← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واللطافة على أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السّهل الممتنع، فتراه يطمعك ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثّعلب، وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر؛ فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن. وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت؛ ومع أنها قد خلت وكانت في زمن العرب العاربة فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحضر؟. وبعد هذا، فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا «١» سلاحهم، وتأهّبوا للطّراد، وترى ألفاظ البحتري كأنّها نساء حسان عليهنّ غلائل «٢» مصبّغات وقد تحلّين بأصناف الحلي، وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا وجدتني قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالا مناسبة. واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والغين؛ فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال ما لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها، والناظم في ذلك أشدّ ملامة؛ لأنه يتعرّض لأن ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تمام في قصيدته الثائية التي مطلعها. قف بالطّلول الدّارسات علاثا «٣»

стр. 177

وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها: مبيتي من دمشق على فراش «١» وكما فعل ابن هانئ المغربي في قصيدته الخائية التي مطلعها: سرى وجناح اللّيل أقتم أفتخ «٢» والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة، وأما الناثر فإنه أقرب حالا من الناظم، لأن غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة، فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدا، ولا يصاغ منه إلا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعا كريها، على أن هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإن الأمر فيهن أقرب حالا، وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن ينعم نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم؛ فليعرفه وليقف عنده.

стр. 178

ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة، وذلك ينقسم قسمين: الأول: ما كان من الألفاظ دالّا على معنى وضع له في أصل اللغة فغيرته العامة وجعلته دالا على معنى آخر، وهو ضربان: الأول: ما يكره ذكره، كقول أبي الطيب «١» : أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهنّ عنّي بالصّرم «٢» فإن لفظة «الصرم» في وضع اللغة هو القطع، يقال: صرمه إذا قطعه، فغيرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكن المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا صرمه وصرمته وتصرمه فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك، وهذا الضرب المشار إليه لا يعاب البدوي على استعماله كما يعاب المحتضر؛ لأن البدويّ لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرفت العامة فيها كما تصرفت في زمن المحتضرة من الشعراء؛ فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة الصرم وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المتبدي «٣» ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي «٤» : قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصّرم

стр. 179

فإن هذا لا يعاب على صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدم ذكره. وقد صنف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابا في هذا الفن، ووسمه بإصلاح ما تغلط فيه العامة؛ فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكره استعماله؛ لكراهته، ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان. وأما الضرب الثاني، وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى فجعلته العامة دالا على غيره، إلا أنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفا إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، والظّرف في أصل اللغة مختص بالنطق فقط. وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو الصبّاحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظّرف في اللسان، الرّشاقة في القدّ، اللّباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر؛ فالظرف إنما يتعلق بالنطق خاصة، فغيرته العامة عن بابه. وممن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال: اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنّوال وقال هذاك وجهه لي ... للظّرف والحسن والكمال فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال وكذلك غلط أبو تمام، فقال «١» :

стр. 180

لك هضبة الحلم الّتي لو وازنت ... أجأ إذن ثقلت وكان خفيفا «١» وحلاوة الشّيم الّتي لو مازجت ... خلق الزّمان الفدم عاد ظريفا فأبو نواس غلط ههنا في أنه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضا، إلا أن هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة. القسم الثاني مما ابتذلته العامة؛ وهو الذي لم تغيره عن وصفه، وإنما أنكر استعماله لأنه مبتذل بينهم، لا لأنه مستقبح، ولا لأنه مخالف لما وضع له، وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارة عما يكثر تداوله بين العامة فإنّ من الكثير المتداول بينهم ألفاظا فصيحة، كالسّماء والأرض والنار والماء والحجر والطين، وأشباه ذلك، وقد نطق بها القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظما ونثرا، والذي ترجح في نظري أنّ المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي «٢» : وملمومة سيفيّة ربعيّة ... يصيح الحصا فيها صياح اللّقالق «٣» فإن لفظة «اللقالق» مبتذلة بين العامة جدا، وكذلك قوله «٤» :

стр. 181

ومن النّاس من يجوز إليهم ... شعراء كأنّها الخازباز «١» وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة البرسام الذي ذكره في شعره حيث قال «٢» : إنّ بعضا من القريض هراء ... ليس شيئا وبعضه أحكام «٣» فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفا. وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلّ ومنهم المكثر، حتى إنّ العاربة قد استعملت هذا، إلا أنه في أشعارها أقل. فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها: من آل ميّة رائح أو مغتدي ... أو دمية في مرمر مرفوعة بنيت بآجرّ يشاد بقرمد فلفظة «آجرّ» مبتذلة جدا، وإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن فانظر إلى هذا الموضع، فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ القرمد أيضا، ولا بلفظ الطّوب الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه

стр. 182

الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا فعبر عن الآجر بالوقود على الطين. ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها: عزفت بأعشاش وما كدت تعزف «١» ... وأصبح مبيضّ الضّريب كأنّه على سروات النّيب قطن مندّف «٢» فقوله «مندّف» من الألفاظ العامية. ومن هذا القسم قول البحتري «٣» : وجوه حسّادك مسودّة ... أم صبغت بعدي بالزّاج فلفظة «الزاج» من أشد ألفاظ العامة ابتذالا، وقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرا، كقوله: يا من جفاني وملّا ... نسيت أهلا وسهلا ومات مرحب لمّا ... رأيت مالي قلّا إنّي أظنّك فيما ... فعلت تحكي القرلّى

стр. 183

وكقوله: وأنمر الجلدة صيّرته ... في النّاس زاغا وشقرّاقا ما زلت أجري كلكي فوقه ... حتّى دعا من تحته قاقا وكقوله: وملحّة بالعذل تحسب أنّني ... بالجهل أترك صحبة الشّطّار وقد استعمل لفظة الشّاطر والشّاطرة والشّطّار كثيرا؛ وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها. وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها. ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين: أحدهما: يكره ذكره وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح، فأما إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها فخصت معناها بالحسن؛ وميزته عن القبيح، ولو وردت مهملة بغير قرينة وأريد بها المعنى الحسن لسبق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك لو قال قائل: لقيت فلانا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس. واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجيء معه لما استقبح، كقول الشريف الرضي «١» :

стр. 184

أعزر عليّ بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العوّاد «١» وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت «٢» في كتابه فقال: إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به؛ هذا حكاية كلامه، وهو مرضيّ واقع في موقعه، ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال وكذلك قوله تعالى: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر، ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العوّاد: مقاعد الزيارة، أو ما جرى مجراه؛ لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي. وعلى هذا ورد قول تأبط شرا «٣» : أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيّق الجحر معور «٤» فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه، لأن الجحر يطلق على

стр. 185

كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملا بغير قرينة تخصصه سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره؛ لاشتهاره به دون غيره، ومن ههنا ورد قول النبي ﷺ : «المؤمن لا يلسع من جحر مرّتين» وحيث قال: «يلسع» زال اللبس؛ لأن اللّسع لا يكون إلا للحية وغيرها من ذوات السموم. وأما ما ورد مهملا بغير قرينة فقول أبي تمام «١» : أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حقّ عليك قديم» فقوله: «ليس لي عقل» يظن أنه من عقل الشيء إذا علمه، ولو قال ليس لي عليك عقل لزال اللبس. فيجب إذا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع، وهو من جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة. ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا، وهذا مما ذكره ابن سنان في كتابه «٣» ، ثم مثله بقول أبي الطيب المتنبي «٤» : إنّ الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها «٥»

стр. 186

وقال: إن لفظة «سويداواتها» طويلة، فلهذا قبحت؛ وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت وهي مفردة حسنة، فلما جمعت قبحت، لا بسبب الطول، والدليل على ذلك أنه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: فسيكفيكهم الله فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ليستخلفنهم في الأرض فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة، ولو كان الطول مما يوجب قبحا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك، ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة «سويداواتها» الهاء والألف اللتين هما عوض عن الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف، ومع هذا فإنها قبيحة ولفظة (ليستخلفنّهم) عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين؛ ومع هذا فإنها حسنة رائقة. والأصل في هذا الباب ما أذكره، وهو أن الأصول من الألفاظ لا تحسن إلا في الثلاثي وفي بعض الرباعي، كقولنا: عذب وعسجد، فإن هاتين اللفظتين إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، ولا يكاد يوجد منه شيء حسن، كقولنا: جحمرش «١» وصهصلق «٢» وما جرى مجراهما، وكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان اللفظتان حسنتين واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأن تلك تسعة أحرف وعشرة وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلا ما كان من اسم نبي عرّب اسمه ولم يكن في الأصل عربيا نحو إبراهيم وإسمعيل. ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلفة من حروف يثقل النطق بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال:

стр. 187

غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضلّ المدارى في مثنّى ومرسل «١» فلفظة «مستشزرات» مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة؛ لأنا لو قلنا «مستنكرات» أو «مستنفرات» على وزن «مستشزرات» لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة. ولربما اعترض بعض الجهال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها، وليس الأمر كذلك؛ فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا: «مستشزر» لكان ذلك ثقيلا أيضا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، وإلا فلو جعلنا عوضا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا: «مستشرف» لزال ذلك الثقل. ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، فأكبر ذلك؛ لوقوفه مع شهرة التقليد في أن امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ

стр. 188

القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة ذلك الطيب حامية للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك. وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد؛ لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن مكانا، وأحسنهن وضعا؛ فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك، وقد جاءت آخرا فنفت القبيح من اللغات قبلها وأخذت الحسن؟ ثم إن واضعها تصرّف في جميع اللغات السالفة؛ فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف، فمن ذلك اسم الجمل؛ فإنه عندنا في اللسان العبراني «كوميل» ممالا على وزن فوعيل، فجاء واضع اللغة العربية وحذف منها الثقيل المستبشع، وقال: جمل، فصار خفيفا حسنا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره؛ وهو كلام عالم به. ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيّة من حركات خفيفة، ليخف النطق بها، وهذا الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة، فإنه إذا توالى منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت، ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. ولنمثل لك مثالا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنا نقول: إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف، وهي «ج ز ع» فإذا جعلنا الجيم مفتوحة فقلنا: الجزع أو مكسورة فقلنا: الجزع كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: الجزع، وكذلك إذا والينا حركة الفتح فقلنا: الجزع كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم عند قولنا: الجزع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيّرا لمخارج حروفها، حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج، بل

стр. 189

وجدناها تارة تكتسى حسنا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها. واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلا، كقوله تعالى: ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر وكقوله تعالى: إن المجرمين في ضلال وسعر وكقوله تعالى: وكل شيء فعلوه في الزبر فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية، وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد قول أبي تمام «١» : نفس يحتثّه نفس ... ودموع ليس تحتبس ومغان للكرى دثر ... عطل من عهده درس شهرت ما كنت أكتمه ... ناطقات بالهوى خرس فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها. وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلا، فإذا شذ عن ذلك شيء يسير لا ينقض الأصل المقيس عليه. القسم الثاني: الألفاظ المركبة: قد قدّمنا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة، وما يختص بها، وأما إذا صارت مركبة فإن لتركيبها حكما آخر؛ وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات والامتزاجات ما يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة، ومثال ذلك كمن أخذ لآلىء ليست من ذوات القيم الغالية فألّفها، وأحسن الوضع في تأليفها؛ فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت منثورة مبدّدة، وفي عكس ذلك من يأخذ لآلىء من ذوات القيم الغالية فيفسد تأليفها؛ فإنه يضع من حسنها، وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد التأليف؛ وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه، والعناية به.

стр. 190

واعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع؛ هي السجع: ويختص بالكلام المنثور، والتصريع، ويختص بالكلام المنظوم، وهو داخل في باب السجع؛ لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور، والتجنيس، وهو يعم القسمين جميعا، والترصيع، وهو يعم القسمين أيضا جميعا، ولزوم ما لا يلزم، وهو يعم القسمين أيضا، والموازنة، وتختص بالكلام المنثور، واختلاف صيغ الألفاظ، وهو يعم القسمين جميعا، وتكرير الحروف، وهو يعم القسمين جميعا. النوع الأول: السجع ؛ وحدّه أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى ذلك وجها سوى عجزهم أن يأتوا به، وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد أتى منه بالكثير، حتى إنه ليؤتي بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما، وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور؛ فمن ذلك قوله تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا وكقوله تعالى في سورة طه: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى، تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى وكذلك قوله تعالى في سورة ق: بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج وكقوله تعالى: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا وأمثال ذلك كثيرة. وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضا: فمن ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 191

«استحيوا من الله حقّ الحياء» قلنا: إنا لنستحيي من الله يا رسول الله، قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرّأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدّنيا» . ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام فقال: لما قدم رسول الله ﷺ فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما تبيّنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء تكلم به أن قال: «أيّها النّاس، أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلّوا باللّيل والنّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام» . فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لبعضهم منكرا عليه وقد كلمه بكلام مسجوع: «أسجعا كسجع الكهّان» ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي ﷺ . فالجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي ﷺ السجع مطلقا لقال: «أسجعا» ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلما قال: «أسجعا كسجع الكهان» صار المعنى معلقا على أمر، وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه، فعلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم، وهو ﷺ قد نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غيّر الكلمة عن وجهها إتباعا لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته ﵉: «أعيذه من الهامّة، والسّامّة، وكلّ عين لامّة» وإنما أراد ملمة، لأن الأصل فيها من ألمّ فهو ملم، وكذلك قوله ﷺ : «ارجعن مأزورات غير مأجورات» وإنما أراد موزورات من الوزر، فقال: «مأزورات» لمكان مأجورات، طلبا للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع. على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر؛ فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهّان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول الله ﷺ ؟ والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع؛ ألا ترى أنه لما أمر رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة قال الرجل: «أأدي من لا شرب ولا

стр. 192

أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل ذلك يطلّ» فقال رسول الله ﷺ : «أسجعا كسجع الكهّان» أي: أتتّبع سجعا كسجع الكهان «١» . وكذلك كان الكهنة كلهم؛ فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام مسجوعا، كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتحن قبل السؤال عن قصتها: «ثمرة في كمرة» فقيل له: نريد أبين من هذا؟ فقال: «حبّة برّ في إحليل مهو» والحكاية مشهورة، فلهذا اختصرناها ههنا. وكذلك قال سطيح؛ فإنه قال: عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موف على الضريح، لرؤيا الموبذان، وارتجاس الإيوان، وأتم الكلام إلى آخره مسجوعا؛ والحكاية مشهورة أيضا فلهذا اختصرناها. فالسجع إذا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهيّ عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن؛ فقال رسول الله ﷺ : «أسجعا كسجع الكهّان» أي: أحكما كحكم الكهان، وإلا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به؛ لأنه قال: «أأدي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل ذلك يطل» وهذا كلام حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه؛ وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة. واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام؛ والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجّاعا، وما من أحد منهم ولو شدا شيئا يسيرا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظا مسجوعة، ويأتي بها في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنّانة رنّانة، لا غثّة ولا باردة، وأعني بقولي غثة باردة أنّ صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها وما

стр. 193

يشترط له من الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابا من الكرسف «١» ، أو ينظم عقدا من الخزف الملوّن. وهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلا. فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ؛ فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموّه، على باطن مشوّه، ويكون مثله كغمد من ذهب، على نصل من خشب، وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع وغيرهما. وسأبين لك في هذا مثالا تتبعه؛ فأقول: إذا صوّرت في نفسك معنى من المعاني، ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ أو نقصان منه، ولا يكون محتاجا إلى الزيادة ولا إلى النقصان، إنما تفعل ذلك لأن المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعا إلا أن تضيف إليه شيئا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي يذمّ من السجع ويستقبح؛ لما فيه من التكلف والتعسف، وأما إذا كان محمولا على الطبع غير متكلّف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام، وإذا تهيّأ للكتاب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلم: يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، وفي مثل ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي «٢» : أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرّديف وقد ركبت غضنفرا؟ «٣»

стр. 194

فإن قيل: فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي أن يأتي القرآن كله مسجوعا؟ وليس الأمر كذلك، بل منه المسجوع ومنه غير المسجوع. قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إن السورة لتأتي جميعها مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعا إلا أنه سلك [به] مسلك الإيجاز والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب. وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع لأن ورود غير المسجوع معجزا أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمن القرآن القسمين جميعا. واعلم أن للسجع سرا هو خلاصته المطلوبة فإن عري الكلام المسجوع منه فلا يعتدّ به أصلا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه قولا هو أبين مما تقدم، وأمثّل لك مثالا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، وقيل في كلامك: ليبلّغ الشاهد الغائب، والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه؛ لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلّان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه، وجلّ كلام الناس المسجوع جار عليه، وإذا تأملت كتابة المفلقين ممن تقدم كالصّابي وابن العميد وابن عبّاد وفلان وفلان فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك، والأقلّ منه على ما أشرت إليه. ولقد تصفحت المقامات الحريرية والخطب النّباتية، على غرام الناس بهما، وإكبابهم عليهما، فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته. فالكلام المسجوع إذا يحتاج إلى أربع شرائط: الأولى: اختيار مفردات الألفاظ على الوجه الذي أشرت إليه فما تقدم، الثانية: اختيار التركيب على الوجه

стр. 195

الذي أشرت إليه أيضا فيما تقدم، الثالثة: أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى، لا المعنى تابعا للفظ، الرابعة: أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلّت عليه أختها؛ فهذه أربع شرائط لابد منها. وسأورد ههنا من كلامي أمثلة تحذي حذوها، فإني لما سلكت هذه الطريق وأتيت بكلامي مسجوعا توخّيت أن تكون كل سجعة منه مختصة بمعنى غير المعنى الذي تضمنته أختها، ولم أخلّ بذلك في مكاتباتي كلها، وإذا تأملتها علمت صحة ما قد ذكرته. فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة، وهو: الخادم واقف موقف راج هائب، لازم بكتابه هذا وقار حاضر عن شخص غائب، موجّه وجهه إلى ذلك الجناب الذي تقسم فيه أرزاق العباد، ويتأدب به الزمان تأدّب ذوي الاستعباد، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود كما تستغني بنسبها إليه عن شرف الأجداد، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره، وأحظاها من النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوب من عمره، وهذا القول يقوله وكل ما جد فيه حاسد، وبتأميله راكع ساجد، والديوان العزيز محسود الاقتراب، وهو موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب، وما ينافس في القرب من أبوابه الكريمة إلا ذوو الهمم الكريمة، وقد ودّت الكواكب بأسرها أن تكون له منادمة فضلا عن ندماني جذيمة. ومن ذلك ما كتبته من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، وهو: الكريم من أوجب لسائله حقّا، وجعل كواذب آماله صدقا؛ وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ذممه وبين رحمه فرقا، وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة، وأوطأه من كل مجد سريرا كما بؤأه من كل قلب سريرة، ولا زالت يده بالمكارم جديرة، ومن الأيام مجيرة، ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة، ولا برحت تستولد عقائم المعاني وتستجد أبنيتها حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة، ومن صفات كرمه أنه

стр. 196

يسبك الأموال مآثر، ويتّخذها عند السؤال ذخائر، فهي تفنى لديهم بالإنفاق، وذكرها على مرور الأيام باق، ومن أربح منه صفقة وقد باع صامتا بناطق، وما هو معرّض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق، ومثله من عرف الدنيا فرغب عن اقتنائها، وجدّ في ابتناء المحامد بهدم بنائها، وعلم أن مالها ليس عند الضنين به إلا أحجارا، وأن غناه منها لا يزيده إلا افتقارا؛ فهو لماله عبد يخدمه ولا يستخدمه، وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه. ومنه ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام، وهو أول كتاب ورد من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه؛ فقلت: وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة فقد يفرّ المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه، وغير بعيد أن ينبو مضجعه، أو يكبو به مطمعه، فيرجع وقد حمد من رجوعه ما ذمه من ذهابه، وعلم أن الغنيمة كل الغنيمة في إيابه، فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دار ترحّب بطارقها، ومن أبق عن مولاه مغاضبا، وجانب محلّ إحسانه الذي لم يكن مجانبا، فإنه يجد من مفارقة الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان، وهل أضلّ سعيا ممّن دفع في صدر العافية وغدا يسأل عن الأسقام، وألقى الثروة من يده ومضى في طلب الإعدام، ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب الإباق الذي أقدم على اجتراحه، وليس ذلك إلا لأنه صار سببا لافتتاح باب المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه، ولا جزاء له عنده إلا السعي في إعادته إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها، وهي أبرّ به من أمّه التي تقلب في أحشائها، ومن فضلها أنها تلقاه من حلمها بوسيلة الشافع، ومن كرمها بالوجه الضاحك والفضل الواسع. فانظر أيها المتأمل إلى هذه الأسجاع جميعها وأعطها حقّ النظر حتى تعلم أن كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها، وكذلك فليكن السجع، وإلا فلا. وسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه: فمن ذلك تحميد في كتاب؛ فقال: «الحمد لله الذي لا تدركه الأعين

стр. 197

بألحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها» . ثم أنتهى إلى الصلاة على النبي ﷺ ؛ فقال: «لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه» . ولا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم. ومن كلامه أيضا في كتاب، وهو: «وقد علمت أنّ الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام، وتعاقب الأعوام «١» ، تعتلّ طورا وتصحّ أطوارا، وتلتاث مرة وتستقل مرارا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنيانها ثابت لا يتضعضع» . وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتدال والالتياث والطّور والمرّة والرّسوخ والثّبات، كلّ ذلك سواء. وكذلك ورد له في جملة كتاب كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابا عن كتاب وصله من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله، فقال: «وصلني كتابه مفتتحا من الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين، والتقلد لأمور المسلمين، بما أعراقه الزكية مجوّزة لاستمراره، وأرومته العلية مسوّغة لاستقراره، له ولكل نجيب أخذ بحظه من نسبه، وضارب بسهم في منصبه؛ إذ كان ذلك جاريا على الأصول المعهودة فيه، والأسباب العاقدة له، من إجماع المؤمنين كافة، فإن تعذر اجتماعهم مع انبساطهم في الأرض، وانتشارهم في الطول والعرض؛ فلا بد من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله، وأعيان كل صقع وأماثله» . وهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه، فإن إمارة المؤمنين والتقلّد لأمور المسلمين سواء في المعنى، وكذلك الأعراق والأرومة، والتجويز والتسويغ، والأشراف والأفاضل، والأعيان والأماثل، والقطر والصّقع، كل ذلك سواء.

стр. 198

وعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر، فقال: «يسافر رأيه وهو دان لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاو لم يبرح» . وكلا هذين سواء أيضا. وما أحسن هذا المعنى لو قال: يسافر رأيه وهو دان لم يبرح، ويثخن الجراح في عدوه وسيفه في الغمد لم يجرح؛ فإنه لو قال مثل هذا سلم من هجنة التكرار. وأمثال ذلك في كلام الصابي كثير. وعلى منواله نسج الصاحب ابن عبّاد. فمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين، فقال: «طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم» «١» وكلا المعنيين سواء. وكذلك قوله في هذا الكتاب يصف ضيق مجال الحرب: «مكان ضنك على الفارس والراجل، ضيّق على الرّامح والنّابل» . ومن كلامه في كتاب، وهو: «لا تتوجه همّته إلى أعظم مرقوب إلا طاع ودان، ولا تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلا كان واستكان» . وكل هذا الذي ذكره شيء واحد. وله من كتاب، وهو: «وصل كتابه جامعا من الفوائد أشدّهما للشكر استحقاقا، وأتمها للحمد استغراقا، وتعرّفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته، وهنأه من كرامته، أنفس موهوب ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب» . وهذا كله متماثل المعاني، متشابه الألفاظ. وفيما أوردته ههنا مقنع؛ فأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما بينته لك، ووضعت يدك عليه، حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ المسجوعة، والله الموفق للصواب. فإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه

стр. 199

الشريطة فرارا من أن يكون المعنيان شيئا واحدا، ونرى قد ورد في القرآن الكريم لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا» وكل رسول نبي. قلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذا هو إيراد لفظتين في آخر إحدى الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به؛ لمكان طلب السجع، ألا ترى أن أكثر هذه السورة التي هي سورة مريم ﵍ مسجوعة على حرف الياء، وهذا يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؛ ألا ترى أن النبي ﷺ قد غيّر اللفظة عن وضعها طلبا للسجع، فقال: «مأزورات» وإنما هي موزورات، وقال: «العين اللّامّة» وإنما هي الملمّة، إلا أنه ليس في ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة مأزورات أنها قائمة موزورات، وكذلك يفهم من لفظة لامّة أنها بمعنى ملمّة؛ فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز معه أن يورد لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجز في استعماله أن يورد فقرتان بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه، وبين الذي ذكرته أنت وبين الذي ذكرته أنا فرق ظاهر. والذي قدمت من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عباد ربما كانت يسيرة أتّهم فيها بالتعصب، ويقال: إني التقطتها التقاطا من جملة رسائلهما، وقد خرجت من عهدة هذه التهمة، وذاك أني وجدت للصابي تقليدا بنقابة الأشراف العلويين ببغداد، وكنت أنشأت تقليدا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل؛ وقد أوردت التقليدين ههنا؛ ليتأملهما الناظر في كتابي هذا، ويحكم بينهما إن كان عارفا أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلّدا. وقد أوردت تقليد الصابي أولا؛ لأنه المقدم زمانا وفضلا، وهو: «هذا ما عهد أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلويّ، الموسوي، حين وصلته به الأنساب، وتأكّدت له الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته، ووضحت مخايل فضله ونجابته، ومهد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة وتاج

стр. 200

الملة مولى أمير المؤمنين ما مكن له عند أمير المؤمنين من المحل المكين، ووصفه به من الحلم الرّزين، وأشاد به فيه من رفع المنزلة، وتقديم المرتبة، والتأهيل لولاية الأعمال، والحمل للأعباء الثّقال، وحيث رغبه فيه، سابقة الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة والمواقف المحمودة، والمقامات المشهودة، التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد متخلقا بخلائقه، وذاهبا في طرائقه، علما وديانة، وورعا وصيانة، وعفّة وأمانة، وشهامة وصرامة، بالحظ الجزيل، من الفضل الجميل، والأدب الجزل، والتوجّه في الأهل، والإيفاء بالمناقب على لداته وأترابه، والإبرار على قرائبه وأضرابه، فقلّده ما كان داخلا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين أجمعين بمدينة السلام وسائر الأعمال والأمصار شرقا وغربا، وبعدا وقربا، واختصه ذلك جذبا بصنعه «١» ، وإنافة بقدره، وقضاء لحق رحمه، وترفيها لأبيه، وإسعافا بإيثاره فيه، إلى أمير المؤمنين واستخلافه عليه من النظر في المظالم، وتسيير الحجيج في المواسم، والله يعقب أمير المؤمنين فيما أمر ودبّر حسن العاقبة فيما قضى وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب. أمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسنا الصالحين، وعصمة عباد الله أجمعين، وأن يعتقدها سرا وجهرا، ويعتمدها قولا وفعلا، ويأخذ بها ويعطي، ويسرّ بها وينوي، ويأتي ويذر، ويورد ويصدر؛ فإنها السّبب المتين، والمعقل الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثواب، وقد حضّ الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها، فقال عزّ من قائل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبا، وتصفّحه مداوما ملازما، والرجوع إلى أحكامه فيما أحل وحرّم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب، وباعد وقارب، فقد صحح الله برهانه وحجته، وأوضح منهاجه ومحجّته، وجعله نجما في الظلمات طالعا، ونورا في المشكلات ساطعا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هوى وندم،

стр. 201

قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشبهات، وتطلع إليه التّبعات، وأن يضبطها ضبط الحليم، ويكفّها كفّ الحكيم، ويجعل عقله سلطانا عليها، وتمييزه آمرا ناهيا لها، ولا يجعل لها عذرا إلى صبوة، ولا هفوة، ولا يطلق منها عنانا عند ثورة، لا فورة، فإنها أمّارة بالسّوء، منصبة إلى الغي؛ فمن رفضها نجا، ومن اتّبعها هوى، فالحازم متهم عند تحرك وطره وأربه واهتياج غيظه، ولا يدع أن يغضها بالشّكيم، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم، ويفتقدها من مقارفة المآثم والمحارم «١» ، كيما يعز بتذليلها وتأديبها، ويجلّ برياضها وتقويمها، والمفرّط [في أمر] تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها إذا جمحت، ولا يلبث أن تورده حيث لا يصدر، وتلجئه إلى أن يعتذر، وتقيمه مقام النادم الواجم، وتتنكب به سبيل الراشد السالم، وأحق من تحلّى بالمحاسن، وتصدّى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف، ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، واستظلّ بأوراق الدّوحة الفاخرة، فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها، والمثالب إن أسفّ إليها، ولا سيما من كان مندوبا بالسياسة ومرشحا للتقليد على أهله؛ إذ ليس يفي بالصلاح لمن ولي عليه، ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، ومن أعظم الهجنة عليه أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله تعالى جلّ ذكره: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. وأمره أن يتصفّح أحوال من ولي عليهم: من استقراء مذاهبهم، والبحث عن بواطنهم ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدمت قدمه منهم وتظاهر فضله فيهم منزلته، ويوفّيه حقّه وزينته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم وأقدارهم، وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم، فإنّ ذلك يلزمه لشيئين: أحدهما: يخصه، وهو النسب الذي بينه وبينهم، والآخر: يعمه والمسلمين جميعا، وهو قول الله جل ذكره: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فالمودة لهم

стр. 202

الإعظام لأكابرهم، والاشتمال على أصاغرهم؛ واجب متضاعف الوجوب عليه، متأكد اللزوم له، ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداث لم يحتنكوا عليه، وجذعان لم يقرحوا، ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم، ويغضّ من أحسابهم، عذلهم وأنّبهم، ونهاهم ووعظهم، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصد فيهم، وإن أصرّوا وتتابعوا أنالهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع؛ فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ما يلذع ويوجع، من غير تطرّق لأعراضهم، ولا امتهان لأحسابهم؛ فإن المغرض منهم الصيانة، لا الإهانة، والإدالة، لا الإذالة، وإذا وجبت عليهم الحقوق، أو تعلقت بهم دواعي الخصوم، قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس، ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره الله تعالى فيها، بعد أن تثبت الجرائم وتصح، وتبين وتتضح، وتتجرد عن الشك، وتتجلى من الظن والتهمة، فإنّ الذي يستحب في حدود الله أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة، وأن تمضى عليهم مع قيام الدليل والبينة؛ قال الله : ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون. وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر، والشرف الأفخر، عن أن يدّعيه الأدعياء، أو يدخل فيه الدّخلاء، ومن أنتمى إليه كاذبا، أو انتحله باطلا، ولم يوجد له بيت في الشجرة، ولا مصداق عند النسابين المهرة، أوقع به كذبه وفسقه وشهره شهرة ينكشف بها غشه ولبسه، وينزع بها غيره ممن تسوّل له ذلك نفسه، وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس كفئا لها في شرفها وفخرها، حتى لا يطمع في المرأة الحسيبة النسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا، ونظيرا موازيا، فقد قال الله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. وأمره بمراعاة متبتّلي أهله ومتهجديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأراملهم وأصاغرهم، حتى تستد الخلّة من أحوالهم، وتدرّ المواد عليهم وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم، وأن يزوج الأيامى، ويربي اليتامى، وليلزمهم المكاتب فيتلقنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب؛ فإن شرف الأعراق، محتاج إلى شرف الأخلاق، ولا حمد لمن شرفه حسبه، وسخف أدبه، إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل بفضل سعي ولا

стр. 203

طلب ولا اجتهاد، بل بصنع الله تعالى له، ومزيد المنة عليه، وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية، والاعتداد بما فيها من المزيّة. وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب، والتّرفّع عن الرذائل والمثالب. وأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النظر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين إليه جلوسا عاما، ويتأمّل كلامهم تأملا تاما؛ فما كان منها متعلقا بالحاكم رده إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان من طريقة الغشم والظلم، والتغلب والغصب، قبض عنه اليد المبطلة، وثبّت فيه اليد المستحقّة، وتحرّى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل، ومجانبة للخذل، فإن عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة، وهي إقامة الحق ونصرته، وإبانته وإثارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر، إذ كان الحاكم يعمل بما ثبت عنده وظهر، وصاحب المظالم يفحص عما غمض واستتر، وليس له مع ذلك أن يرد للحاكم حكومة، ولا يعل له قضيّة، ولا يتعقب ما ينفذه ويمضيه، ولا يتتبّع ما يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويوفقه، ويسدّده ويرشده. وأمره أن يسير حجيج بيت الله إلى مقصدهم، ويحميهم في بدأتهم وعودتهم، ويرتّبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتى لا تنالهم شدّة، ولا تصل إليهم مضرّة، وأن يريحهم «١» في المنازل، ويوردهم المناهل، ويناوب بينهم في النّهل والعلل، ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء، مجتهدا في الصيانة لهم، ومعذرا في الذّبّ عنهم، ومتلوّما على متأخرهم ومتخلفهم، ومنهضا لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجّاج بيت الله الحرام، وزوّار قبر رسوله ﵊، قد هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الجيرة والإخوان، وتجشّموا المغارم الثّقال، وتعسّفوا السّهولة والجبال، يلبّون دعاء الله، ويطيعون أمره، ويؤدّون فرضه، ويرجون ثوابه، وحقيق على المسلم أن يحرسهم متبرّعا، ويحوطهم متطوعا، فكيف من تولى ذلك وضمنه، وتقلده واعتقبه؟ قال الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا.

стр. 204

وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها، وأقطارها وأكنافها؛ وأن يجبي أموال وقفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلمّ شعثها، ويسدّ خللها، بما يتحصل من هذه الوجوه قبله، لا يزيل رسما جرى، ولا ينقض عادة كانت لها، وأن يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأن عمارتها جرت على يده، وصلاح أداه قول أمير المؤمنين في ذلك، تنويها باسمه، وإشادة لذكره، وأن يولّي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفته وصيانته؛ فقد قال الله جل من قائل: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. وأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار الدانية والنائية والبلاد القريبة والبعيدة من يثق به من صلحاء الرجال، ذوي الوفاء والاستقلال، وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه، ويعتمد عليهم مثل ما اعتمد عليه، ويستقصي في ذلك آثارهم، ويتعرّف أخبارهم؛ فمن وجده محمودا قرّبه، ومن وجده مذموما صرفه ولم يمهله، واعتاض من ترجى الأمانة عنده، وتكون الثقة معهودة منه، وأن يختار لكتابته وحجابته والتصرّف فيما قرب منه وبعد عنه من يزينه، ولا يشينه، وينصح له ولا يغشه، ويجمله ولا يهجّنه، من الطبقة المعروفة باللطف، المتصوّنة عن النّطف، ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، والأجرة الوافية، ما يصدّهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة؛ فليس تجب عليهم الحجة إلا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى. وأمره أن يكتب لمن تقوم بينته عنده وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف بالشدّ على يده، واتصال حقه إليه، وحسم الطّمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة عنه؛ إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحدّه. هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته لك وعليك، قد أبان منه سبيلك، وأوضح دليلك، وهداك لرشدك، وجعلت على بينة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته إليه ولا تجاوزه، وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به ويشتبه

стр. 205

عليك الخروج منه أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرا، وكنت إلى ما يأمرك به صائرا؛ إن شاء الله تعالى. وأما التقليد الذي أنشأته أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد، وهو: أما بعد فإن كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم باسمه فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده يتنزل من الكلام، منزلة الأعضاء من الأجسام، واسمه يتنزل من الكتاب، منزلة الرّقوم من الثياب، وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيّده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد، وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطّيّب من القول وهدوا إلى صراط الحميد، ومما يقترن بهذه الصلاة في ثوابها، ويجيء على أعقابها، النظر في أمر الأسرة النبوية التي وصل ودّها بوده، وجعلها إحدى الثّقلين المخلّفين من بعده، وقد تقادم الآن زمانها، وتشعبت أغصانها، ونسي مالها في الرقاب من عهدة الأمانة، ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله ﷺ من المكانة، وأولى الناس بها من أضمر ولاءها حقا، وأوجب أن يرد معها الحوض حين يقال لوارده: سحقا، وكان بمن تحت يده منها بارّا رفيقا حتى لا يسأله برّا ولا رفقا، ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة، وأن نسبق إليها سبق المتقرب في الجمعة ببدنه، ومن أهمّ أمورها أن يختار لها زعيم يرأف بها رأفة الوالد بولده، ويقوم بأمرها قيام الرأس بجسده، حتى تأتلف أصولها كلها في مغرسها، ولا يحكم عليها من ليس من أنفسها، وقد اخترنا من وفّقنا في اختياره، وأخذناه فيه ببيان الرأي وحزمه لا بشبهة الهوى واغتراره، ولو لم يكن من القوم الذين ولوها لكان استحقاقه لها بيّنا، والتعويل عليه متعيّنا، فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد، ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد الأجداد، وهو أنت أيها السيد الأجل الشريف الحسيب النسيب فلان بن فلان الحسيني، ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة كابرا عن كابر، ونضّدناها آخرا بعد أول عن أول قبل آخر، حتى وصلنا هذا الفرع بشجرته الطيبة، وهذا القطر بسحابته الصّيّبة، وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر به شهيدا، وأجدّه ما كان قديما وأخلقه ما كان جديدا، وما تولى الروح الأمين مدحه قرآنا أكرم مما تولى

стр. 206

الشعراء مدحه قصيدا، ولا فضل للمعتزي إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة بالأبوة، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة، وحينئذ يقال: ما أقرب الشّبه على قدم عهده، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده، وأنت ذلك الرجل الذي تردد الشرف في مناسبه تردد القمر في منازله، وزها المجد بمناقبه زهو الروض في خمائله، فلآليء حسبك تغنيك عن سؤال من وما، وتملأ بودّك وحمدك قلبا وفما، والحسب ما حفظت أواخره أوائله، وأوضحت الليالي والأيام دلائله، وأقرّت به الأعداء فما ردّت فضائله، وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت الشّعرى عليها من الشعر، وإذا نثرت وجدت في محكم الذّكر، وأنت صاحبها وابن صاحبها، ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها، ولو جانبت رياستها مصانعا، ومشيت بها الضّراء متواضعا؛ لدلّ عليك وصفها، وعرف منك عرفها. وقد قلّدناك أمر هذه الأسرة الطاهرة التي هي أسرتك، وأمرناك عليها وإمرتها إمرتك، فتولّها تولّي من خفض لها جناحه، وأفاض عليها سماحه، وأنضى فيها غدوّه ورواحه، حتى يقال: إنك الراعي الذي تناول ثلثه فأراح حسيرها، وجبر كسيرها، وارتاد لها خصبا، وأوردها رفها لا غبّا، وأذكى في كلاءتها عينا وقلبا. ومن حقها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها، وتتصفّح أحوالها في أمر دنياها ودينها؛ فأوّل ذلك أن تعلّمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج الصواب، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب، وقد مثّل قارئه بالبيت العامر وتاركه بالبيت الخراب، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل، وتولى الله حفظه من التحريف والتبديل، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة الظلماء، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء، والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه إلا الراسخون من العلماء. وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم، وسسها برياضة الآداب وتهذيب الشّيم، ولا تتركها فوضى لا يتّسم أحدها بسمة القدر المنيف، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف، وتكون غاية ما عنده من

стр. 207

الفضيلة أن يقال فلان الشريف، ومن حفظ رسول الله ﷺ فيها أن توفي فضل مكانها، وتخالف بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها؛ فلا تبتذل بمجالس الولاة في انتزاع ظلامة، ولا في إقامة حد يسلب معه رداء الكرامة، وأنت تتولّى ذلك منها وجب عليها من حق فخذها باقتضائه، وأمض فيها حكم الله الذي أمر بإمضائه، وليكن ذلك على وجه الرفق الذي يسلس له القياد، ويتوطأ له المهاد، وإن أمكنك افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجه عليها ففاد، وقد أتم الله فضلها بمنع كرائمها إلا من كفء لا دناءة في عنصره، ولا غضاضة في مخبره، وهو الذي إن فاته شرف النبوة في مغرسه فلم يفته شرف النباهة في معشره، وإذا تباينت الأقدار فلا فرق بين المناكح المخطوبة، وبين الأسلاب المسلوبة، فاحفظ لأسرتك حرمة هذه المنزلة، واجعلها في كتاب الوصايا التي وصيت بها مكان البسملة، وكما أمرناك بالنظر في صون أقدارها، فكذلك نأمرك بالنظر في حفظ مادة درهمها ودينارها، وقد علمت أن لها أوقافا وقفها قوم فحظوا بأجرها واسمها، وستحظى أنت بالعدل في قسمها، فأجر على كل منها رزقه، وأعط كل ذي حق حقه، وفي الناس طائفة أدعياء يرومون إلحاق الرأس بالذنب، والنّبع بالغرب، ويلحقون أبا لغير ابن وابنا لغير أب، كلّ ذلك رغبة في سحت يأكلونه، لا في نسب يوصلونه، فنقب عن حال هؤلاء تنقيبا، واجعل النسيب نسيبا، والغريب غريبا، حتّى تخلص السلالة من طرّاقها، وتبقى الشجرة قائمة على أعراقها، ومن علمت كذبه فازجره بأليم الازدجار، وأعلمه بأنه قد تبوّأ مقعده من النار، وأشهره في الناس حتى ينتهي وينتهي غيره بذلك الاشتهار. وههنا وصية هي أهم من هذه الوصية أمرا وأعظم أجرا، وأجدر بأن تكون هي الأولى وتكون هذه الأخرى، وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر بين آل النبي ﷺ وأصحابه، وإظهار العصبيّة التي تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه، وليس مستندها إلا مغالاة ذوي الجهل، وربما نشأ منها فتنة والفتنة أشد من القتل؛ فوكل بهؤلاء غربا قاطعا، ونهيا قامعا، وكن في ذلك شارعا لما كان الله شارعا، فأولئك السادات هم النجوم الذين بأيّهم كان الاقتداء كان به الاهتداء، وقصارى المحسن في هذا الزمان أن يتعلق منها سببا، ويأخذ عنهم دينا أو أدبا، ولا يبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا، ونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك، وأن هذه الوصية هي محض

стр. 208

اعتقادك، والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جلي، ووفى أبا بكر وعمر ﵄ حقهما وإن كان من نسل علي؛ فكل قد ذكره رسول الله ﷺ بفضله، وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله، ونعوذ بالله من الأهواء الزائغة، والأقوال التي ليست بسائغة، ولا حجة إلا بالحق ولله الحجة البالغة، وقد جعلنا لك في مالنا عطاء دارّا تستعين به على لوازم النفقات، وتخرج نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة من الصدقات، فإنّ من ساد قوما يفتقر إلى تحمل أثقالهم، والإفاضة من حاله على أحوالهم، وهذا بر يكون منا أصله ومنك فرعه، وثواب يكون لك قصده ولنا شرعه، وصاحب الإحسان من سنّ سبيل الإحسان، ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان، فأعط ما لنا، وتعلم من سنة إفضالنا، ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لبس زاد جدّة، وعمر ذكر كلّما مضت عليه مدد الأيام طال مدّة، ولا ملك في الدنيا لمن لم يجعل ملكه حديثا حسنا، ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنا، ومن عرف قدر الثناء جدّ في تحصيله، ولو أنفق الكثير في قليله، فكم من دولة أعدمت منه فدرست آثار معالمها، ولو كانت منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها، وإذ ذكرنا هذا فلنختمه بما يكون قلادة لصاحب هذا التقليد، وهو أن نجرد العناية بوجاهته حتى يلبس تقدّما بذلك التجريد، وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما له في الدولة من منزلة الكرامة، ويعرفوا أنه فيها ابن جلا غير محتاج إلى وضع العمامة، ونحن نأمر نوابنا وولاتنا وأصحابنا أن يوفّوه حقّ أبوّته الشريفة، وفضيلته التي ردفتها فأضحت وهي لها رديفة، وأن يعطوه ما شاء من إعلاء شأنه، ويمضوا فعل يده وقول لسانه، إن شاء الله تعالى. وقد وجدت للصابي أيضا تقليدا أنشأه لفخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي بن بويه، عن الخليفة الطائع ﵀، وهو مثبت ههنا على صورته، وكان عرض على تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، من الخليفة المستضىء بالله ﵀ في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فوجدت فيه كلاما نازلا بالمرة، وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه، فعارضته بتقليد في معناه، وهو مثبت ههنا أيضا، وكلا التقليدين باسم ملك كبير، وفيهما يظهر ما يظهر من فصاحة وبلاغة.

стр. 209

فأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو: هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين حين عرف غناه، وبلاه، واستصحّ دينه ويقينه. ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره، وأثنى عز الدولة أبو منصور بن معز الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين عليه، وأشار بالمزيد في الصنيعة إليه، وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرض رمى إليه من النصيحة، دخولا في زمرة الأولياء المنصورة، وخروجا عن جماعة الأعداء المدحورة، وتصرّفا على موجبات البيعة التي هي بعز الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة، فقلده الصّلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات والجوالي وسائر وجوه الجبايات والعرض والعطاء والنفقة في الأولياء والمظالم وأسواق الرقيق والعيار في دور الضرب والطرز والحسبة، بكور همذان واستراباذ والدّينور وقرميسين والإيعارين وأعمال أذربيجان وأزان والسحانين وموقان، واثقا منه باستقبال [النعمة] واستدامتها، والاستزادة بالشكر منها، والتّجنّب لغمطها وجحودها، والتنكب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمد لما يمكن له الحظوة والزّلفى، ويحرس عليه الأثرة والقربى، بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء الصريح، والغيب الأمين، والصدر السليم، والمقاطعة لكل من قطع العصمة، وفارق الجملة، والمواصلة لكل من حمى البيضة، وأخلص النية، والكون تحت ظل أمير المؤمنين وذمته، ومع عز الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله جل اسمه يعرف لأمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيمن رفع وخفض، ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد الندامة، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل. أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنة الحصينة، والطود الأرفع، والمعاذ الأمنع، والجانب الأعزّ، والملجأ الأحرز، وأن يستشعرها سرا وجهرا، ويستعملها قولا وفعلا، ويتّخذها ذخرا دافعا لنوائب القدر، وكهفا حاميا من حوادث الغير؛ فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذرائع، وأعودها على العبد بمصالحه، وأدعاها إلى كل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنجاة من غوايته،

стр. 210

والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتردهي مردياتها، وفي آخرته حين تروع رائعاتها، وتخيف مخيفاتها، وأن يتأدّب بأدب الله في التواضع والإخبات والسكينة، وصدق اللهجة إذا نطق، وغضّ الطرف إذا رمق، وكظم الغيظ إذا أحفظ، وضبط اللسان إذا أغضب، وكفّ اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم، وأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه، ويعلم أنه مسئول عما اكتسب، مجزى عما تزمّل واحتقب، ويتزود من هذا الممرّ لذلك المقر، ويستكثر من أعمال البر لتنفعه، ومن مساعي الخير لتنقذه، ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها، ويزدجر عن السّيّئات قبل أن يزجر عنها، ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيته، فلا يبعثهم على ما يأتي ضدّه، ولا ينهاهم عما يقترف مثله، ويجعل ربه رقيبا عليه في خلواته، ومروأته مانعة له من شهواته، فإن أحق من غلب سلطان الشهوة، وأولى من ضرع لغذاء «١» الحمية؛ من ملك أزمة الأمور، واقتدر على سياسة الجمهور، وكان مطاعا فيما يرى، متّبعا فيما يشاء، يلي على الناس ولا يلون عليه، ويقتصّ منهم ولا يقتصّون منه، فإذا اطلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمّله، وجعل له مخلصا من الشّبهة، ومخرجا من الحيرة، فقد قال الله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وقال عزّ من قائل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين إلى آي كثيرة حضّنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطرق، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منها من بعث عليها وهو صادف عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى ذكره: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متّبعا، وطريقا متوقّعا، ويكثر من تلاوته إذا خلا بذكره، ويملأ بتأميله أرجاء صدره، فيذهب معه فيما أباح وحظر، ويقتدي به

стр. 211

إذا نهى وأمر، ويستبين ببيّناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمّ عليه في المشكلات؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى، ومحجّته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظلم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلّ، والمتلافي لمن زلّ؛ فمن نجا به فقد فاز وسلم، ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأمره أن يحافظ على الصّلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات، قائما على حدودها، متبعا لرسومها، جامعا فيها بين نيته ولفظه، متوقيا لمطامح سهوه ولحظه، منقطعا إليها عن كل قاطع لها، مشغولا بها عن كل شاغل عنها، متثبتا في ركوعها وسجودها، مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها، موفّرا عليها ذهنه، صارفا إليها همه، عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ومثيبه، لا تستر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، ويستمع باستماعها، لا يتعدّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء لمصالح الدين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى؛ فقد قال الله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقال تعالى: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القوام والمؤذنين والمكبرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضّهم عليها، آخذين الأهبة، متنظفين في البزّة، مؤدّين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين خشية الله وخيفته، مدّرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه وسؤاله، مصلين على محمد ﷺ وعلى آله، بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة؛ فإن هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضلها، ومناسكه التي شرفها، وفيها

стр. 212

يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائذون، ويتعبد المتعبدون، ويتهجد المتهجدون، وحقيق على المسلمين أجمعين من وال ومولى عليه أن يصونها ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها؛ قال الله تعالى في هذه الصلاة: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع وقال في عمارة المساجد: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. وأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه، ويطلق لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يحسن في معاملتهم، ويجمل في استخدامهم، ويتصرّف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر، ومتغمدا لمسيئهم ما كان التغمد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن تكرّرت زلّاته، وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا، وأن يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملم، والإطلاع على بعض المهم، مستخلصا مخايل صدورهم بالبسط والإناء، ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والاجتباء؛ فإن في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب، وتحرّزا عن غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة الاستقامة، وقد حضّ الله على الشورى حيث قال لرسوله ﵊: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين. وأمره بأن يصمد بما يتصل «١» بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته، ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب، واكتسب دربة بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، وأن يستظهر

стр. 213

بكشف عددهم، واعتبار عددهم، وانتخاب خيلهم، واستجادة أسلحتهم، غير مجمر بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجّهه، بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تمدهم، وترفّههم ولا تئودهم؛ فإن في ذلك من فائدة الإجمام، والعدل في الاستخدام، زينا، فليسوّبين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر، وبعد الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحق أن يكون الولاة به عاملين، وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم؛ مواعيد الله تعالى لمن صبر ورابط وسامح بالنفس من حيث لا يقدمون على تورط غرة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورّد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه، وأن يريح العملة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها وبناء حصونها ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفة فيها للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها، وأن يبذل أمانة لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمّة، ولا جارح أمانة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ونهى عن النّكث؛ فقال عزّ من قائل: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبا أقره، ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه، وأن ينظر في الشّرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدم إليهم بقمع الجهال، وردع الضّلّال، وتتبع الأشرار، وطلب الدّعّار، مستدلين على أماكنهم، متوغّلين إلى مكامنهم، متولجين عليهم في مظانهم، متوثقين ممن يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها، ومهجة إن أفاظوها واستهلكوها، وحرمة إن استباحوها وانتهكوها؛ فمن استحق حدا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه غير مخفّفين منه، وأحلّوه به غير مقصرين عنه، بعد ألّا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه مشبهة، فإن الواجب في الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخّاه رعاة الرعايا فيها ألّا يقدموا عليها مع

стр. 214

نقصان، ولا يتوقفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب عليه القتل احتاط بما يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته وثبوتها بإقرار يكون منه أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه؛ فإن أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد، إلا ما أحاط به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شك، ولا يشوبها ريب، ومن ألمّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم يتقدم له أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذّره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، وجزاء له، فإن عاد تناوله من التقويم والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدم؛ فقد قال الله تعالى: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون. وأمره أن يعطل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح والمناكير، ويمنع من يجمع أهل الخنا فيها، ويؤلف شملها بها، فإنه شمل يصلحه التشتيت، وجمع يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، والمطارح الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، وإهمال المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا معشر المؤمنين: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ويقول عزّ من قائل لغيرنا من المذمومين: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. وأمره أن يولي الحماية في هذه الأعمال، أهل الكفاية والعناية من الرجال، وأن يضم إليهم كلّ من خفّ ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتّبا لهم في المسالح وسادا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقظ، ويأخذهم بالتحفظ، ويزيح عللهم في علوفة خيلهم، والمقرر من أزوادهم وميرهم، حتى لا تثقل لهم على البلاد وطأة ولا يدعوهم إلى تحنقهم «١» وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة،

стр. 215

ويبذرقوا القوافل صادرة وواردة، ويحرسوا الطريق ليلا ونهارا، ويتفصّوها رواحا وغدوّا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمنوا لهم بكل واد، ويتفرقوا عليهم حيث يكون التفرق مضيقا لفضائهم، ومؤديا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم، ولا يخلوا هذه السبل من حماة لها، وسيارة فيها، يترددون في جوادّها، ويتعسفون في عواديها «١» ، حتى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل في أيديهم من لص خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم؛ امتثل في أمره أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وأمره بوضع الرّصد على من يجتاز في أعماله من أبّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي استطرقوها، ومواليهم الذين أبقوا منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردّوهم عليهم قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا، وأن ينشد الضالة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربها بما جاز أن تحفظ، ويتجنّبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، وألبان ما يجز ويحلب، وأن يعرّفوا اللّقطة، ويتّبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها؛ فإذا حضر صاحبها وعلم أنّه مستوجبها سلّمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله يقول: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ويقول رسول الله ﷺ : «ضالّة المؤمن حرق النّار» . وأمره أن يوصي عماله بالشد على يد الحكام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام، وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقرين لها الذّابّين عنها المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطّواعية فيها، ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف وحلم
следующие страницы →