← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كرامتها؛ فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسا لا مالا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها، وقد علت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئا يكثر من إيناسها، ويضعها من البرّ في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسا حتى تتصل مواسم أعراسها. ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين: الأول: أن النبيّ ﷺ قال لعائشة ﵂: «إنّ جبريل ﵇ عرض عليّ صورتك في سرقة» والسرقة: حريرة بيضاء «وقال: هذه زوجتك في الدّنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه» فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه، ولا ألطف، ولا أشد مقصدا؛ الخبر النبوي الثاني: قول النبي ﷺ : «إنّما تنكح المرأة لأربع لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها» فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا: أي قد جمعت الحسب والجمال. ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو: بين المال علاقة وكيدة وبين القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصرا بدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعا، إذ كان منهما مصنوعا. وهذا المعنى من قول النبي ﷺ : «إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والحزن والسّهل، والخبيث والطّيّب» غير أني استنبطت أنا حبّ المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أسبق إليه. ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو: ليس السّحر ما أودع في جف

стр. 142

طلعة، بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد في شعره، أسحر من لبيد في سحره «١» وكلا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب. وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي ﷺ ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة. ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت: ونصب المنجنيق فجثم بين يدي السور مناصيا، وبسط كفه إليه مواتيا، ثم تولى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا أن استمرت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا وعاصيه مستقيدا، وقال: ألم يكن نهى عن المد والتجريد فمالي لا أرى إلا مدا وتجريدا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: «لكل أجل كتاب» ، وكذلك لم نأت صعبا إلا استسهل، ولا حثثنا مطيّا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار. في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو قول النبي ﷺ في النهي عن ضرب المحدود: «لا مدّ ولا تجريد» : أي لا يمد على الأرض ولا يجرّد عنه ثوبه.

стр. 143

ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو: خلّد الله دولة الديوان العزيز النبوي، ولا زالت أكنافها وادعة، وعلياؤها جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة إذا قيل في أبواب غيرها سابع وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يد أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد صنع الله قد سبقه أولا وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوّله الدّيوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهل له من الخدم التي يعتدها من لطائف الإحسان، وإذا ندب لتكليف أوامرها قال: والحمد والشكر يسجدان، ولا شك أنّ درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء؛ فمنها ما يكون ببطن الأرض ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النّهي عن تزكية المرء نفسه لادّعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: «والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها» ، لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسرّ الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس الذي يمنّ بصلاته وصيامه كالذي يمنّ بسرّ وقر في صدره، والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرق بين المطيع بمحضر الشهادة وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطّلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة لسرّه، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبرّه. في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع؛ وهذا الموضع مختص بالأخبار فلنذكرها دون الآيات: أما الأول منها فقوله النبي ﷺ : «إنّكم ترون أهل الدّرجات العلى في الجنّة كما ترون المواكب في أفق السّماء» ؛ وأما الخبر الثاني: فقوله ﷺ : «ما فضلّكم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولكن فضلكم بسرّ وقر في صدره» ؛ وأما الخبر الثالث: فقوله ﷺ : «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه» . وفيما أوردته من حل المعاني الشعرية وحل آيات القرآن والأخبار النبوية طريق واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب.

стр. 144

المقالة الأولى في الصناعة اللفظية وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: في اللفظة المفردة: إعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء: الأول منها: اختيار الألفاظ المفردة، وحكم ذلك اللآلىء المبدّدة؛ فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم؛ الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة «١» لها- لئلا يجيء الكلام قلقا نافرا عن مواضعه؛ وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها؛ الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه، وحكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارة يجعل إكليلا على الرأس، وتارة يجعل قلادة في العنق، وتارة يجعل شنفا في الأذن» ، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه. فهذه ثلاثة أشياء لا بدّ للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل المعتمد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر؛ فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة. وهذا الموضع يضلّ في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم

стр. 145

والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة؟ ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسه نار حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها. ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه وجلّ نظره. فمن ذلك قوله تعالى: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» وقوله تعالى: «رب إني نذرت لك ما في بطني محررا» فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع البطن، ولا البطن موضع الجوف، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل؟. ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» وقوله: «إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن؛ ولم يستعمل في القرآن أحدهما في موضع الآخر. وعلى هذا ورد قول الأعرج من أبيات الحماسة: نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حمّ الأجل الموت أحلى عندنا من العسل «١»

стр. 146

وقال أبو الطيب المتنبي «١» : إذا شئت حفّت بي على كلّ سابح ... رجال كأنّ الموت في فمها شهد «٢» فهاتان لفظتان هما العسل والشهد، وكلاهما حسن مستعمل لا يشكّ في حسنه واستعماله، وقد وردت لفظة العسل في القرآن، دون لفظة الشهد؛ لأنها أحسن منها، ومع هذا فإن لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج. وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء. وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ ووضعها في مواضعها اللائقة بها. واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق، ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك فإنه يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب.

стр. 147

وهل تشك أيها المتأمل لكتابنا هذا إذا فكرت في قوله تعالى: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها، فإن ارتبت في ذلك فتأمل هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها وأفردت من بين أخواتها كانت لابسة من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية. ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها؛ فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها. وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر؛ فجاءت في القرآن جزلة متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثّر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين؛ أما الآية فهي قوله تعالى: فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق. وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي «١» : تلذّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام «٢» وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة «تؤذي» قد جاءت فيه

стр. 148

وفي الآية من القرآن فحطّت من قدر البيت لضعف تركيبها وحسن موقعها في تركيب الآية. فأنصف أيها المتأمل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته، وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرّض للتنبيه عليه أحد قبلي، وهذه اللفظة التي هي «تؤذي» إذا جاءت في الكلام فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: إن ذلكم كان يؤذي النبي وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: «تلذ له المروءة وهي تؤذي» ثم قال: «ومن يعشق يلذ له الغرام» فجاء بكلام مستأنف، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف إليها كاف الخطاب؛ فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ ، فجاءه جبريل ﵇ ورقاه، فقال: بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك؛ فانظر إلى السر في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها وحسنها، ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه. إني ظننت أني ملاق حسابيه ثم قال: ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلما أضيفت الهاء إليها- وتسمى هاء السكت- أضافت إليها حسنا زائدا على حسنها، وكستها لطافة ولباقة. وكذلك ورد في القرآن الكريم: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فلفظة «لي» أيضا مثل لفظة «يؤذي» وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضا «١» : تمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي

стр. 149

وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي الطيب «١» : ما أجدر الأيّام واللّيالي ... بأن تقول ما له وما لي فإن لفظة «لي» ههنا قد وردت بعد «ما» وقبلها «ما له» ثم قال «وما لي» فجاء الكلام على نسق واحد، ولو جاءت لفظة «لي» ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة، وبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم. وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت من شعر الفرزدق؛ فجاءت في القرآن حسنة، وفي البيت الشعر غير حسنة، وتلك اللفظة هي لفظة «القمل» أما الآية فقوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ؛ وأما البيت الشعر فقول الفرزدق: من عزه احتجرت كليب عنده ... زربا كأنّهم لديه القمّل «٢» وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية: أي آخرا انقطع الكلام عندها. وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غصنا منه في بحر عميق لا قرار له.

стр. 150

فمن ذلك هذه الآية المشار إليها؛ فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ، هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم؛ فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها لفظة الطوفان والجراد، وأخّرت لفظة الدم آخرا، وجعلت لفظة القمل والضفادع في الوسط؛ ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرا؛ ثم إن لفظة الدم أحسن من لفظتي الطوفان والجراد، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية. وقد ذكر من تقدّمني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه، وكذلك استقبح الآخر شيئا فخولف فيه، ولو حققوا النظر ووقفوا على السر في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها، وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنى عن غيره، لكن لا بد أن نذكر ههنا تفصيلا لما أجملناه هناك؛ لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيّز الأصوات؛ لأنّها مركبة من مخارج الحروف؛ فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح، وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذا في السمع كان حسنا، وإذا كان حسنا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه. وقد رأيت جماعة من الجهال إذا قيل لأحدهم إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا، ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج وبين لفظة المدامة ولفظة الإسفنط وبين لفظة السيف ولفظة الخنشليل وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر في رحله، وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوّي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد شوهاء الخلق ذات عين محمّرة وشفة غليظة

стр. 151

كأنها كلوة، وشعر قطط «١» كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاح، وطرّة كأنها ليل على صباح، فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوّي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام؛ فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب. فإن عاند معاند في هذا، وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها ويفضلها على صورة الرومية التي وصفتها قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال، بل نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصا يحبّ أكل الفحم مثلا أو أكل الجصّ والتراب ويختار ذلك على ملاذّ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته وهو يختار إلى علاج ومداواة؟. ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتا منكرا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم. ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، وفجاجة الذهن «٢» بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا هو الذي كان عند العرب مستحسنا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا؛ والاستعمال

стр. 152

ليس بدليل على الحسن، فإنا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه معذور في أن يقول ما قال: لا يعرف الشّوق إلّا من يكابده ... ولا الصّبابة إلّا من يعانيها ومع هذا فإن قول القائل: «بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا وهذا دليل على أنه حسن» قول فاسد لا يصدر إلا عن جاهل؛ فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب؛ لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة، وأما الذي نقلد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه وجزم الشرط وأشباه ذلك، وما عداه فلا. وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيا إلى زيد دون عمرو أو إلى عمرو دون زيد؛ لأنه وصف ذوويّ لا يتغير بالإضافة؛ ألا ترى أنّ لفظة المزنة مثلا حسنة عند الناس كافة من العرب وغيرهم، وهلم جرّا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة البعاق «١» فإنها قبيحة عند الناس كافة من العرب وغيرهم؛ فإذا استعملتها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها. وقد ذكر ابن سنان الخفاجي «٢» ما يتعلق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسمها إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغّرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفيّ أو ما جرى مجراه، وألّا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف.

стр. 153

وفي الذي ذكره ما لا حاجة إليه: أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيا، ورباعيا، وخماسيا، والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد فيه ما يكره استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددا واستعمالا؛ وأما الخماسي فإنه الأقل، ولا يوحد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر، وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه «١» ، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج، دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يخل بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية: كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود وبين حركات المصدر في النطق، كالغليان والضّربان والنّقدان والنّزوان، وغير ذلك مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود، ومن نظر في حكمة وضع هذه اللغة إلى هذه الدقائق التي هي كالأطراف والحواشي فكيف كان يخلّ بالأصل المعوّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض؟ على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ وهل هي متباعدة أو متقاربة لطال الخطب في ذلك وعسر، ولما كان الشاعر ينظم قصيدا ولا الكاتب ينشئ كتابا إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح. وسأضرب لك في هذا مثالا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ، وقيل لك: ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة؟ فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر إلى

стр. 154

أن أعتبر مخارج حروفها ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبح؛ لصحّ لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطا في اختيار الألفاظ، وإنما شذ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج؛ فحسن الألفاظ إذن ليس معلوما من تباعد المخارج، وإنما علم قبل العلم بتباعدها، وكل هذا راجع إلى حاسة السمع؛ فإذا استحسنت لفظا أو استقبحته وجد ما تستحسنه متباعد المخارج وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده. على أن هذه قاعدة قد شذ عنها شواذّ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب المخارج ما هو حسن رائق. ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمى ثلاثتها الشّجرية، وإذا تركب منها شيء من الألفاظ جاء حسنا رائقا، فإن قيل جيش كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل شجيّ كانت أيضا لفظة محمودة. ومما هو أقرب مخرجا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، وتسمى الشّفهية، فإذا نظم منها شيء من الألفاظ كان جميلا حسنا، كقولنا: فم، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: ذقته بفمي، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها، وكلاهما حسن لا عيب فيه. وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضا، ولو كان التباعد سببا للحسن لما كان سببا للقبح؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان. فمن ذلك أنه يقال: ملع؛ إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا فإن هذه اللفظة مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة. وههنا نكتة غريبة، وهو أنا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند

стр. 155

ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها، وما ندري كيف صار القبح حسنا؛ لأنه لم يتغير من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطا والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في ملع وعلم. فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق؛ فإن ذلك انحدار وهذا صعود، والانحدار أسهل. فالجواب عن ذلك أني أقول: لو استمرّ لك هذا لصح ما ذهبت إليه، لكنّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق أو من وسط اللسان أو من آخره إلى الحلق لا يتغير، كقولنا غلب؛ فإن الغين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار بلغ، وكلاهما حسن مليح، وكذلك تقول: حلم من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت ملح، على وزن فعل- بفتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضا حسن مليح، وكذلك تقول: عقر ورقع، وعرف وفرع، وحلف وفلح، وقلم وملق، وكلم وملك، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئا كثيرا تضيق عنه هذه الأوراق، ولو كان ما ذكرته مطردا لكنا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحا، وليس الأمر كذلك. وأما ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربي فليس ذلك مما يوجب لها حسنا ولا قبحا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ فكيف يعدّ ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟. وأما تصغير اللفظة فيما يعبر به عن شيء لطيف أو خفيّ أو ما جرى مجراه فهذا مما لا حاجة إلى ذكره؛ فإن المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها؛ فإنها مدوّنة في كتب النحو، وما من كتاب نحو إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا فإنّ صاحب هذه الصناعة مخير في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير، وإن شاء بمعناه، كقول بعضهم: لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو لبد

стр. 156

فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغر من هؤلاء القوم ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا؟ فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها. وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها؛ فمنها ألّا تكون الكلمة وحشيّة، وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنوه المستقبح من الألفاظ، وليس كذلك، بل الوحشيّ ينقسم قسمين: أحدهما: غريب حسن، والآخر: غريب قبيح، وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحا، بل أن يكون نافرا لا يألف الإنس؛ فتارة يكون حسنا، وتارة يكون قبيحا، وعلى هذا فإن أحد قسمي الوحشي- وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النّسب والإضافات؛ وأما القسم الآخر من الوحشي الذي هو قبيح فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي باد ولا قروي متحضّر، وأحسن الألفاظ ما كان مألوفا متداولا إلا لمكان حسنه، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الفصاحة؛ فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونقّبوا عنها، ثم عدلوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضا يتفاوت في درجات حسنه؛ فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان، وقسم قبيح؛ فالقسمان الحسنان أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشي، والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف في استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيّا، وهو عندنا وحشي، وقد تضمن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها غريب القرآن، وكذلك تضمن الحديث النبوي منه شيئا، وهو الذي يطلق عليه غريب الحديث. وحضر عندي في بعض الأيّام رجل متفلسف فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: تلك إذا قسمة ضيزى ؟ فهل في لفظة (ضيزى) من الحسن ما يوصف؟ فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ

стр. 157

أسرارا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل ابن سينا والفارابي، ولا من أضلهم مثل أرسطاليس وأفلاطون، وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة (ضيزى) فإنها في موضعها لا يسدّ غيرها مسدّها؛ ألا ترى أن السورة كلها التي هي سورة النجم مسجوعة على حرف الياء، فقال تعالى: والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى وكذلك إلى آخر السورة، فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه، وغيرها لا يسدّ مسدها في مكانها، وإذا نزلنا معك أيها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها، ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة، وسأبين ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة ولا شك أن جائرة أو ظالمة أحسن من ضيزى، إلا أنا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ظالمة لم يكن النظم كالنظم الأول وصار الكلام كالشيء المعوز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام، فلما سمع ذلك الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيّا، ويقولون ما يقولونه جهلا وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم. وحيث انتهى القول إلى ههنا فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمى وحشيّا فقط، بل يسمى الوحشي الغليظ، وسيأتي ذكره، وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلا سلسا، وما تضمنه من الكلمات الغريبة يسير جدا، هذا، وقد أنزل في زمن العرب العرباء وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالا، وكفى به قدوة في هذا الباب، قال النبيّ ﷺ : «ما أنزل الله في التّوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السّبع المثاني» ، يريد بذلك فاتحة الكتاب؛ وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ يفهمها كل

стр. 158

أحد حتى صبيان المكاتب وعوامّ السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة؛ فإن أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه، وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة. وأما ما ورد من اللفظ الوحشي في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوريّ تهامة على أكوار الميس «١» ، ترتمي بنا العيس «٢» ، نستجلب الصّبير «٣» ، ونستخلب الخبير «٤» ، ونستعضد البرير «٥» ، ونستخيل الرّهام «٦» ، ونستخيل الجهام «٧» ، في أرض غائلة

стр. 159

النّطاء «١» ، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن «٢» ، ويبس الجعثن «٣» ، وسقط الأملوج «٤» ، ومات العسلوج «٥» ، وهلك الهديّ «٦» وفاد الوديّ «٧» ، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والفتن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السّلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر وقام تعار «٨» ، ولنا نعم همل أغفال «٩» ما تبضّ ببلال «١٠» ،

стр. 160

ووقير «١» كثير الرّسل، قليل الرّسل «٢» ، أصابتنا سنيّة حمراء مؤزلة «٣» ليس لها علل ولا نهل، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ بارك لهم في محضها «٤» ومخضها «٥» ومذقها «٦» وفرقها «٧» ، وابعث راعيها في الدّثر «٨» بيانع الثمر، وافجر له الثّمد «٩» ، وبارك له في المال والولد، ومن أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلّا الله كان مخلصا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك «١٠» ، ووضائع «١١» الملك، لا تلطط في الزكاة «١٢» ، ولا تلحد في الحياة «١٣» ، ولا تثتاقل عن الصّلاة.

стр. 161

وكتب معه كتابا إلى بني نهد: «من محمد رسول الله إلى بني نهد، السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة «١» ، ولكم الفارض والفريش «٢» وذو العنان الركوب والفلوّ الضّبيس «٣» ، لا يمنع سرحكم «٤» ، ولا يعضد طلحكم «٥» ، ولا يحبس درّكم، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإمآق «٦» ، وتأكلوا الرباق «٧» ، من أقرّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الرّبوة» «٨» .

стр. 162

وفصاحة رسول الله ﷺ لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه، إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها، كهذا الحديث وما جرى مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولا بين العرب، ولكنه ﷺ لم يستعمله إلا يسيرا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح. وهذا الكلام هو الذي نعدّه نحن في زماننا وحشيا لعدم الاستعمال، فلا تظن أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله، فتارة يخفّ على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارة يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة، وذلك في اللفظ عيبان: أحدهما: أنه غريب الاستعمال، والآخر: أنه ثقيل على السمع كريه على الذوق، وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى الوحشي الغليظ، ويسمى أيضا المتوعّر، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفن أصلا. فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ؟. قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به، وسأضرب لك في ذلك مثالا؛ فمنه ما ورد لتأبط شرا في كتاب الحماسة «١» : يظلّ بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك «٢»

стр. 163

فإن لفظة «جحيش» من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويا لله العجب: أليس أنها بمعنى فريد، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع جحيش لما اختلّ شيء من وزنه، فتأبط شرا ملوم من وجهين في هذا الموضع: أحدهما: أنه استعمل القبيح، والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها. ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام [من] قوله «١» : قد قلت لمّا اطلخمّ الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا «٢» فلفظة «اطلخمّ» من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة وأنها غليظة في السمع كريهة على الذوق، وكذلك لفظة «دهاريس» أيضا، وعلى هذا ورد قوله من أبيات يصف فرسا من جملتها «٣» : نعم متاع الدّنيا حباك به ... أروع لا حيدر ولا جبس «٤» فلفظة «حيدر» غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي «٥» : جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغرّ دلائل «٦»

стр. 164

فإن لفظة «جفخ» مرّة الطعم، وإذا مرت على السمع أقشعرّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبط شرا لفظة جحيش؛ فإن تأبط شرا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي جفخت؛ فإن معناها فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: جفخ فلان؛ إذا فخر، ولو استعمل عوضا عن جفخت فخرت لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن، وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟. وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشي اللفظ الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه، والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ، وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معا، وهو في أحدهما أشد ملامة من الآخر. على أن هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري؛ فإن وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا؛ لعدم الذوق السليم عنده. فمن ذلك قول الفرزدق «١» : ولولا حياء زدت رأسك شجّة ... إذا سبرت ظلّت جوانبها تغلي «٢» شرنبثة شمطاء من يرتمي بها ... تشبه ولو بين الخماسيّ والطّفل «٣»

стр. 165

فقوله «شرنبثة» من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ههنا غير مستكرهة، إلّا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها. وكذلك وردت لفظة «مشمخر» فإن بشرا «١» قد استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه الأسد، فقال: وأطلقت المهنّد عن يميني ... فقدّ له من الأضلاع عشرا فخرّ مضرّجا بدم كأنّي ... هدمت به بناء مشمخرّا وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى «٢» ، فقال: مشمخرّ تعلو له شرفات ... رفعت فهي رءوس رضوى وقدس فإن لفظة «مشمخر» لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباته، كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال يوم القيامة، فقال: «اقمطر وبالها، واشمخر نكالها» فما طابت ولا ساغت. ومن هذا الأسلوب لفظة «الكنهور» في وصف السحاب، كقول أبي الطيب «٣» : يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا

стр. 166

وترى الفضيلة لا تردّ فضيلة ... الشّمس تشرق والسّحاب كنهورا «١» فلفظة «الكنهور» لا تعاب نظما، وتعاب نثرا، وكذلك يجري الأمر في لفظة «العرمس» وهي اسم الناقة الشديدة؛ فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر، ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضا «٢» : ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذّلل «٣» فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ولا ساغت، وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام، كقوله «٤» : هي العرمس الوجناء وابن ملمة ... وجأش على ما يحدث الدّهر خافض «٥» وكذلك ورد قوله أيضا: يا موضع الشّدنية الوجناء «٦»

стр. 167

فإن «الشدنية» لا تعاب شعرا، وتعاب شعرا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها. وعلى هذا فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور، وذلك شيء استنبطته، واطلعت عليه؛ لكثرة ممارستي لهذا الفن، ولأن الذوق الذي عندي دلّني عليه؛ فمن شاء فليقلدني فيه، وإلا فليدمن النظر حتى يطّلع على ما اطّلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت. وقد رأيت جماعة من مدّعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعزّ فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلاما وحشيّا غامض الألفاظ يعجبون به ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان؛ لا الغموض والخفاء. وسأبين لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع؛ فأقول: الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه. فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك. وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودّات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك. ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيا متوعّرا عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متينا على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق أن يكون ركيكا سفسفا، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية الناعم الملمس، كقول أبي تمام «١» :

стр. 168

ناعمات الأطراف لو أنّها تلبس ... أغنت عن الملاء الرّقاق «١» وسأضرب لك مثالا للجزل من الألفاظ والرقيق، فأقول: انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى؛ فإنك لا ترى شيئا من ذلك وحشيّ الألفاظ، ولا متوعرا، ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى؛ فإنك لا ترى شيئا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفا. فمثال الأول:- وهو الجزل من الألفاظ- قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين.

стр. 169

فتأمل هذه الايات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله وذكر النار والجنة. وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة. وكذلك ورد قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون. وأما مثال الثاني:- وهو الرقيق الألفاظ- فقوله تعالى في مخاطبة النبي ﷺ : والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى إلى آخر السورة، وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقة، وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد عنها نثرا، ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو عن دم «١» أبيه، فقال: إنك في المحل والقدر من المعرفة «٢» بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتنتقل به أحواله بحيث لا تحتاج لا تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرّب «٣» ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتد «٤» يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة «٥» ، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح «٦»

стр. 170

ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمّت رزيّته نزارا واليمن ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر «١» ، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله «٢» ، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته «٣» ، فنقول: رجل امتحن بها لك عزيز فلم يستلّ سخيمته إلا بمكنته «٤» من الانتقام، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة «٥» ، فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البرآء، وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق الرايات، قال: فبكى ساعة ثم رفع رأسه، فقال: لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض [به] جملا ولا ناقة فأكتسب به سبّة الأبد، وفتّ العضد، وأما النّظرة فقد أوجبتها الأجنّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا، وفوق الأسنة علقا: إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النّفوسا «٦» أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذيّة، وحرب وبليّة، ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل:

стр. 171

لعلّك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر «١» فقال امرؤ القيس: لا والله، ولكن أستعذبه، فرويدا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى؛ إذ كنت نازلا بربعي، ولكنك قلت فأوجبت «٢» [فقال قبيصة: ما نتوقع فوق المعاتبة والإعتاب] «٣» فقال امرؤ القيس: هو ذاك. فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ؛ فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء، وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة. وإذا تصفحت أشعارهم أيضا وجدت الوحشيّ من الألفاظ قليلا بالنسبة إلى المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموأل بن عاديا، وهي: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل

стр. 172

علونا إلى خير الظّهور وحطّنا ... لوقت إلى خير البطون نزول فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل إذا سيّد منّا خلا قام سيّد ... قؤول لما قال الكرام فعول وأيّامنا مشهورة في عدوّنا ... لها غرر مشهورة وحجول وأسيافنا في كلّ غرب ومشرق ... بها من قراع الدّارعين فلول معوّدة ألّا يسلّ نصالها ... فتغمد حتّى يستباح قبيل فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زبرا من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة. وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرقة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول عروة بن أذينة «١» : إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها حجبت تحيّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضّمير إلى الفؤاد فسلّها وكذلك ورد قول الآخر «٢» : أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضّمار تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار ألا يا حبّذا نفحات نجد ... وريّا روضه غبّ القطار «٣»

стр. 173

وأهلك إذ يحلّ الحيّ نجدا ... وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار فأمّا ليلهنّ فخير ليل ... وأطيب ما يكون من النّهار ومما ترقص الأسماع له، ويرن على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطّثريّة في محبوبته من جرم: بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله وإذا كان هذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضبّا أو يربوعا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقة العيس، يتعاطون وحشيّ الألفاظ، وشظف العبارات، ولا يخلد إلى ذلك إلا إما جاهل بأسرار الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها؛ فإنّ كل أحد ممن شدا شيئا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، وذاك أنه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقّفه من أربابها، وأما الفصيح المتّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدر عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه. فإن مارى في ذلك ممار فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممن كان مشارا إليه حتى يعلم صحة ما ذكرته. هذا ابن دريد، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطّا، مع أن أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه. هذا العباس بن الأحنف، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كمرّ نسيم على عذبات أغصان، وكلؤلؤات طل على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة، فمن ذلك قوله: وإنّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كان لا أرضى لكم بقليل

стр. 174

بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الودّ إلّا عدتم بجميل وهكذا ورد قوله في فوز التي كان يشبّب بها في شعره: يا فوز، يا منية عبّاس ... قلبي يفدّي قلبك القاسي أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظّنّ بالنّاس يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوء من اليأس وهل أعذب من هذه الأبيات وأعلق بالخاطر وأسرى في السمع؟ ولمثلها تخف رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخر السوابق عند الرهان، ولم أجرها بلساني يوما من الأيام إلا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي. إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثمّ قال له الحق ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة قريبة بعيدة؟. وهذا أبو العتاهية؛ كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك موجودون كثيرا، وكانت مدائحه في المهديّ بن المنصور، وإذا تأملت شعره وجدته كالماء الجاري رقّة ألفاظ ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واه. وكذلك أبو نواس، وبهذا قدّم على شعراء عصره، وناهيك بعصره وما جمعه من فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه. ويحكى أن أبا نواس جلس يوما إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى ماء، فلما شرب قال: عذب الماء وطابا ثم قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يتردّدون في إجازته، وإذا هم بأبي العتاهية، فقال: ما شأنكم مجتمعين؟ فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس: عذب الماء وطابا

стр. 175

فقال أبو العتاهية: حبّذا الماء شرابا فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبّث. وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ، وسأورد منه ههنا شيئا يستدل به على سلاسة طبعه وترويق خاطره: فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهدي؛ ويشبّب فيها بجاريته عتب: ألا ما لسيّدتي ما لها ... تدلّ فأحمل إدلالها ألا إنّ جارية للإما ... م قد سكن الحسن سربالها لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللّوم عذّالها كأنّ بعينيّ في حيثما ... سلكت من الأرض تمثالها فلما وصل إلى المديح قال من جملته: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها ولو لم تطعه نيات القلوب ... لما قبل الله أعمالها ويحكى أن بشّارا كان شاهدا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلما سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده؟ يريد هل زال عن سريره طربا بهذا المديح، ولعمري إنّ الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر الاستعارة؛ فليؤخذ من هناك. وأعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلا ومديحا، وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا فإنك تراها من السلاسة

стр. 176

واللطافة على أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السّهل الممتنع، فتراه يطمعك ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثّعلب، وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر؛ فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن. وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت؛ ومع أنها قد خلت وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر؟. وبعد هذا، فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا «١» سلاحهم، وتأهّبوا للطّراد، وترى ألفاظ البحتري كأنّها نساء حسان عليهنّ غلائل «٢» مصبّغات وقد تحلّين بأصناف الحلي، وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا وجدتني قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالا مناسبة. واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والغين؛ فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال ما لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها، والناظم في ذلك أشدّ ملامة؛ لأنه يتعرّض لأن ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تمام في قصيدته الثائية التي مطلعها. قف بالطّلول الدّارسات علاثا «٣»

стр. 177

وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها: مبيتي من دمشق على فراش «١» وكما فعل ابن هانئ المغربي في قصيدته الخائية التي مطلعها: سرى وجناح اللّيل أقتم أفتخ «٢» والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة، وأما الناثر فإنه أقرب حالا من الناظم، لأن غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة، فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدا، ولا يصاغ منه إلا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعا كريها، على أن هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإن الأمر فيهن أقرب حالا، وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن ينعم نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم؛ فليعرفه وليقف عنده.

стр. 178

ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة، وذلك ينقسم قسمين: الأول: ما كان من الألفاظ دالّا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته العامة وجعلته دالا على معنى آخر، وهو ضربان: الأول: ما يكره ذكره، كقول أبي الطيب «١» : أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهنّ عنّي بالصّرم «٢» فإن لفظة «الصرم» في وضع اللغة هو القطع، يقال: صرمه إذا قطعه، فغيرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكن المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا صرمه وصرمته وتصرمه فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك، وهذا الضرب المشار إليه لا يعاب البدوي على استعماله كما يعاب المحتضر؛ لأن البدويّ لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرفت العامة فيها كما تصرفت في زمن المحتضرة من الشعراء؛ فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة الصرم وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المتبدي «٣» ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي «٤» : قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصّرم

стр. 179

فإن هذا لا يعاب على صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدم ذكره. وقد صنف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابا في هذا الفن، ووسمه بإصلاح ما تغلط فيه العامة؛ فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكره استعماله؛ لكراهته، ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان. وأما الضرب الثاني، وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى فجعلته العامة دالا على غيره، إلا أنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفا إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، والظّرف في أصل اللغة مختص بالنطق فقط. وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو الصبّاحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظّرف في اللسان، الرّشاقة في القدّ، اللّباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر؛ فالظرف إنما يتعلق بالنطق خاصة، فغيرته العامة عن بابه. وممن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال: اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنّوال وقال هذاك وجهه لي ... للظّرف والحسن والكمال فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال وكذلك غلط أبو تمام، فقال «١» :

стр. 180

لك هضبة الحلم الّتي لو وازنت ... أجأ إذن ثقلت وكان خفيفا «١» وحلاوة الشّيم الّتي لو مازجت ... خلق الزّمان الفدم عاد ظريفا فأبو نواس غلط ههنا في أنه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضا، إلا أن هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة. القسم الثاني مما ابتذلته العامة؛ وهو الذي لم تغيره عن وصفه، وإنما أنكر استعماله لأنه مبتذل بينهم، لا لأنه مستقبح، ولا لأنه مخالف لما وضع له، وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارة عما يكثر تداوله بين العامة فإنّ من الكثير المتداول بينهم ألفاظا فصيحة، كالسّماء والأرض والنار والماء والحجر والطين، وأشباه ذلك، وقد نطق بها القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظما ونثرا، والذي ترجح في نظري أنّ المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي «٢» : وملمومة سيفيّة ربعيّة ... يصيح الحصا فيها صياح اللّقالق «٣» فإن لفظة «اللقالق» مبتذلة بين العامة جدا، وكذلك قوله «٤» :
следующие страницы →