Полный текст (791 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنّها في غربة وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار «١»
وكذلك قوله «٢» :
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عنّي، وعاوده ظنّي فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريّقه ... وإن ترحّلت عنه لجّ في الطّلب
وعلى هذا الأسلوب ورد قول علي بن جبلة:
إذا ما تردّى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرّماح الشّوارع
وأسفر تحت النّقع حتّى كأنّه ... صباح مشى في ظلمة اللّيل طالع
وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كلّ الإحسان.
وكمثله في الحسن قوله أيضا في تشبيهه الحبب فوق الخمر:
ترى فوقها نمشا للمزاج ... تباذير لا يتّصلن اتّصالا
كوجه العروس إذا خطّطت ... على كلّ ناحية منه خالا
стр. 387
ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد «١» :
تلقى المنيّة في أمثال عدّتها ... كالسّيل يقذف جلمودا بجلمود
وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف «٢» :
لا جزى الله دمع عيني خيرا ... وجزى الله كلّ خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللّسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طيّ ... فاستدلّوا عليه بالعنوان
وهذا من اللطيف البديع.
ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحا للخصيب جلس يوما في رهط من الأدباء، وتذكروا منازه بغداد، فأنشد مرتجلا «٣» :
ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فصبا صبوة ولات أوان «٤»
стр. 388
ثم أتم ذلك قصيدا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس ابن الأحنف، وقال: أنشدني شيئا من شعرك بمصر، فأنشده:
ذكر الكرخ نازح الأوطان
فلما استتمّ الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرام على أحد يتفوّه بقول الشعر بعدك، فقال أبو نواس: وأنت أيضا يا أبا الفضل تقول هذا؟ ألست القائل:
لا جزى الله دمع عيني خيرا
وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا؟
ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري «١» :
جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه
وهذا من محاسن التشبيهات.
وكذلك ورد قوله «٢» :
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرّجال بكوكب «٣»
وفي هذا البيت تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء؛ فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر.
стр. 389
وكذلك ورد قوله «١» :
يمشون في زغف كأنّ متونها ... في كلّ معركة متون نهاء «٢»
بيض تسيل على الكماة نصولها ... سيل السّراب بقفرة بيداء «٣»
فإذا الأسنّة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في ماء
فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري وأغرب.
ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال:
كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدّهر قبل النّار والنّور
تهتزّ في الكأس من ضعف ومن هرم ... كأنّها قبس في كفّ مقرور
وقد يندر للناظم أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، وهذان البيتان من هذا القبيل.
ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة «٤» :
стр. 390
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا
القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب.
فمما ورد منه قوله تعالى: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» .
وكذلك قوله تعالى: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» .
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادا؛ فقلت: وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب؛ فهو مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه.
وكذلك أيضا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذمّ الفراق، فقلت:
والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات وحيّ لا كالأحياء، وما أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطّلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ضحضاح منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له وإن لم يسق مقام الإسقاء.
وأما ما ورد منه في الشعر فكقول أبي نواس «١» :
стр. 391
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدا له «١» :
خذها مثقّفة القوافي ربّها ... لسوابغ النّعماء غير كنود «٢»
كالدّرّ والمرجان ألّف نظمه ... بالشّذر في عنق الفتاة الرّود «٣»
وكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس والسيف، وأولها:
أهلا بذلكم الخيال المقبل «٤»
فقال فيها من أبيات تضمّنت وصف السيف بيتا أجاد في تشبيهه:
وكأنّما سود النّمال وحمرها ... دبّت بأيد في قواه وأرجل
فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن.
стр. 392
وأما ما ورد منه مضمر الأداة فكقول النبي ﷺ وقد سئل عن العزل فقال:
«هو الوأد الخفيّ» وهذا تشبيه بليغ، والوأد: هو ما كانت العرب تفعله في دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد إلا أنه خفيّ، وذاك أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربا منهن، وهكذا من يعزل في الجماع فإنما يفعل ذلك هربا من الولد.
وكذلك قال النبي ﷺ : «هو الوأدة الصّغرى» وهذا من الحسن إلى غاية تغضّ لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها كوصفها.
ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت:
جدع أنفه فصار في الكيد قصيرا، وأرهف صدره فصار في المضاء غضبا شهيرا، وقمص لباس السواد وهو شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة الإذلال فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر وهو الأصم فأفضى بما سمعه إلى الكتاب.
وهذه الأوصاف غريبة جدا، ومن أغربها ذكر قصير عند جدع الأنف.
وأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد؛ فإنه قليل الاستعمال بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه به، وعلى كثرة ما حفظته من الأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالا واحدا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع «١» :
يا صاحبيّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوّر
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الرّبا فكأنّما هو مقمر
стр. 393
فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في موقعه، مع ما فيه من لطف الصنعة.
ولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك؛ فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول أبي الطيب المتنبي «١» :
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنّها في نفوسهم شيم «٢»
فشبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم.
стр. 394
الجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ذكرته؛ فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد، ألا ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر وهما شيئان مشتركان قد شبّها بضوء القمر؛ وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض وإشراق الوجوه بإشراق الشّيم، وهذا غير ما أردته أنا.
لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين: أحدهما: تشبيه شيئين مشتركين بشيء واحد، كالذي أوردته لأبي تمام؛ وهو قليل الاستعمال، والآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب المتنبي، وهو كثير الاستعمال.
وإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبيّنّا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده مما ينبغي اجتنابه والإضراب عنه، على أنه قد قدمنا القول بأن حدّ التشبيه هو: أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد؛ فذلك الذي يطرح ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من أقسام المجازي، وهو التوسع، وقد قدمت القول في ذلك في أول باب الاستعارة، وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس «١» :
ما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا
فجعل للمال رجلا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى إعادة ذلك الكلام ههنا بجملته، لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة.
ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام «٢» :
стр. 395
وتقاسم النّاس السّخاء مجزّأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه «١»
وتركت للنّاس الإهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه «٢»
والقبح الفاحش في البيت الثاني، فإن غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد وتركت للناس الرديء.
وقد عيب عليه قوله «٣» :
لا تسقني ماء الملام فإنّني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي
وقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه بعيد من وجه: أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنّف به الملوم لأمر جناه، وذاك مختصّ بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، كأنه قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيها حسنا، لكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا، ولما كان السمع يتجرّع الملام أولا أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى بصورة؛ وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ، والملام مستكره، فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه، فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقرب من وجه، فيغفر هذا لهذا، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم.
стр. 396
وقد روي- وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة، وقال: ابعث في هذه شيئا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين؛ فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضا جناح، فإن يديه جناحاه، وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه؛ فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل، وصار تشبيها مناسبا، وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه.
وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب فقد أوردت له أمثلة يستدل بها على أشباهه وأمثاله؛ فإن لذكر المثال فائدة لا تكون لذكر الحد وحده.
فمن ذلك قول بعضهم:
ملا حاجبيك الشّيب حتّى كأنّه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح
وكذلك قول الآخر يصف السهام «١» :
كساها رطيب الرّيش فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظّباء الفوارق
فإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات.
وعلى نحو منه قول الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض؛ ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنه تشبيه سخيف.
стр. 397
ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي «١» :
وجرى على الورق النّجيع القاني ... فكأنّه النّارنج في الأغصان»
وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد والبرد «٣» حاز طرفي ذلك التقسيم.
وأبشع من هذا قول أبي نواس في الخمر «٤» :
كأنّ برانسا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها «٥»
والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا لاءمة بينه وبين ما شبه به ويقرنه بالبديع الذي «٦» أحسن فيه وأبدع، وهو:
كأنّا حلول بين أكناف روضة ... إذا ما سلبناها مع اللّيل طينها
فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا، بل بين بعره ومرجانه، وقد أكثر في تشبيه الخمر فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله أيضا في أبيات لامية «٧» :
стр. 398
وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذّرّ من جبل «١»
فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية لا يحتاج إلى بيان وإيضاح.
واعلم أن من التشبيه ضربا يسمى الطرد والعكس، وهو أن يجعل المشبه به مشبها والمشبه مشبها به، وبعضهم يسميه غلبة الفروع على الأصول، ولا تجد شيئا من ذلك إلا والغرض به المبالغة.
فمما جاء من ذلك قول ذي الرّمّة «٢» :
ورمل كأرداف العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس
ألا ترى إلى ذي الرمة كيف جعل الأصل فرعا والفرع أصلا؟ وذاك أن العادة والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، وهو مطّرد في بابه، فعكس ذو الرمة القصّة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ذلك مبالغة:
أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل حتى شبهت به كثبان الأنقاء.
стр. 399
وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري «١» :
في طلعه البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنّيها
وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها:
سقى المطيرة ذات الطّلّ والشّجر «٢»
فقال في تشبيه الهلال:
ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ.
وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملا.
ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه؛ تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة أفعل: أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى.
وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنّما يحسن في عكس المعنى المتعارف، وذاك أن تجعل المشبه به مشبها، والمشبه مشبها به، ولا يحسن في غير ذلك مما
стр. 400
ليس بمتعارف، ألا ترى أن من العادة والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا؟ وكذلك فعل البحتري؛ فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر والقدّ الحسن بالقضيب، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا، ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك؛ وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء والقضيب بغير قدّها لما حسن ذلك أيضا، وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس القضية فيه.
النوع الثالث في التجريد
وهذا اسم كنت سمعته؛ فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئا؛ فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صوابا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي.
فأما حدّ التجريد فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جرّدت السيف؛ إذا نزعته من غمده، وجرّدت فلانا؛ إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال ﷺ : «لا مدّ ولا تجريد» وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمدّ صاحبه على الأرض وأن تجرّد عنه ثيابه، وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان.
وقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى:
فالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه
стр. 401
خطابا لنفسك فإن ذلك من باب التوسع؛ وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.
والفائدة الثانية:- وهي الأبلغ- وذاك أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره على نفسه؛ إذ يكون مخاطبا بها غيره؛ ليكون أعذر وأبرأ من العهدة فيما يقوله غير محجور عليه.
وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين: أحدهما: تجريد محض، والآخر:
تجريد غير محض.
فالأول:- وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، وذلك كقول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص في مطلع قصيدة له «١» :
إلام يراك المجد في زيّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر
كتمت بعيب الشّعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنّك فارس ال- ... - مقال ومحيي الدّارسات الغوابر
وإنّك أعييت المسامع والنّهى ... بقولك عمّا في بطون الدّفاتر
فهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعدّ ما عدّه من الفضائل التائهة، وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض.
وأما ما قصد به التوسع خاصة فكقول الصّمّة بن عبد الله من شعراء الحماسة «٢» :
стр. 402
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصّبابة أسمعا
وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع، لأنه قال «١» :
وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبا ... وما أحسن المصطاف والمتربّعا
فانتقل من الخطاب التجريديّ إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى ومعرّة العشق؛ لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولا إلى خطاب النفس.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
стр. 403
واجز الأمير الّذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال
وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكا الإخشيدي بمصر، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة وهي من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح، وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع لا غير.
وأما القسم الثاني:- وهو غير المحض- فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر.
وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدا؛ لأن التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرّد به عن نفسك شيئا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك.
فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة «١» :
أقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي
стр. 404
وكذلك قول الآخر «١» :
أقول للنّفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو المخاطب بعينه، وليس ثمّ شيء خارج عنه.
وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي ﵀ فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقينّ به الأسد، ولئن سألته لتسألنّ منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه.
ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى:
وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل «٢»
وهو الرجل نفسه لا غيره.
هذا خلاصة ما ذكره أبو علي ﵀.
стр. 405
والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرّد الخطاب عن نفسه وهو يريدها، وأما الأول- وهو قوله: «لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر» - فإن هذا تشبيه مضمر الأداة؛ إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه؛ وبيان ذلك أنك تقول:
لئن لقيت فلانا لتلقينّ منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثمّ شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية.
ويبطل على أبي عليّ قوله أيضا من وجه آخر، وذاك أنه قال: «إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو» كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترينّ منه هضبة، ولئن لقيته لتلقينّ منه الموت؛ فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد؛ فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل، وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد، وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب هو هو لا غيره؛ فلا يطلق عليه إذا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف لموضوعه، فإذا قال القائل: لئن لقيته لتلقينّ به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر؛ لم يجرد عن المقول عنه شيئا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته وتارة بالبحر في سخائه.
وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي ﵀ حتى خلطه بالتجريد وأجراه مجراه.
وأما قوله: «إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله» فأقول: وغير العرب أيضا تعتقد ذلك: فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي
стр. 406
الذي علمته العرب خاصة وانفرد باستخراجه أبو على ﵀، وإن عنى بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة والسخاء في المثال الذي ذكره حتى يشبه بالأسد، تارة وبالبحر أخرى فليس الإنسان مختصّا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان؛ ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبّه بالأسد، وكذلك في بعض الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنطة أخذها في منقاره وطاف بها على الدجاج حتى يضعها في منقار واحدة منهن؛ فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان وبين غيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها.
وما أعلم ما أراد أبو علي ﵀ بقوله: «إن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله» إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.
على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان؛ إذ لا يقال في حده: حيوان شجاع، ولا سخي، بل يقال: حيوان ناطق، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع هو حقيقة الإنسان؛ فبطل إذا قول أبي علي ﵀ في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء.
فالخطأ توجّه في كلامه من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه، والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه.
وهذا القدر كاف في هذا الموضع؛ فليتأمل.
стр. 407
قد تمّ- بحمد الله تعالى وحسن توفيقه- الجزء الأول من كتاب:
المثل الثائر في أدب الكاتب والشاعر ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثاني:
مفتتحا ب «النوع الرابع في الالتفات»
стр. 408
فهرس الأبواب الواردة في الجزء الأول من كتاب «المثل الثائر، في أدب الكاتب والشاعر»
الموضوع الصفحة
خطبة المؤلف وتتضمن أن الغرض من الكتاب يقع في مقدمة ومقالتين ٥
مقدمة الكتاب وهي تشتمل على أصول علم البيان، ويقع ذلك في عشرة فصول: ١١
الفصل الأول: في موضوع علم البيان
الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته ٢٧
الفصل الثالث: في الحكم على المعاني ٤٩
الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني ٥٧
الفصل الخامس: في جوامع الكلم ٦٥
الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن ٦٩
الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز ٧٤
الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة ٨٠
الفصل التاسع: في أركان الكتابة ٨٧
الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة ٩١
المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية، وهي قسمان ١٤٩
القسم الأول: في اللفظة المفردة
القسم الثاني: في الألفاظ المركبة ١٩٤
стр. 409
الموضوع الصفحة
صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع: ١٩٥
النوع الأول: السجع.
السجع ينقسم إلى ثلاثة أقسام ٢٣٣
السجع بأقسامه ضربان قصير وطويل ٢٣٥
التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الكلام ٢٣٧
التصريع على سبع مراتب
النوع الثاني: التجنيس ٢٤١
التجنيس وما جرى مجراه ينقسم إلى سبعة أقسام.
النوع الثالث: الترصيع ٢٥٨
النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم ٢٦١
النوع الخامس: في الموازنة ٢٧٢
النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها ٢٧٤
النوع السابع: في المعاظلة اللفظية ٢٨٥
النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك ٢٩٦
المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية ٣٠١
النوع الأول: في الاستعارة ٣٤٢
النوع الثاني: في التشبيه ٣٧٣
النوع الثالث: في التجريد ٤٠٥
стр. 410
الجزء الثاني
النوع الرابع في الالتفات
وهذا النوع ما يليه خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن، وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة، كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر. أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا، ويسمى أيضا «شجاعة العربية» وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورّد ما لا يتورّده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام؛ فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول هو عكّاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
وقال الزمخشري ﵀: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه.
وليس الأمر كما ذكره، لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم
стр. 411
يكن إلا تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه؛ فإن ذلك دليل على أنّ السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل، ولو سلمنا الى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطوّل، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون مجموع الجانبين مما يبلغ عشرة ألفاظ، أو أقل من ذلك، ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدا لاستعمال الأحسن، وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز ولم ينتقل عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه؛ قلنا: هذا ليس بحسن؛ إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول فيه ما فيه، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة.
والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب؛ لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك لفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحدّ بحدّ، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها؛ فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعّب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه.
وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها.
فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة:
الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم
هذا رجوع من الغيبة إلى
стр. 412
الخطاب، وبما يختص به هذا الكلام من الفوائد قوله: إياك نعبد وإياك نستعين
بعد قوله: الحمد لله رب العالمين
فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال: الحمد لله
ولم يقل «الحمد لك» ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: إياك نعبد
فخاطب بالعبادة إصراحا بها وتقرّبا منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها، وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: صراط الذين أنعمت عليهم
فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: غير المغضوب عليهم
عطفا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب؛ فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا، فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها صافحة عنها، وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب؛ لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة؛ لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الربّ ﵎ بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه، فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا
وإنما قيل: لقد جئتم
وهو خطاب للحاضر بعد قوله: وقالوا
وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبّخا لهم.
ومما جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه، وتقارب طرفيه، قوله تعالى أول سورة بني إسرائيل: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير
فقال
стр. 413
أولا: سبحان الذي أسرى
بلفظ الواحد، ثم قال: الذي باركنا
بلفظ الجمع، ثم قال: إنه هو السميع البصير
وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه يكون معطوفا على أسرى، فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتّساعا وتفننا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.
وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول: لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله الذي أسرى، إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا؛ فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك الأول بالثاني؛ فقال: باركنا
ثم قال: لنريه من آياتنا
فجاء بذلك على نسق باركنا
ثم قال: إنه هو
عطفا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب نائب، فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها.
ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا او كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: وزينا
بعد قوله: ثم استوى
وقوله:
فقضاهن
وأوحى
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة.
стр. 414
ومما ينخرط في هذا السلك أيضا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه الى خطابهم لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: وما لي لا أعبد الذي فطرني
مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله: وإليه ترجعون
ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: إني آمنت بربكم فاسمعون
فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم وأنت تظن أنك فهمت فحواها واستنبطت رموزها.
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، كقوله تعالى: حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم
والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبيّ ﷺ بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم يكن ذلك صريحا، لكن مفهوم الكلام يدلّ عليه.
وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها.
وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام «١» :
стр. 415
وركب يساقون الرّكاب زجاجة ... من السّير لم تقصد لها كفّ قاطب «١»
فقد أكلوا منها الغوارب بالسّرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب «٢»
يصرّف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه همّ عذيق مغارب «٣»
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرّة آئب «٤»
كأنّ بها ضغنا على كلّ جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كلّ جانب «٥»
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطّع ما بيني وبين النّوائب «٦»
هنالك تلقى الجود من حيث قطّعت ... تمائمه والمجد مرخى الذّوائب «٧»
стр. 416
ألا ترى أنه قال في الأول: «يصرّف مسراها» مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك:
«إذا العيس لاقت بي» مخاطبا نفسه، وفي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى مشافهة للمدوح والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن المكروه والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضا خطاب لحاضر، فقال: «هنالك تلقى الجود» والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح وما لاقاه منه؛ إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: «حيث قطّعت تمائمه» ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به معنى آخر، وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المنّ والمطل والاعتذار وغير ذلك، إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف.
على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيد «١» يمدح به ابن العميد في النوروز، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخر القصيد:
كثر الفكر كيف نهدي كما أه ... دت إلى ربّها المليك عباده «٢»
والّذي عندنا من المال والخ ... يل فمنه هباته وقياده «٣»
فبعثنا بأربعين مهارا ... كلّ مهر يدانه إنشاده «٤»
стр. 417
عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده»
فارتبطها فإنّ قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده «٢»
وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب الى الحاضر، واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيد على هذه العدة، وهذا حسن غريب.
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فكقوله تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين
فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجّبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية؛ لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام.
ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون. وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون
الأصل في تقطّعوا تقطعتم، عطفا على الأول، إلا أنه صرف «٣» الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة
стр. 418
الالتفات، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم، ثم توعّدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون؛ فهو مجازيهم على ما فعلوا.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون
فإنه إنما قال:
فآمنوا بالله ورسوله
ولم يقل فآمنوا بالله وبي عطفا على قوله إني رسول الله إليكم لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري؛ إظهارا للنّصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولا في صدر الآية إني رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين: الأول منهما إجراء تلك الصفات عليه، والثاني الخروج من تهمة التعصب لنفسه.
القسم الثاني:
في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه فعل الأمر.
فمما جاء منه قوله تعالى: يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون
فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا
ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك
стр. 419
صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول؛ لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد عليّ أني أحبك، تهكما به، واستهانة بحاله.
وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر؛ إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر؛ لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين
الآية، وكان تقدير الكلام أمر؛ ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر؛ للعناية بتوكيده في نفوسهم؛ فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبيّ ﷺ : «الأعمال بالنّيّات» .
واعلم أيها المتوشّح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة اخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخّاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارهما، وفتش عن دفائنهما، ولا تجد ذلك في كل كلام؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقّها فهما، وأغمضها طريقا.
القسم الثالث:
في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي، فالأول الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي: اعلم أن. الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى.
стр. 420
وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:
أحدهما بلاغي، وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة، والآخر غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دلّ على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور
فإنه إنما قال: فتثير
مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، كحال تستغرب أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام ﵁ في غزوة بدر: فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة «١» كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة «٢» فأطعن بها في عينه، فوقع، وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقّفة «٣» ؛ فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل؛ ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم، ألا ترى أنه قال أولا: لقيت عبيدة، بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: فأطعن بها في عينه، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه.
стр. 421
وعلى هذا ورد قول تأبّط شرّا «١» :
بأبّي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصّحيفة صحصحان «٢»
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران «٣»
فإنه قصد أن يصوّر لقومه الحال التي تشجّع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال فضربتها عطفا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة.
فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضا يتخيّل منه السامع ما يتخيله من المستقبل قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معا، لكنه في أحدهما- وهو المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه، ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا «فأضربها» تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه، وهكذا
стр. 422
يجري الحكم في جميع الآيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير ﵁، وفي الأبيات الشعرية.
وعليه ورد قوله تعالى أيضا، وهو: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق
فقال أولا: «خرّ من السّماء» بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو «فتخطفه» و «تهوي» ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرا ما يراعى أمثال هذا في القرآن.
وأما الضرب الثاني- الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله
فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدّوا بعده كفرا ثانيا، وصدّهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين، وكذلك ورد قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير
ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل فقال: فتصبح الأرض مخضرة
ولم يقل فأصبحت عطفا على أنزل، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول: أنعم عليّ فلانّ فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع ذلك الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك ابلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.
стр. 423
والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض
فإنه إنما قال ففزع
بلفظ الماضي بعد قوله ينفخ
وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به.
وكذلك جاء قوله تعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
وإنما قيل وحشرناهم
ماضيا بعد نسير
وترى
وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.
ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه.
فمن ذلك قوله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود
فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو (مجموع) على الفعل المستقبل الذي هو يجمع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: يوم يجمعكم ليوم الجمع
فإنك تعثر على صحة ما قلت.
стр. 424
وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله «١» :
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليت الشّرى يا حمام يا رجل «٢»
وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه، فأما قوله «يا بدر» فإنه اسم الممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة إلى منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا «٣» ، ولو كان مقام ذم لعكس القضية.
وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر «٤» :
سما بي أوس في الفخار وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع «٥»
стр. 425
نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوافع «١»
فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدّم ما أخر لما اختل النظم «٢» بأن قال:
سيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع
وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي، لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع معرفته بالمعاني.
следующие страницы →