← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض تقديره ذلك إذا لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق. وكذلك ورد قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون تقديره: إذا لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون، وهذا من أحسن المحذوفات. ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم في صدر الحماسة «١» : لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو الّلقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا فلو في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: «لم تستبح إبلي» ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، وإذا لو كانوا قومي لقام بنصري معشر حسن. وأما حذف جواب «لو» فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك، أو ما جرى هذا المجرى. ومما ورد منه في القرآن الكريم قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ؛ فإن جواب «لو» ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك مما جرى مجراه. ومما جاء على نحو من هذا قوله : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون تقديره لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون ناصرا ينصرهم؛ لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عليهم.

стр. 492

ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فجواب لو في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن. وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها؛ لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يتسارع الفهم [فيه] إلى أن الكلام يحتاج الى جواب. ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية «١» . لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السّمر والقضب «٢» فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك. واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دلّ عليه مكان المحذوف، ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف. الضرب التاسع: وهو حذف جواب «لولا»

стр. 493

فمن ذلك قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فجواب «لولا» ههنا محذوف، تقديره: لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق التلاعن وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه. وكذلك ورد قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله روف رحيم تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجّل لكم العذاب، أو فعل بكم كذا وكذا. الضرب العاشر: وهو حذف جواب «لمّا» وجواب «أمّا» . فأما حذف جواب «لما» فكقوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين فإن جواب «لما» ههنا محذوف، وتقديره: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف دنيا وآخرة، وقوله «إنا كذلك نجزي المحسنين» تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرح والسرور بعد تلك الشدة العظيمة. وأما حذف جواب «أما» فنحو قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب «إذا» . فمما جاء منه قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون. وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ألا ترى كيف حذف الجواب عن «إذا» في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: إلا كانوا

стр. 494

عنها معرضين كأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر. أما حذف المبتدأ فلا يكون إلا مفردا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما يأتي جملة؛ كقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر «١» . ومما ورد منه شعرا قول أبي عبادة البحتري «٢» : كلّ عذر من كلّ ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار وهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره كل عذر من كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى. الضرب الثالث عشر: وهو حذف «لا» من الكلام، وهي مرادة. وذلك كقوله تعالى: قالوا تالله تفتوا تذكر يوسف يريد به لا تفتؤ: فحذفت «لا» من الكلام وهي مرادة. وعلى هذا جاء قول امريء القيس «٣» :

стр. 495

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت «لا» في هذا الموضع وهي مرادة. ومما جاء منه قول أبي مججن الثقفي لما نهاه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية «١» : رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرّجل الحليما فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما يريد «لا أشربها» ؛ فحذف «لا» من الكلام وهي مفهومه منه. الضرب الرابع عشر: وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها. وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به كان ذلك بلاغة وإيجازا، كقول أنس بن مالك ﵁: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون يصلّون ولا يتوضّئون، أو قال: ثم يصلون لا يتوضّئون، فقوله «لا يتوضئون» - بحذف الواو- أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله «ولا يتوضئون» بإثباتها؛ كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف والمعطوف عليه جملة واحدة. وقد جاء مثل ذلك في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر تقدير هذا الكلام: لا يألونكم وودّوا ما عنتم

стр. 496

وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز، وأحسن طلاوة، وأبلغ تأليفا ونظما، وأمثاله في القرآن الكريم كثير. واعلم أنه قد حذفت الواو وأثبتت في مواضع؛ فأما إثباتها فنحو قوله تعالى: وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ، وأما حذفها فنحو قوله تعالى: وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين. ولنبين لك في ذلك رسما تتّبعه، فنقول: اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد «إلّا» يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، كقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير واو؛ فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن يحتاج ألى شيئين، فلا يعترض فيه بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد، وكذلك جواب ظننت وكان وإنّ وأشباهها، فخطأ أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ونحو ذلك، ويجوز هذا في «ليس» خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة «١» ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها إثبات الواو، ولم يجوز في أظن؛ لأنك لا تقول: ما أظن أحدا، فأما أصبح وأمسى ورأى فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال «٢» ، وكان وأظن ونحوهما بنين على النقص، إلا إذا كانت تامة، وكذلك «لا» في التنزيه وغيرها، نحو: لا رجل، وما من رجل؛ فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها.

стр. 497

واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول بعضهم «١» : كأنّ إبريقهم ظبي على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم «٢» فقوله «بسبا الكتان» يريد بسبائب الكتان «٣» ، وكذلك قول الآخر: يذرين جندل حائر لجنوبها ... فكأنّما تذكي سنابكها الحبا «٤» فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله.

стр. 498

وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء، وذلك ضربان: أحدهما: مأساوي لفظه معناه، ويسمى التقدير، والآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى الإيجاز بالقصر. فأما الإيجاز بالتقدير فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي عدتها. أما الإيجاز بالقصر فإنه ينقسم قسمين: أحدهما: ما دل لفظه على محتملات متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، والآخر: ما يدل لفظه على محتملات متعددة، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، لا، بل يستحيل ذلك. ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو الإيجاز بالتقدير، فمما جاء منه قوله تعالى: قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه. من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره. كلا لما يقض ما أمره فقوله قتل الإنسان دعاء عليه، وقوله ما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه، ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسّا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للّائمة على قصر متنه، ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال من أي شيء خلقه ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله من نطفة خلقه فقدره أي: هيأه لما يصلح له ثم السبيل يسره أي: سهّل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر ثم أماته فأقبره أي: جعله ذا قبر يوارى فيه ثم إذا شاء أنشره أي: أحياه كلا ردع للإنسان عما هو عليه لما يقض ما أمره أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمره الله به، يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط، ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك، لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، والإيجاز: هو ألّا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه.

стр. 499

والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف فقوله فله ما سلف من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله فله ما سلف أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له، وكذلك ورد قوله تعالى من كفر فعليه كفره* فعليه كفره كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره فقد أحاطت به كل خطيئة. وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم؛ وروي أن النبيّ ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: يا ابن أخي، أعد، فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه، فقال له: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. ومن هذا النحو قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلّت على تخويف وإرهاب ترقّ القلوب، وتقشعرّ منه الجلود، وهي مشتملة مع قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه، وما مررت عليها ألا جدّت لي موعظة وأحدثت عندي إيقاظا. ومن هذا الضرب ما ورد عن النبيّ ﷺ في دعائه لأبي سلمة عند موته فقال: «اللهمّ ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا وله يا ربّ العالمين» وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها؛ فأوله مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال، وهو رفع درجته في

стр. 500

الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له، وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له، وكلام النبيّ ﷺ هكذا كما قال: «أوتيت جوامع الكلم» . وكذلك ورد قوله ﷺ يوم بدر؛ فإنه قال: «هذا يوم له ما بعده» وهو شبيه بقوله تعالى: فله ما سلف. ولما جرح عمر بن الخطاب ﵁ الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس، فجاءه شابّ من الأنصار، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة. وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه؛ ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه. ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون عند لقائه عيسى بن ماهان وهزمه إياه وقتله؛ فكتب إليه: كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يديّ، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام. وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطوّل، وما يكتب في هذا المقام مثله. ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن الحجاج سأله فقال: كيف تركت المهلب؟ فقال: أدرك ما أمّل، وأمن ممّا خاف؛ فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف، قال: كيف جنده له؟ قال: أولاد بررة؛ قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله؛ قال: كيف تصنعون إذا لقيتم العدوّ؟ قال: نلقاهم بجدنا، ويلقوننا بجدهم، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد؛ قال: فأخبرني عن بني المهلب؛ قال: هم أحلاس القتال بالليل، حماة

стр. 501

السرج بالنهار، قال: أيهم أفضل؟ قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها؛ فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع. وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة يسيرة. فمن ذلك قول النبي ﷺ : «الحلال بيّن، والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات» وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه يشتمل على جلّ الأحكام الشرعية؛ فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء، وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات؛ فكل منهم يذهب فيه مذهبا. وكذلك جاء قوله ﷺ : «الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امريء مانوى» فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية. ومن ذلك قوله ﷺ : «المضعف أمير الرّكب» وقد ورد آخر هذا الحديث بلفظ آخر، فقال ﷺ : «سيروا بسير أضعفكم» إلا أن الأول أحسن؛ لأنه أبلغ معنى فإن الأمير واجب الحكم فهو يتّبع، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد في قوله: «سيروا بسير أضعفكم» . وأحسن من هذا كله ما ورد عنه ﷺ في حديث مطوّل يتضمن سؤال جبريل ﵇ فقال من جملته: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» فقوله: «تعبد الله كأنك تراه» من جوامع الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل وما ينتهي إليه الطّوق. ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء إلى النبي ﷺ فقال له: إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت؛ فقال له النبيّ ﷺ : «إنّ قريشا قد نهكتهم

стр. 502

الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدّة ويدعوا بيني وبين النّاس فإن أظهر عليهم وأحبّوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس وإلّا كانوا قد جموا، وإن أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي هذه ولينفذنّ الله أمره» وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصف. وأما ما ورد من ذلك شعرا فقول النابغة «١» : وإنّك كالّليل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه. وكذلك قوله «٢» : ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب وعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه إياه «٣» : وإنّي على ما كان منّي لنادم ... وإنّي إلى أوس بن لام لتائب وإنّي إلى أوس ليقبل عذرتي ... ويصفح عنّي ما حييت لراغب فهب لي حياتي فالحياة لقائم ... بشكرك فيها خير ما أنت واهب سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب وهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى المشهورة.

стр. 503

وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق «١» : صبحناهم الشّعث الجياد كأنّها ... قطا هيّجته يوم ريح أجادله» إلى كلّ حيّ قد خطبنا بناتهم ... بأرعن جرّار كثير صواهله «٣» إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا ... من القوم أبكارا كراما عقائله وإنّا لمنّاعون تحت لوائنا ... حمانا إذا ما عاد بالسّيف حامله وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب. ومما يجري هذا المجرى قول جرير «٤» : تمنّى رجال من تميم منيّتي ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي «٥» فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهّال أعدائهم جهلي «٦»

стр. 504

وكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله «١» : سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلّ مرام ذمّ المنازل بعد منزلة الّلوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام ولقد أراك وأنت جامعة الهوى ... أثني بعهدك خير دار مقام طرقتك صائدة القلوب فليس ذا ... حين الزّيارة فارجعي بسلام تجري السّواك على أغرّ كأنّه ... برد تحدّر من متون غمام لو كان عهدك كالّذي حدّثتنا ... لوصلت ذاك فكان خير ذمام ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام «٢» لولا مراقبة العيون أريتنا ... حدق المها وسوالف الآرام «٣» وإذا صرفن عيونهنّ بنظرة ... نفذت نوافذها بغير سهام «٤» هل تنفعنّك إن قتلن مرقّشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقرّ بإعوازه.

стр. 505

ومن باب الإيجاز الذي يسمى التقدير قول علي بن جبلة: وما لامريء حاولته عنك مهرب ... ولو حملته في السّماء المطالع بلى هارب ما يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصّبح ساطع فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه؛ فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه. ومن هذا الضرب قول أبي نواس «١» ، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جرّ الزّقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنيّ ويابس حبست بها صحبي فجدّدت عهدهم ... وإنّي على أمثال تلك لحابس تدار علينا الرّاح في عسجديّة ... حبتها بأنواع التّصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها بالقسيّ الفوارس «٢» فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس ومما انتهى إليّ من أخبار ابن المزرع قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلاق فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك!! ما تفارق عمل

стр. 506

الجرار والخزف، ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف، وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق. وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام «١» : إنّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النّظام إذا أصاب فريدا «٢» هي جوهر نثر فإن ألّفته ... بالشّعر صار قلائدا وعقودا في كلّ معترك وكلّ مقامة ... يأخذن منه ذمّة وعهودا فإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترض منها مشهدا مشهودا من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سوددا محدودا وتندّ عندهم العلا إلّا علا ... جعلت لها مرر القريض قيودا وأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد تقدم القول أنه قسمان: أحدهما: ما يدلّ على محتملات متعددة. فمن ذلك قوله تعالى: لقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى. فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى فقوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم من جوامع الكلم التي يستدلّ على قلتها بالمعاني الكثيرة: أي غشيهم من الأمور الهائلة والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه ألا الله، ولا يحيط به غيره. ومن هذا الضرب قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغضّ

стр. 507

الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وغيرهما. وقال بعض الأعراب في دعائه: اللهم هب لي حقّك، وأرض عني خلقك؛ فقال النبيّ ﷺ : «هذا هو البلاغة» . ومن ذلك قوله عزل وجلّ: أولئك لهم الأمن ؛ فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره. وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة؛ فهو يكثر في بعض الصور، ويقلّ في بعض، قال النبيّ ﷺ : «من شاء يرتع في الرّياض الأنائق فعليه بآل حم» . ومن ذلك قول النبيّ ﷺ : «الخراج بالضّمان» ؛ وذاك أن رجلا اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبيّ ﷺ ، فردّه عليه؛ فقال: يا رسول الله، إنه استغلّ غلامي، فقال: «الخراج بالضمان» ومعنى قوله: «الخراج بالضمان» أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغلّه ثم وجد به عيبا دلّسه عليه البائع فله أن يردّه ويسترجع الثمن جميعه، ولو مات العبد أو أبق أو سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له: أي له ما تحصّل من أجرة عمله. وأما ما ورد شعرا، فقول السّموءل بن عاديا الغسّاني من جملة أبياته اللامية المشهورة، وذلك قوله منها «١» : وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها: من سماحة، وشجاعة، وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك؛ فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ لأنها تجد بحملها ضيما: أي مشقة وعناء.

стр. 508

وقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرا قديما ولا حديثا أتى بمثله، وقد أخذه أبو تمام فأحسن في أخذه، وهو: وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: «فعجبت من مظلومة لم تظلم» وهذا أحسن من الأول، ومعنى قوله: «ظلمت نفسك طالبا إنصافها» أي: أنك أكرهتها على مشاقّ الأمور وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا ومجدا مؤثّلا، فأنت منصف لها في صورة ظالم، وكذلك قوله: «فعجبت من مظلومة لم تظلم» أي أنك ظلمتها وما ظلمتها لأن ظلمك إياها أدّى إلى ما هو جميل حسن. وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب. القسم الآخر من الضّرب الثاني؛ في الإيجاز بالقصر وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا نادرا. فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ولكم في القصاص حياة فإنه قوله تعالى: القصاص حياة لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل؛ فأوجب ذلك حياة للناس، ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل؛ فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه: الأول: أن (القصاص حياة) لفظتان، و «القتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ؛ الوجه الثاني: أن في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية؛ الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل؛ إلا إذا كان على حكم القصاص. وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال «١» :

стр. 509

وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إنّ الدّم المعترّ يحرسه الدّم «١» فقوله «إن الدم المعتر يحرسه الدم» أحسن مما ورد عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» . ويروى عن معن بن زائدة أنه سأله أبو جعفر المنصور فقال له: أيما أحبّ إليك دولتنا أو دولة بني أمية؟ فقال: ذاك إليك، فقوله «ذاك إليك» من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معنى قوله «ذاك إليك» وهو لفظتان أنه زاد إحسانك على إحسان بني أمية فأنتم أحب ألي، وهذه عشرة ألفاظ. فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها وفي المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك؟ فإنه إذا قيل راح ثم قيل مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة. قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى أن لفظة «القصاص» لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها بالقتل في قول العرب «القتل أنفى للقتل» ظهر الفرق بين ذلك وبين الآية في قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك وإلا فليس داخلا في هذا القسم المشار إليه.

стр. 510

النوع السادس عشر في الإطناب هذا النوع من الكلام أنعمت نظري فيه، وفي التكرير، وفي التطويل؛ فملكتني حيرة الشّبه بينها طويلا، وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب ﵁ في الكلالة حيث قال: قد أعياني أمر الكلالة، وكنت سألت رسول الله ﷺ عنها كثيرا حتى ضرب في صدري، وقال: «ألا يكفيك آية الصّيف «١» » . وبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو الإطناب وجدت ضربا «٢» من ضروب التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدا للمبالغة، ألا ترى أنه ضرب مفرد من بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره؛ لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم والتأخير؛ كتقديم المفعول، وبالاعتراض «٣» ؛ كالاعتراض بين القسم وجوابه وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك، وسيأتي الكلام عليه في بابه. وهذا الضرب الذي هو الإطناب ليس كذلك. ورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد الإيجاز، وهو عنده قسم غيره، فأخطأ من حيث لا يدري؛ كأبي هلال العسكري، والغانمي، حتى إنه قال: إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ على عوامّ الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها؛ وهذا القول فاسد؛ لأنه إن عنى بذلك أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى فيها شرح تلك الحادثة من فتح أو غيره فذلك مسلّم، وإن عني بذلك أنها تكون مكرّرة المعاني مطولة الألفاظ قصدا لإفهام العامة فهذا غير مسلّم، وهو مما لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة بعلم الفصاحة

стр. 511

والبلاغة، ويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى؛ فإنه لم يجعل لخواصّ الناس فقط، وإنما جعل لعوامهم وخواصّهم، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام، إلا كلمات معدودة، وهي التي تسمى غريب القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى المختصة بالألفاظ، وعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوامّ الناس وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة، وكذلك الأشعار والخطب، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه بنجوة عن هذا الفن، وعلى هذا فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس، وإنما هو للخواصّ كما هو للعوام. وسأبين حقيقته في كتابي هذا، وأحقق القول فيه بحيث تزول الشبهة التي خبط أرباب علم البيان من أجلها، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة. والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها وجدنا هذا الاسم مناسبا لمسماه، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه، ويقال: أطنبت الريح؛ إذا اشتدّت في هبوبها، وأطنب في السير؛ إذا اشتد فيه، وعلى هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني، وهذا لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان، وإنما يوجد فيها جميعها؛ إذ ما من نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا النوع من بينها، ولا يتحقق إفراده الا بذكر حدّه الدال على حقيقته. والذي يحدّ به أن يقال: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة؛ فهذا حدّه الذي يميزه عن التطويل؛ إذ التطويل هو: زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة، وأما التكرير فإنه: دلالة على المعنى مردّدا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع؛ فإن المعنى مردّد واللفظ واحد، وسيرد بيان ذلك مفصّلا في بابه بعد باب الإطناب بعضها بعضا؛ وإذا كان التكرير هو إيراد المعنى مرددا فمنه ما يأتي لفائدة ومنه ما يأتي لغير فائدة؛ فأما الذي يأتي لفائدة «١» فإنه جزء من الإطناب وهو أخص منه؛ فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لفائدة فهو إطناب وليس كل إطناب تكريرا يأتي لفائدة،

стр. 512

وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل، وهو أخص منه، فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل، وليس كل تطويل تكريرا يأتي لغير فائدة. وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو: دلالة اللفظ على المعنى من غير زيادة عليه. وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها فإن مثال الإيجاز والإطناب والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق؛ فالإيجاز هو أقرب الطرق الثلاثة إليه، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه، إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزّه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل، وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته. والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام، ويوجد تارة في الجمل المتعددة، والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ؛ لاتساع المجال في إيراده. وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين: القسم الأول: الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام؛ وهو يرد حقيقة، ومجازا؛ أما الحقيقة فمثل قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقّته بفمي، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين، والقبض لا يكون إلا باليد، والوطء لا يكون إلا بالقدم والذّوق لا يكون ألا بالفم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله «١» ويعز الوصول اليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه، كقول أبي عبادة البحتري «٢» ؛

стр. 513

تأمّل من خلال السّجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني «١» تجد شمس الضّحى تدنو بشمس ... إليّ من الرّحيق الخسرواني ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده، وكان الساقي فيه على هذه الصفة من الحسن؛ قال: أنظر بعينك. وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلكم قولكم بأفواهكم ؛ فإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظّم الله تعالى على قائله، ألا ترى إلى قوله تعالى في قصة الإفك: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم فصرّح في هذه الآية بما أشرت أليه من تعظيم الأمر المقول. وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، ويقول لمملوكه: يا بنيّ؛ فضرب الله لذلك مثالا، فقال: كيف تكون الزوجة أمّا؟ وكيف يكون المملوك ابنا؟ والجمع بين الزوجية والأمومة وبين العبودية والبنوّة في حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف، وهذا تعظيم لما قالوه، وإنكار له؛ ولما كان الكلام في حال الإنكار والتعظيم أتى بذكر الجوف، وإلا فقد علم أن القلب لا يكون الا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: ما جعل الله لرجل من قلبين وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدة، وهي ما أشرت اليها وفيها أيضا زيادة تصوير للمعنى المقصود؛ لأنه إذا سمعه المخاطب به صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان ذلك أسرع إلى إنكاره. وعليه ورد قوله تعالى: فخر عليهم السقف من فوقهم فكما أن القلب لا يكون إلا في الجوف فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق، وهذا مقام ترهيب

стр. 514

وتخويف، كما أن ذاك مقام إنكار وتعظيم، ألا ترى إلى هذه الآية بكمالها وهي قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ولذكر لفظة فوقهم فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، وأنت تحسّ هذا من نفسك؛ فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيّل اليك أن سقفا خرّ على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة. وفي القرآن الكريم من هذا النوع كثير؛ كقوله تعالى: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة وقوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان اقتضتها؛ فإن النفخ في الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم دلّ على القدرة الباهرة، وكذلك حمل الأرض والجبال، فلما كانا بهذه الصفة قيل فيهما: نفخة واحدة ودكة واحدة أي: أن هذا الأمر المهول العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي الأمر فيه بنفخة واحدة ودكة واحدة، ولا يحتاج فيه الى طول مدة ولا كلفة مشقة، فجيء بذكر الواحدة لتأكيد الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه. وهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم ويتوهم بعض الناس أنها ترد لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الأسرار البلاغية لا يتنبه لها إلا العارفون بها، وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب. وههنا نكتة لا بد من الإشارة إليها؛ وذاك أني نظرت في قوله تعالى: نفخة واحدة ودكة واحدة وفي قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى فوجدت ذلك غير مقيس على ما تقدم، وسأبينه ببيان شاف؛ فأقول: إن قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى إنما جيء به لتوازن الفقر التي نظمت السورة كلها عليها، وهي: والنجم إذا هوى ولو قيل: أفرأيتم اللات والعزى ومناة ولم يقل الثالثة الأخرى لكان الكلام عاريا عن الطلاوة والحسن، وكذلك لو قيل: ومناة الأخرى، من غير أن يقال الثالثة لأنه نقص في الفقرة الثانية عن الأولى، وذاك قبيح، وقد

стр. 515

تقدم الكلام عليه في باب السجع، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا لتوازن الفقر وتبعا، وأما نفخة واحدة ودكة واحدة فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما وقد علم أن النفخة هي واحدة والدكة هي واحدة لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة التي هي الحاقة جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل نفخة من غير واحدة ودكة من غير واحدة ثم قيل بعدهما: فيومئذ وقعت الواقعة لكان الكلام منثورا «١» محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا، وإذا تبين ذلك واتضح فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ظاهر، وذاك أن نفخة هي واحدة ومناة هي الثالثة. وأما ما جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ففائدة ذكر الصدور ههنا أنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب تشبيه، ومثل؛ فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف؛ ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب لا الأبصار. وهذا موضع من علم البيان كثيرة محاسنه، وافرة لطائفه، والمجاز فيه أحسن من الحقيقة؛ لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي، ونفيه عن الحقيقي. وأما القسم الثاني المختص بالجمل فإنه يشتمل على ضروب أربعة: الأول منها: أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعاني متداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر، وذلك كقول أبي تمام «٢» :

стр. 516

قطعت إليّ الزّابيين هباته ... والتاث مأمول السّحاب السبل «١» من منّة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغرّ محجّل فقوله: «منة مشهورة وصنيعة بكر وإحسان أغر محجل» تداخلت معانيه؛ إذ المنة والصنيعة والإحسان متقارب بعضه من بعض، وليس ذلك بتكرير؛ لأنه لو اقتصر على قوله منة وصنيعة وإحسان لجاز أن يكون تكريرا، ولكنه وصف كل واحدة من هذه الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكرير، فقال: «منة مشهورة» فوصفها بالاشتهار لعظم شأنها، و «صنيعة بكر» فوصفها بالبكارة: أي أنها لم يؤت بمثلها من قبل، و «إحسان أغر محجل» فوصفه بالغرة والتحجيل: أي هو ذو محاسن متعددة، فلما وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدلّ على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا، ولم يكن تكريرا. ولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضع، ولا ألطف، وقد استعمله أبو تمام في شعره كثيرا، بخلاف غيره من الشعراء، كقوله «٢» : زكيّ سجاياه تضيف ضيوفه ... ويرجى مرجّيه ويسأل سائله «٣» فإن غرضه من هذا القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء، إلا أنه وصفه بصفات متعددة؛ فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يرجى، وسائله يسأل، وليس هذا

стр. 517

تكريرا؛ لأنه لا يلزم من كون ضيوفه تضيف أن يكون راجيه مرجوا، ولا أن يكون سائله مسئولا؛ لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا في كلام مضيفه، وسائله يسأل: أي [أنه] يعطي السائل عطاء كثيرا يصير به معطيا، وراجيه يرجى: أي أنه إذا تعلق به رجاء راج فقد أيقن بالفلاح والنجاح فهو حقيق بأن يرجى؛ لمكان رجائه إياه، وهذا أبلغ الأوصاف الثلاثة. الضرب الثاني: يسمى النفي والإثبات، وهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي، ثم يذكر على سبيل الإثبات، أو بالعكس، ولا بد أن يكون في أحدهما زيادة ليست في الآخر، وإلا كان تكريرا، والغرض به تأكيد ذلك المعنى المقصود. فمما جاء منه قوله تعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. واعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة، وهو من أوكد وجوهه، ألا ترى أنه قال: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ثم قال: إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والمعنى في ذلك سواء، إلا أنه في الثانية قوله: وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولولا هذه الزيادة لكان حكم هاتين الآيتين حكم التكرير، وهذا الموضع ينبغي أن يتأمل وينعم النظر فيه. وعليه ورد قوله تعالى: ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون فقوله: يعلمون بعد قوله: لا يعلمون من الباب الذي نحن بصدد ذكره، الا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي عنهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم العلم

стр. 518

بظاهر الحياة الدنيا؛ فكأنهم علموا وما علموا؛ إذ العلم بظاهر الأمور ليس بعلم، وإنما العلم هو ما كان بالباطن من الأمور. الضرب الثالث: هو أن يذكر المعنى الواحد تأمّا لا يحتاج إلى زيادة، ثم يضرب له مثال من التشبيه، كقول أبي عبادة البحتري» : ذات حسن لو استزادت من الحسن ... إليه لما أصابت مزيدا فهي كالشّمس بهجة والقضيب اللّدن قدّا والرّيم طرفا وجيدا «٢» ألا ترى أن الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: «لو استزادت لما أصابت مزيدا» دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصويرا وتخييلا لا يحصل له من الأول، وهذا الضرب من أحسن ما يجيء في باب الإطناب. وكذلك ورد قوله «٣» : تردّد في خلقي سودد ... سماحا مرجّى وبأسا مهيبا فكالسّيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا فالبيت الثاني يدلّ على معنى الأول؛ لأن البحر والسيف للبأس المهيب، إلا أن في الثاني زيادة التشبيه التي تفيد تخيلا وتصويرا. الضرب الرابع: أن يستوفي معاني الغرض المقصود من كتاب أو خطبة أو

стр. 519

قصيدة، وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا، وأضيقها بابا؛ لأنه يتفرع إلى أساليب كثيرة من المعاني، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه، وليس الخاطر الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود، ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ومفصل؛ وقد تقدم القول بأن الإيجاز والإطناب والتطويل بمنزلة مقصد يسلك إليه ثلاثة طرق، وقد أوردت ههنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة، وجعلتها على هيئة المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة. فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة؛ فإذا أريد وصفه على حكم الإيجاز قيل: فيه من كل فاكهة زوجان؛ وهذا كلام الله تعالى؛ وقد جمع جميع أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره. وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم الإطناب قيل فيه ما أذكره، وهو فصل من كتاب أنشأته، وهو: جنة علت أرضها أن تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنّجابة، ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنّجار، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذي هو أعدل الأزمان، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان، وفيها التفاح الذي رقّ جلده، وعظم قدّه، وتورّد خدّه، وطابت أنفاسه فلابان الوادي ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح ﵇ عند خروجه من السفينة فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغري بالوصف لسان واصفه، وفيها الرّمّان الذي هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم ﵇ بورقه إذا كشفت المعصية من ستره، وخصّ بطول الأعناق فما يرى بها من ميل فهو نشوة من سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما، وقيل هذا كنيّف مليء شهدا لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء هذا خلق الله فأروني ماذا

стр. 520

خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتني حسدا، ولم أصاحبها على قوله لن تبيد هذه أبدا. فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى إطنابا؛ لأنه لم يعر عن فائدة، وذاك الأول هو الإيجاز؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة. وأما التطويل فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادا من غير وصف لطيف، ولا نعت رائق، فيقال: مشمش وتفاح وعنب ورمان ونخل، وكذا وكذا. وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز والإطناب والتطويل، وقس عليها ما يأتي منها. وسأزيد ذلك بيانا بمثال آخر؛ فأقول: قد ورد في باب الإيجاز كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون رحمه الله تعالى، يخبره بهزيمة عيسى بن ماهان وقتله إياه، وهو: كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يديّ، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرّف تحت أمري، والسلام. وهذا كتاب جامع للمعنى، شديد الاختصار. وإذا كتب ما هو في معناه على وجه الإطناب قيل فيه ما أذكره، وهو ما أنشأته مثالا في هذا الموضع؛ ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب، وهو: أصدر كتابه هذا وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلب باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بجدّ أمير المؤمنين لا بحدّ نصله، والجد أغنى من الجيش وإن كثرت أمداد خيله ورجله، وجيء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم فيقال إنه يسعى بقدمه ولا يد فيقال إنه يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغي مرتعه وبيل

стр. 521

وصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مشيران بالحصول على خاتم الملك ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلى على أساسه، والعساكر التي كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله وليس من تابع تقليدا كمن تابع علما، وهم الآن مصرّفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذي خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم في أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في قلوب الناس، وليس في البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله إتمام النعم التي افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي اقترحها، والسلام. وهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى؛ إلا أنه فصل ذلك الإجمال. ولو كتبت على وجه التطويل الذي لا فائدة فيه لقيل: أصدر كتابه في يوم كذا من شهر كذا، والتقى عسكر أمير المؤمنين وعسكر عدوه الباغي، وتطاعن الفريقان، وتزاحف الجمعان، وحمي القتال، واشتد النزال، وترادفت الكتائب، وتلاحقت المقانب، وقتل عيسى بن ماهان واحتز رأسه وقطع، ونزع الخاتم من يده وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب والضباع، وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره؛ والسلام. فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة. فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة وتأملها كما تأملت الذي تقدمها. وبعد ذلك إني أورد لك كتابا وتقليدا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما الكتاب فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ إلى ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح البيت المقدس واستنقاذه من أيدي الكفار، وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني عنه، وكان الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة: خلد الله سلطان الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته أترابا، ومناقب مجدها هضابا، وزادها على

стр. 522

مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وإذهابا، إذا أوسع غيرها تلاشيا وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لاعطاء حسابا، ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، وليس ذلك إلا لخظوته بالدولة الناصرية التي كسته حبرا وقلدته دررا؛ ودونت له من المحامد سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا، وقيّض الله لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه؛ ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، وطالما سعى بين يديها بمساع نغصّ بأخبارها محافل القوم، ويقال له فيها: ما ضرّك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء، واسترد حقّ الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما قصّرته يد الكفر وكانت هي الطولى، وبه صحّ لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرّجس ووصمه، ولم يحزه الخادم حنى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغاثرة، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلّة من الظلل، ورأى بلدا قد استقرّ على متن الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد تستهزيء عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريح ومعارج، وهي ضيّقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق ولا يطلق عليها اسم المناهج؛ فلما رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن كلّ الصّيد في جوف الفرا، الا أن لسان حاله خاطبه وهو أفصح الخطاب، وقال: امدد يدك فليس دونها من حجاب، وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصّعاد، وفي يوم كذا وكذا خيّم المسلمون في عقد داره، ونزلوا منه نزول الجار ألى جانب جاره، ثم ارتادوا موقفا للقتال وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله ولا يتسع محاله، واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ

стр. 523

خطابا، وأدنى من المطلوب طلابا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء، هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل، وتصدّ عنه صدود المستعجل، وتقول: ما بارتياد السهل تملك الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد، فعندها صمّم الخادم أن يلقى البلد مواثبا لا مواربا، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسّى برسول الله ﷺ في الاتقاء به إذا اشتد الباس، ولا شك أن قلوب الجيوس بمنزلة قلوبها، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه، ومن وقف خلف جنوده فقد جعل عزائمها من خلفه، ولما وقع الزّحف صورع البلد صراعا، بعد أن قورع قراعا، ثم هزّ هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها، وبدون ذلك يكون عذرك أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصفّ أجنحتها للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدا أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها، جائشة عند استيفائها؛ فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادا، والنفوس لا تجيش إلا ذا كانت ثمادا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها، فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، وأتم أبدرا والبدور لا يكون تمامها في المحاق؛ فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض، ومشى الى جنة عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكرّ وضاق بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم فأكرم بالمطاف به وبالمطيف، وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد، ولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار

стр. 524

خوارا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا؛ أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن النفوس وحمامها، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على مداومة وصلها، وذكر الخادم أنّ سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرا، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرا، وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل في الدنيا بزينة أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه وحسن أثره عند ناظره، ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد إذا أخرج صار ذا أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضّوار، وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب، وأموال يتقوّى بها على العدو خير من دماء تذهب، هذا، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن حرمته عند الله مما طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره، فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك، وأن له معتركا كما أن السيف له معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها وأقرحت آماقها ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها، فعلى حب ذلك التراب تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها، ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه من الليل والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك الأرض موعده ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق، واستفتح له أبواب السبع الطّباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا

стр. 525

فأطالت من شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، وجعلته تاريخا بؤرخ بفتحه كما أرخ للنبي ﷺ بدار هجرته، وإذا أنصف واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام في صفر وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه والمغبون، والمسرور والمحزون فمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل راحل، ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النّجامة فيه قول يرد كذابه، ولا يقبل صوابه والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق، ولما دخل البلد وجد به أمما لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن قيل إنهم أناسى فإنّ صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها، ولما رأوا طلعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار واصطرخوا جميعا كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة، وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها، فمن باك بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله الواردة، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كلّ الأيام له حاسدة من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان، وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام، وجيء بالّلواء الأسود فركز من المنبر في أعلاه، ونطق لسان حاله فقال: من كان

стр. 526

رسول الله ﷺ مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته وهذا يزهى بعزة سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا، ولا ينتهي النصف إلى ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان وتستحلب الأذهان وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصّوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار، هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصّلب، اللاتي من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، واستنّ بسنة رسول الله ﷺ في طعن عيونها، واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدّلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إليّ بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطّابه، ﵁! إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها، هذا، ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته، وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته؛ ففر من الوقعة ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل

стр. 527

الشفار، ولقد فرّ من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزّه ألى ميتة ذلّه، وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن فرّوا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دماءهم قد استجابت لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه ومن امتنع منها في بعاده، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقا، وأحاديث الأمال صدقا، وتقرّب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها تؤرخ أيامه، ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلّغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام والليالي رواة فما الظن برواية الأيام والليال، وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى. وأما التقليد فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو: أما بعد؛ فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه، أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله، وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة التمر والشعير، ومن أعمّ ما نقرر بناءه ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل

стр. 528

منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزّند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من يقوم فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل فلان أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر؛ فتولّها غير موكول إليها، بل معانا عليها. واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا، وأظلم منهم من أقرّهم على أمرهم، ولم يأخذهم بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت بنا الله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم رسوله. ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم من حلالهم، فابدأ أولا بالنظر في العقائد واهد فيها ألى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا، ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به الله سلطانا، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم؛ فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولا تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد، ما بين حاضر وباد، فما تكدّرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك ظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة، وأفاعي ملففة، لا أقوال مؤلفة؛ فاستأصل شافتها بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق؛ ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها؛ فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا، وأما من تحدّث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسّك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي ﷺ : «القدريّة مجوس هذه الأمّة» . والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل ألى ثقل

стр. 529

الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط، وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن القديم. ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت بصائرهم، وعظمت عند الله جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجبّ ما قبلها، وليست التوبة عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ويشفعون له الى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارا، ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارا؛ فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ينجع فبحد ذوات الحد؛ فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبريء منها إلا الدماء المراقة. وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقّب عن مذهبهم وجد على العصبية موضوعا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبّوا عن عليّ ﵁ فأسلموه، وأخروه إذ قدّموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، وأولوها على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة، وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة «١» ؛ ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال، ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب. وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك، وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه،

стр. 530

وآخر ما وصّى به رسول الله ﷺ عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة واحد، وراقبهم عند أوقات الأذان! في الأسواق التي هي معركة الشيطان؛ فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه؛ فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطّلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله، فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان والرغائب في أول جمعة من رجب وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقا، ويواعد إليه أخدانه رفثا أو فسوقا؛ فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد. وههنا عظيمة عضيهة، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الرّبا، فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله، وتوصلوا إلى شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» ونحن نأمرك
следующие страницы →