آبائنا وينالون منهم أنّ لأولئك الآباء من المجد والمنزلة ما يفاخر به الأبناء؛ وليس يضير الغادة الهيفاء ضنانة أهلها وبخلهم ولؤم أنفسهم، ولا يغض من جمالها أن تظهر في أطمار مهلهلة ولكنّ على من تكون من نصيبه أن ينفض عنها غبار الإهمال، ويجلوها في فاخر الديباج؛ ليظهر له بديع ما أنعمها الله من فتنة وجمال.
ورابعتها: أن أنفي عن نفسي تهمة التقصير في وقت نحن أحوج ما نكون إلى التساند والتضافر على إعادة رسومنا الدارسة إلى ما كانت عليه يوم كنا قادة الشعوب وسادة هذا العالم؛ وليس للبلاد العربية كلها من بدّ أن تسلك لوحدتها طريق الاتحاد في المشاعر والمعارف، وأقرب ما يصل بنا إلى هذه الغاية معاودة معارفنا القديمة مع اختيار أقربها إلى أنفسنا وقلوبنا في فروع العلم كلها.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أنبّهك إلى حقيقة قد تغفلها أو تتشكك فيها إذا عرضت لك؛ أحبّ أن تعلم أن الجهد الذي يبذله من يحقق كتابا من كتب أسلافنا لا يقل عن الجهد الذي يبذله مؤلف كتاب حديث، بل أنا أجاهر بأن جهد الأول فوق جهد الثاني، وفرق بين من يعمد إلى المعارف فيختار منها ما يشاء ويدع منها ما يشاء، ثم يعبر عما اختاره بالأسلوب الذي يرضاه، وبين آخر لا يسعه إلّا إثبات ما بين يديه بالأسلوب الذي اختاره صاحبه منذ مئات السنين، وهو بين عبارات شوّهها التحريف وغيّر الكثير منها تعاقب أيدي الكتاب والصفافين، وأكثرهم ممن لا يتصل بالعلم من قريب أو بعيد.
والكتاب الذي أضعه اليوم بين يديك هو كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» الذي صنّفه في علم البلاغة الأديب الكاتب أبو الفتح نصر الله ضياء الدين بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير؛ وهو كتاب «جمع فيه فأوعى. ولم يترك شيئا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره» «١» وهو كتاب امرىء:
стр. 3
أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى ... إلى الشّعر من نهج إليه قويم «١»
وستقف على رأينا في هذا الكتاب عند الكلام على ترجمة المؤلف، ولكنا نذكر لك ههنا عملنا في هذا الكتاب لتدرك مقدار الجهد المضني الذي بذلناه في إخراجه على هذه الصورة التي نتمنى أن تخرج عليها كتب العربية، بل كتب الثقافة الإسلامية عامة؛ لتنقطع ألسنة الأفاكين الذين يتهمون آباءنا بقلة الإنتاج الصحيح، وإذا اعترف أحدهم لهم ذكر في جانب اعترافه هذا أن الإنتاج محدود لا أثر فيه لشخصية المنتج، ولا برهان فيه على الاستقلال والحرية الفكرية، في الوقت يسطو هو على إنتاجهم وعصارة أذهانهم فينتحلها وينسبها لنفسه، وهو بمأمن من أن يعرف ذلك سواد الناس ودهماؤهم؛ لأنهم لا يقرءون هذه الكتب.
لم يكن من رأيي أن أعمل على نشر هذا الكتاب الآن: فقد كنت أرى أنّ غيره من كتب العربية أحق بالتقديم وأكثر عائدة؛ ذلك لأن الكتاب قد طبع من قبل مرارا في بولاق وفي غير بولاق، ولأن الذين ينتفعون به عدد قليل من قرّاء العربية، وهم- أو أكثرهم- مستطيعون أن ينتفعوا منه على حاله التي كان عليها. ولكن بعض الإخوان رجاني أن يكون هذا الكتاب في مقدمة ما أخرجه من كتب العربية، وذكر لي أنه وكثيرا من المشتغلين بتحصيل العلم يجدون العنت والمشقة في تقويم عبارته التي عدت عليها عوادي المسخ والتشويه؛ فوعدته بأن أقبل؛ وكنت أظن الأمر هينا حين قطعت على نفسي ذلك العهد؛ ولكني حينما شرعت في مراجعة أصول الكتاب وجدت العجب العاجب؛ فمن عبارات مشوهة، إلى أعلام محرّفة تحريفا أبعدها كثيرا عن أصلها؛ إلى نصوص من الحديث النبويّ والشعر العربيّ قد بدّلتها الأيدي التي تناولت الكتاب، إلى غير ذلك بما ستراه في أثناء قراءتك؛ فلما رأيت ذلك هالني الأمر وترددت كثيرا في المضي فيه، ولكني لم أشأ أن أنقض ما قطعته من عهد، أو لم أشأ أن تضعف عزيمتي عن إتمام ما شرعت فيه.
стр. 4
الكتاب إذا كثير التحريف برغم أنه طبع مرارا، فما من بدّ لي من مراجعة أصوله على عدة نسخ، وما من بدّ لي من مراجعة جميع ما ورد فيه من النصوص على مصادرها الأولى، ثم ما من بدّ لي من الأناة والرويّة في تفهم عبارات المؤلف والوقوف عند كل جملة منها؛ وذلك أمر شاق يورث الضنى والكلال، ولكنه- مع ذلك- ميسور لمن لا يبالي بما يجد في هذا السبيل؛ ولما لم يكن بد من ذلك كله أقدمت عليه وثابرت فيه مثابرة الحريص على إدراك الغاية والوصول إلى النتيجة؛ وأعتقد أنني أدركت- بمعونة الله وتوفيقه- ما أردت، وبلغت ما أملت.
في دار الكتب المصرية جزء من نسخة خطية كتبها أبو المكارم بن منصور الباوشناي الموصلي، وفرغ من كتابته في يوم السبت الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (٦٢٢) اثنتين وعشرين وستمائة من الهجرة، وفي أول هذا الجزء إجازة بخط المؤلف كتبها بالموصل في شهر شعبان من عام كتابته أجاز بها الشيخ أبا محمد المظفر عضد الدين بن محمد بن علي بن جعفر بن زهير الدمشقي. وفي الدار نسخة كاملة مكتوبة بقلم معتاد، ولم أعرف عن زمن كتابتها ولا عن قيمتها الأثرية شيئا؛ فراجعت نسختي على هاتين النسختين، وهما المرموز لهما في الحواشي بحرف د.
وعند صديقي الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي نسخة خطية تمت كتابتها في نهار الأربعاء الموافق اليوم الخامس والعشرين من شهر جمادى الثانية في عام (١٠٩٣) ثلاث وتسعين بعد الألف، وكاتبها محيي الدين بن ناصر الدين الصفوري، وهذه النسخة منقولة عن نسخة كتبها أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن مهران القويسني وفرغ من كتابتها في مستهل جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين وستمائة، ويقول محيي الدين بن ناصر الدين الصفوري في شأن النسخة التي نقل عنها نسخته: «وهي نسخة صحيحة، رحم الله مؤلفها وكاتبها رحمة واسعة، وهي على هذا التاريخ مكتوبة قبل موت المؤلف بعشر سنين أو ما يقرب منها» اه، ثم كتب على حاشية آخر ورقة: «بلغ مقابلة على
стр. 5
أصله الذي كتب منه والله الموفق» اه. وقد تفضل الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر- حين علم قيامي على تحقيق الكتاب- فأعارني هذه النسخة فراجعت عليها نسختي هذه، وهي المرموز إليها في حواشي الكتاب بحرف أ.
والكتاب مطبوع بمطبعة بولاق عام (١٢٨٢) اثنين وثمانين ومائتين وألف من الهجرة، بتصحيح الشيخ محمد الصباغ، وهذه النسخة هي المرموز إليها في حواشي الكتاب بحرف ب.
والنسخ المطبوعة- عدا نسخة بولاق- هي المرموز إليها في الحواشي بحرف ج.
راجعت نسختي على هذه النسخ كلها، وراجعت جميع النصوص التي اشتمل عليها الكتاب في مظانها الأولى، فراجعت الحديث على أمهات كتب الحديث، وراجعت الشعر على دواوين الشعراء وكتب التراجم والشعر، مثل كتاب «الأغاني» وكتاب «ديوان الحماسة» وشرحه الذي صنّفه أبو زكرياء يحيى بن علي الخطيب التبريزي، وكتاب «طبقات الشعراء» لابن قتيبة، وكتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان وغيرها، ودللتك في أكثر الأحوال على مكان النص لترجع إليه إن شئت. وبيّنت لك اختلاف النسخ في الكثير الغالب مع بيان النسخة التي اعتمدتها في إثبات العبارة التي أثبتها في صلب الكتاب.
وضبطت جميع النصوص، وهي كثيرة جدا، وفسّرت غريبها تفسيرا بقدر ما تمس له الحاجة.
ولم أشأ أن أناقش المؤلف في آرائه، كما لم أشأ أن أترجم للأعلام التي ذكرها المؤلف؛ لأن ذلك يخرج بنا عن الغرض الأصلي من تحقيق الكتاب وإخراج صورة صحيحة منه بقدر ما وسعه الجهد، ثم إن الأعلام التي وردت فيه ليست مما يعسر على المتأدبين معرفتها والوصول إلى تراجمها إن كانت بهم حاجة إلى معرفة ذلك.
ولا أدّعي أنني بلغت بالكتاب درجة الكمال التي تتوق إليها نفسي،
стр. 6
ولكني أدّعي غير متحرّج أنني بذلت فيه جهدا ليس بالقليل، وأدّعي- مع ذلك- أنّ هذه المطبوعة أدقّ ما يتداوله الناس من نسخ الكتاب، وأقر بها إلى الصورة التي أرادها المؤلف منه، وأصحّ ما يعوّل عليه أهل العلم.
فإن حاز عملي هذا قبول إخوان في الأقطار العربية فذلك من نعمة الله تعالى وتوفيقه وفضله، وإن كانت الأخرى فمعذرتي أنني بذلت المستطاع، ولم أترك جهدا كان من الممكن أن أبذله؛ وبحسب المرء من عمله أن تحسن نيته، وأن يقوم فيه بالأسباب التي تبلّغ القصد عادة، وليس عليه أن يدرك النجح أو تتم له المطالب.
ربّ إني أبرأ من الحول إلا بك، وأسألك أن تبلغ بي من خير الدنيا والآخرة ما لا سلطان عليه إلا لك، ربّ اغفر لي ولوالديّ، ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا.
القاهرة ٢٦ من رجب الفرد ١٣٥٨ هـ- ١٠ من سبتمبر ١٩٣٩ م كتبه المعتز بالله تعالى أبو رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد
стр. 7
ترجمة ابن الأثير
صاحب كتاب المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر (٥٥٨- ٦٣٧ هـ)
نسبه:
هو أبو الفتح نصر الله ضياء الدين بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشّيباني، المعروف بابن الأثير، الجزريّ، الموصليّ.
مولده:
ولد نصر الله بن الأثير في يوم الخميس العشرين من شعبان عام ثمان وخمسين وخمسمائة؛ بجزيرة ابن عمر.
وجزيرة ابن عمر- على ما يقول ياقوت الحموي معاصر أبناء الأثير الثلاثة-: «بلدة فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام، ولها رستاق مخصب واسع الخيرات، وأحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن خطاب التغلبي، وكانت له إمرة بالجزيرة وذكر، قرابة سنة ٢٥٠ هـ، وهذه الجزيرة تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال؛ ثم عمل هناك خندق أجري فيه الماء، ونصبت عليه رحى فأحاط بها الماء من جميع جوانبها بهذا الخندق» «١» ويقول ابن خلكان «٢» : «أكثر الناس يقولون إنها جزيرة ابن عمر، ولا أدري من ابن عمر، وقيل إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين؛ ثم إني
стр. 8
ظفرت بالصواب في ذلك، وهو أن رجلا من أهل برقعيد من أعمال الموصل بناها وهو عبد العزيز بن عمر، فأضيفت إليه، ورأيت في بعض التواريخ أنها جزيرة ابني عمر أوس وكامل، ولا أدري أيضا من هما، ثم رأيت في تاريخ ابن المستوفي في ترجمة أبي السعادات المبارك بن محمد (هو أخو نصر الله بن الأثير الذي نترجمه) أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس الثعلبي» .
فالجزريّ في نسب ابن الأثير نسبة إلى جزيرة ابن عمر هذه.
نشأته وحياته:
نشأ أبو الفتح نصر الله بن الأثير بجزيرة ابن عمر، ثم انتقل مع والده إلى الموصل، وبها اشتغل بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلوم، فحفظ القرآن، وكثيرا من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان، وشيئا كثيرا من الشعر قديمه وحديثه.
ولما كملت له الأدوات قصد في شهر ربيع الأول من عام سبع وثمانين وخمسمائة جناب السلطان الملك الناصر أبي المظفر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادي بن مروان؛ فاستعان بالقاضي الفاضل أبي علي عبد الرحيم بن علي بن محمد بن حسن اللخميّ البيسانيّ «١» ، وهو يومئذ آثر الناس عند صلاح الدين؛ فوصله القاضي بخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من العام نفسه، ولم تطل به الإقامة في خدمة صلاح الدين، حتى أرسل الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أبيه صلاح الدين، يطلب أن يرسل إليه ابن الأثير، فخيّره صلاح الدين بين أن يقيم في خدمته وأن ينتقل إلى خدمة ولده نور الدين؛ فاختار أن ينتقل إلى خدمة نور الدين، فمضى إليه في شوال من العام نفسه، وهو يومئذ شاب لم يكمل العقد الثالث من عمره؛ فاستوزره الملك الأفضل، وحسنت حالته عنده.
стр. 9
ولما خلص للملك الأفضل ملك دمشق بعد وفاة أبيه: «استقلّ ضياء الدين بن الأثير بالوزراة، وردّت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه» «١» فأساء ضياء الدين السيرة ويقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة «٢» . إنه: «شغف قلوب الجند إلى مصر حتى ساروا إليها فلقيهم الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وأكرم مثواهم» : «ولما انفصل الجند عن دمشق فوّض الملك الأفضل أمر الدولة إلى وزيره ابن الأثير وحاجبه الجمال محاسن ابن العجمي، ولم يكن أحدهما أحسن سياسة من الآخر، فأفسدا عليه الأحوال وكانا سببا في زوال دولته» «٣» ، ويقال «٤» : «إن أهل البلاد حينما خرج الأفضل هموا بقتل ضياء الدين بن الأثير، وإن الحاجب ابن العجمي أخرجه مستخفيا في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه وصحبه إلى مصر» ؛ ويقال: «إن الملك الأفضل حينما عاد إلى البلاد الشرقية طلب إلى ضياء الدين أن يخرج معه ليعود إلى خدمته، فلم يقبل ذلك لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه» . ولما استقرّ الملك الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته، ولكنه لم يطل مقامه عنده، وما عتم أن فارقه، واتصل بخدمة الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وهو أخو الملك الأفضل، ولم يطل مقامه عنده أيضا، ولا انتظم أمره، فعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله أيضا، فترك الموصل إلى إربل، ثم فارقها إلى سنجار، ثم عاد إلى الموصل واتخذها دار إقامته وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه. ويقول تقيّ الدين أحمد بن علي المقريزي في كتاب السلوك «٥» : «واستوزر الأفضل الوزير ضياء الدين نصر الله بن محمد بن الأثير، وفوض إليه أموره كلها؛ فحسّن له طرد أمراء أبيه وأكابر أصحابه، وأن يستجدّ أمراء غيرهم؛ ففارقه جماعة منهم الأمير فخر الدين جهاركس، وفارس الدين ميمون القصري،
стр. 10
وشمس الدين سنقر الكبير، وكانوا عظماء الدولة. فصاروا إلى الملك العزيز بالقاهرة فأكرمهم، وولي فخر الدين أستا داره وفوّض إليه أمره؛ وجعل فارس الدين وشمس الدين على صيداء وأعمالها، وكان ذلك لهما، وزادهما نابلس وبلادها؛ وسار القاضي الفاضل أيضا من دمشق ولحق بالقاهرة، فخرج العزيز إلى لقائه، وأجلّ قدومه وأكرمه، فشرع القوم في تقرير قواعد ملك العزيز، والأفضل في شغل عنهم» ، ويقول أيضا: إنه في سنة ٥٩٠ تسعين وخمسمائة قويت الوحشة بين العزيز وأخيه الأفضل، وتنافرت القلوب، واضطربت أحوال الأفضل، وخرج العزيز من القاهرة بعساكر مصر يريد الشام لينتزعها من أخيه الأفضل، «وهمّ الأفضل بمراسلة أخيه العزيز واستعطافه؛ فمنعه من ذلك وزيره ابن الأثير وعدة من أصحابه، وحسّنوا له محاربته» «١» ، ويقول أيضا «٢» : «وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وصل الملك الأفضل إلى دمشق، وتفرقت العساكر إلى بلادها، ولزم الأفضل الزهد، وأقبل على العبادة. وصارت أمور الدولة بأسرها مفوضة إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير، فاختلت به الأحوال غاية الاختلال، وكثر شاكوه» .
ومؤرخو هذا العصر مجمعون على أن ضياء الدين بن الأثير كان في وزارته سيىء السيرة مع رجال الدولة، وأن أحوال السلطنة كانت تسوء بسببه، ونحن نأخذ عليه أمرين: أحدهما: أنه كان يحاول الإيقاع بين الملك الأفضل وأخيه العزيز صاحب مصر، وكلما هم الأفضل بالاتّفاق مع أخيه وإعادة الصفاء بينهما اجتهد ضياء الدين في تنفيره وإبقاء الجفاء، مع ما كانت تتطلبه حال المسلمين في ذلك الوقت من اتحاد الكلمة واجتماع الشمل؛ إذ كان الصليبيون في نزاع دائم معهم وكانوا يهتبلون فرصة انقسامهم واختلافهم ليغيروا على البلاد وينتقصوها من أطرافها؛ والأمر الثاني: أنه كان سببا في إغضاب القاضي الفاضل وخروجه من دمشق إلى مصر، مع أن القاضي هو الذي قرّبه من الملوك وفتح له باب الاتّصال بصلاح الدين على ما سبق بيانه.
стр. 11
ولسنا ندري أكان ذلك راجعا إلى المحيط الذي كان يعيش فيه ضياء الدين، وهو محيط مضطرب دائم الاصطخاب كثير المنازعات والمشاكل، أم كان يرجع إلى خلق فيه؛ فإنا نلمح في كتابته آثار الكبرياء والصلف والاعتداد بالنفس، وهذا خلق ينأى بصاحبه كثيرا عن الحكمة والاتزان والنظر إلى الأمور بعين الإنصاف ووزنها بميزان الروية والعقل.
مؤلفات ابن الأثير:
ذكر ابن خلكان لابن الأثير عدة مؤلفات، وصدّر كلامه عليها بقوله «١» :
«ولضياء الدين من التصانيف الدالة على غزارة فضله وتحقيق نبله» .
ونحن نذكر لك ما ذكره ابن خلكان وغيره من مصنفاته؛ فنقول:
١- أشهر هذه المؤلفات هو كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» ، وهو كتابنا هذا الذي نقدمه الآن؛ ويقول عنه ابن خلكان «٢» : «وهو في مجلدين جمع فيه فأوعى، ولم يترك شيئا يتعلق بفن الكتاب إلا ذكره» .
٢- ومن مؤلفاته كتاب «الوشي المرقوم، في حل المنظوم» ، ويقول عنه ابن خلكان «٣» : «وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة» ، وقد طبع هذا الكتاب في عام ١٢٩٨ من الهجرة بمطبعة ثمرات الفنون بمدينة بيروت؛ ويقول المؤلف في أوله: «ولما ألفت كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر قصرت فصلا منه على ذكر هذه الطريقة «٤» وأتيت فيها بالمعاني الجليلة التي تفتقر إلى الفهم الدقيق، غير أني أحلت في مواضع منه على هذا الكتاب؛ وجعلت لذلك رمز الاختصار ولهذا مكاشفة الإسهاب ... وبنيته على مقدمة وثلاثة فصول: الفصل الأول، في حل الشعر؛ الفصل الثاني، في حل آيات القرآن؛ الفصل الثالث، في حل الأخبار النبوية» اه.
стр. 12
٣- ومن مؤلفاته كتاب «المعاني المخترعة، في صناعة الإنشاء» ، يقول عنه ابن خلكان «١» : «وهو أيضا نهاية في بابه» .
٤- ومن مؤلفاته مجموع اختار فيه شعر أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي؛ ويقول عنه ابن خلكان: وهو في مجلد واحد كبير، وحفظه مفيد؛ وقال أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل: نقلت من خطه في آخر كتابه المختار ما مثاله:
تمتّع به علقا نفيسا فإنّه اخ- ... - تيار بصير بالأمور حكيم
أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى ... إلى الشّعر من نهج إليه قويم
٥- ومن مؤلفاته «ديوان ترسّل» ويقول عنه ابن خلكان: وهو في عدة مجلدات؛ وذكر المؤلف نفسه في كتاب المثل السائر أنّ رسائله تبلغ كثيرا من المجلدات.
٦- ومن مؤلفاته «المختار من ديوان الترسّل» ويقول عنه ابن خلكان:
«وهو في مجلد واحد» .
هذا ما ذكره ابن خلكان من مؤلفاته، وابن خلكان معاصر لابن الأثير، وإن لم يقابله، وهو يقول في شأنه «٢» : «ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من عشر مرات، وهو مقيم بها، وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئا لما كان بينه وبين الوالد رحمه الله تعالى من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك، ثم فارقت بلاد المشرق، وانتقلت إلى الشام، وأقمت به مقدار عشر سنين، ثم انتقلت إلى الديار المصرية، وهو في قيد الحياة، ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا بالقاهرة» اه.
ومن مؤلفاته التي لم يذكرها ابن خلكان، ووقفنا عليها ما نذكره لك:
٧- منها كتاب «الجامع الكبير، في صناعة المنظوم والمنثور» وهو
стр. 13
يقول في مفتتحه: «أما بعد فلما كان تأليف الكلام مما لا يوقف على غوره، ولا يعرف كنه أمره، إلا بالاطّلاع على علم البيان، الذي هو لهذه الصناعة بمنزلة الميزان؛ احتجت حين سدوت نبذة من الكلام المنثور، إلى معرفة هذا العلم المذكور، لشرعت عند ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك في تحصيله سبيلا إلا نهجته، ولا غادرت في إدراكه بابا إلا ولجته، حتى اتّضح عندي باديه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه؛ كأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبي عثمان الجاحظ، وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب يشار إليه، وقول تعقد الخناصر عليه؛ ثم لما مضى على ذلك ملاوة من الدهر، وانقضى دونه برهة من العمر، لمحت في أثناء القرآن الكريم من هذا النحو أشياء ظريفة، ووجدت في مطاويه من هذا النوع نكتا دقيقة لطيفة، فعرضتها عند ذلك على الأقسام التي ذكرها هؤلاء العلماء وشرحوها، والأصناف التي بينوها في تصانيفهم وأوضحوها؛ فألفيتهم قد غفلوا عنها، ولم ينبهوا على شيء منها، فكان ذلك باعثا لي على تصفح آيات القرآن العزيز والكشف عن سره المكنون؛ فاستخرجت منه حينئذ ثلاثين ضربا من علم البيان، لم يأت به أحد من أولئك العلماء الأعيان، وكان ما ظفرت به أصل هذا الفن وعمدته، وخلاصة هذا العلم وزبدته» .
وفي دار الكتب المصرية نسختان خطيتان من هذا الكتاب: إحداهما:
مكتوبة في عام ١٣١٤ من الهجرة، وهي تحت رقم (٣٧٠ بلاغة) ، والثانية مكتوبة في عام ١٢٠٥ من الهجرة، وهي تحت رقم (١٦٦ مجاميع م) ؛ وفي مكتبتي الخاصة قطعة من هذا الكتاب.
وفي دار الكتب نسخة من كتاب «البديع» منسوبة إلى المبارك أبي السعادات مجد الدين بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري؛ وهو أخو ضياء الدين نصر الله بن الأثير صاحب المثل السائر؛ وأبو السعادات المبارك هو مؤلف كتاب «النهاية، في غريب الحديث
стр. 14
والأثر» ومؤلف كتاب «جامع الأصول، في أحاديث الرسول» ولم يعرف عنه أن له في البلاغة كتابا، فإذا صحّ أن هذا الكتاب لأحد أبناء الأثير فالغالب أنه لضياء الدين نصر الله الذي نترجمه.
نقد المثل السائر وشروحه:
ولم يكد كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» يظهر حتى تداوله الناس وكتبوه، وأخذوا في التقريظ له، والانتفاع به، وذاع أمره في البلاد، حتى نقله الناس إلى بغداد، وفيها الفقيه الأديب الشيخ عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين، المعروف بابن أبي الحديد، وهو شديد الاتصال بالوزير مؤيد الدين محمد أبي طالب بن أحمد بن محمد العلقمي، فلما رأى تقريظ الناس للكتاب واشتغالهم بدراسته وتهافتهم على انتساخه تصدّى لمؤاخذته والرد عليه، وعنته، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه: «الفلك الدائر، على المثل السائر» ، وهو يقول في مفتتح هذا الكتاب: «وبعد؛ فقد وقفت على كتاب نصر الدين «١» بن محمد الموصلي المعروف بابن الأثير الجزري المسمّى كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» ؛ فوجدت فيه المحمود والمقبول، والمردود والمرذول؛ أما المحمود منه فإنشاؤه وصناعته، فإنه لا بأس بذلك؛ إلا في الأقل النادر، وأما المردود منه فنظره وجدله واحتجاجه واعتراضه؛ فإنه لم يأت في ذلك في الأكثر الأغلب بما يلتفت إليه، ولا بما يعتمد عليه؛ فحداني على تتبعه ومناقضته في هذه المواضع النظرية أمور: منها إزراؤه «٢» على الفضلاء؛ وغضه منهم، وعيبه لهم، وطعنه عليهم؛ فإن في ذلك ما يدعو إلى الغيرة عليهم، والانتصار لهم ومنها إفراطه في الإعجاب بنفسه، والتبجح برأيه،
стр. 15
والتقريظ لمعرفته وصناعته، وهذا عيب قبيح يحبط عمل الإنسان، ويوجب المقت من الله والعباد؛ ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره، إذ لم يعطه على قدر استحقاقه، فأردنا أن نعرّفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق، وأن الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل، ولا يرده النقص؛ ومنها أن جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في هذا الكتاب جدا، وتعصبوا له حتى فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن، وأوصلوا منه نسخا معدودة إلى مدينة السلام (بغداد) وأشاعوه، وتداوله كثير من أهلها؛ فاعترضت عليه بهذا الكتاب، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية، عمر الله تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه وأطال بطول بقاء مالكها يد العلم وباعه، وجعل ملائكة السماء أنصاره وأشياعه، كما جعل ملوك الأرض أعوانه وأتباعه؛ وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ورؤساء بلدته أن من أصاغر خدم هذه الدولة الشريفة- ولا أعني نفسي فالعجب مبير، ولا أنبىء عني فمثلي كثير (ثم أخذ في مديح رجال مملكته بما يطول) - وهذا الكتاب وقع إليّ في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ فتصفحته أوّلا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا بصددها، وعلقت هذا الكتاب في أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور فكان مجموع مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما، ولم أعاود النظر فيه دفعة ثانية، وربما يسنح لي عند المعاودة نكت أخرى، وإن وقع ذلك ألحقتها، وقد سميت هذا الكتاب «الفلك الدائر، على المثل السائر» ؛ لأنه شاع في كلامهم وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما باد ودثر: قد دار عليه الفلك، كأنهم يريدون أنه قد طحنه ومحا صورته، ومن ذلك قول أبي العتاهية:
إن كنت تنشدهم فإنّهم ... همدوا ودار عليهم الفلك
وأنا أسأل الله المعونة والتوفيق، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق؛ بمنّه وكرمه» اه كلامه بحروفه.
стр. 16
ولا أحبّ أن أعلّق على هذا الكلام، ولكني أقول: إني لما قرأت الكتاب- وكنت أفكر في نشره بأسفل صفحات هذا الكتاب عند مواطن النقد- لم أجد فيه ما يبعث على تحقيقه وبذل الجهد فيه.
ولم يكتف ابن أبي الحديد بهذا الكتاب، بل هو ينتهز الفرصة في شرحه على نهج البلاغة؛ فينقل كلام ابن الأثير ويعترض عليه، أسمع إليه يقول فيه (١- ٤٤١) : «وأنا أحكي ههنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري في كتابه المسمى بالمثل السائر في الكناية والتعريض، وأذكر ما عندي فيه» اه، ثم هو ينقل كلاما طويلا يقع في نسخة المثل السائر التي نقدمها لك اليوم في الجزء الثاني (من ١٨٠ إلى ٢٠٣) ثم يأخذ بعد ذلك في نقد كلامه نقدا يرجع إلى العبارة وإلى طريق عرضها، ولا يرجع إلى لبابها وحقيقتها، مثل أن يقول: «إنه (يعني ابن الأثير) اختار حد الكناية، وشرع يبرهن على التحديد، والحدود لا يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوى التي تحتاج إلى الدولة؛ لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل» اه، وأنت- أيها القارئ- لو رجعت إلى كلام ابن الأثير وجدت كلامه يتلخص في أن القوم الذين صنفوا في علم البيان من قبله قد عرّفوا الكناية بتعريف، وأنه لا يرتضي هذا التعريف، وهو يرى تعريفها بتعريف آخر، ويرى تعريفه خيرا من تعريف السابقين؛ وهو يبين أولا ما ينطبق عليه تعريف السابقين، وما ينطبق عليه تعريفه هو؛ ثم يبرهن في أثناء ذلك على دعواه أن تعريفه خير من تعريف غيره؛ فهذا البرهان- إن صحّ أن يكون برهانا بالمعنى المعروف في علم الجدل- ليس على الحد كما زعم ابن أبي الحديد، ولكنه على دعوى ادّعاها، إن صراحة وإن ضمنا، وهي أن ما ارتضاه من التعريف خير مما ذكره المتقدمون؛ والواقع أن كتاب «الفلك الدائر» يبدو لمن يتصفحه وهو منصف أن روح التحامل هي التي أملته على مؤلفه، وأنه كتب مع رغبة ملحّة في النّيل من ابن الأثير والغضّ من عمله. وليس معنى هذا الكلام أن ابن الأثير قد أصاب في الكتاب كله، وأنه لا مطعن عليه، ولكن الذي نريد أن نقرره في
стр. 17
طمأنينة هو أن ابن أبي الحديد قد تعرض في الغالب لما لا ينبغي أن يتعرض له أديب يؤثر اللباب على القشور، وترك أشياء هي أولى بالنظر والرعاية، وعذره أنه قرأ الكتاب وكتب نقده عليه في خمسة عشر يوما هو مشتغل في أثنائها بعمله في الدولة؛ فهو- فيما نرى اليوم- أشبه بتقرير من تقريرات حضرات «الموظفين» في أمر من الأمور التي يكلفون مباشرة تنفيذها؛ إذ يكتبونه وهم يعلمون أنه لن يقرأ، وإن قرئ فلن يعمل بما فيه؛ ومن قرأ كتاب «الفلك الدائر» ثم قرأ عشرة أوراق من شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة في مكان أي مكان منه يتبين له الفرق بين الكتابين، ويدرك تمام الإدراك قيمة رأينا هذا في هذا الكتاب.
قال صاحب كشف الظنون (٢- ٢٢٢ بولاق مصر) : «وشرحه أبو منصور موهوب بن أبي طاهر الجواليقي «١» المتوفى في عام ... هـ، وصنّف بعضهم كتابا سماه «الروض الزاهر، في محاسن المثل السائر» وصنّف عز الدين بن أبي الحديد كتابا سماه «الفلك الدائر، على المثل السائر» وصنف أبو القاسم محمود بن الحسين الركن السنجاري المتوفى في عام ٦٤٠ هـ كتابا يرد فيه عليه وسماه «نشر المثل السائر، وطي الفلك الدائر» وصنّف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى في عام ٧٦٤ هـ- كتابا سماه «نصرة الثائر، على المثل السائر» ، وصنف عبد العزيز بن عيسى كتابا سماه «قطع الدابر، عن الفلك الدائر» اه.
ربّ اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ربّ ولا تخزني يوم القيامة؛ واجعلني عندك من المقبولين؛ آمين.
كتبه المعتز بالله تعالى أبو رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد
стр. 18
[مقدمة الكتاب]
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) نسأل الله ربّنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلّمنا من البيان ما يقصر عنه مزيّة الفضل «١» وأصله، وحكمة الخطاب وفضله؛ ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسوله الذي هو أفصح من نطق بالضاد، ونسخ هديه شريعة كل هاد، وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر «٢» .
وبعد؛ فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه للأحكام وأدلة الأحكام؛ وقد ألّف الناس فيه كتبا، وجلبوا ذهبا وحطبا، وما من تأليف إلّا وقد تصفّحت شينه وسينه «٣» ، وعلمت غثّه وسمينه؛ فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلّا كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمديّ، وكتاب سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجيّ، غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولا، وأجدى
стр. 19
محصولا، وكتاب سر الفصاحة- وإن نبّه فيه على نكت منيرة- فإنه قد أكثر، مما قلّ به مقدار كتابه، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها، ومن الكلام على اللفظة المفردة وصفاتها مما لا حاجة إلى أكثره، ومن الكلام في مواضع شذّ عنه الصواب فيها، وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
على أن كلا الكتابين قد أهملا «١» من هذا العلم أبوابا، ولربما ذكرا في بعض المواضع قشورا وتركا لبابا، وكنت عثرت على ضروب كثيرة منه في غضون القرآن الكريم، ولم أجد أحدا ممن تقدّمني تعرّض لذكر شيء منها، وهي إذا عدّت كانت في هذا العلم بمقدار شطره، وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره، وقد أوردتها ههنا، وشفعتها بضروب أخر مدوّنة في الكتب المتقدمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متّبعة، وكل ذلك يظهر عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من الكتب.
وقد بنيته على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان؛ ولا أدّعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سلق «٢» اللسان؛ فإن الفاضل من تعدّ سقطاته، وتحصى غلطاته.
ويسيء بالإحسان ظنّا، لا كمن ... هو بابنه وبشعره مقتون «٣»
стр. 20
وإذا تركت الهوى قلت: إن هذا الكتاب بديع في إغرابه، وليس له صاحب في الكتب فيقال: إنه من أخدانه أو من أترابه، مفرد بين أصحابه، ومع هذا فإني أتيت بظاهر هذا العلم دون خافيه، وحمت حول حماه ولم أقع فيه؛ إذ الغرض إنما هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصّع، وتخلب العقول فتخدع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر.
واعلم- أيها الناظر في كتابي- أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب- وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذا، وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا- فإن الدربة والإدمان أجدى عليك نفعا، وأهدى بصرا وسمعا، وهما يريانك الخبر عيانا، ويجعلان عسرك من القول إمكانا، وكلّ جارحة منك قلبا ولسانا، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك، واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهّدته لك من هذه الطريق إلا كمن طبع سيفا ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبا، فإن حمل النصال، غير مباشرة القتال.
وإنّما يبلغ الإنسان غايته ... ما كلّ ماشية بالرّحل شملال «١»
ولنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: أما مقدمة الكتاب، فإنها تشتمل على عشرة فصول:
стр. 21
الفصل الاول في موضوع علم البيان
موضوع كل علم: هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته؛ فموضوع الفقه هو أفعال المكلفين، والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها: من الفرض والنّفل والحلال والحرام والندب والمباح، وغير ذلك، وموضوع الطبّ هو بدن الإنسان، والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من صحته وسقمه، وموضوع الحساب هو الأعداد، والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الضرب والقسمة والنسبة، وغير ذلك، وموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني، والنحوي يسأل عن أحوالهما في الدلالة من جهة الأوضاع اللغوية، وكذلك يجري الحكم في كل علم من العلوم، وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه، ولم يختلط بغيره، وعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية، وهو والنحوي يشتركان في أن النحويّ ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة، ومن ههنا غلط مفسّر والأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون شرح ما تضمنته من أسرار الفصاحة والبلاغة.
стр. 22
الفصل الثاني في آلات علم البيان وأدواته
اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة، وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كلّ ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه فيقول: فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلم، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول: فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن.
وملاك هذا كلّه الطبع «١» ؛ فإنه إذا لم يكن ثمّ طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئا؛ ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئا؟.
وكثيرا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلّم العلوم، حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ، فإذا كلّف تعلم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه، ولم يكن له فيه نفاذ.
وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء، أو في الهجاء دون المديح، أو يجيد في المراثي دون التهاني، أو في التهاني دون المراثي، وكذلك صاحب الطبع في المنثور؛ هذا ابن الحريري صاحب المقامات؛ قد كان- على ما ظهر عنه من تنميق المقامات- واحدا في فنّه، فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته قيل: هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن أثره فيه، فأحضر، وكلّف كتابة كتاب، فأفحم، ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة، فقال فيه بعضهم:
стр. 23
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في بغداد بالخرس
وهذا مما يعجب منه.
وسئلت عن ذلك فقلت: لا عجب؛ لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص. وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له؛ لأن المعاني تتجدّد فيها بتجدّد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا خطب الكاتب المفلق عن دولة من الدّول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور، وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدوّن عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري حجما؛ لأنه إذا كتب في كل يوم كتابا واحدا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة المشار إليها، وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها إذ تكون كلها جيدة فيخلص منها النصف، وهو خمسة أجزاء، والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب، وما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة، على أن الحريري قد كتب في أثناء مقاماته رقاعا في مواضع عدة، فجاء بها منحطّة عن كلامه في حكاية المقامات، لا، بل جاء بالغثّ البارد الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها، وله أيضا كتابة أشياء خارجة عن المقامات، وإذا وقف عليها أقسم أن قائل هذه ليس قائل هذه؛ لما بينهما من التفاوت البعيد.
وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن أحمد] بن الخشاب النحوي ﵀ أنه كان يقول: ابن الحريريّ رجل مقامات: أي أنه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، وإن أتى بغيرها لا يقول شيئا.
فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور؛ ومن أجل ذلك قيل: شيئان لا نهاية لهما: البيان، والجمال.
وعلى هذا فإذا ركب الله تعالى في الإنسان طبعا قابلا لهذا الفن فيفتقر حينئذ إلى ثمانية أنواع من الآلات.
стр. 24
النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف.
النوع الثاني: معرفة ما يحتاج إليه من اللغة، وهو المتداول المألوف استعماله في فصيح الكلام غير الوحشيّ الغريب ولا المستكره المعيب.
النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي جاءت في حوادث خاصة بأقوام؛ فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضا.
النوع الرابع: الاطّلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة المنظومة منه والمنثورة، والتحفظ للكثير منه.
النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية: الإمامة، والإمارة، والقضاء، والحسبة، وغير ذلك.
النوع السادس: حفظ القرآن الكريم، والتدرّب باستعماله وإدراجه في مطاوي كلامه.
النوع السابع: حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي ﷺ ، والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال.
النوع الثامن: وهو مختص بالناظم دون الناثر- وذلك علم العروض والقوافي الذي يقام به ميزان الشعر.
ولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع؛ ليعلم أن معرفته مما تمسّ الحاجة إليه، فنقول:
النوع الأول:
أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ليأمن معرّة اللحن، ومع هذا فإنه، وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئا بالوضع، بل جعل الوضع عاما، وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدوّنة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له: قوم، بإثبات الواو ولم
стр. 25
تجزم، لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: إن تقوم أقوم، ولم تجزم، لكان المعنى مفهوما، والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال والتمييز والاستثناء، فإذا قلت: جاء زيد راكب، وما في السماء قدر راحة سحاب، وقام القوم إلا زيد، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبين إعرابا؛ لما توقّف الفهم على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في المجرورات، وفي المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدإ والخبر، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها.
لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيّده، وإنما يقع ذلك في الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول:
اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول على الفاعل؛ فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل الأمر كقولك: ضرب زيد عمرو، ويكون زيد هو المضروب؛ فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا، وإلا لا يفهم ما أردت؛ وعلى هذا ورد قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء.
وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبين الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه؛ إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنة، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بيّن الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدا، وما أحسن زيد، وما أحسن زيد؛ علمنا غرضه، وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب؛ فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو؛ إذ كان ضابطا لمعاني الكلام، حافظا لها من الاختلاف.
وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدّؤلي، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: يا أبت ما أشدّ الحر، متعجبة، ورفعت أشد، فظنها مستفهمة، فقال: شهر ناجر؛ فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك! فأتى عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب،
стр. 26
ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحلّ، فقال له: وما ذاك؟ فأخبره خبر ابنته، فقال: هلمّ صحيفة، ثم أملى عليه «الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى» ثم رسم له رسوما فنقلها النحويون في كتبهم.
وقيل: «إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم؟
فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلف بنون!! مه، ردّوا عليّ أبا الأسود. فردّوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئا.
ثم جاء بعده ميمون الأقران فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري، فزاد عليه، ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، فزادا عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزديّ، وتتابع الناس، واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك.
فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادي أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرا.
فإن قيل: أما علم النحو فمسلّم إليك أنه تجب معرفته، لكن التصريف لا حاجة إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، وهذا لا يضرّ جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق، فنقول: إذا قال القائل: رأيت سرداحا «١» ، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصليه؛ لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك، ولو قالت سردحا، بغير ألف، لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول سرداحا، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ
стр. 27
كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج تقتضيه صناعة تأليف الكلام.
فالجواب عن ذلك أنّا نقول: اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفا بالمعاني، مختارا لها، قادرا على الألفاظ، مجيدا فيها، ولم يكن عارفا بعلم النحو؛ فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام ويختلّ عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم، وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب، فنقول: أما قولك إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من المثال المضروب؛ فإن ذلك لا يستمرّ لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثّلت كلامك في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضلّ حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي وكان جاهلا بعلم التصريف كيف تصغير لفظة اضطراب فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك، لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به، وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته «١» نحو قولهم في منطلق: مطيلق، وفي جحمرش: جحيمر؛
стр. 28
فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى؛ فلذلك لم تحذف، وحذفت النون، وأما لفظة جحمرش فخماسية لا زيادة فيها وحذف منها حرف أيضا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملا اتكالا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئا من التصريف؛ لأن كلا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر، ومحتاج إليه.
وإنما قلت: إن النحوي إذا سئل عن تصغير لفظة اضطراب يقول: ضطيرب؛ لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة اضطراب الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة غير الألف ليست من حروف الزيادة؛ فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد؛ فلذلك قلنا:
إن النحوي يصغر لفظة اضطراب على ضطيرب؛ فيحذف الألف التي هي حرف زائد، دون غيرها مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقال: ضتيرب؛ فإن هذا لا يعلمه إلا التصريفي، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه؛ فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف؛ لئلا يغلط في مثل هذا.
ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع ابن أبي نعيم، وهو من أكبر القراء السبعة قدرا، وأفخمهم شأنا، قال في معايش:
معائش، بالهمز»
، ولم يعلم الأصل في ذلك؛ فأوخذ عليه، وعيب من أجله، ومن
стр. 29
جملة من عابه أبو عثمان المازني؛ فقال في كتابه في التصريف: إن نافعا لم يدر ما العربيّة، وكثيرا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطّلاع لهم عليها؟ وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا، وهذه لفظة معايش لا يجوز همزها بإجماع من علماء العربية، لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينا، نحو سفائن، وفي هذا الموضع غلط نافع رحمة الله عليه، لأنه لا شك اعتقد أن معيشة بوزن فعيلة وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في معيشة معيشة على وزن مفعلة، وذلك لأن أصل هذه الكلمة من عاش التي أصلها عيش على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين يفعل لتصح الياء، نحو يعيش، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير يعيش، ثم يبني من يعيش مفعول فيقال: معيوش به، كما يقال: مسيور به، ثم يخفف ذلك بحذف الواو؛ فيقال: معيش به، كما يقال: مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير معيشة.
ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي؛ فإن اللحن الظاهر قد كثرت مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر واستشعار القدرة عليه توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه؛ فيجهل بما يكون عالما به.
ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر:
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب
стр. 30
وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس؛ فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقليّ يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو حبلى؛ إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته؟.
وقد غلط أبو تمام في قوله:
بالقائم الثّامن المستخلف اطأدت ... قواعد الملك ممتدّا لها الطّول
ألا ترى أنه قال: اطّأدت، والصواب اتّطدت؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: أحدهما مقيس عليه، كهذا الموضع، لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: اتّعد، ومثله ما ورد في هذا البيت؛ فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد؛ فإذا بني منه افتعل قيل: اتّطد، ولا يقال اطّأد، وأما غير المقيس فقولهم في وجاه:
تجاه، وقالوا: تكلان، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل؛ فأبدلت الواو تاء للاستسحان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتتوقّى.
على أني لم أجد أحدا من الشعراء المفلقين سلم من مثل ذلك؛ فإما أن يكون لحن لحنا يدل على جهله مواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدم زمانه، كالمتنبي «١» ، ومن كان قبله، كالبحتري «٢» ، ومن تقدمه، كأبي تمام «٣» ، ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
стр. 31
على أن المخطىء في التصريف أندر «١» وقوعا من المخطىء في النحو؛ لأنه قلما يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه؟
كقول أبي نواس في الأمين «٢» محمد ﵀:
يا خير من كان ومن يكون ... إلّا النّبيّ الطّاهر الميمون
فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو، وليس من خافيه في شيء، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي:
أرأيت همّة ناقتي في ناقة ... نقلت يدا سرحا وخفّا مجمرا «٣»
تركت دخان الرّمث في أوطانها ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا «٤»
وتكرّمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذفرا «٥»
فجمع في حال التثنية؛ لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا من أظهر ظواهر النحو، وقد خفي على مثل المتنبي.
стр. 32
ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتّباعهم؛ والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتّصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحا في حسن الكلام؛ لأنه إذا قيل: جاء زيد راكب، إن لم يكن حسنا إلا بأن يقال: جاء راكبا- بالنصب- لكان النحو شرطا في حسن الكلام، وليس كذلك.
فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور.
وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام؛ من أجل إقامة الميزان الشعري.
النوع الثاني:
وهو قولنا: «إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله» فسيرد بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة بالصناعة اللفظية.
ويفتقر أيضا مؤلّف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر؛ ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ [سعة في] العدول عنه إلى غيره، مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمى المترادفة، وهي اتحاد المسمّى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح، والمدام؛ فإن المسمّى بهذه الأسماء شيء واحد، وأسماؤه كثيرة.
وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء المشتركة ليستعين بها على استعمال التجنيس في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات، كالعين؛ فإنها تطلق على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر، وغيره، إلا أن المشتركة تفتقر
стр. 33
في الاستعمال إلى قرينة تخصّصّها؛ كي لا تكون مبهمة، لأنا إذا قلنا: عين؛ ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنّا إليه قرينة تخصه زال ذلك الإبهام؛ بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضّاخة «١» ، أو ملثّة «٢» ، أو غير ذلك.
وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية:
فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعا، ويقول:
إن ذلك يخلّ بفائدة وضع اللغة؛ لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها «٣» على المعاني: أي وضع الأسماء على المسميات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما هو ضدّ البيان، لكن طريق البيان أن يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازا؛ فإذا قلنا «هذه كلمة» ، وأطلقنا القول؛ فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا قيدنا اللفظ فقلنا «هذه كلمة شاعرة» فهم منه القصيدة المقصدة من الشعر، وهي مجموع كلمات كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا ألبتة.
هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، وفي ذلك ما فيه، وسأبين ما يدخله من الخلل؛ فأقول في الجواب عن ذلك ما استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول من قبلي.
وهو أمّا قولك «إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ، واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة» ، فهذا غير مسلّم، بل فائدة وضع اللغة هو البيان والتحسين.
أما البيان فقد وفى [به] الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دلّ على
стр. 34
مسمى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينا مفهوما لا يحتاج إلى قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئا غيرها لكان كافيا في البيان.
وأما التحسين فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أنّ من مهمات ذلك التّجنيس، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد دلّ على مسميين فصاعدا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجح أحدهما على الآخر، وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا فإن وضعها الواضع ذهب بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجّح حينئذ جانب الوضع؛ فوضع.
فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل لا إلى واضع واحد؟.
قلت في الجواب «١» : هذا تعسف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين:
أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوّغ للواضع أن يضع. الآخر: أنّا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسمّيين اثنين، كقولهم: كعاب، جمع كعب الذي هو كعب الرجل، وجمع كعبة وهي البنيّة المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا «كعاب» من غير قرينة لا يدرى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنيّة المعروفة؟ وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: راح، اسم للخمر، وراح جمع راحة وهي الكف؛ وكقولهم: عقاب، وهو الجزاء على الذنب، وجمع عقبة أيضا؛ وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد.
стр. 35
فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره.
قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع اللغة أن يوضع المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والمصغر، والمكبر، والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخلّ بشيء من ذلك كان قد أخلّ بقاعدة من قواعد وضع اللغة، ثم لو سلمت إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ، لأنه جمع كعبة التي هي البنيّة وكعب الرجل، على كعاب؛ وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان؛ فإن الإبهام حاصل منه.
وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: صفراء فاقع لونها تسر الناظرين
وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود، فأنكرت عليه هذا القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير النقاش، وتفسير البلاذري، فقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو الأصفر لا يخلو في دلالته على الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدل كل اسم منها على مسمّى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما أنه من الأسماء المشتركة التي يدل الاسم منها على مسمّيين فصاعدا، ولا يجوز أن يكون من الأسماء المتباينة؛ لأنا نراه متجاذبا بين لونين: أحدهما: هذا اللون الزعفراني الشكل، والآخر: اللون المظلم الشكل، وعلى هذا فإنه يكون من الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بدّ له من قرينة تخصصه باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: صفراء فاقع لونها
والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قان، وأصفر فاقع، ولم يقل أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود، وإنما كان أصفر، فلما تحقّق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم.
وأما النوع الثالث:
فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي
стр. 36
وردت في حوادث خاصة بأقوام، وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم؛ فإنّ منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن استعماله، وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني أوراقا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال؛ وسبيل المتصدّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصارا.
وسبب ذلك ما أذكره لك لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه كما قال المفضل بن محمد «١» : أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكما، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون علي، فقال الحكم: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» . فذهبت مثلا، ومن المعلوم أن قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به والأسباب التي قيل من أجلها لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد، ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى مفيد، لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختل المعنى، ليس بمستقيم، فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوّح بها على المعاني تلويحا
стр. 37
صارت من أوجز الكلام، وأكثره اختصارا، ومن أجل ذلك قيل في حدّ المثل: إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.
وأما أيام العرب فإنها تتنوّع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك، ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلا له؛ فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه؛ فإنه يكون في غاية الحسن والرّونق؛ هذا لا خفاء به.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها:
فمن ذلك أنه ورد عن النبي ﷺ حديث بيعة الحديبية تحت الشّجرة، وكان أرسل عثمان ﵁ إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله بيده الشمال على اليمين وقال: «هذه عن عثمان، وشمالي خير من يمينه» .
وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعدّ البر برّا حتى يلحق الغيث بالحصور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله ﷺ عن يمين عثمان.
ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمّال، وكان منهم الرّبيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ مولى عمر «١» ، وسأله عما يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء، وخفا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة
стр. 38
العمال، فصوب عمر نظره وصعّده، فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت:
وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله؛ فإن الأحوال تتنقل تنقّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
فانظر كيف فعلت في هاتين القصّتين؟ وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته؟ وامض أنت على هذا النّهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.
وعرض عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني «١» ﵀ عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ إلى ديوان الخلافة ببغداد في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وضمّنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال، ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفّى فيه الخطابة حقّها؛ إلا أنه أخل بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة، فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.
وقد سألني بعض الإخوان أن أنشىء في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فقلت:
ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية وقد قام بها منبر وسرير، وقالت: منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي ﷺ من قريته، وقذف
стр. 39
الشيطان على حقها بباطله وعلى صدقها بغويته «١» ، ثم طوتها الليالي طيّ السجل للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات ثلاث كلها ذوات غروب «٢» ، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام في الإسلام كعام حديبيته وعمرة قضائه وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنّة في رءوس الأقلام، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرّخ فيه معاد «٣» نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدّت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي وهذه ليلة قدرها.
فهذا فصل من فصول الكتاب؛ فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة؟ وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي ﷺ : منّا أمير ومنكم أمير؛ وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور، وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني- مع تقدمه في فن الكتابة- كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه.
وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمنه فصولا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر
стр. 40
لدين الله، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله:
ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام، وشيئا من هذا النّسق، وكان الأليق والأحسن أن يحتجّ بحجة فيها روح، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة.
وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك، فسألني عما كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نصّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا، وعلى غيره محظورا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل «١» وحرج التحريم «٢» ، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمتاب، ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا، وقبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالإخلاص عهدا.
فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدا على هذا الموضع؟ ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذ عن ابن زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن.
следующие страницы →