← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بعضه؛ لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ﵇ أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، ليكون أدعى إلى سكونهم إليه؛ فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم إياه، فقال: وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتطّ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: يصبكم بعض الذي يعدكم ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصّب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل؛ كأنه برطلهم في صدر الكلام بما يزعمونه؛ لئلا ينفروا منه، وكذلك قوله في آخر الآية: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب أي: هو على الهدى، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوّة، ولا عضّده بالبينات، وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه ما لا خفاء به، وقد تضمن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حقّ التأمل أعطيته حقه من الوصف. ومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا. إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا. يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا هذا كلام يهزّ أعطاف السامعين، وفيه من الفوائد ما أذكره، وهو لما أراد إبراهيم ﵇ أن ينصح أباه ويعظه وينقذه مما كان متورّطا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل؛ رتّب الكلام معه في أحسن نظام، مع استعمال المجاملة واللطف والأدب الحميد والخلق الحسن، مستنصحا في ذلك بنصيحة ربه، وذاك أنه طلب منه أولا العلّة في خطيئته طلب منبّه على تماديه موقظ من غفلته؛ لأن المعبود لو كان حيّا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخفّ عقل من أهّله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين، فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا يسمع ولا يبصر، يعني به الصنم، ثم ثنّى ذلك بدعوته إلى الحق مترفّقا به، فلم يسم أباه

стр. 457

بالجهل المطلق، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إنّ معي لطائفة من العلم وشيئا منه، وذلك علم الدلالة على سلوك الطريق، فلا تستنكف؛ وهب أني وإياك في مسير، وعندي معرفة بهداية الطريق دونك، فاتّبعني أنجك من أن تضل، ثم ثلّث ذلك بتثبيطه عما كان عليه ونهيه، فقال: إن الشيطان الذي استعصى على ربك وهو عدوّك وعدو أبيك آدم هو الذي ورّطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة، وإنما ألغى إبراهيم ﵇ ذكر معاداة الشيطان آدم وذريته في نصيحة أبيه لأنه لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص بالله، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته، ثم ربّع ذلك بتخويفه إياه سوء العاقبة، فلم يصرّح بأن العقاب لاحق به، ولكنه قال: إني أخاف أن يمسك عذاب فنكر العذاب ملاطفة لأبيه، وصدّر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله: يا أبت توسّلا إليه واستعطافا، وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنه قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله يا أبت بقوله يا بنيّ وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله: أراغب أنت لأنه كان أهمّ عنده، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس، لا سيما في مخاطبات الأنبياء صلوات الله عليهم للكفار، والرد عليهم، وفي هذين المثالين المذكورين ههنا كفاية ومقنع. وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن عليّ ﵄ ومعاوية بن أبي سفيان في أمر ولده يزيد، وذاك أن معاوية قال للحسين: أما أمّك فاطمة فإنها خير من أمه، وبنت رسول الله ﷺ خير من امرأة من كلب، وأما حبّي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت، وأما أبوك وأبوه فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك؛ وهذا كلام من معاوية كلما أمررته بفكري عجبت من سداده، فضلا عن بلاغته وفصاحته، فإن معاوية علم ما لعلي ﵁ من السّبق إلى الإسلام والأثر فيه، وما عنده من فضيلة العلم، فلم يعرض في المنافرة

стр. 458

إلى شيء من ذلك، ولم يقل أيضا: إنّ الله أعطاني الدنيا ونزعها منكم؛ لأن هذا لا فضل فيه؛ إذ الدنيا ينالها البر والفاجر، وإنما صانع عن ذلك كله بقوله: «إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك» وهذا قول إيهامي يوهم شبهة من الحق، وإذا شاء من شاء أن ينافر خصمه ويستدرجه إلى الصمت عن الجواب فليقل هكذا.

стр. 459

النوع الخامس عشر في الإيجاز وهو حذف زيادات الألفاظ؛ وهذا نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان البلاغة من سبق إلى غايتها وما صلّى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى، وذلك لعلو مكانه، وتعذر إمكانه. والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولست أعني بذلك أن تهمل الألفاظ بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع إنما يختصّ بالمعاني؛ فربّ لفظ قليل يدل على معنى كثير، وربّ لفظ كثير يدل على معنى قليل، ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة؛ فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولهذا سمّى النبيّ ﷺ الفاتحة أم الكتاب، وإذا نظرنا الى مجموعها وجدناه يسيرا، وليست من الكثرة إلى غاية تكون بها أم البقرة وآل عمران وغيرها من السور الطوال؛ فعلمنا حينئذ أن ذلك الأمر يرجع إلى معانيها. والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده؛ لأنه يحتاج فيه إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم وما يشتمل عليه سوره وآياته إلى حصر أقسام معانيه، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة؛ فنقول: المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام: ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع. أما الأصول فالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله؛ والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛ والأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى

стр. 460

الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول الثلاثة. وأما الفروع فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النّصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادّين لها، وكيفية صنع الله في التّدمير عليهم والتنكير بهم، والفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجّتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع؛ والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف. فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا تتعداها وههنا تقسيم آخر يطول الخطب فيه، ولا حاجة إلى ذكره. وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وتأمّلنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة على أربعة أقسام من الستة المذكورة، ولذلك سماها النبي ﷺ «أم الكتاب» كما أنه قال: «إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن» وإذا نظرنا في الأقسام الستة وجدنا سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن، وكذلك قال ﷺ : «آية الكرسي سيدة آي القرآن» ويروى أنه سأل أبيّ بن كعب ﵁ فقال: «أي آية معك في كتاب الله أعظم؟» فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ فضرب في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر» وكل هذا يرجع إلى المعاني لا إلى الألفاظ، فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره. واعلم أن جماعة من مدّعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين: فمنه ما يحسن فيه الإيجاز كالأشعار والمكاتبات، ومنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات وكتب الفتوح التي تقرأ في ملإ من عوامّ الناس؛ فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة لم

стр. 461

يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب: التقى الجمعان، وتطاعن الفريقان، واشتد القتال، وحمي النضال، وما جرى هذا المجرى. والمذهب عندي في ذلك ما أذكره، وهو أن فهم العامة ليس شرطا معتبرا في اختيار الكلام؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم؛ ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم؛ لأن العلة في اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه فكذلك تجعل تلك العلة بعينها في اختيار المبتذل من الكلام؛ فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم إياه، وهذا شيء مدفوع، وأما الذي يجب توخّيه واعتماده فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني، بحيث لا تزيد هذه على هذه، مع الإيضاح والإبانة، وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه؛ فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما النقص في بصر الأعمى حيث لم يستطع النظر إليه: عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ بأن لا تفهم البقر وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من الكلام على الإيجاز، وحدّه وأقسامه، ونوضح ذلك إيضاحا جليا، والله الموفق للصواب. فنقول: حدّ الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه، والتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدلّ المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه، كقول الهجير السّلولي من أبيات الحماسة «١» : طلوع الثّنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدّم «٢»

стр. 462

فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه، وعجزه من محاسن الكلام المتواصفة، وموضع التطويل من صدره أنه قال: «طلوع الثنايا بالمطايا» فإن لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها، وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين: إما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور، كما قال الحجاج على المنبر عند وصوله العراق: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا أي: أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور؛ فإن أراد العجير بقوله «طلوع الثنايا» ما أشرت إليه فذكر المطايا يفسد ذلك المعنى؛ لأن معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا، وإن أراد الوجه الآخر، وهو أنه كثير الأسفار؛ فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه، وعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه، وهو تطويل بارد غثّ. فقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام بقي على حاله لم يتغير شيء. وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام؛ فتارة تجيء لفائدة، وذلك قليل، وتارة تجيء لغير فائدة، وذلك كثير؛ وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن بها الأبيات الشعرية، وذلك نحو قولهم: لعمري، ولعمرك، ونحو أصبح وأمسى وظلّ وأضحى وبات، وأشباه ذلك، ونحو يا صاحبي ويا خليلي، وما يجري هذا المجرى. فمما جاء منه قول أبي تمام «١» : أقرّوا لعمري لحكم السّيوف ... وكانت أحقّ بفضل القضاء «٢»

стр. 463

فإن قوله «لعمري» زيادة لا حاجة للمعنى إليها، وهي حشو في هذا البيت، لا فائدة فيه إلا إصلاح الوزن لا غير، ألا ترى أنها من باب القسم، وإنما يرد القسم في موضع يؤكد به المعنى المراد، إمّا لأنه مما يشك فيه أو مما يعزّ وجوده أو ما جرى هذا المجرى، وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد قسميّ؛ إذ لا شك في أن السيوف حاكمة، وأن كل أحد يقرّ لحكمها، ويذعن لطاعتها وكذلك قوله أيضا «١» . إذا أنا لم ألم عثرات دهر ... بليت به الغداة فمن ألوم فقوله «الغداة» زيادة لا حاجة للمعنى إليها؛ لأنه يتم بدونها؛ لأن عثرات الدهر لم تنله الغداة ولا العشي، وإنما نالته، ونيلها إياه لا بد وأن يقع في زمن من الأزمنة كائنا ما كان، ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر. وعلى هذا ورد قول البحتري «٢» : ما أحسن الأيّام إلّا أنّها ... يا صاحبيّ إذا مضت لم ترجع «٣» فقوله «يا صاحبي» زيادة لا حاجة بالمعنى إليها؛ إلا أنها وردت لتصحيح الوزن لا غير. وهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها، لأنا لو عبناها على الشعراء لحجّرنا عليهم وضيقنا، والوزن يضطر في بعض الأحوال إلى مثل ذلك، لكن أذا وردت في الكلام المنثور فإنها إن وردت حشوا ولم ترد لفائدة كانت عيبا.

стр. 464

وقد ترد في الأبيات الشعرية ويكون ورودها لفائدة وذلك هو الأحسن، كقول البحتري «١» : قوم أهانوا الوفر حتّى أصبحوا ... أولى الأنام بكلّ عرض وافر «٢» فقوله «أصبحوا» بمعنى صاروا: أي أنهم صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة، وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ذكرهما. وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل، حتى يستدل به على أمثاله وأشباهه، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني، وذاك أنه جلس إليّ في بعض الأيام جماعة من الإخوان، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث، وانساق ذلك إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم، فذكر كل من الجماعة شيئا، فقال شخص منهم: إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان، وكنت إذ ذاك صبيا صغيرا، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية، وصعدنا ألى سطح طاحون لبني فلان، وأخذنا نلعب على السطح، فوقع صبي منا الى أرض الطاحون، فوطئه بغل من بغال الطاحون، فخفنا أن يكون آذاه، فأسرعنا النزول إليه، فوجدناه قد وطئه البغل؛ فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الحاذق أن يفعل خيرا منها؛ فقال له شخص من الحاضرين: والله إن هذا عيّ فاحش، وتطويل كثير لا حاجة إليه؛ فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على سطح طاحون فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون، فوطئه بغل من

стр. 465

بغال الطاحون فختنه ولم يؤذه، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد لا نعرفه، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في غرابتها، وأما أن تذكر أنها كانت بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان، وكان زمن الملك فلان، فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه، والمعنى المقصود يفهم بدونه. فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة على المعاني، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه. وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى، من غير أن يزيد عليه. وهو ينقسم قسمين: أحدهما: الإيجاز بالحذف، وهو ما يحذف منه المفرد، والجملة؛ لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه؛ والقسم الآخر: ما لا يحذف منه شيء، وهو ضربان: أحدهما: مأساوي لفظه معناه، ويسمى التقدير، والآخر ما زاد معناه على لفظه، ويسمى القصر. واعلم أن القسم الأول الذي هو الإيجاز بالحذف يتنبه له من غير كبير كلفه في استخراجه؛ لمكان المحذوف منه. وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل، وطول فكرة؛ لخفاء ما يستدل عليه، ولا يستنبط ذلك إلا من رست قدمه في ممارسة علم البيان، وصار له خليفة وملكة، ولم أجد أحدا علّم هذين القسمين بعلامة، ولا قيّدهما بقيد، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما فليؤخذ من هناك. فإن قيل: إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف وغير المحذوف ليس بصحيح؛ لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصحّ التقدير بينهما، ثم لو سلمت جواز التقدير في المساواة لم أسلّم جواز الزيادة، فليس لقائل أن يقول: هذا المعنى زائد على هذا اللفظ؛ لأنه إن قال ذلك قيل: فمن أين فهمت تلك الزيادة الخارجة عن اللفظ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام المعاني،

стр. 466

فإن قال: إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ، قيل له: فتلك الزيادة بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ، والباقي مساو للفظ، وإن قال: إنها فهمت من اللفظ، قيل: فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه؟ فإن قال: إنها فهمت من تركيبه، لأن التركيب أمر زائد على اللفظ، قيل: الألفاظ تدلّ بانفرادها على معنى، وبتركيبها على معنى آخر، واللفظ المركب يدلّ على معنى مركب، واللفظ المفرد يدلّ على معنى مفرد، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب فلا يخلو: إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها، أو من دلالة شيء خارج؛ فإن كانت مفهومه من دلالته عليها لم تكن زائدة عليه؛ إذ لو كانت زائدة عليه لما دلّ عليها، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج، والباقي مساو للباقي. فالجواب عن ذلك أن نقول: هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة، وهو باطل من وجهين: أحدهما: أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ فيلزم من ذلك أن الألفاظ لا تزيد أيضا على المعاني؛ لأنهما متلازمان على قياسك، ونحن نرى معنى قد دلّ عليه بألفاظ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى، بل يبقى على حاله، والوجه الآخر: إن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة المعاني على الألفاظ؛ لأنا نرى اللفظ يدلّ على معنى لم يتضمنه، وفهم ذلك المعنى ضرورة لا بد منه، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم من دلالته عليه. فإن قيل: إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر يدل عليه، وتلك الزيادة بإزاء ذلك اللفظ المقدر. قلت في الجواب عن ذلك: هذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ؛ لأن المعنى ظاهر، واللفظ الدال عليه مضمر، وإذا كان مضمرا فلا ينطق به، وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن، وحينئذ يبقى المعنى موجودا، واللفظ الدال عليه غير موجود، وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب؛ ألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك: أهلا وسهلا، علم أن الأهل والسهل منصوبان بعامل محذوف تقديره وجدت أهلا ولقيت سهلا، إلا أن لفظتي وجدت ولقيت

стр. 467

محذوفتان، والمعنى الذي دلّا عليه باق، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع حذفهما فهو إذا زائد لا محالة، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها وتشعّب مقاصدها، وهذا لا نزاع فيه؛ لبيانه ووضوحه. وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره، وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة، واللفظ واحد، والمعاني التي تحته متعددة. فأما الذي يدل على معنيين فالكنايات جميعها، كالذي ورد في الحديث عن النبي ﷺ وعن أصحابه ﵃ أنهم كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق، وهذا يدلّ على معنيين: أحدهما: إطعام الطعام: أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا، الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم. وأما الذي يدل على ثلاثة معان فكقول أبي الطيب المتنبي «١» : وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلّب فهذا يدلّ على ثلاثة معان: الأول: أنه يحسد من أنعم عليه، الثاني: ضد الأول، الثالث: أنه يحسد كل ربّ نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء نفسه يتقلب. وهذا وأمثاله من أدلّ الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق. وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار إليها أولا وما ينصرف إليه؛ فنقول: أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر، شبيه

стр. 468

بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصّمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر. والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدلّ على المحذوف؛ فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه، ولا سبب، ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام الى شيء غثّ لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن؛ وقد يظهر المحذوف بالإعراب كقولنا: وسهلا، فإن نصب الأهل والسهل يدلّ على ناصب محذوف، وليس لهذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى، كقولنا: فلان يحلّ ويعقد؛ فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى: أي أنه يحلّ الأمور ويعقدها، والذي يظهر بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرا، والذي لا يظهر بالإعراب يقع في الجمل من المحذوفات كثيرا. وسأذكر في كتابي هذا ما وصل إليّ علمه، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: حذف الجمل، والآخر: حذف المفردات، وقد يرد كلام في بعض المواضع ويكون مشتملا على القسمين معا. فأما القسم الأول، وهو الذي تحذف منه الجمل ؛ فإنه ينقسم ألى قسمين أيضا: أحدهما: حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما، وهذا أحسن المحذوفات جميعها، وأدّلها على الاختصار، ولا تكاد تجده إلا في كتاب الله تعالى؛ والقسم الآخر: حذف الجمل غير المفيدة، وقد وردا ههنا مختلطين، وجملتهما أربعة أضرب: الضرب الأول: حذف السؤال المقدر ، ويسمى الاستئناف، ويأتي على وجهين: الوجه الأول: إعادة الأسماء والصفات ، وهذا يجيء تارة باعادة اسم من تقدم

стр. 469

الحديث عنه، كقولك: أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة يجيء بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك؛ وهو أحسن من الأول وأبلغ؛ لانطوائه على بيان الموجب للإحسان وتخصيصه. فممّا ورد من ذلك قوله تعالى: الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون والاستئناف واقع في هذا الكلام على أولئك لأنه لما قال ألم ذلك الكتاب إلى قوله بالآخرة هم يوقنون اتجه لسائل أن يقول: ما بال المستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأنّ أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا. الوجه الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات، وذلك كقوله تعالى: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون. أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين. إني آمنت بربكم فاسمعون. قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين فمخرج هذا القول مخرج الاستئناف؛ لأن ذلك من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، وكأن قائلا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي لوجهه بروحه؟ فقيل: قيل ادخل الجنة؛ ولم يقل قيل له لانصباب الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما، وكذلك قوله تعالى يا ليت قومي يعلمون مرتّب على تقدير سؤال سائل عما وجد. ومن هذا النحو قوله : يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون. من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب والفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون. من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم وبين حذف الفاء ههنا في هذه الآية أن إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل،

стр. 470

وحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف؛ للتفنن في البلاغة، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف؛ وهو قسم من أقسام علم البيان تتكاثر محاسنه، فاعرفه إن شاء الله تعالى. الضرب الثاني: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب: فأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى: وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين. ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى له وعليه ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب الذي هو الوحي، على عادة اختصارات القرآن؛ لأن تقدير الكلام: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول على آخرهم- وهو القرن الذي أنت فيهم- العمر: أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك، وعرفناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى؛ فالمحذوف إذا جملة مفيدة، وهي جملة مطولة دل السبب فيها على المسبب. وكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون فإن في هذا الكلام محذوفا لولاه لما فهم، لأنه قال: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك وهذا لا بد له من محذوف حتى يستقيم نظم الكلام، وتقديره: ولكن عرفناك ذلك وأوحيناه إليك رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك؛ فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله ألى الناس، ودل بها على المسبب الذي هو الإرسال. وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب فنحو قوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا

стр. 471

فقوله ولنجعله آية للناس تعليل معلّله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذي هو الفعل. ومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام ﵁ والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة التي يسقي منها النخل، فلما حضرا بين يدي رسول الله ﷺ قال للزبير: «اسق ثمّ أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله؛ أن كان ابن عمتك، فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ، وقال: «اسق يا زبير ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر» وفي هذا الكلام محذوف تقديره: أن كان ابن عمتك حكمت له، أو قضيت له، أو ماجرى هذا المجرى، فذكر السبب الذي هو كونه ابن عمته، ودل به على المسبب الذي هو الحكم أو القضاء؛ لدلالة الكلام عليه. وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب فكقوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أي: إذا أردت قراءة القرآن، فاكتفى بالمسبب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة، والدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة، والذي دلّت عليه أنها بعد القراءة، كقول القائل: إذا ضربت زيدا فاجلس؛ فإن الجلوس إنما يكون بعد الضرب، لا قبله، وهذا أولى من تأول من ذهب إلى أنه أراد فإذا تعوذت فاقرأ، فإن ذلك قلبا لا ضرورة تدعو إليه، وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة عليه القراءة. وعلى هذا ورد قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم والوضوء إنما يكون قبل الصلاة، لا عند القيام إليها؛ لأن القيام إليها هو مباشرة لأفعالها من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك، وهذا إنما يكون بعد الوضوء، وتأويل الآية إذا أردت القيام الى الصلاة فاغسل، فاكتفى بالمسبب عن السبب. وكذلك ورد قول النبي ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فليتوضّأ» أي: إذا أراد القيام إلى الصلاة، وإنما يعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة، وهو مع القصد إليه موجود، فكان منه بسبب وملابسة ظاهرة.

стр. 472

ومن ذلك قوله تعالى: فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا أي: فضرب فانفجرت منه، فاكتفى بالمسبب الذي هو الانفجار عن السبب الذي هو الضرب. الضرب الثالث: وهو الإضمار على شريطة التفسير، وهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به في آخره؛ فيكون الآخر دليلا على الأول. وهو ينقسم ألى ثلاثة أوجه: الأول: أن يأتي على طريق الاستفهام، فتذكر الجملة الأولى دون الثانية ، كقوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه، ويدل على المحذوف قوله: فويل للقاسية قلوبهم. الوجه الثاني: يرد على حدّ النفى والإثبات، كقوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعده وقاتل، ويدل على المحذوف قوله: أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. الوجه الثالث: أن يرد على غير هذين الوجهين؛ فلا يكون استفهاما، ولا نفيا وإثباتا، وذلك كقول أبي تمام «١» : يتجنّب الآثام ثمّ يخافها ... فكأنّما حسناته آثام وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته؛ فمنها ما يجيء فيه: يتجنّب الأيّام خيفة غيّها ... فكأنّما حسناته آثام

стр. 473

وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، وكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق عجز البيت على صدره، وإذا تجنب الآثام وخافها فكيف تكون حسناته آثاما؟ فأفكرت فيه وأنعمت نظري فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة وفي صدر البيت إضمار فسّر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء. ومن الإضمار على شريطة التفسير قول أبي نواس: سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن فحذف لفظ الاستكانة من الأول، وذكره في الثاني: أي سنة العشاق واحدة، وهي الاستكانة، فإذا أحببت فاستكن، ومن الناس من يقول: «فإذا أحببت فاستنن» وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي فبأي شيء يستنّ المستنّ منها؛ لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان ثم بينها في عجزه. الضرب الرابع: ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف. فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة، فكقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. وقال الملك ائتوني به قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك ائتوني به، والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف؛ دلالة الحاشيتين عليه. وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا. قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون. قالوا يا أبانا

стр. 474

استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين قد حذف أيضا من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: ثم إنهم تجهّزوا وساروا الى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه. وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة القصص: وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها في هذا محذوف، وهو جواب الاستفهام؛ لأنها لما قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم احتاج الى جواب لينتظم بما بعده من ردّه ألى أمه، والجواب: فقالوا نعم، فدلّتهم على امرأة، فجيء بها وهي أمه ولم يعلموا بمكانها، فأرضعته، وهذه الجملة الثاينة- أعني قوله تعالى: فرددناه إلى أمه - تدلّ على المحذوف؛ لأنّ ردّه إلى أمه لم يكن إلا بعد ردّ الجواب على أخته، ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه، ويكفي هذا الموضع وحده لمن يتبصر في مواقع المحذوفات وكيفيتها. ومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ وقصة الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم وفي هذا محذوف، تقديره: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت يا أيها الملأ. ومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما تقدم، ألا ترى أنّ الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة من غير تقدير للمحذوفات التي حذفت منها، ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ببديهة النظر، والذي أذكره الآن ليس كذلك، بل إذا تأمله المتأمل وجده غير متصل المعنى، وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه. فمما جاء منه قوله تعالى: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من

стр. 475

فواق، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ذكر داود ﵇ ردفا لقوله تعالى: اصبر على ما يقولون وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه، وتقديره يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال: اصبر على ما يقولون وخوّفهم أمر معصية الله وعظّمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيّا من الأنبياء وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا، فما الظن بكم أنتم مع كفركم؟ الوجه الآخر: أنه قال: اصبر على ما يقولون واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء مما كلّفته من مصابرتهم واحتمال أذاهم، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زلّ تلك الزلّة فلقي من توبيخ الله ما لقي؛ فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات، وبه يتنبه على مواضع أخرى غامضة. وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة فنحو قوله تعالى: يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا هذا الكلام قد حذف منه جملة دلّ عليها صدره، وهو البشرى بالغلام، وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوّة، فالجملة المحذوفة ليس من الجمل المفيدة. على هذا النهج ورد قوله تعالى: ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري

стр. 476

يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي وقد حذف من هذا الكلام جملة، إلا أنها غير مفيدة، وتقديرها: فلما رجع موسى ورآهم على تلك الحال من عبادة العجل قال لأخيه هرون: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألّا تتبعني. وكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ من سورة النمل: قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون وفي هذا محذوف، وتقديره: فلما جاء به قال نكروا لها عرشها؛ لأن تنكيره لم يكن إلا بعد أن جيء به إليه، وقد أغنى عن المحذوف صدر الكلام وآخره، وكان ذلك دليلا عليه. ومما ورد على ذلك شعرا قول أبي الطيب المتنبي «١» : لا أبغض العيس لكنّي وقيت بها ... قلبي من الهمّ أو جسمي من السّقم وهذا البيت فيه محذوف، تقديره: لا أبغض العيس لإنضائي إيّاها في الأسفار، ولكني وقيت بها كذا وكذا؛ فالثاني دليل على حذف الأول. وهذا موضع يحتاج في استخراجه واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر. وممّا يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد أفعل؛ كقولنا: «الله أكبر» فإنّ هذا يحتاج إلى تمام: أي أكبر من كل كبير، أو أكبر من كل شيء يتوهم كبيرا، أو ما جرى هذا المجرى، ومثله يرد قولهم: زيد أحسن وجها، وأكرم خلقا، تقديره أحسن وجها من غيره، وأكرم خلقا من غيره، أو ما يسدّ هذا المسد من الكلام.

стр. 477

وعليه ورد قول البحتري «١» : الله أعطاك المحبّة في الورى ... وحباك بالفضل الّذي لا ينكر ولأنت أملأ في العيون لديهم ... وأجلّ قدرا في الصّدور وأكبر أي: أنت أملأ في العيون من غيرك. أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات فإنه يتصرف على أربعة عشر ضربا: الأول: حذف الفاعل ، والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل، كقول العرب: أرسلت، وهم يريدون جاء المطر؛ ولا يذكرون السماء، ومنه قول حاتم: أماويّ؛ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر يريد النفس، ولم يجر لها ذكر وعلى هذا ورد قوله تعالى: كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق والضمير في بلغت للنفس، ولم يجر لها ذكر. وقد نص عثمان بن جني رحمه الله تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه الآية وهذا البيت الشعري وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف «٢» ما ذهب إليه، إلّا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق، بل يجوز فيما

стр. 478

هذا سبيله؛ وذاك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه، ألا ترى أن التي تبلغ التراقي إنما هي النفس، وذلك عند الموت، فعلم حينئذ أن النفس هي المرادة، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها، وكذلك قول حاتم «حشرجت» فإن الحشرجة إنما تكون عند الموت. وأما قول العرب «أرسلت» وهم يريدون أرسلت السماء فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر، فالفرق بينها وبين «حشرجت» وبين (بلغت التراقي) ظاهر، وذاك أنّ «حشرجت» و (بلغت التراقي) يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت التراقي، وأما «أرسلت» فلولا شاهد الحال وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستسقاء: إنا خرجنا نسأل الله فلم نزل حتى أرسلت؛ لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه. الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه؛ اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين: أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: أهلك واللّيل، فنصب «أهلك والليل» يدل على محذوف ناصب، تقديره: الحق أهلك وبادر اللّيل، وهذا مثل يضرب في التحذير؛ وعليه ورد قوله تعالى: فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج فقال له رسول الله ﷺ : ما تزوجت؟

стр. 479

قال: ثيبا؛ فقال له: «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك» يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الكافية التي يمتدح بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها: فدى لك من يقصّر عن مداكا «١» وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي: إذا التّوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصّمت لا صاحبت فاكا ولولا أنّ أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلّك ما شفاكا فأكتم؟ منك نجوانا وأخفي ... هموما قد أطلت لها العراكا إذا عاصيتها كانت شدادا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا وكم دون الثّويّة من حزين ... يقول له قدومي: ذا بذاكا ومن عذب الرّضاب إذا أنخنا ... يقبّل رحل تروك والوراكا «٢» يحرّم أن يمسّ الطّيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا «٣» يحدّث مقلتيه النّوم عنّي ... فليت النّوم حدّث عن نداكا وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهّمه ابتشاكا «٤»

стр. 480

ولا إلّا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيّمه هواكا فقوله «ولا مناكا» فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله «ولا إلا بأن يصغي وأحكي» فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي. أما القسم الآخر؛ فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام. فمما جاء منه قوله تعالى عرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة فقوله د جئتمونا يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم. وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع؛ كقوله تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فقوله: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر. وكذلك ورد قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما فقوله: وإن جاهداك لا بد له من إضمار القول: أي وقلنا إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، كقوله تعالى: فأجمعوا أمركم وشركاءكم وهو لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى أجمعوا من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه، وقد قرأ أبي ﵁ فاجمعوا أمركم وشركاءكم وهذا دليل على ما أشرت اليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود ﵁. ومن حذف الفعل باب يسمى باب إقامة المصدر مقام الفعل؛ وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب قوله: فضرب الرقاب أصله فاضربوا الرقاب ضربا؛ فحذف الفعل

стр. 481

وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع إعطاء معنى التوكيد المصدري. وأما حذف جواب الفعل فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: فذرهم يخوضوا ويلعبوا* فجزم يخوضوا ويلعبوا لأنهما جواب أمر فذرهم وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا ذرهم أي اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه، وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: قلت له اذهب فذهب، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا. فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم. ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون. قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون. قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون. فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله: فلما ذهبوا به كما حذف أيضا في قوله : وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان الآية، فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، فقال له: يوسف أيها الصديق؛ وكذلك قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم. قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه الآية؛ ففي هذا الكلام حذف واختصار استغنى عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهنّ: ما خطبكنّ.

стр. 482

وهكذا ورد قوله تعالى: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه، وفي سورة يوسف ﵇ محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها. فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام؛ لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه، وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام. الضرب الثالث: حذف المفعول به، وذلك مما نحن بصدده أخص؛ فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، كقولنا: فلان يحلّ ويعقد، ويبرم وينقض ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق. وعلى هذا جاء قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. ومن بديع ذلك قوله : ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن؛ إذ المعنى وجد أمة من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا لا نسقي مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض «١» أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن الامرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى ﵇ بعد ذلك سقي؛ فأما كون المسقي غنما أو إبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض. وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث من أبيات الحماسة «٢» :

стр. 483

دعاني يزيد بعد ما ساء ظنّه ... وعبس وقد كانا على جدّ منكب وقد علما أنّ العشيرة كلّها ... سوى محضري من حاضرين وغيّب فالمفعول الثاني من «علما» محذوف؛ لأن قوله: «أن العشيرة» في موضع مفعول علما الأول، وتقدير الكلام: قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى. ومن هذا الضرب أيضا حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة، كقوله تعالى: لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم فمفعول شاء ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري «١» : لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد الأصل في ذلك: لو شئت ألّا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها؛ فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني. وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألّا تنطق بالمحذوف ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث. ومجيء المشيئة بعد «لو» وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدّاة إلى شيء كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء.

стр. 484

على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر» : ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع فلو كان على حد قوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى لوجب أن يقول: ولو شئت لبكيت دما، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنه أليق في هذا الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما؛ فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. الضرب الرابع: وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر، وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش ﵀ لا يرى القياس عليه. فأما حذف المضاف فكقوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج، وهو سدّهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: وسئل القرية أي: أهل القرية. ومن ذلك أيضا قوله : ولكن البر من اتقى أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره ولكن ذا البر من اتقى، والأولى أولى؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور. وقد حذف المضاف مكررا في قوله تعالى: فقبضت قبضة من أثر الرسول أي: من أثر حافر فرس الرسول؛ وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره. ومما جاء منه شعرا قول بعضهم من شعراء الحماسة «٢» :

стр. 485

إذا لا قيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا «١» هل اعفو عن أصول الحقّ فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصّدورا أراد أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام: أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أما حذف المضاف إليه فإنه قليل الاستعمال؛ لله الأمر من قبل ومن بعد أي: من قبل ذلك ومن بعده. وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف إليه، وليس كذلك؛ فإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: ظهرها يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها. وكذلك ورد قول جرير «٢» : إذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها لم تدر من أين تسرح «٣» وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض «٤» بالضمير عن الضمير. الضرب الخامس: وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر، ولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده. فمما جاء منه في الشعر قول البحتري من أبيات في صفة إيوان كسرى «٥» ؛ فقال في

стр. 486

ذكر التصاوير التي في الإيوان، وذلك أن الّفرس كانت تحارب الروم فصوّروا صورة مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها؛ فمما ذكره في ذلك قوله: وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كيّة ارتعت بين روم وفرس والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس «١» في اخضرار من الّلباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس فقوله «على أصفر» أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما قال «على أصفر» علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر. والصفة تأتي في الكلام على ضربين: إما للتأكيد والتخصيص، وإما للمدح والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل، لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك، وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق. ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة، نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن؛ لم يجز. وقد ورد حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة فإنه لم يرد أن الناقة كانت

стр. 487

مبصرة، ولم تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة فوجدت أكثر وقوعه في النداء وفي المصدر؛ أما النداء فكقولهم: يا أيّها الظّريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف، وعليه ورد قوله تعالى: يا أيها الساحر تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا* تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا، وأما المصدر فكقوله تعالى: ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا. وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك أي: قوم دون ذلك. وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها، فإنه أقلّ وجودا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرا؛ لمكان استبهامه. فمن ذلك ما حكاه سيبويه ﵀ من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دلّ من الحال عليه، وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التطريح والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: «كان والله رجلا» أي رجلا فاضلا، أو شجاعا، أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: «سألناه فوجدناه إنسانا» أي إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز. وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها: أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها فقوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا

стр. 488

فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدلّ على المحذوف قوله: فأردت أن أعيبها فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا لأنه تقدمها ما يدلّ عليها. وأما التي تأخر عنها ما يدلّ عليها فقول بعض شعراء الحماسة «١» : كلّ امريء ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم «٢» فإنه أراد كل امريء متزوّج؛ إذ دلّ عليه ما بعده من قوله: «ستئيم منه أو منها يئيم» إذ لا تئيم هي إلا من زوج ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد الموصوف ما دلّ عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت؛ إذ ليس كل امريء يئيم من عرس إلا إذا كان متزوّجا. وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام فقول النبيّ ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» فإنه قد علم علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث؛ فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه. الضرب السادس: وهو حذف الشرط وجوابه. فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون فالفاء في قوله تعالى: فاعبدون جواب شرط محذوف، لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا لى العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها،

стр. 489

ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. ومن هذا الضرب قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية أي: فحلق فعليه فدية. وكذلك قولهم: الناس مجزيّون بأعمالهم: إن خيرا فخيرا، وإن شرّا فشرا: أي إن فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرّا جزي شرا. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر تقدير ذلك: فأفطر فعدة من أيام أخر؛ ولهذا ذهب داود الظاهري إلى الأخذ بظاهر الآية، ولم ينظر إلى حذف الشرط؛ فأوجب القضاء على المريض والمسافر، سواء أفطر أم لم يفطر. ومن حذف الشرط قوله تعالى: يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون اعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر: «فقد جئنا خراسانا» «١» وحقيقتها أنها في جواب شرط محذوف يدلّ عليه الكلام، كأنه قال: إن صحّ ما قلتم إن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص، وكذلك هذه الآية، يقول: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث: أي قد تبين بطلان قولكم. أما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فإن جواب الشرط ههنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند

стр. 490

الله وكفرتم به ألستم ظالمين، ويدل على المحذوف قوله تعالى: إن الله لا يهدي القوم الظالمين. الضرب السابع: وهو حذف القسم وجوابه: فأما حذف القسم فنحو قولك «لأفعلنّ» أي والله لأفعلن، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها. وأما حذف جوابه فكقوله تعالى: والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر والليل إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: ليعذّبنّ، أو نحوه، ويدل على ذلك ما بعده من قوله: ألم تر كيف فعل ربك بعاد ؛ إلى قوله: سوط عذاب. ومما ينتظم في هذا السلك قوله تعالى: ق. والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب فإن معناه ق والقرآن المجيذ لتبعثنّ، والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله: أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد. وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا؛ كقوله تعالى في سورة النازعات: والنازعات غرقا. والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا. يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: لتبعثنّ أو لتحشرنّ، ويدل على ذلك ما أتى من بعده من ذكر القيامة في قوله: يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة وكذلك إلى آخر السورة. الضرب الثامن: وهو حذف «لو» وجوابها، وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها. فأما حذف «لو» فكقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله

стр. 491

لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض تقديره ذلك إذا لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق. وكذلك ورد قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون تقديره: إذا لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون، وهذا من أحسن المحذوفات. ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم في صدر الحماسة «١» : لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو الّلقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا فلو في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: «لم تستبح إبلي» ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، وإذا لو كانوا قومي لقام بنصري معشر حسن. وأما حذف جواب «لو» فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك، أو ما جرى هذا المجرى. ومما ورد منه في القرآن الكريم قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ؛ فإن جواب «لو» ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك مما جرى مجراه. ومما جاء على نحو من هذا قوله : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون تقديره لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون ناصرا ينصرهم؛ لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عليهم.

стр. 492

ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فجواب لو في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن. وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها؛ لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يتسارع الفهم [فيه] إلى أن الكلام يحتاج الى جواب. ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية «١» . لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السّمر والقضب «٢» فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك. واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دلّ عليه مكان المحذوف، ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف. الضرب التاسع: وهو حذف جواب «لولا»

стр. 493

فمن ذلك قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فجواب «لولا» ههنا محذوف، تقديره: لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق التلاعن وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه. وكذلك ورد قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله روف رحيم تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجّل لكم العذاب، أو فعل بكم كذا وكذا. الضرب العاشر: وهو حذف جواب «لمّا» وجواب «أمّا» . فأما حذف جواب «لما» فكقوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين فإن جواب «لما» ههنا محذوف، وتقديره: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف دنيا وآخرة، وقوله «إنا كذلك نجزي المحسنين» تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرح والسرور بعد تلك الشدة العظيمة. وأما حذف جواب «أما» فنحو قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب «إذا» . فمما جاء منه قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون. وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ألا ترى كيف حذف الجواب عن «إذا» في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: إلا كانوا

стр. 494

عنها معرضين كأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر. أما حذف المبتدأ فلا يكون إلا مفردا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما يأتي جملة؛ كقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر «١» . ومما ورد منه شعرا قول أبي عبادة البحتري «٢» : كلّ عذر من كلّ ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار وهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره كل عذر من كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى. الضرب الثالث عشر: وهو حذف «لا» من الكلام، وهي مرادة. وذلك كقوله تعالى: قالوا تالله تفتوا تذكر يوسف يريد به لا تفتؤ: فحذفت «لا» من الكلام وهي مرادة. وعلى هذا جاء قول امريء القيس «٣» :

стр. 495

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت «لا» في هذا الموضع وهي مرادة. ومما جاء منه قول أبي مججن الثقفي لما نهاه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية «١» : رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرّجل الحليما فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما يريد «لا أشربها» ؛ فحذف «لا» من الكلام وهي مفهومه منه. الضرب الرابع عشر: وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها. وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به كان ذلك بلاغة وإيجازا، كقول أنس بن مالك ﵁: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون يصلّون ولا يتوضّئون، أو قال: ثم يصلون لا يتوضّئون، فقوله «لا يتوضئون» - بحذف الواو- أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله «ولا يتوضئون» بإثباتها؛ كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف والمعطوف عليه جملة واحدة. وقد جاء مثل ذلك في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر تقدير هذا الكلام: لا يألونكم وودّوا ما عنتم
следующие страницы →