← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فسمى الرطب تمرا، وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمى العنب خمرا، وههنا سمى الرطب تمرا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل والتمر فرع، وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول. وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر والرطب والتمر ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما؟. القسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله، كقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعا، وهذا جعل الفرع فيه أصلا، وهو داخل في القسم الأول أيضا. القسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم: هذا يقول بقول الشافعي ﵀: أي يعتقد اعتقاده، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب والباطن والظاهر. القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر: سماء؛ لأنه ينزل منها، وهذا القسم داخل في الأول؛ لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، وهو النزول من عال، وكل ما علاك فأظلّك فهو سماء، على أن الأغلب على ظني أن هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر بالسماء حقيقة فيه، وليس من المجاز في شيء. القسم الرابع: تسمية الشيء باسم مجاوره، كقولهم للمزادة: راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها، وهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة؛ لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة لأنه يحملها. القسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه، كقولك لمن تبغضه: أبعد الله وجهه عني، وإنما تريد سائر جثته، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه بتسمية الشيء باسم فرعه.

стр. 352

القسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضدّه، وكقولهم للأسود والأبيض: جون، وهذا القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معا؛ لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: شمت السيف، إذا سللته، وشمته، إذا أغمدته، فدل الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي؛ وفي اللغة من هذا شيء كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز؟. ولا شك أن الغزالي نظر إلى أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان في محل واحد. فإن قيل: لا نسلم أن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا؛ لأن ذلك يخلّ بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه مجاز في الآخر. فالجواب عن ذلك: أن هذا الموضع تقدّم الكلام عليه في الفصل الثاني من مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشتمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ من هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه. القسم العاشر: تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأيّ مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل: أي تستره. القسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب: «ما فعل زيد» : القيام، والقيام جنس يتناول جميع أنواعه، وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة. فإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي والحاضر والمستقبل.

стр. 353

قلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول. القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم فما ههنا زائدة لا معنى لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم، وهذا القول لا أراه صوابا، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في الآية، وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة؛ والوجه الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة «ما» زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله ﷺ له، وهي محض الفصاحة، ولو عرى الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة، وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضّاح الذي هو جذيمة الأبرش تزوّجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له عن فرجها وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: أذات عرس ترى «١» ؛ أما إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس، فمعنى الكلام ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة «ما» ههنا تفخيما لشأن صاحب تلك الشيمة وتعظيما لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة، وأما الغزالي رحمه الله تعالى فإنه معذور عندي في ألّا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه، ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده، وقول النحاة إن «ما» في هذه الآية زائدة فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل؛ كما يسمونها في موضع آخر كافّة: أي أنها تكفّ الحرف العامل عن عمله؛ كقولك: إنما زيد قائم، فما قد كفت إنّ عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل، ألا ترى أنها لم تمنع الباء عن العمل في خفض الرحمة.

стр. 354

القسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: «وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها» فسمي النكاح هبة، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض، فشاركت الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في الصورة. القسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الله تعالى: «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا» أي: شخصا بريئا، وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ قال الله تعالى: «وسئل القرية» أي: أهل القرية؛ وهذا القسم داخل في القسم الأول: أما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك مقارنة قريبة. فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي رحمه الله تعالى، وقد بينت فساد التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام، هي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة. وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت بيانه؛ فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة. فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات الله عليه: «الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور» فالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار له مطويّ الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى الإيمان الذي هو كالنور. وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: «وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» والقراءة برفع لتزول منه

стр. 355

الجبال ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب تزول، واللام لام كي، والجبال ههنا: استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أمر رسول الله ﷺ وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم لكي، تزول منه هذه الآيات والمعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال. وعلى هذا ورد قوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون» فاستعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، وإنما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها لأنّ الشعر تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض؛ فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق. والاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر الأداة كثير، وكذلك هي في فصيح الكلام من الرسائل والخطب والأشعار؛ لأن طيّ المستعار له لا يتيسر في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل؛ لمكان إظهار المشبه والمشبه به معا. ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبيّ ﷺ : «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا تهتدوا برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم. وروي عنه ﷺ أنه دخل يوما مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكثرون، فقال: «أما إنّكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللّذّات لشغلكم عمّا أرى» وهاذم اللذات أراد به الموت، وهو مطويّ الذكر. وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: لا مرحبا باللجين مقرّب أجل ومحل، وهذا من باب الاستعارة في طيّ ذكر المستعار له. وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ولايته إياه، والخطبة مشهورة، من جملتها أنه قال: إنّ أمير المؤمنين نثل كنانته وعجمها عودا عودا، فرآني أصلبها نجارا وأقومها عودا وأنفذها نصلا، فقوله: «نثل

стр. 356

كنانته وعجمها عودا عودا» يريد أنه عرض رجاله واختبرهم واحدا واحدا جد اختباره «١» فرآني أشدهم وأمضاهم، وهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة. وقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئا منه، ولو مثالا واحدا، وذلك أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما، وكان أحدهما يلبس قباء أحمر، والآخر قباء أسود، فقلت: إذا تشعّبت أسباب الهوى كانت لسره أظهر، وأضحت أمراضه خطرا كلها ولا يقال في أحدها هذا أخطر، وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة للقلب بهوى واحد فكيف إذا حمل هوى اثنين، ومما شجاني أنهما يتلونان في أصباغ الثياب، كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب، وقد استجدّا الآن زيا لا مزيد على حسنهما في حسنه، فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده وهذا في ثوب من سواد جفنه، وما أدري من دلّهما على هذا العجيب، غير أنه ليس على فتنة المحب أهدى من حبيب. وهذا الفصل بجملته مما تواصفه الناس وأغروا بحفظه. وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول مسكين الدارمي من شعراء الحماسة «٢» : لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنّع أحدّثه؛ إنّ الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع فالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء. وكذا ورد قول رجل من بني يسار في كتاب الحماسة أيضا» :

стр. 357

أقول لنفسي حين خوّد رألها ... رويدك لمّا تشفقي حين مشفق «١» رويدك حتّى تنظري عمّ تنجلي ... عماية هذا العارض المتألّق «٢» فالعارض المتألق: استعارة للحرب، أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق. ويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان وهو سائر إلى قتال مصعب بن الزبير، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ فقال: رويدك حتى تنظري عمّ تنجلي، وأنشد البيت. ومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان «٣» المعروف بديك الجن: لمّا نظرت إليّ عن حدق المها ... وبسمت عن متفتّح النّوّار وعقدت بين قضيب بان أهيف ... وكثيب رمل عقدة الزّنّار عفّرت خدّي في الثّرى لك طائعا ... وعزمت فيك على دخول النّار وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكا، ولأن يسمى قائلها شحرورا أولى من أن يسمى ديكا. وكذلك ورد قوله: لا ومكان الصّليب في النّحر من- ... ك ومجرى الزّنّار في الخصر والخال في الخدّ إذ أشبهه ... وردة مسك على ثرى تبر

стр. 358

وحاجب مذ خطّه قلم ال- ... - حسن بحبر البهاء لا الحبر وأقحوان بفيك منتظم ... على شبيه من رائق الخمر فالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة، والمستعار له هو الثغر والريق. ومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله «١» : لمّا غدا مظلم الأحشاء من أشر ... أسكنت جانحتيه كوكبا يقد فالكوكب: استعارة للرمح. وكذلك ورد قوله في الاعتذار «٢» : أسرى طريدا للحياء من الّتي ... زعموا وليس لرهبة بطريد وغدا تبيّن ما براءة ساحتي ... لو قد نفضت تهائمي ونجودي والتهائم والنجود: هما استعارة مما استعارة مما استعاره من باطن أمره وظاهره. وكذلك ورد قوله «٣» . كم أحرزت قضب الهنديّ مصلتة ... تهتزّ من قضب تهتزّ في كثب فالقضب والكثب: استعارة للقدود والأرداف.

стр. 359

وكذلك ورد في هذه القصيدة أيضا عند ذكر ملك الروم وانهزامه لما فتحت مدينة عمّورية، فقال: إن يعد من حرّها عدو الظّليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب فالحطب: استعارة للقتلى. وقبل هذا البيت ما يدل عليه؛ لأنه قال: أحذى قرابينه صرف الرّدى ومضى ... يحتثّ أنجى مطاياه من الهرب موكّلا بيفاع الأرض يشرفها ... من خفّة الخوف لا من خفّة الطّرب إن يعد من حرها عدو الظّليم ... ............... .. البيت وأحسن من هذا كله قوله «١» : تطلّ الطلول الدّمع في كلّ منزل ... وتمثل بالصّبر الدّيار المواثل دوارس لم يجف الرّبيع ربوعها ... ولا مرّ في أغفالها وهو غافل يعفّين من زاد العفاة إذا انتحى ... على الحيّ صرف الأزمة المتحامل «٢» فقوله: «زاد العفاة» : استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أهل الديار، كأنه قال: يعفين من قوم هم زاد العفاة. وله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة، وذلك في قصيدته التي مطلعها: إنّ عهدا لو تعلمان ذميما «٣»

стр. 360

فقال: قد مررنا بالدّار وهي خلاء ... فبكينا طلولها والرّسوما وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بسقام وما سألنا حكيما «١» كنت أرعى النّجوم حتّى إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النّجوما «٢» والبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة. وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري: وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل والأغر المحجل الأول: هو الممدوح، والأغر المحجل الثاني: هو الفرس الذي أعطاه إياه. وكذلك ورد قوله «٣» : وصاعقة في كفّه تنكفي بها ... على أرؤس الأعداء خمس سحائب وهذا من النمط العالي الي شغلت براعة معناه وحسن سبكه عن النظر إلى استعارته؛ والمراد بالسحائب الخمس الأصابع. وكذلك ورد في أبيات الحماسة «٤» :

стр. 361

دكّ طود الكفر دكّا ... صاعق من وقع سيفك أرسلته خمس سحب ... نشأت من بحر كفّك وكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف: حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل وهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه، كأنه قال: حملت حمائله سيفا أخضر الحديد كالبقلة. وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي «١» : في الخدّ إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا «٢» وكذلك ورد قوله: يمد يديه في المفاضة ضيغم وأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها: عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم «٣»

стр. 362

وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ... ترعى الظّبى في خصيب نبته اللّمم «١» فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التّراب ولا بازا له قدم «٢» ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم «٣» وهذا من المليح النادر؛ فالخلد: استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفا، والباز: استعارة لمن طار هاربا، والهزبر والمهاة: استعارتان للرجال المقاتلة والنساء من السبايا. ومن هذا الباب قوله «٤» : كلّ جريح ترجى سلامته ... إلّا جريحا دهته عيناها «٥» تبلّ خدّيّ كلّمّا ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها «٦»

стр. 363

والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف، وقد حسن الاستعارة التي فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق. وبلغني عن أبي الفتح بن جني ﵀ أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم بالمفسر الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب؛ فقال: إنها كانت تبزق في وجهه؛ فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه فشبهه بالمطر، وما كنت أظنّ أن أحدا من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل وخاطره، وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشدّ إليه الرحال فما يقال في غيره؟ لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب. وكذلك ورد قول الشريف الرضي «١» : إذا أنت أفنيت العرانين والذّرى ... رمتك اللّيالي من يد الخامل الغمر وهبك اتقيت السّهم من حيث يتّقى ... فمن ليد ترميك من حيث لا تدري فالعرانين والذرى: هما عظماء الناس وأشرافهم، كأنه قال: إذا أفنيت عظماء الناس رميت من يد الخامل. وإذا قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له فإنها لا تجيء إلا ملائمة مناسبة، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد؛ لأنها لا تذكر مطويّة إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، ولو طويت ولم يكن هناك مناسبة بين المستعار منه والمستعار له لعسر فهمه، ولم يبن المراد منها.

стр. 364

ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي رحمه الله تعالى قد خلط الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة، ولم يفرق بينهما، وتأسّى في ذلك بغيره من علماء البيان، كأبي هلال العسكري والغانمي وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدما في فن الفصاحة والبلاغة، وكتابه المسمى ب «الموازنة بين شعر الطائيين» يشهد له بذلك، وما أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة والتشبيه المضمر الأداة. ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب «سر الفصاحة» «١» قول امرئ القيس في صفة الليل: فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «٢» وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة؛ لأن المستعار له مذكور، وهو الليل، وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي، ولم يوفق للصواب، وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه، بل أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة، ثم أبين فساد ما ذهب إليه. وذاك أن الآمدي قال في كتاب الموازنة «٣» : «إن امرأ القيس وصف أحوال

стр. 365

الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطا ممتدا وصدرا ثقيلا وأعجازا رادفة لوسطه استعار له اسم الصّلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده، واسم الكلكل وجعله نائيا لتثاقله، واسم العجز من أجل نهوضه» . فقال ابن سنان الخفاجي معترضا عليه «١» : «إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي غاية الرضا؛ وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة، ولا الرديئة، بل هو وسط؛ فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل «٢» وسطا ممتدا استعار له اسم الصّلب وجعله متمطّيا من أجل امتداده، وحيث جعل له آخرا وأوّلا استعار له عجزا وكلكلا، وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض؛ فذكر الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط، والتمطّي من أجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك، وهذه استعارة مبنيّة على استعارة أخرى» . هذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي. وفيه نظر من وجهين:

стр. 366

الأول: أنه قال: «هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة ولا رديئة» ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى، وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وذاك أنه قسّم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطّرح، فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح، والبعيد المطّرح: إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأنه استعارة مبنية على استعارة أخرى؛ فيضعف لذلك؛ هذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطّرحة فكيف جعلها وسطا؟ هذا تناقض في القول. الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ؛ لأنه لم يختر إلا ما حسن اختياره، وذاك أن حدّ الاستعارة على ما رآه الآمدي وابن سنان هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وإن كان المذهب الصحيح في حد الاستعارة غير ذلك، على ما تقدم الكلام عليه، ولكني في هذا الموضع أنزل معهما على ما رأياه حتى يتوجّه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس، وإذا حددنا الاستعارة بهذا الحدّ فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة المرضية والاستعارة المطرحة؛ فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على هذا الحد؛ فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه حكمنا له بالجودة، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة، وبيت امريء القيس من الاستعارات المرضية؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أوّلا ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة، ولمّا كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبا وجعله متمطيّا واستعار لصدره المتثاقل- أعني أوّله- كلكلا وجعله نائيا، واستعار لآخره عجزا وجعله رادفا لوسطه؛ وكل ذلك من الاستعارة المناسبة. وأما قول ابن سنان الخفاجي: «إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى بعيدة مطرحة» فإن في هذا القول نظرا، وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق بين الاستعارة المرضية والمطّرحة، كما أريناك، ولا يمنع ذلك من أن تجيء استعارة مبنية على استعارة أخرى وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة المرضية فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس، وهو قوله تعالى:

стр. 367

«وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف» ؛ فهذه ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض؛ فالأولى: استعارة القرية للأهل، والثانية: استعارة الذّوق للباس، والثالثة: استعارة اللباس للجوع والخوف، وهذه الاستعارات الثلاث من التناسب على ما لا خفاء به، فكيف يذمّ ابن سنان الخفاجي الاستعارة المبنية على استعارة أخرى؟ وما أقول إن ذلك شذ عنه، إلا لأنه لم ينظر إلى الأصل المقيس عليه، وهو التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه، بل نظر إلى التقسيم الذي هو قسّمه في القرب أو البعد، ورأى أن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى تكون بعيدة، فحكم عليها بالاطّراح، وإذا كان الأصل إنما هو التناسب فلا فرق بين أن يوجد في استعارة واحدة أو في استعارة مبنية على استعارة، ولهذا أشباه ونظائر في غير الاستعارة، ألا ترى أن المنطقيّ في المقدمة والنتيجة: كل إنسان حيوان، وكل حيوان نام، فكل إنسان نام، وكذلك يقول المهندس في الأشكال الهندسية: إذا كان خط أب مثل خط بج، وخط بج مثل خط جد؛ فخط أب مثل خط جد، وهكذا أقول أنا في الاستعارة: إذا كانت الاستعارة الأولى مناسبة ثم بنى عليها استعارة ثانية وكانت أيضا مناسبة فالجميع متناسب، وهذا أمر برهاني لا يتصور إنكاره. وهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في الاستعارة، فلا تظن أني موافقه في الأصل، وإنما وافقته قصدا لتبيين وجه الخطأ في كلامه، وكيف يسوغ لي موافقته، وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له؟. وفيما قدمته من الكلام كفاية.

стр. 368

النوع الثاني في التشبيه وجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابا مفردا، ولهذا بابا مفردا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال: مثلته به، وما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه. وكنت قدمت القول في باب الاستعارة على الفرق بين التشبيه وبينها، ولا حاجة إلى إعادته ههنا مرة ثانية. والتشبيه ينقسم قسمين: مظهر، ومضمر، وفي المضمر إشكال في تقدير أداة التشبيه فيه في بعض المواضع. وهو ينقسم أقساما خمسة؛ فالأول: يقع موقع المبتدأ والخبر مفردين، والثاني: يقع موقع المبتدأ المفرد وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف إليه، والثالث: يقع موقع المبتدأ والخبر جملتين، والرابع: يرد على وجه الفعل والفاعل، والخامس: يرد على وجه المثل المضروب. وهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه. أما الأول: فكقولنا: زيد أسد؛ فهذا مبتدأ وخبره، وإذا قدرت أداة التشبيه فيه كان ذلك ببديهة النظر على الفور، فقيل: زيد كالأسد. وأما القسم الثاني والثالث: فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما؛ فالثاني كقول النبي ﷺ : «الكمأة جدريّ الأرض» وهذا يتنوع نوعين، فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبويّ لا يحتاج في تقدير أداة التشبيه إلى تقديم المضاف إليه، بل إن شئنا قدمناه، وإن شئنا أخرناه، فقلنا: الكمأة للأرض كالجدري، أو الكمأة كالجدري للأرض، وإذا كان المضاف إليه نكرة فلا بد من تقديمه عند تقدير أداة التشبيه.

стр. 369

فمن ذلك قول البحتري «١» : غمام سماح لا يغبّ له حيا ... ومسعر حرب لا يضيع له وتر «٢» فإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: سماح كالغمام: ولا يقدر إلا هكذا، والمبتدأ في هذا البيت محذوف، وهو الإشارة إلى الممدوح، كأنه قال: هو غمام سماح. ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه على غير العارف بهذا الفن؛ كقول أبي تمام «٣» : أيّ مرعى عين ووادي نسيب ... لحبته الأيّام في ملحوب ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا ثم زال عنه حسنه، فقال: إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى؛ فإنه كان يشبب به في الأشعار لحسنه وطيبه، وإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: كأنه كان للعين مرعى وللنسيب منزلا ومألفا. وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب أو ما يجري مجراه فإنه يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه.

стр. 370

وأما الثالث فكقول النبي ﷺ : «وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في نار جهنّم إلّا حصائد ألسنتهم» كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل. وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورا فيه، بل تذكر صفته، ألا ترى أن المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد؛ وكل ما يجيء من هذا القسم فإنه لا يرد إلا كذلك. وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير أداة التشبيه فيهما فإنهما لا يتفطن لهما أنهما تشبيه. فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم» وتقديره أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ دارا: أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه. وعلى هذا ورد قول أبي تمام «١» : نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكّت بفيض دمع ذروف وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، الباكية كأنما تنطق بما في الضمير.

стр. 371

وأما ما جاء من القسم الخامس فكقول الفرزدق يهجو جريرا «١» : ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع البحرين لا يؤثر شيئا فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئا، وهذا البيت من الأبيات الذي أقرّ له الناس بالحسن «٢» . وكذلك ورد قوله أيضا «٣» : قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرا. وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان ويخلطونه بالاستعارة، كقول البحتري في التعزية بولد «٤» :

стр. 372

تعزّ فإنّ السّيف يمضي وإن وهت ... حمائله عنه وخلّاه قائمه وهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطويّ الذكر، وهو المعزّى، كأنه قال: تعز فإنّك كالسيف الذي يمضي وإن وهت حمائله وخلّاه قائمه. فإن قيل: إنك قدمت القول في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك تقريرا طويلا عريضا، ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك: إن من التشبيه المضمر الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، كهذين البيتين المذكورين للفرزدق وما يجري مجراهما. فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص عليّ شيئا مما قدّمت القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير الأداة فيه: أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتّصف بها من فصاحة وبلاغة؛ وليس كذلك الاستعارة؛ فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها تغيرت عن صفتها التي اتّصفت بها من فصاحة وبلاغة، وأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر الأداة فإن أداة التشبيه لا تتقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم لا، وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر، وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة. وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه المظهر وأوجز: أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبها به من غير واسطة أداة؛ فيكون هو إياه؛ فإنك إذا قلت: زيد أسد، كنت قد جعلته أسدا من غير إظهار أداة التشبيه،

стр. 373

وأما كونه أوجز فلحذف أداة التشبيه منه، وعلى هذا فإن القسمين من المظهر والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء؛ فإن الغرض المقصود من قولنا: «زيد أسد» أن يتبين حال زيد في اتّصافه بشهامة النفس وقوة البطش وجراءة الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئا ندلّ به عليه سوى أن جعلناه شبيها بالأسد؛ حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه، أعني الأسد، وأما زيد الذي هو المشبه فليس معروفا بها وإن كانت موجودة فيه. وكلا هذين القسمين أيضا يختصّ بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من المضمر؛ لأن قولنا: زيد أسد، أو كالأسد، يسدّ مسدّ قولنا: زيد من حاله كيت وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره. فالتشبيه إذا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة، والبيان، والإيجاز، كما أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة، وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة وإما معنى يعز صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلّما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن المعتز من أدباء العواق، وابن وكيع من أدباء مصر؛ فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في وصف الرياض والأشجار والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محكّ الصواب؛ فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه. وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه، أو التنفير عنه، ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا حسنا يدعو إلى الترغيب فيها، وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا قبيحا يدعو إلى التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه.

стр. 374

ولنضرب له مثالا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي في مدح العسل وذمه بيت من الشعر، وهو: تقول هذا مجاج النّحل تمدحه ... وإن تعب قلت ذا قيء الزّنابير ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي خيّل به إلى السامع خيالا يحسن الشيء عنده تارة ويقبحه أخرى، ولولا التوصّل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك، وهذا المثال كاف فيما أردناه. واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريّا؛ كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وهو أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف الخمر «١» : وإذا ما مزجوها ... وثبت وثب الجراد وإذا ما شربوها ... أخذت أخذ الرّقاد وقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له؛ فقال: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضّبها الأصيل فكان الهلال منها قلامة؛ وهذا الكاتب حفظ شيئا وغابت عنه أشياء؛ فإنه أخطأ في قوله: «أنملة» وأي مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؛ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة وتشبيهها بالهلال.

стр. 375

فإن قيل: إن هذا الكاتب تأسّى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح» فمثل نوره بطاقة فيها ذبالة، وقال الله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» فمثل الهلال بأصل عذق النخلة. فالجواب عن ذلك أني أقول: أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح فإن هذا مثال ضربه للنبي ﷺ ، ويدلّ عليه أنه قال: «يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا، وذاك أن قلب النبي ﷺ وما ألقى فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها؛ وبما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربيّة فإنها عبارة عن ذات النبي ﷺ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب، وأما زيت هذه الزجاجة فإنه مضيء من غير أن تمسّه نار، والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية، من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار؛ فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية. وأما الآية الأخرى فإنه شبّه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره؛ فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئة، لا مقدارا. وأما هذا الكاتب فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل، وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطّى على صوابه. والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد؛ فإن هذا قول غير حاصر للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدا للإبانة والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب، بل القول الجامع في ذلك أن

стр. 376

يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحا، أو ذما، أو بيانا وإيضاحا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ فيه من تقدير لفظة أفعل، فإن لم تقدر فيه لفظة أفعل فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: زيد أسد، فقد شبهنا زيدا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع من زيد الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصا؛ إذ لا مبالغة فيه. وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: «وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام» وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية كبير وخلق الجبال أكبر منه، وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه فليس بوارد على طريق البلاغة، وإن شبه قبيح بقبيح، وهكذا «١» ينبغي أن يكون المشبه به أقبح، وإن قصد البيان والإيضاح فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح، فتقدير لفظة أفعل لا بد منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه، وإلا كان التشبيه ناقصا، فاعلم ذلك وقس عليه. واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشبيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام: إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: زيد كالأسد، وإما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: «وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون» ، وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة» وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة؛ لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة، وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام «٢» : وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصّبابة بالمحبّ المغرم فشبه فتكه بالمال وبالعدا وذلك صورة مرئية بفتك الصبابة وهو فتك معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة.

стр. 377

وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من أربعة أقسام أيضا: إما تشبيه مفرد بمفرد، وإما تشبيه مركب بمركب، وإما تشبيه مفرد بمركب، وإما تشبيه مركب بمفرد. والمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، والمركب تشبيه شيئين اثنين، وكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد؛ فإن أحدهما: يكون تشبيه شيء واحد بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، ولست أعني بقولي: «تشبيه شيئين بشيئين» أنه لا يكون إلا كذلك، بل أردت تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر: وكأنّها وكأنّ حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على النّدماء شمس الضّحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدّجى بكواكب الجوزاء فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء؛ فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. وإذا بيّنت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة فإني أقول: إن التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام؛ فالقسم الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمفرد، والقسم الثاني: لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب، والقسم الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب، والقسم الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب؛ ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول: زيد أسد، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد، وإذا قلنا في القسم الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي وهو «الكمأة جدريّ الأرض» كان ذلك تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري، وبيت أبي تمام المشار إليهما فيما تقدم، وإذا قلنا في القسم الثالث ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضا الذي هو: «وهل يكبّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» كان ذلك تشبيه مركب بمركب، وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثّلنا به من بيتي الفرزدق والبحتري كان ذلك تشبيه مركب بمركب، وإذا كان الأمر كذلك وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة وهو من القسم الأول فاعلم أنه تشبيه مفرد بمفرد بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث

стр. 378

فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع والقسم الخامس؛ فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب. ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة الأقسام الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد. فالقسم الأول منها: كقوله تعالى في المضمر الأداة: «وجعلنا الليل لباسا» فشبه الليل باللباس. وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربا من عدو أو ثباتا لعدو أو إخفاء ما لا يحبّ الإطلاع عليه من أمره، وهذا من التشبيهات التي لم يأته بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل باللباس مما اختصّ به دون غيره من الكلام المنظوم والمنثور. وكذلك قوله تعالى: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» فشبه المرأة باللباس للرجل وشبه الرجل باللباس للمرأة. ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: «نساؤكم حرث لكم» وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعا كما يزدرع البذر في الأرض. ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» فشبه تبرؤ الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السّلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل «يخرج» لأن السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة. وكذلك ورد قوله تعالى: «واشتعل الرأس شيبا» فشبه انتشار الشيب باشتعال النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه حتى تحيله إلى غير حاله الأولى، وأحسن من هذا أن يقال: إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة

стр. 379

التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا الخمود، فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم. وقد ورد في الأمثال: «اللّيل جنّة الهارب» وهذا تشبيه حسن. وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة. ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي «١» : وإذا اهتزّ للنّدى كان بحرا ... وإذا اهتزّ للوغى كان نصلا وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا فحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره كان كأنّه بحر، وكان كأنه نصل. وكذلك يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه صورة بصورة، وهو حسن في معناه. وكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب «٢» : فإذا ما اعترضته ال- ... عين من حيث استدارا خلته في جنبات ال- ... كأس واوات صغارا وهذا تشبيه صورة بصورة أيضا.

стр. 380

وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر؛ فقال «١» : وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه جلاجل الحجل حتّى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النّمل ومن هذا قول البحتري «٢» : تبسّم وقطوب في ندى ووغى ... كالرّعد والبرق تحت العارض البرد وهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالا من جهة الصنعة، وهي ترتيب التفسير؛ فإن الأولى أن كان قدّم تفسير التبسم على تفسير القطوب: بأن كان قال: كالبرق والرعد، فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا الموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر، وليس في ذلك كبير أمر، سوى أن كان قدم ما أخر لا غير، وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية واضطر إلى ترك ما يجب عليه، وأما إذا كانت الحال كالتي ذكرها البحتري فحينئذ لا عذر له، وسيأتي لذلك باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب ترتيب التفسير. وكذلك ورد قول البحتري «٣» :

стр. 381

في معرك ضنك تخال به القنا ... بين الضّلوع إذا انحنين ضلوعا ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي «١» : خرجن من النّقع في عارض ... ومن عرق الرّكض في وابل «٢» فلمّا نشفن لقين السّياط ... بمثل صفا البلد الماحل «٣» وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم وجزالة اللفظ. وأما القسم الثاني:- وهو تشبيه المركب بالمركب- فمما جاء منه مضمر الأداة ما يروى عن النبي ﷺ في حديث يرويه معاذ بن جبل ﵁، وهو حديث طويل يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى إيراده ههنا على نصّه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله ﷺ : «أمسك عليك هذا» وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك امّك

стр. 382

يا معاذ! وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في نار جهنّم إلّا حصائد ألسنتهم» فقوله: «حصائد ألسنتهم» من تشبيه المركب بالمركب؛ فإنه شبّه الألسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض، وهذا تشبيه بليغ عجيب لم يسمع إلا من النبي ﷺ . ومما ورد منه شعرا قول أبي تمام «١» : معشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض فقوله: «حصون المعالي» من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: «دروع الأحساب» . وأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: «إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس» فشبّهت حال الدنيا في سرعة زوالها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التفّ وتكاثف وزيّن الأرض، وذاك تشبيه صورة بصورة، وهو من أبدع ما يجيء في بابه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: «مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون» تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة بمفازة فاستضاء بها ما حوله، فاتّقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره،

стр. 383

فبقي مظلما خائفا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها واعتزّ بعزها وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في العذاب والنقمة. ومما ورد منه في الأخبار النبوية قول النبيّ ﷺ : «مثل المؤمن الّذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّب، ومثل المؤمن الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الرّيحانة ريحها طيّب ولا طعم لها، ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مرّ» وهذا من باب تشبيه المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي ﷺ شبه المؤمن القارئ وهو متّصف بصفتين- هما الإيمان والقراءة- بالأترجّة، وهي ذات وصفين، هما الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي المنافق القارئ، والمنافق غير القارئ. وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: لم أزل أصل الذّميل بالذميل، وألفّ الضّحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار. وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول البحتري «١» : خلق منهم تردّد فيهم ... وليته عصابة عن عصابه «٢»

стр. 384

كالحسام الجراز يبقى على الدّه ... - ر ويفني في كلّ حين قرابه وكذلك ورد قول ابن الرومي «١» : أدرك ثقاتك إنّهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العنب فهم بحال لو بصرت بها ... سبّحت من عجب ومن عجب ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب وهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن صورة مشاهدة، وذاك إنما استنبطه استنباطا من خاطره، وإذا شئت أن تفرق بين صناعة التشبيه فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة والآخر عن صورة غير مشاهدة فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع، ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بدّ فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: شوهدت الصورة فيه فحكيت، والآخر: استنبطها، ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبّه، وأما البحتري فإنه مدح قوما بأن خلق السماح باق فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيها، فأدّاه فكره إلى السيف وقربه التي تفنى في كل حين وهو باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع في تشبيهه. وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة؛ فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكّا في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فقلت: وأحاط بها العدوّ إحاطة الشّفاه بالثغور، ونزل عليها نزول

стр. 385

الظلماء على النور. وهذا من التشبيهات المناسبة، ثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه وإزالته عن جانب الثغر قلت: وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ذلك أخذ العدوّ في التحيز إلى جانب، وكان كحاجب على عين فصار كعين في حاجب، وإذا تزعزع البناء فقد هوى، وإذا قبض من طرق البساط فقد انطوى. وهذا التشبيه في مناسبته كالأول، بل أحسن. ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: وما شبّهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله وإعراضه، وكلا الأمرين كالسّهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها واشتباه لمها بإلمامها. ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح: تراهم ينظرون إلى المعالي ... كما نظرت إلى الشّيب الملاح يحدّون العيون إليّ شذرا ... كأنّي في عيونهم السّماح وهذا بديع في حسنه بليغ في تشبيهه. وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام «١» : خلط الشّجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا البيت، وهو لعمري كذلك. ومن هذا القسم أيضا قوله «٢» :

стр. 386

كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنّها في غربة وإسار كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار «١» وكذلك قوله «٢» : صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عنّي، وعاوده ظنّي فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريّقه ... وإن ترحّلت عنه لجّ في الطّلب وعلى هذا الأسلوب ورد قول علي بن جبلة: إذا ما تردّى لأمة الحرب أرعدت حشا الأرض واستدمى الرّماح الشّوارع وأسفر تحت النّقع حتّى كأنّه ... صباح مشى في ظلمة اللّيل طالع وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كلّ الإحسان. وكمثله في الحسن قوله أيضا في تشبيهه الحبب فوق الخمر: ترى فوقها نمشا للمزاج ... تباذير لا يتّصلن اتّصالا كوجه العروس إذا خطّطت ... على كلّ ناحية منه خالا

стр. 387

ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد «١» : تلقى المنيّة في أمثال عدّتها ... كالسّيل يقذف جلمودا بجلمود وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف «٢» : لا جزى الله دمع عيني خيرا ... وجزى الله كلّ خير لساني نمّ دمعي فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللّسان ذا كتمان كنت مثل الكتاب أخفاه طيّ ... فاستدلّوا عليه بالعنوان وهذا من اللطيف البديع. ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحا للخصيب جلس يوما في رهط من الأدباء، وتذكروا منازه بغداد، فأنشد مرتجلا «٣» : ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فصبا صبوة ولات أوان «٤»

стр. 388

ثم أتم ذلك قصيدا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس ابن الأحنف، وقال: أنشدني شيئا من شعرك بمصر، فأنشده: ذكر الكرخ نازح الأوطان فلما استتمّ الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرام على أحد يتفوّه بقول الشعر بعدك، فقال أبو نواس: وأنت أيضا يا أبا الفضل تقول هذا؟ ألست القائل: لا جزى الله دمع عيني خيرا وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا؟ ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري «١» : جدة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه وهذا من محاسن التشبيهات. وكذلك ورد قوله «٢» : وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرّجال بكوكب «٣» وفي هذا البيت تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء؛ فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر.

стр. 389

وكذلك ورد قوله «١» : يمشون في زغف كأنّ متونها ... في كلّ معركة متون نهاء «٢» بيض تسيل على الكماة نصولها ... سيل السّراب بقفرة بيداء «٣» فإذا الأسنّة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب في ماء فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري وأغرب. ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال: كانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدّهر قبل النّار والنّور تهتزّ في الكأس من ضعف ومن هرم ... كأنّها قبس في كفّ مقرور وقد يندر للناظم أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، وهذان البيتان من هذا القبيل. ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة «٤» :

стр. 390

فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب. فمما ورد منه قوله تعالى: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» . وكذلك قوله تعالى: «مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» . ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادا؛ فقلت: وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب؛ فهو مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه. وكذلك أيضا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذمّ الفراق، فقلت: والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات وحيّ لا كالأحياء، وما أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطّلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ضحضاح منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له وإن لم يسق مقام الإسقاء. وأما ما ورد منه في الشعر فكقول أبي نواس «١» :
следующие страницы →