← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: نظريّ، والآخر: وضعيّ. أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني» ولو كان ما ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضا؛ فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصّصه فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ فإنا إذا قلنا شمس أو بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم، لا غير، فبطل إذا ما ذهبت إليه بما بيّناه وأوضحناه. فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه؛ فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم الغائط، فإن العرب خصّص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض. قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحدّاد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة وأنها مطمئن من الأرض، وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط* فإن قوله: أو جاء أحد منكم من الغائط* دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا، وأما الجهال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم. والعجب عندي من الفقهاء الذين دوّنوا ذلك على ما دوّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.

стр. 72

وأما الوجه الوضعي: فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى شمسا، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في الأساليب المعنوية، فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية. هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله؛ فمن ذلك أنه أول من عبّر عن الفرس بقوله: «قيد الأوابد» «١» ولم يسمع ذلك لأحد من قبله. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم حنين: «الآن حمي الوطيس» وأراد بذلك شدة الحرب؛ فإن الوطيس في أصل الوضع هو التّنّور، فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي ﷺ . وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا زيد فيه، ولا نقص منه. وأما الفرق بينه وبين الحقيقة فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر؛ ألا ترى أنا إذا قلنا: «فلان عالم» صدق على كل ذي علم، بخلاف وسئل القرية لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية،

стр. 73

لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل «١» . واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له؛ إذ المجاز هو اسم للموضع الذي ينتقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها. وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات. وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانا، ألا ترى أن حقيقة قولنا: «زيد أسد» هي قولنا: «زيد شجاع» لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن قولنا:

стр. 74

«زيد شجاع» لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: «زيد أسد» يخيّل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس، وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال؛ حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال. واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه؛ فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة. مثال ذلك قول البحتري: مهيب كحدّ السّيف لو ضربت به ... ذرى أجإ ظلّت وأعلامها وهد «١» ويروى أيضا: «لو ضربت به طلى أجإ» جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن الذرى جمع ذروة، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطّلى: جمع طلية، وهي العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا، فلا يعدل إذا إلى المجاز؛ إذ لا مزية له على الحقيقة. وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى؛ فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه.

стр. 75

الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل. وغاية ما يقال في هذا الباب: إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: أفصح الصّبح، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن السر فيه. وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات: أحدها: أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا. الوجه الآخر: أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنّسب والإضافات إلى الأشخاص؛ فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد، ولا يكون ظاهرا لعمرو، فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحال من الأحوال؛ لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. الوجه الآخر: أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بين، ينبغي أن يكون فصيحا، وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، لا وصف قبح. فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: «إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين» من غير تفصيل.

стр. 76

ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت عندي منها ما أعوّل عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا، وأحقق القول فيه؛ فأقول: إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة في كلامهم، وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا، فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الألفاظ «١» سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها؛ فالفصيح إذا من الألفاظ هو الحسن. فإن قيل: من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه؟. قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن الألفاظ داخلة في حيّز الأصوات؛ فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح؛ ألا ترى أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشّحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا المجرى؛ فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والدّيمة حسنة يستلذها السمع، وأن لفظة البعاق «٢» قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللّفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي المزنة والدّيمة وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل؛ وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق سليم، لا جرم

стр. 77

أنه ذم وقدح فيه، ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيّا محضا من الجاهلية الأقدمين؛ فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرّج على ما خرج عنها. وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، وإنما كان ظاهرا بيّنا لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع، والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ؛ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثلت ذلك في المثال المتقدم بلفظة المزنة والدّيمة ولفظة البعاق، ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء: ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى. وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى؟ فإن لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء فيه ضمنا وتبعا. الوجه الثاني: أن وزن فعيل هو اسم فاعل من فعل- بفتح الفاء وضم العين- نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطّرد في بابه، وعلى هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به. فإن قيل: إنك قلت: «إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيّن، أي المفهوم» ، ونرى من آيات القرآن ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته. قلت: لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة؛ وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة، لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظة لفظة وجدت كلها فصيحة: أي ظاهرة واضحة.

стр. 78

وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. وسأورد ههنا منه شيئا؛ فأقول: قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحّون» وهذا الكلام مفهومة مفردات ألفاظه، لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله، وإذا سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا يوم نفطر، وأضحانا يوم نضحّي، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه؟ وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أن إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط. وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول أبي تمام: ولهت فأظلم كلّ شيء دونها ... وأضاء منها كلّ شيء مظلم «١» فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما نالني من الجزع لولهها؛ كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي: أي أني صرت كالأعمى الذي لا يبصر، وأما قوله: «وأضاء منها كل شيء مظلم» أي وضح لي منها ما كان مستترا عني من حبها إياي.

стр. 79

وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتري في منهزم: إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوّه ... وكان الصّديق بكرة ذلك السّهب «١» فإن السّير والسّهب والظهر والعدو والصّديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أن هذا المنهزم يرى ما بين يديه محبوبا إليه، وما خلفه مكروها عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبا وخلّفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل أن يقطعه كان له صديقا: أي يطلب لقاءه ويحبّ الدنو منه. فانظر أيها المتأمل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت بيانه. وأما البلاغة فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء: منتهاه، وسمي الكلام بليغا من ذلك؛ أي أنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا. ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون

стр. 80

إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب؛ فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة؛ إذ يوجد فيها الوصف المختص بالفصاحة، وهو الحسن. وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها؛ لخلوها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلاما. مسألة تتعلق بهذا الفصل: هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب أم بالنظر وقضية العقل؟. الجواب عن ذلك أنا نقول؛ لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ألفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم. فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة، ومعرفة جيدها من رديئها، وحسنها من قبيحها، فذلك هو الذي أذهب إليه. وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا يتسلسل إلى أول من ابتدعه ولم يستقره، فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفي الفصاحة والبلاغة المختصين بالألفاظ والمعاني، إلا أن للغة العربية مزية على غيرها؛ لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها. مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضا: هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جار مجرى علم النحو أم لا؟. الجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أخذت من واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره؛ فإنه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا قلّد في ذلك كما قلد في رفع الفاعل ونصب المفعول؛ وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضح اللغة، ولم يفتقر فيه إلى التوقيف

стр. 81

منه، بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة، وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه. فإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها وعلم بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعا والمفعول منصوبا؟. فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذه الأدلة واهية «١» لا تثبت على محكّ الجدل؛ فإن هؤلاء الذين تصدّوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها.

стр. 82

الفصل التاسع في أركان الكتابة اعلم أن للكتابة شرائط وأركانا: أما شرائطها فكثيرة، وهذا التأليف موضوع لمجموعها، وللقسم الآخر من الكلام المنظوم، وليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد، بل يأتي بكل نوع من أنواعها في موضعه الذي يليق به، كما أريناه فيما يأتي من هذا التأليف. وأما الأركان التي لا بدّ من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة: الأول: أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة؛ فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب، ولهذا باب يسمى باب المبادي والافتتاحات فليحذ حذوه، وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الثاني: أن يكون الدعاء المودع في صدر الكتاب مشتقا من المعنى الذي بني عليه الكتاب. وقد نبّهنا على طرف من ذلك في باب يخصه أيضا، فليطلب من هناك، وهو مما يدل على حذاقة الكاتب وفطانته، وكثيرا ما تجده في مكاتباتي التي أنشأتها؛ فإني قصدته فيها وتوخّيته، بخلاف غيري من الكتاب؛ لأنه ربما يوجد في كتابة غيري قليلا، وتجده في كتابتي كثيرا. الركن الثالث: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة؛ لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة، ولذلك باب مفرد أيضا يسمى باب التخلص والاقتضاب، وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الرابع: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال، ولا

стр. 83

أريد بذلك أن تكون ألفاظا غريبة؛ فإن ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر براعتها، والأقلام شجاعتها، كما قال البحتري: باللّفظ يقرب فهمه في بعده ... عنّا ويبعد نيله في قربه «١» وهذا الموضع بعيد المنال، كثير الإشكال، يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر، وهو شبيه بالشيء الذي يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فلفظه هو الذي يستعمل، وليس بالذي يستعمل: أي أن مفردات ألفاظه هي المستعملة المألوفة، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب. وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار إليه؛ علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها: قل الروح من أمر ربي وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني، بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولا تكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسما لمعنى شريف، على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. ويحكى عن المبرد رحمه الله تعالى أنه قال: ليس أحد في زماني إلا وهو يسألني عن مشكل من معاني القرآن، أو مشكل من معاني الحديث النبوي، أو غير

стр. 84

ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني هذا، وإذا عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني أرتّب المعنى ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك. ولقد صدق في قوله هذا، وأنصف غاية الإنصاف. ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع، وما منهم إلا من يقع له المعنى الشريف، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق، ولكنه لا يحسن أن يزاوج بين لفظتين. فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول، وعلى هذا فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني؛ فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة، واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلّم العلم. وبلغني أن قوما ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات، وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئا منه فوجدت فيه معاني حسنة مليحة، ومعاني غريبة، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة «١» . وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الخامس: أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية؛ فإنها معدن الفصاحة والبلاغة، وإيراد ذلك على الوجه الذي أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حلّ معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين، وتوخّي ذلك في كل كتاب عسر جدا، وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتاب، فإني استعملته في كل كتاب، حتى إنه ليأتي في الكتاب الواحد في عدة مواضع منه، ولقد أنشأت تقليدا لبعض الملوك مما يكتب من ديوان الخلافة، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات والأخبار

стр. 85

النبوية، فكان ما يزيد على الخمسين، وهذا لا أتكلفه تكلفا، وإنما يأتي على حسب ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه، وقد عرفتك أيها الكاتب كيف تستعمل ما تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل، فخذه من هناك. وهذا الركن يختص بالكاتب دون الشاعر؛ لأن الشاعر لا يلزمه ذلك؛ إذ الشعر أكثره مدائح، وأيضا فإنه لا يتمكن من صوغ معاني القرآن والأخبار في المنظوم كما يتمكن منه في المنثور، ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في بعض الأحيان. وإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم، ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا.

стр. 86

الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء، ولما حبّبت إليّ هذه الفضيلة، وبلّغني الله منها ما بلّغني؛ وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ثلاث شعب: الأولى: أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي. الثانية: أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة: إما في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من التي قبلها. الثالثة: أن لا يتصفح كتابة المتقدمين، ولا يطلع على شيء منها، بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ويقع، ويخطىء ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إماما في فنّ الكتابة، كما يعد الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهم وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجاما، وخاطرا رقاما، وقد سهّلت لك صعابها، وذلّلت محاجّها» ، وكنت أشحّ «٢» بإظهار ذلك لما عانيت

стр. 87

في نيله من العناء؛ فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا، وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها: ليس حلوا وجودك الشّيء تبغي ... هـ طلابا حتّى يعزّ طلابه «١» ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ إذ لم يظفر غيري بأحجارها؛ فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية، وحل الأبيات الشعرية، وقد قصرت هذا الفصل على ذكر وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم أنّي لم آت شيئا فريّا، وأن الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريّا، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة، والّذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت؛ لهام بها في كل واد، وتزوّد إلى سلوك طريقها كل زاد: لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا «٢» ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم، والأخبار النبوية، والشعر، بحيث إنه لا ينشىء كتابا إلا من ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلع على معانيه، مفتّش عن دفائنه، وقلّبه ظهرا لبطن؛ عرف

стр. 88

حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية، ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام، وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنّة، وإلى معرفة علم العربية، وإلى معرفة الفرائض والحساب من المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، فهذه أدوات الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد، وكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة؛ فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلا أن رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار. وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن أقول: حل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: منها، وهو أدناها مرتبة، أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة؛ وهذا عيب فاحش، ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدّده، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء، وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا لا مستحسنا. كقوله في بعض أبيات الحماسة: وألدّ ذي حنق عليّ كأنّما ... تغلي عداوة صدره في مرجل أرجيته عنّي فأبصر قصده ... وكويته فوق النّواظر من عل فقال في نثر هذين البيتين: فكم لقي ألدّ ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل، وتغلي عداوة صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبّه لفمه ويديه. فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير.

стр. 89

ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن شيئا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ، ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا وقد نثرت ذلك فقلت: لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا همّ بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهمل، وأقرب الأمل، وأقول: سبق السّيف العذل؛ فذكر بني اللقيطة ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة؛ فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر. وأما القسم الثاني: وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة، وهو أن ينثر المعنى المنظوم ببعض ألفاظه، ويعزم «١» عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة؛ فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لا يلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن. والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم، فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له: حذّاء تملأ كلّ أذن حكمة ... وبلاغة وتدرّ كلّ وريد «٢»

стр. 90

فقوله: «تملأ كل أذن حكمة» من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب منالا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق؛ لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة، وأما نثر الشعر بغير لفظه؛ فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته. وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عوف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة. فانظر كيف فعلت في هذا الموضع؟ فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله. وأما القسم الثالث: وهو أعلى من القسمين الأولين، فهو أن يؤخذ المعنى فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثمّ يتبين حذق الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته؛ فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلا أحسن التصرف، وأتقن التأليف؛ ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول. واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره، فيورده بضروب من العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألّا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير. فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:

стр. 91

لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتّى يكون حشاك في أحشائه «١» وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: لا تعذل المحبّ فيما يهواه، حتى تطوي القلب على ما طواه؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: إذا اختلفت العينان في النظر، فالعذل ضرب من الهذر. ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا: إنّ القتيل مضرّجا بدموعه ... مثل القتيل مضرّجا بدمائه «٢» أخذت هذا المعنى فنثرته؛ فمن ذلك قولي: القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرّد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده؛ فزدت على المعنى الذي تضمّنه البيت، وغيرت اللفظ؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: دمع المحبّ ودم القتيل، متّفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، إلا أنهما يختلفان لونا. وهذا أحسن من الأول. وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه؛ فكقول أبي تمام: تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها اللّيل إلّا وهي من سندس خضر «٣»

стр. 92

وقول أبي الطيب المتنبي: وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم وأمثال هذا لا تأتي إلا قليلا؛ وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلا قدا، كهذين البيتين، ألا ترى أن أبا تمام قصد المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فك نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك، وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه فنهد «١» سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدّد بناءه، وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدا أوله: على قدر أهل العزم تأتي العزائم «٢» فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات؛ فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه؛ وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فكّ نظامه؛ لأنه يتصدى لنثره بألفاظه؛ فإن كان عنده قوّة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا. وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها؛ فبدّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره؛ وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها، من جملة شهودها؛ وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: سرى إلى حصن

стр. 93

كذا مستعيدا منه سبيّة نزعها العدو اختلاسا، وأخذها مخادعة لا افتراسا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلّق عليها من رءوس القتلى تمائم. وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به؛ فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا، وإلّا فليترك. وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى، وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله، وهو: بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره، وهو: بناها والأسنّة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلت الحرب عنها «١» حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون فعلّقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرّد «٢» عمن عزّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه. وهذا أحسن من الأول وأتم معنى. وقد تصرفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب، فقلت: بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدّمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم أو شينت بعطل فعلّقت مكان الأطواق.

стр. 94

وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله. وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره، وذكر ما يسهل منه وما يعسر؛ فلنتبع ذلك بقول كلّيّ في هذا الباب؛ فنقول: من أحبّ أن يكون كاتبا، أو كان عنده طبع مجيب؛ فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدىء فيأخذ قصيدا من القصائد؛ فينثره بيتا بيتا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها؛ فإنه لا يستطيع إلا ذلك، وإذا مرنت نفسه، وتدرّب خاطره؛ ارتفع عن هذه الدرجة، وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا ونهارا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابا أو خطب خطبة تدفّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا مغسولة، وكان عليها حدّة حتى تكاد ترقص رقصا، وهذا شيء خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير. فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم، ومنثور؛ فلم حضضت على حفظ المنظوم وجعلته مادة للمنثور، وهلا كان الأمر بالعكس؟. قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر، والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جل كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا يسيرا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني، كما قال الله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين فلم يكن لهم إلا الشعر، ثم استمرت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حثّي على حفظها واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب.

стр. 95

وقد نثرت في هذا الموضع أبياتا تكون قدوة للمتعلم: فمن ذلك قولي في فصل من فصول الكلام يتضمن ذكر السيادة، وهو: الشريف من شرف بنفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه؛ فإن تلك مكارم أتت فتجمّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولا، وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر: وما الفخر بالعظم الرّميم، وإنّما ... فخار الّذي يبغي الفخار بنفسه غير أن الفصل الذي ذكرته يتضمن من المعنى زيادة على ما تضمنه هذا البيت. ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخ لإخوته وتنصّله إليهم، فقلت: جرحوا قلبي وحبهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرا، وأصبحت وهي منسيّة إذا تجدّدت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلا من سيط دمي بدمه ولحمي بلحمه، ولو أن الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذر الاعتياض عنهم ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد. آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله: تعزّيت عمّن أثمرتك حياته ... ووشك التّعزّي عن ثمارك أجدر تعذّر أن نعتاض عن أمّهاتنا ... وأبنائنا والنّسل لا يتعذّر غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبه أخ لإخوته.

стр. 96

ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم المشيب، فقلت: والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، وتقمّص ثوبا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء ولا يزهى به حسنا، وإن قيل إن أحسن الثياب شعار البياض قيل إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر الأحباب إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظة الاشتمال، ومن الناس من يدلّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطّلة وقصره المشيد، ويحسّن لها الخروج في ثوب مرقّع وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله: رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على شرخ الشّبيبة يلبس غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر. ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء، وهذا الفصل يشتمل على معان متعددة؛ فمنها قولي في العطاء، وهو: شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان ربّ ذلك الغراس؛ فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس: كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم أسسا ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا

стр. 97

لبعضها، فالمحرّم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذّاله. وهذا مأخوذ من قول الفرزدق: يداك بد ربيع النّاس فيها ... وفي الأخرى الشهور من المحرم وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، إلا أني أنا تصرّفت في هذا المعنى تصرفا لم يتصرف فيه أحد غيري. ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: ولقد سوّى بين أعدائه في البغض وبين أمواله؛ فهذه معنيّة بوقع نصاله، وهذه معنيّة «١» بصنائع نواله، ولو أحبّ المال لكان أحبّه إليه ما يبذله، كما أن أحبّ الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنّه من الكرم أنه جاد حتى بدّل رغب العافين «٢» زهدا، ورأى الحمد عوضا من الصنيعة فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدا. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو: ليت أعدائي كانوا ... لأبي إسحق مالا ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة: فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو: فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلّها غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمّها بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد «٣» وما مرّت ببلد إلا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه،

стр. 98

وبدّلت أحراره بعبيده وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة وقد ضرب الأمن عليها أسوارا، وبعد عهدها بالنوائب فلم تدخل لها ديارا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال «١» ، فما شعر أهلها إلا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طلّه وطلّ السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زيّ فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلا من تتأوّد القناة من يده بين لهذمين، وتستقلّ السرج منه ومن جواده بين مطهّمين، فجرت المغاوير إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقا، واللبث وفاقا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضّبة لسرعتها أسنّة الرماح، وحصل القوم [في] القبضة، وذمّوا عقبى النّهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، موقنين أن رءوسهم عواريّ على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره، ولا يود وهو المعظم أن يقال ما أعظمه بل يقال ما أحقره، وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب وللسبي رقاب. في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله: سحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذ استسقت سقتها صوارمه «٢» وكقوله: واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال «٣»

стр. 99

ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار، وهو: فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عار وزيّهم زيّ كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر، الباقي على الدهر، وهو شعار نسجه السّنان الخارق، لا الصّنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطّلى والهام، وألّف الطعن بين ألف الخط واللام. وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري؛ وهو: سلبوا وأشرقت الدّماء عليهم ... محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا «١» ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن فتحا، وهو: أصدر هذا الكتاب والفتح غضّ طريّ لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره مترّبة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه. وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام: كتّبت أوجههم مشقا ونمنمة ... ضربا وطعنا يقات الهام والصّلفا «٢» كتابة ما تني مقروءة أبدا ... وما خططت بها لاما ولا ألفا «٣» إن أن أبا تمام مثل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثلت الكتابة

стр. 100

وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام، وهذا مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدقّ من استخراجه من نفسه، وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب. ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار، وهو: وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعب أربع والتربيع نحس في حكم النّجامة «١» وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه معنى الاختفاء وللإسلام معنى السلامة؛ ولما التقى الجمعان اصطفقت يمين وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلا بآذانها، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنّة فلا طريق بينها لمهبّ الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حدّ السيف دون حديد الأصفاد، ونقلوا إلى جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرا، والصحائف أجرا، والأيدي وقرأ، والقلوب جذلا والألسنة شكرا، وكان ذلك اليوم في الأيام علما، وفي الأقسام قسما، ولم يره الزمان منسوبا إليه إلا راجع شبابا بعد أن ناهز هرما. في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي «٢» :

стр. 101

أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السّبيب قصار العسب «١» تغيب الشّواهق في جيشه ... وتبدو صغارا إذا لم تغب «٢» ولا تعبر الرّيح في جوّه ... إذا لم تخطّ القنا أو تثب «٣» ومن قوله أيضا «٤» : في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنّما يبصرن بالآذان» ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصّريخ، وهو: إذا استصرخ بعزم غذته صحبة الجيش، عن لذة العيش، فهو يستعذب حرّ الثّغور، على برد «٦» الثغور، ويلهو بالبيض الذكور، عن بيض الخدور «٧» ، ولا طيب عنده إلا ريح

стр. 102

العجاج «١» . ولاعناق إلا أطراف الزّجاج «٢» ، ولا أرب له في الرقاد إلا على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبى لقاء الأقران في درع أو مغفر. وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد. ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو: إذا سموت لأمر فكن واحدا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال فلان من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأنسها، إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحبّ من تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلّه ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إنّ وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشّيم أحسن من رقم الأبراد. وآخر هذا الفصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس. إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق إلا أن الفصل يتضمّن معنى غريبا لم يسبقني إليه أحد. ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو: حاسد سيّدنا ينظر إلى زهرة دنياه ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الاطواق الموضوعة في الحيد ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره. ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو: إذا اعتذر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على

стр. 103

غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها، وقد عد احتمال تثقيلها من جملة الأيادي التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتهن بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيّدنا من أياديه وإلا فليتفضل على الشكر بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار. هذا فصل في هذا المعنى قلّما يؤتى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر: تكاثرت الظّباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت: كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل عليّ شهادة عينه فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين أصبعين من أصابعه إلا ليذهب بها كلّ واد، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلّى ومن قلّى إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد أن يعود إلى ذلك المكان. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي [وهو قوله] : عهدتك لا تعتدّ بالعين شاهدا ... عليّ فلم أصبحت تعتدّ بالأذن ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو: الشّيم الكريمة للإنسان بمنزلة المسك في سرر الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق بالأنوف وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقا، فأحدهما يبقى دائما ولا يذهب والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه، ورفعه الله به إلى محل يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلا في لسان شاعر أو لسان خاطب، وهو مما استثني من خلق الناس الذي هو من طين لازب،

стр. 104

ومن أجل ذلك يرون أشباها ما عداه، وما منهم إلا من يقر بفضله ولو كان من حساده أو عداه، وقد أصبحوا وهم يقلون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. هذا الفصل وإن تضمن شيئا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي: النّاس ما لم يروك أشباه ... والدّهر لفظ وأنت معناه ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها، بتنغيص خمارها، فهي خرقاء البيان، بذيّة اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عرف منها سنّة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها. وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال: ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... وهنا تداس بأرجل العصّار لانت لهم حتّى انتشوا فتحكّمت ... فيهم فنادت فيهم بالثّار وكذلك قلت في وصفها أيضا، وهو: مدامة تنفي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمد من ماء الكروم، ويتمثل حببها «١» نجوما إلا أنها مضلّة والهداية للنجوم. وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس: إذا هي حلّت في اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكن الذي ذكرته بعد هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها، وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو: الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج،

стр. 105

وتصخب لمسّ الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف إكليلا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها. وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس: فقلت لشيخ منهم متكلّم ... له دين قسّيس وفي نطقه كفر أعندك بكر مرّة الطّعم قرقف ... صنيعة دهقان تراخى له العمر فقال عروس كان كسرى ربيبها ... معتّقة من دونها الباب والسّتر ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضا: وقهوة كالعقيق صافية ... يطير من كأسها لها شرر زوّجتها الماء كي تذلّ له ... فامتعضت حين مسّها الذّكر ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو: لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه وإن أفضى الصّدر إلى رحيبه، فإنّ توقّي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد على تلّ السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب. بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام «١» : وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا ... على مثلها واللّيل تسطو غياهبه لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو: أخفى على العدوّ كيده

стр. 106

حتى لم يدع كائدا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنه حائدا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلا وهي في غمدها. وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تمام «١» ، وهو: سكن الكيد فيهم إنّ من أع ... ظم كيد أن لا يسمّى أريبا وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: أخذ بسمع العدو وبصره، وسدّ مطلع ورده وصدره، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السّراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السّلاح. وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله. وكذلك قولي أيضا، وهو: يبيّت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه الذي كلّ الحلم في طيشه، فإذا أطلّت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحا. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري «٢» : وهو المرء ما غزا بلدا بال- ... - رأي إلّا كفاه غزو الجنود ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها.

стр. 107

فمنه ما يتعلق بالسير، وهو: ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه «١» ، ويستقرب بعد المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السّباسب «٢» : وهذا مأخوذ من قول المتنبي «٣» : يباري نجوم القذف في كلّ ليلة ... نجوم له منهنّ ورد وأدهم ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: اتّخذ الليل ظهرا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده، بصبغة جواده، حتى بدت في أديم الليل شيات صباحه، وشابه الأدهم في غرّته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله، وأخذ الآخر في نزوله. وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به. ومن ذلك ما ذكرته أيضا في فصل من كتاب، وهو: سرت وتحتي بنت قفرة لا يذهب السّرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزّمام، وإذا سارت بين الآكاد قيل هذه واحدة من الآكام، ولم تسمّ جسرة إلا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفا إلا لأنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل يقبل بجذع ويدبر بصخره، وينظر من عين جحظة ويسمع بأذن حشره، ويجري مع

стр. 108

الريح الزّعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر القتره، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلّة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أودّ لو زاد طوله، ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبويّ بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضولون السواد، وظهر لون السرحان فأغار على سرح السماء كما يغير السرحان على سرح النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة وإنما كان على الظهر السائر. في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان كافيا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام «١» : طموح بأثناء الزّمام كأنّما ... يخال بها من عدوها طيف جنّة «٢» وكقوله «٣» : بالشّذقميّات العتاق كأنّما ... أشباحها بين الأكام أكام «٤» ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو: لهم نسب لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملا في جملة الهمل، وإن قيل إنه من نجوم السماء قلت لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلا نبا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلا كبا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنا ولا يرون لابنه أبا.

стр. 109

وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي يسمى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب «١» : وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنه ... ولم يرآوى في حزون ولا سهل «٢» فأبو نواس ذم خبز الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حقق النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا المعنى لم يوجد مناسبا، فإن الخبز في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب. ومن ذلك ما ذكرته في ذم قوم، وهو فصل من كتاب، فقلت: تركت قوما لم ينقعوا صدى، ولم يجروا إلى مدى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي «٣» : تركت أناسا لم يهشّوا لمنّة ... ولم ينقعوا غلّ الظّماء الخوامس على القرب فيهم إنّني غير طامع ... ومنك على بعد المدى غير آيس «٤»

стр. 110

ومن هذا الباب أيضا قولي، وهو: تركت قوما يسلون الحبيب، ويملّون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدرّ اللبن على مرعاهم، فنوالهم تحايا، وأعراضهم ضحايا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة. وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب «١» المتنبي: رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدرّ على مرعاكم اللّبن جزاء كلّ قريب منكم ملل ... وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو: لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق. وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حلة الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحلّ بعز السّنان ولا شرف الذّؤابة. وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه؛ فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد لنفسه. ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو: أيام تعدّ بأعوام «٢» لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولا سرارها؛ فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها
следующие страницы →