Полный текст (791 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وردت في حوادث خاصة بأقوام، وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم؛ فإنّ منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن استعماله، وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني أوراقا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال؛ وسبيل المتصدّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصارا.
وسبب ذلك ما أذكره لك لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه كما قال المفضل بن محمد «١» : أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكما، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون علي، فقال الحكم: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» . فذهبت مثلا، ومن المعلوم أن قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به والأسباب التي قيل من أجلها لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد، ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى مفيد، لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختل المعنى، ليس بمستقيم، فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوّح بها على المعاني تلويحا
стр. 37
صارت من أوجز الكلام، وأكثره اختصارا، ومن أجل ذلك قيل في حدّ المثل: إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.
وأما أيام العرب فإنها تتنوّع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك، ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلا له؛ فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه؛ فإنه يكون في غاية الحسن والرّونق؛ هذا لا خفاء به.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها:
فمن ذلك أنه ورد عن النبي ﷺ حديث بيعة الحديبية تحت الشّجرة، وكان أرسل عثمان ﵁ إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله بيده الشمال على اليمين وقال: «هذه عن عثمان، وشمالي خير من يمينه» .
وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعدّ البر برّا حتى يلحق الغيث بالحصور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله ﷺ عن يمين عثمان.
ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمّال، وكان منهم الرّبيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ مولى عمر «١» ، وسأله عما يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء، وخفا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة
стр. 38
العمال، فصوب عمر نظره وصعّده، فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت:
وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله؛ فإن الأحوال تتنقل تنقّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
فانظر كيف فعلت في هاتين القصّتين؟ وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته؟ وامض أنت على هذا النّهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.
وعرض عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني «١» ﵀ عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ إلى ديوان الخلافة ببغداد في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وضمّنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال، ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفّى فيه الخطابة حقّها؛ إلا أنه أخل بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة، فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.
وقد سألني بعض الإخوان أن أنشىء في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فقلت:
ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية وقد قام بها منبر وسرير، وقالت: منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي ﷺ من قريته، وقذف
стр. 39
الشيطان على حقها بباطله وعلى صدقها بغويته «١» ، ثم طوتها الليالي طيّ السجل للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات ثلاث كلها ذوات غروب «٢» ، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام في الإسلام كعام حديبيته وعمرة قضائه وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنّة في رءوس الأقلام، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرّخ فيه معاد «٣» نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدّت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي وهذه ليلة قدرها.
فهذا فصل من فصول الكتاب؛ فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة؟ وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي ﷺ : منّا أمير ومنكم أمير؛ وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور، وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني- مع تقدمه في فن الكتابة- كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه.
وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمنه فصولا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر
стр. 40
لدين الله، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله:
ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام، وشيئا من هذا النّسق، وكان الأليق والأحسن أن يحتجّ بحجة فيها روح، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة.
وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك، فسألني عما كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نصّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا، وعلى غيره محظورا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل «١» وحرج التحريم «٢» ، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمتاب، ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا، وقبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالإخلاص عهدا.
فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدا على هذا الموضع؟ ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذ عن ابن زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن.
стр. 41
وأما النوع الرابع:
- وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور- فإن في ذلك فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، وتذكي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا بها تصير المعاني التي ذكرت وتعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منه ما أراد ويترك ما أراد، وأيضا فإنه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه، ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة فإن بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا عنه إلا بشيء يسير، وكثيرا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول، وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا؛ إن شاء الله تعالى.
وأما النوع الخامس:
- وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك- فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين ومن يجري مجراهم، وأيضا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات: بأن يموت الإمام القائم بأمر المسلمين، ثم يتولى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة، أو يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان، أو يكون أرباب الحل والعقد قد اختاروا إماما وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرناه، فتختلف الأطراف في ذلك، وينتصب ملك من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام للمسلمين، فيأمر كاتبه أن يكتب كتابا في أمره إلى الأطراف المخالفة له، وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا بالحكم في هذه الحوادث، واختلاف أقوال العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك وما ليس برخصة؛ لا يكتب كتابا ينتفع به، ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورا على فقه محض فقط؛ لأنا لو أردنا ذلك لما
стр. 42
كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب بلاغي، بل كنا نقتصر على إرسال مصنف من مصنفات الفقه عوضا عن الكتاب، وإنما قصدنا أن يكون الكاتب الذي يكتب في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب، والمسامحة في موضع والمحاقة «١» في موضع، مشحونا ذلك بالنكت الشرعية المبرزة في قوالب البلاغة والفصاحة، كما فعل الكاتب الصابي في الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة ابن بويه إلى الإمام الطائع لما خلع المطيع؛ فإنه من محاسن الكتب التي تكتب في هذا الفن.
وأما النوع السادس: -
وهو حفظ القرآن الكريم- فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له أن يكون عارفا بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يضمّن كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرّونق؛ ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودعة في تأليف القرآن اتّخذه بحرا يستخرج منه الدرر والجواهر ويودعها مطاوي كلامه، كما فعلته أنا فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام؛ فعليك أيها المتوشح لهذه الصناعة بحفظه والفحص عن سره وغامض رموزه وإشاراته؛ فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعوّل عليه.
وأما النوع السابع:
- وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله- فإن الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم، وقد تقدم القول عليه، فاعرفه.
وأما النوع الثامن:
- وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض وما يجوز فيه من الزحاف وما لا يجوز- فإن الشاعر محتاج إليه، ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه؛ فإن النظم مبني على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل لجاء شعره متكلفا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض لأن الذوق قد ينبو
стр. 43
عن بعض الزحافات، ويكون ذلك جائزا في العروض، وقد ورد للعرب مثله، فإذا كان الشاعر غير عالم به لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، وكذلك أيضا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات؛ ليعلم الروي والردف وما يصح من ذلك وما لا يصح.
فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات، وكان ذا طبع مجيب وقريحة مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفح لما أودعناه من حقائق علم البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر، ومعرفته ضرورية لا بد منها، وههنا أشياء أخر هي كالتوابع والروادف.
وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون؛ حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا، والسبب في ذلك أنه مؤهل لأن يهيم في كل واد؛ فيحتاج أن يتعلق بكل فن.
стр. 44
الفصل الثالث في الحكم على المعاني
وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها، وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة، لا سيما مفسري الأشعار؛ فإنهم به أعنى.
واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: «وثيابك فطهر»
فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس، وهذا لا بد له من دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، وكذلك ورد عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك، فالظاهر من هذا هو البيت والباب، ومن تأول ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك همّ قلبك وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبّر عن القلب بالبيت، وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ؛ فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف؛ إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا، فإنه قد يأخذ بعضهم وجها ضعيفا من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجود القوية؛ فإن السيف بضاربه:
إنّ السّيوف مع الّذين قلوبهم ... كقلوبهنّ إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراءة حدّه ... مثل الجبان بكفّ كلّ جبان
وذهب بعضهم في الفرق بين التفسير والتأويل إلى شيء غير مرضيّ، فقال:
التفسير: بيان وضع اللفظ حقيقة، كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل: إظهار باطن
стр. 45
اللفظ، كقوله تعالى: «إن ربك لبالمرصاد»
فتفسيره من الرّصد، يقال: رصدته؛ إذا رقبته، وتأويله تحذير العباد من تعدّي حدود الله ومخالفة أوامره، والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر، ولم يصب في الأول؛ لأن قوله: «التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة» لا مستند لجوازه، بل التفسير يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازا؛ لأنه من الفسر، وهو الكشف، كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرّقبة وتفسيره بالتحذير من تعدّي حدود الله ومخالفة أوامره. وأما التأويل فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ، وهو مشتق من الأوّل، وهو الرجوع، يقال: آل يؤل، إذا رجع، وعلى هذا فإن التأويل خاص والتفسير عام؛ فكل تأويل تفسير، وليس كل تفسير تأويلا، ولهذا يقال: تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن، وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل؛ لأنه أدق.
ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية: إما أن تكون ضدا، أو لا تكون ضدا، وليس لنا قسم رابع.
فالأوّل: يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين.
وأما القسم الثاني: فإنه قليل الوقوع جدا، وهو من أظرف التأويلات المعنوية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده، فمما جاء منه قول النبي ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام» ؛ فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما: أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ﷺ ، والآخر: أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام: أي أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه.
стр. 46
وكذلك جاء قول النبي ﷺ أيضا: «من كلام النّبوّة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» وهذا يشتمل على معنيين ضدين: أحدهما: أن المراد به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت، والآخر: أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك «١» عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت، وهذان معنيان ضدان أحدهما مدح والآخر ذم.
ومثله ورد في الحديث النبوي أيضا، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ﷺ فقال: «لا يتوسّد القرآن» وهذا يحتمل مدحا وذما؛ أما المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسدا معه لم يتهجد به، وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئا، فإذا نام لم يتوسد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد.
وكثيرا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية.
ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورا:
وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلّب
وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما: أن المنعم عليه يحسد المنعم، والآخر: أن المنعم يحسد المنعم عليه.
وكذلك ورد قوله أيضا من قصيدة يمدحه:
فإن نلت ما أمّلت منك فربّما ... شربت بماء يعجز الطّير ورده
فإن هذا البيت يحتمل مدحا وذما، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل: أي لست من
стр. 47
نوالك على يقين، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دلّ على المدح خاصة؛ لارتباطه بالمعنى الذي قبله.
وكثيرا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله من قصيدة أولها:
عدوّك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران
ولله سرّ في علاك وإنّما ... كلام العدا ضرب من الهذيان
ثم قال:
فما لك تعنى بالأسنّة والقنا ... وجدّك طعّان بغير سنان!؟
فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح؛ لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة تنال الخامل والجاهد، ومن لا يستحقها، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده الكافوريات.
وحكى أبو الفتح بن جني قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه، إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أولها:
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلب
فأتيت منها على هذا البيت، وهو:
وما طربي لمّا رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
فقلت له: يا أبا الطيب، لم تزد على أن جعلته أبا رنة، فضحك لقولي.
وهذا القسم من الكلام يسمى الموجّه: أي له وجهان، وهو مما يدل على براعة الشاعر وحسن تأتّيه.
وأما القسم الثالث: فإنه يكون أكثر وقوعا من القسم الثاني، وهو واسطة بين طرفين؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع، والقسم الثاني قليل الوقوع، وهذا القسم الثالث وسط بينهما.
стр. 48
فمما جاء منه قوله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم»
فإن هذا له وجهان من التأويل: أحدهما: القتل الحقيقي الذي هو معروف، والآخر: هو القتل المجازي، وهو الإكباب على المعاصي، فإن الإنسان إذا أكبّ على المعاصي قتل نفسه في الآخرة.
ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده ﵉، فقال الله تعالى حكاية عنه: «وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين.
فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين»
فقوله تعالى: «وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين»
قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده، وقد يكون استئنافا بذكره بعد ذكر إسمعيل ﵇ وذبحه، والتأويل متجاذب بين هذين الأمرين، ولا دليل على الاختصاص بأحدهما، ولم يرد في القرآن ما يدل على أن الذبيح إسمعيل ولا إسحق ﵉، وكذلك لم يرد في الأخبار التي صحّت عن رسول الله ﷺ . وأمّا ما يروى عنه أنه قال: «أنا ابن الذّبيحين» فخارج عن الأخبار الصحيحة، وفي التوراة أن إسحق ﵇ هو الذبيح.
ومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: «أطولكنّ يدا أسرعكنّ لحوقا بي» فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن أطول يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة، وإنما أراد الصدقة؛ فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما.
ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: خدمت
стр. 49
رسول الله عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته، وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر: أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطن لما في نفس رسول الله ﷺ ؛ فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه.
ومن ذلك ما ورد في الأدعية النبويّة؛ فإنه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: «اللهمّ اقطع أثره» وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: الأول: أنه دعا عليه بالزمانة، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره؛ الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب؛ الوجه الثالث: أنه دعا عليه بأن لا يكون له أثر من الآثار مطلقا وهو أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده كائنا ما كان من عقب أو بناء أو غراس أو غير ذلك.
وظفرت الحرورية برجل فقالوا له: ابرأ من علي وعثمان، فقال: أنا من علي ومن عثمان أبرأ، فهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنه بريء من عثمان وحده، والآخر: أنه بريء منهما جميعا، والرجل لم يرد إلا الوجه الأول.
ومن ذلك ما يحكي عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بقيلة، فلما مثل بين يديه قال:
انعم صباحا أيها الملك، فقال له خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم، ثم قال له: من أين أقصي أثرك؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قالت: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره، وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.
وقد ورد في التوراة أن لا يؤكل الجدي بلبن أمه، وهذا يحتمل التحريم في
стр. 50
وجهين: أحدهما: ما دل عليه ظاهر لفظه، وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه خاصة، وإذا أكل بلبن غير لبن أمه جاز ذلك، ولم يكن حراما، وهذا لا يأخذ به أحد من اليهود، والوجه الآخر- وهو الذي يؤخذ به عند اليهود جميعهم-: أن أكل اللحم باللبن حرام، كائنا ما كان من اللحوم، إلا طائفة منهم يسمون القرائين؛ فإنهم تأولوا فأكلوا لحم الطير باللبن، وقالوا: إنما حرم اللحم باللبن من اللحوم ذوات الألبان، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان.
ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال: ترك الدواء دواء؛ فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج، وانتهى إلى غاية لا يحتمل الدواء، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع: أي وضع الدواء على الداء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه.
ومثله في الشعر قول الفرزدق:
إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الأحياء منها قبورها
وهذا يدل على معنيين: أحدهما: ذم الأحياء، والآخر: ذم الأموات؛ أما ذم الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففر الأحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم، وأما ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا، فهم يعيرون بها الأحياء ويلصقونها بهم.
وعلى هذا ورد قول أبي تمام:
بالشّعر طول إذا اصطكّت قصائده ... في معشر، وبه عن معشر قصر
فهذا البيت يحتمل تأولين: أحدهما: أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ويضيق بمدح غيرك، يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة؛ والآخر: أنّ الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خمول بمدح غيرك، فلفظة الطول يفهم منها ضد القصر، ويفهم منها الفخر، من قولنا: «طال فلان على فلان» أي فخر عليه.
стр. 51
ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر
وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضّي الأوقات مدّة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء؛ والآخر: أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية، وهذا من باب وضع المضاف إليه مكان المضاف، كقوله تعالى: «وسئل القرية»
أي أهل القرية.
ومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من جملة قصيدته التي أولها:
أوه بديل من قولتي واها
فقال:
لو فطنت خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها
وهذا يستنبط منه معنيان غيران: أحدهما: أن خيله لو علمت مقدار عطاياه؛ لأن عطاياه أنفس منها، والآخر: أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت ذلك؛ إذ تكره خروجها عن ملكه، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما وإنما المذكور منهما أحدهما.
وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كاف لمن عنده ذوق وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها.
стр. 52
الفصل الرابع في الترجيح بين المعاني
وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحكّ الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلا ذو فكرة متّقدة، ولمحة منتقدة، فليس كل من حمل ميزانا سمّي صرّافا، ولا كل من وزن به سمّي عرّافا، والفرق بين هذا الترجيح الفقهي أن هناك يرجّح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية؛ وبيان ذلك أن صاحب الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلا وبين خبر الآحاد، أو بين المسند والمرسل، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجع بين حقيقة ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون ناظرا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية، ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع؛ كالترجيح بين عام وخاص، أو ما شابه ذلك.
وكنا قد قدمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها، ولنبين في هذا الفصل مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها؛ فنقول:
أما القسم الأول من المعاني فلا تعلق للترجيح به، إذا ما دلّ عليه ظاهر لفظه ولا يحتمل إلا وجها واحدا فليس من هذا الباب في شيء، والترجيح إنما يقع بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد.
ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، أو حقيقة فيهما جميعا، أو مجازا فيهما جميعا، وليس لنا قسم رابع، والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر، وأما الترجيح بين
стр. 53
الحقيقة والمجاز، فإنه يعلم ببديهة النظر؛ لمكان الاختلاف بينهما، والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف ما يظهر بين الشيئين المشتبهين.
فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى: «ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون»
فالجلود ههنا تفسّر حقيقة ومجازا: أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو الجانب البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة؛ لما فيه من لطف الكناية عن المكنّى عنه، وقد يسأل ههنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز عن غير الجانب البلاغي، ويقال: ما بيان هذا الترجيح؟ فيقال: طريقه لفظ الجلود عام فلا يخلو إما أن يراد به الجلود مطلقا أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال خاصة، ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق؛ لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد، والشهادة غير شاهد، والشهادة هنا يراد بها الإقرار، فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول الرّجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرّة بأعمالها، فترجح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح، وإذا أريد به الجوارح فلا يخلو إما أن يراد به الكل أو البعض؛ فإن أريد به الكل دخل تحته السمع والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة، وإن أريد به البعض فهو بالفرج أخص منه بغيره من الجوارح؛ لأمرين: أحدهما: أن الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى؛ ليستكمل ذكر الجميع؛ الآخر: أنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلّا الفرج، فكني عنه بالجلد؛ لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمّى على حقيقته.
فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر من باب التفصيل، كقوله تعالى: «فاكهة ونخل ورمان»
والنخل والرمان من الفاكهة.
قلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك؛ لأن النخل والرمان إنما ذكر التفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي
стр. 54
تعظيم لأمر المعصية، وغير السمع والبصر أعظم في المعصية؛ لأن معصية السمع إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى، ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى محرم، وكلتا المعصيتين لا حدّ فيهما، وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم؛ لأن معصية اليد توجب القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي أن تخصّ بالذكر دون السمع والبصر، وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن المراد بالجلود إلا الفروج خاصة.
وأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيين فقول النبي ﷺ : «التمسوا الرّزق في خبايا الأرض» والخبايا: جمع خبيئة، وهو كل ما يخبأ كائنا ما كان، وهذا يدل على معنيين حقيقيين: أحدهما: الكنوز المخبوأة في بطون الأرض، والآخر: الحرث والغراس؛ وجانب الحرث والغراس أرجح؛ لأن مواضع الكنوز لا تعلم حتى تلتمس، والنبي ﷺ لا يأمر بذلك؛ لأنه شيء مجهول غير معلوم، فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس.
وكذلك ورد قوله ﷺ : «إذا ابتلّت النّعال فالصّلاة في الرّحال» وهذا الحديث مرخّص في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر، وله تأويلان: أحدهما: أنه أراد نعال الأرض، وهو ما غلظ منها، والآخر: أنه أراد الأحذية، والوجه هو الثاني؛ لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه، ولو كان المراد به غلظ من الأرض لخرج عن هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا غلظ فيها.
وأما مثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام:
قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه ساحلا وقليبا ... ورعيناه بارضا وجميما «١»
стр. 55
فعلمنا أن ليس إلّا بشقّ النّ ... فس صار الكريم يدعى كريما
فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان: أحدهما: أنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب، والآخر: أنه أراد بهما السبب وغير السبب؛ فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز؛ فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني؛ لأنه أدل على بلاغه القائل ومدح المقول فيه، أما بلاغة القائل فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه، فإن عجزه يدلّ على القليل والكثير، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما «١» ، فكأنه قال: أخذنا منه تبرعا ومسألة، وقليلا وكثيرا، وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاقّ.
فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة، وبين المجاز والمجاز، وبين الحقيقة والمجاز.
وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عما تقتضيه المعاني الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجح بين معنيين: أحدهما: تام، والآخر: مقدّر، أو يكون أحدهما: مناسبا لمعنى تقدّمه أو تأخر عنه، والآخر: غير مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ؛ فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه، وأما المقدر فهو الذي لا يدل عليه لفظه بل يستدل عليه بقرينة أخرى، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون.
стр. 56
فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ : «في سائمة «١» الغنم زكاة» ؛ فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان: أحدهما: تام، والآخر: مقدر، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير، والمقدّر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة، إلا أنه ليس مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة علم من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها، وليس هذا موضعها، والذي يترجح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدر، وهو الذي يسميه الفقهاء مفهوم الخطاب.
وله في الشعر أشباه ونظائر:
فمما ورد من ذلك شعرا قول جزء بن كليب الفقعسي «٢» من شعراء الحماسة، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته فرده:
تبغّى ابن كوز والسّفاهة كاسمها ... ليستاد منّا أن سنونا لياليا «٣»
فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنّه ... غذا النّاس مذ قام النّبيّ الجواريا «٤»
стр. 57
وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التام والمقدر، أما التام فإن ابن كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب؛ فرده وقال: قد غذا الناس البنات مذ قام النبي ﷺ ، وأنا أيضا أغذو هذه، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم كانوا يئدون البنات قبل الإسلام، فلما جاء النبي ﷺ نهى عن ذلك، فقوله: «غذا الناس مذ قام النبي الجواريا» أي في النساء كثرة، فتزوج بعضهنّ وخلّ ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دلّ عليهما ظاهر اللفظ، وأما المعنى المقدر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي ﷺ أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى دقيق، ومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر.
وأما ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه فإن ذلك أدق من الأول، وألطف مأخذا.
فمما ورد منه قول النبي ﷺ : «من جعل قاضيا بين النّاس فقد ذبح بغير سكّين» فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتام منهما يدل على أنه من جعل قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأما المقدر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيا فقد أمر بمفارقة هواه، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه، بل يستدل عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ذلك أن لفظ الحديث عام يشتمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة؛ لأنه ليس كل قاض معذبا في الآخرة، بل المعذب منهم قضاة السوء، فوضع بهذا أن المراد بالحديث عذاب الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون العذاب صورة أو معنى، ولا يجوز أن يكون صورة؛ لأنا نرى الإنسان إذا جعل قاضيا لا يذبح ولا يناله شيء من ذلك، فبقي أن يكون المراد به عذابا معنويا، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي، وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركبة على حبّ هواها، فإذا جعل قاضيا فقد أمر بترك ما جبل على حبه: من الامتناع عن الرّشوة، والحكم لصديقه على عدوّه، ورفع
стр. 58
الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألما مبرّحا، والذبح هو قطع الحلقوم، والألم حاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأن ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله في عذاب أهل النار: «وحيل بينهم وبين ما يشتهون»
وقال في نعيم أهل الجنة: «وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين» .
وكثيرا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه، وركوب الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه: أي قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فسمّى جهاد الكفار الجهاد الأصغر وجهاد النفس الجهاد الأكبر، فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح فيه مختص بالوجه الآخر؛ لاشتماله على المعنى المقصود، وهو المراد من القضاة على الإطلاق.
وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو لمعنى تأخر عنه والآخر غير مناسب: فالأول: هو ما كان مناسبا لمعنى تقدمه كقوله تعالى: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا»
فالدعاء ههنا يدل على معنيين:
أحدهما: النهي أن يدعى الرسول باسمه؛ فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم بعضا بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله؛ الآخر: النهي أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل يتأدبون معه؛ بأن لا يفارقوا مجلسه إلا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد؛ لمناسبة معنى الآبة التي قبله وهو قوله تعالى: «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه»
وأما الثاني: وهو ما كان مناسبا لمعنى تأخر عنه فكقوله تعالى: «والتين والزيتون. وطور سينين»
فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما جبلين أيضا، وتأويلهما بالجبلين أولى؛
стр. 59
للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور.
وعلى هذا ورد قول الشاعر في أبيات الحماسة «١» :
ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لإنسان من النّاس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحا وذما: أي أنهم كانوا يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدّين حذر أن لا يقوموا عنه بوفائه، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذم وليس بمدح «٢» ؛ فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلا بآخره.
وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: «وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم»
؛ فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما: أن الله يعلم السر والجهر في السموات والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير: أي يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض؛ والآخر: أنه في السموات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على السموات ثم يستأنف الكلام، فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلا أن هذا يمنع منه اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ.
стр. 60
الفصل الخامس في جوامع الكلم
قال النبيّ ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم: جمع كلمة، والجوامع:
جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في المذكر:
جمع فهو جامع، والمراد بذلك أنه ﷺ أوتي الكلم الجوامع للمعاني، وهو عندي ينقسم قسمين: القسم الأول منهما هو ما استخرجته ونبهت عليه، ولم يكن لأحد فيه قول سابق، وهو أن لنا ألفاظا تتضمن من المعنى ما لا تتضمنه أخواتها مما يجوز أن يستعمل في مكانها؛ فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة:
أما ما يأتي على حكم المجاز فقوله ﷺ يوم حنين: «الآن حمي الوطيس» ؛ وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله ﷺ ، ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: «استعرت الحرب» لما كان مؤديا من المعنى ما يؤديه «حمي الوطيس» والفرق بينهما أن الوطيس هو التّنّور، وهو موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها وتوقّدها، وهذا لا يوجد في قولنا: «استعرت الحرب» أو ما جرى مجراه.
وكذلك قال ﷺ : «بعثت في نفس السّاعة» فقوله: «نفس الساعة» من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بعث والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل على ما دل عليه النّفس، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحس الإنسان بنفس من هو إلى جانبه، وقد قال ﷺ في موضع آخر: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» وجمع بين أصبعيه السّبّابة والوسطى، ولو قال بعثت على قرب من الساعة أو والساعة قريبة مني لما دلّ ذلك على ما دلّ عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه؛ لأنه بيّن واضح.
وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، ولقد تصفحت الأشعار
стр. 61
قديمها وحديثها، وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر، وطربا كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة.
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام «١» :
كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمّال «٢»
سبق المشيب إليه حتّى ابتزّه ... وطن النّهى من مفرق وقذال «٣»
فقوله: «وطن النّهى» من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء بمثلها في معناها مما يسدّ «٤» مسدّها:
وكذلك ورد قول البحتري:
قلب يطلّ على أفكاره، ويد ... تمضي الأمور، ونفس لهوها التّعب
فقوله: «قلب يطلّ على أفكاره» من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا تملؤه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عال عليها، يصف بذلك عدم احتفاله
стр. 62
بالقوادح، وقلّة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارا تستغرق القلوب، وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسدّ مسدها.
وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي:
سقى الله أوطارا لنا ومآربا ... تقطّع من أقرانها ما تقطّعا
ليال تنسّيني اللّيالي حسابها ... بلهنية أقضي بها الحول أجمعا
سوى غرّة لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا «١»
فقوله: «لا أعرف اليوم باسمه» من الكلمات الجامعة: أي أني قد شغلت باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله: «لا أعرف اليوم باسمه» .
وأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدلّ به بالألفاظ «٢» القليلة على المعاني الكثيرة: أي أن ألفاظه صلوات الله عليه جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجلّ كلامه جار هذا المجرى؛ فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ومقنع.
فإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما؛ فإنهما في النظر سواء؟.
قلت في الجواب: إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالة على معنى من غير أن تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها؛ فإنها تكون قد اتّصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازا وزيادة. وأما
стр. 63
هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها «١» ، فتارة تكون موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام «وطن النهي» فإن ذلك عبارة عن الرأس، ولا شك أن الرأس أوجز؛ لأن الرأس لفظة واحدة، و «وطن النهي» لفظتان، إلا أن «وطن النهي» أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس، فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر.
стр. 64
الفصل السادس في الحكمة التي هي ضالة المؤمن
قال النبي ﷺ : «الحكمة «١» ضالّة المؤمن فهو أحقّ بها إذا وجدها» ؛ والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: ربّ رمية من غير رام، وهذا لا يخص علما واحدا من العلوم، بل يقع في كل علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون غيره، ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كدّي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددا، وأنا أذكر منها طرفا يستدل به على أشباهه ونظائره.
فمن ذلك أني سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدويّ من الأنباط لا يعتدّ بقوله، فكان يقول: غدا ندخل البلد وتشتغل عني، وكان الأمر كما قال، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أياما، ثم لقيني فقال لي: من تروّى فترت عظامه، وهذا القول من الأقوال البليغة، وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة.
ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه، فاستقله، وقال: الماء أروى لشدوق النّيب «٢» وهذا أيضا من الحكمة في بابها.
وسافرت مرة أخرى على طريق المناظر، وكان في صحبتي رجل بدوي،
стр. 65
فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك، فقال: إذا خرج سرحاهما تلاقيا «١» ، فعبر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها.
ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: قد ظهر الصبح إلا أنه لم يملك الإنسان بصره، وهذا القول من الحكمة أيضا.
وكان تزوج غلام من غلماني بدمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغف بها، ثم إني سافرت عن دمشق لمهم عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله، فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها؛ فقال أخ له كان حاضرا: يا مولاي، هي تلك لم تزد شيئا، وإنما هي في عينه جبّار من الجبابرة «٢» ، وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة، وهو معدود من أبيات المعاني:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
فكثيرا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال.
وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابيش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ، فضلا عما وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيا في يده طاقة ريحان، فقال: هذه طاقة آس تحمل طاقة ريحان، فلما سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله:
ووردة جاء بها شادن ... في كفّه اليمنى فحيّانا
سبّحت ربّي حين أبصرتها ... ريحانة تحمل ريحانا
وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطبّ، وكان لا يحسن
стр. 66
أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان «١» ، يسيء العبارة، فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: ظلام الليل يهديني إلى باب من أودّه، وضوء النهار يضلّ بي عن باب من لا أوده، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها، وهو من الحكمة المطلوبة.
وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام «٢» الأعجام، فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب؛ وهذا معنى لو أتى به شاعر مفلق، أو كاتب بليغ؛ لاستحسن منه غاية الاستحسان.
وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، فلما حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: الموت طعام لا تجشّه المعدة «٣» فلما سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل بصرى فدم من الأفدام «٤» .
ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد، وهو أنه يجب على المتصدّي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس
стр. 67
في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكما كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره لأعجزه.
ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها:
على مثلها من أربع وملاعب «١»
انتهى منها إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلّة خائب
ثم قال:
وأحسن من نور يفتّحه الصّبا
ووقف عند صدر هذا البيت يردّده، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول:
من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا، فقال أبو تمام:
بياض العطايا في سواد المطالب
فأتمّ صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.
وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أول أولادها، فقالت:
كيف لا أحزن لذهابه وهو أوّل درهم وقع في الكيس، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وقد توفي بكره من الأولاد؛ فقلت: وهو أول درهم ادّخرته في كيس الادّخار، وأعددته لحوادث الليل والنهار.
стр. 68
وبلغني عن الشيخ أبي محمد بن أحمد المعروف «١» بابن الخشاب البغدادي، وكان إماما في علم العربية وغيره؛ فقيل: إنه كان كثيرا ما يقف على حلق القصاص والمشعبذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلا هناك، فليم على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة؛ فقال: لو علمتم ما أعلم لما لمتم، ولطالما استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة [فإنه] «٢» تجري في ضمن هذيانهم معان غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك، ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته، ونظر إلى ما نظرت إليه.
стр. 69
الفصل السابع في الحقيقة والمجاز
وهذا الفصل مهم كبير من مهمات علم البيان، لا، بل هو علم البيان بأجمعه؛ فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في مواضعها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على جملتها دون تفصيلها.
فأما الحقيقة فهي: اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي.
وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع؛ إذا تخطّاه إليه؛ فالمجاز إذا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، وحقيقته هي الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محلّ إلى محل، كقولنا: زيد أسد؛ فإن زيدا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية: أي عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة، وقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو الاتّساع، كقولهم في كتاب كليلة ودمنة: قال الأسد، وقال الثعلب؛ فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحال من الأحوال، وإنما أجرى عليهما اتّساعا محضا لا غير، ولهذا مثال في المجاز الحقيقي الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو إما أن يجاز من سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر، أو من سهل إلى وعر؛ فالجواز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى وعر هو كقولنا: زيد أسد؛ فالمشابهة الحاصلة «١» في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال الأسد، وقال
стр. 70
الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك وإشباع القول في تحقيقه في باب الاستعارة، فليؤخذ من هناك.
وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي.
وسأجيب الخصم عما ادّعاه فيهما، فأقول:
محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين قولك إنها كلها حقيقة أو إنها كلها مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مسلّم لهما، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا، والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه؛ فالحقيقة اللفظية إذا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره.
وتقرير ذلك بأن أقول:
المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها؛ ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بدّ منها؛ فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازا، ومثال ذلك: أنا إذا قلنا شمس أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وكذلك إذا قلنا بحر أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، فإذا نقلنا الشمس إلى الوجه المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا البحر إلى الرجل الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة.
فإن قيل: إن الوجه المليح يقال له شمس، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه.
стр. 71
فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: نظريّ، والآخر: وضعيّ.
أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني» ولو كان ما ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضا؛ فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصّصه فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإنا إذا قلنا شمس أو بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم، لا غير، فبطل إذا ما ذهبت إليه بما بيّناه وأوضحناه.
فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه؛ فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم الغائط، فإن العرب خصّص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض.
قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحدّاد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة وأنها مطمئن من الأرض، وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط*
فإن قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط*
دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا، وأما الجهال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم.
والعجب عندي من الفقهاء الذين دوّنوا ذلك على ما دوّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
стр. 72
وأما الوجه الوضعي: فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى شمسا، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في الأساليب المعنوية، فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.
هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله؛ فمن ذلك أنه أول من عبّر عن الفرس بقوله: «قيد الأوابد» «١» ولم يسمع ذلك لأحد من قبله.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم حنين: «الآن حمي الوطيس» وأراد بذلك شدة الحرب؛ فإن الوطيس في أصل الوضع هو التّنّور، فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي ﷺ .
وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر.
وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا زيد فيه، ولا نقص منه.
وأما الفرق بينه وبين الحقيقة فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر؛ ألا ترى أنا إذا قلنا: «فلان عالم» صدق على كل ذي علم، بخلاف وسئل القرية
لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية،
стр. 73
لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل «١» .
واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له؛ إذ المجاز هو اسم للموضع الذي ينتقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها.
وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.
وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانا، ألا ترى أن حقيقة قولنا: «زيد أسد» هي قولنا: «زيد شجاع» لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن قولنا:
стр. 74
«زيد شجاع» لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: «زيد أسد» يخيّل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس، وهذا لا نزاع فيه.
وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال؛ حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال.
واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه؛ فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة.
مثال ذلك قول البحتري:
مهيب كحدّ السّيف لو ضربت به ... ذرى أجإ ظلّت وأعلامها وهد «١»
ويروى أيضا: «لو ضربت به طلى أجإ» جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن الذرى جمع ذروة، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطّلى: جمع طلية، وهي العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا، فلا يعدل إذا إلى المجاز؛ إذ لا مزية له على الحقيقة.
وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى؛ فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه.
стр. 75
الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة
اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل.
وغاية ما يقال في هذا الباب: إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: أفصح الصّبح، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن السر فيه.
وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات:
أحدها: أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا.
الوجه الآخر: أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنّسب والإضافات إلى الأشخاص؛ فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد، ولا يكون ظاهرا لعمرو، فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحال من الأحوال؛ لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف.
الوجه الآخر: أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بين، ينبغي أن يكون فصيحا، وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، لا وصف قبح.
فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: «إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين» من غير تفصيل.
следующие страницы →