← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فقولها «بمذمومة الأخلاق واسعة الحر» من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت «بضيقة الأخلاق واسعة الحر» حتى تصح المقابلة. وهذا مما يدل على أن العربيّ غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه، لا بتكلفه، وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ، ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه. وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشدّ ملامة من العرب. فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي «١» : لمن يطلب الدّنيا إذا لم يرد بها ... سرور محبّ أو مساءة مجرم «٢» فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة؛ فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.

стр. 667

ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى «المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني» وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به. أما المواخاة بين المعاني فهو: أن يذكر المعنى مع أخيه، لا مع الأجنبي؛ مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف، وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة، وإن كان جائزا. فمن ذلك قول الكميت «١» : أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدّلّ والشّنب «٢» فإن الدّلّ يذكره مع الغنج وما أشبهه، والشّنب يذكر مع اللّعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنّة الغلط؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها. وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج «٣» أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرّمّة، فأنشد الكميت «أم هل ظعائن- البيت» فقعد نصيب واحدة؛ فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ قال: خطأك؛ فإنك تباعدت في القول، أين الدّلّ من الشّنب؟ ألّا قلت كما قال ذو الرمة.

стр. 668

لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا؛ كقوله في وصف الديك «١» : له اعتدال وانتصاب قدّ ... وجلده يشبه وشي البرد كأنّها الهدّاب في الفرند ... محدودب الظّهر كريم الجدّ فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجدّ من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه أيضا. وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله: وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذّب بربّ زمزم والحو ... ض والصّفا والمحصّب فإن ذكر الحوض مع زمزم والصّفا والمحصّب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان، وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصّفا والمحصّب فيذكر معها الرّكن والحطيم، وما جرى مجراهما.

стр. 669

وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا: أحسن من منزل بذي قار ... منزل حمّارة وحمّار «١» . وشمّ ريحانة ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شمّ الريحان من الأينق بالأكوار؟ وكان ينبغي له أن يقول: شمّ الريحان أحسن من شم الشّيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرّود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكلّ هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب عليّ السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه. وأما المواخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ. فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح «٢» : مثقّفات سلبن العرب سمرتها ... والرّوم زرقتها والعاشق القضفا «٣»

стр. 670

وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن؛ إذ كانت الأوصاف تجري على [سنن] واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها. وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد: نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزّاعها الأمصار فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السّهل والأوعار والأحسن أن يقال: السّهل والوعر؛ أو السهول والأوعار؛ ليكون البناء اللفظي واحدا: أي أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا. وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر «١» : صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النّظراء والمثل «٢» فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال «النظراء» مجموعا ثم قال «المثل» مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال. وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجّه فيه أكثر من الأول، وهو «٣» :

стр. 671

ألا يا ابن الّذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى ومالك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا وموضع الإنكار ههنا أنه قال «آجالا ورزقا» وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، أو أن يقول: أجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال «آجالا» والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا لما عيب؛ لأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة؛ لاختلاف ضروبها وأجناسها. وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم؛ لمكان إمكانه من التصرف. وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة النحل: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيوا ظلاله عن اليمين والشمائل ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين، وكذلك ورد قوله تعالى: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، وكذلك ورد قوله تعالى: حتى إذا ما جاوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع؛ وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل كلام، والأخذ في مقام الفصاحة

стр. 672

والبلاغة إنما يكون منه، والمعوّل عليه، وما ينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا الباب، وليس كذلك: لأنها مشتملة على خطاب موسى وهرون ﵉ أولا في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنّى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى ﵇ ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة. الضرب الثاني: في مقابلة الشيء مثله ، وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: مقابلة المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة. الفرع الأول: كقوله تعالى: نسوا الله فنسيهم وكقوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا؛ فإذا ورد في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جوانب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: من كفر فعليه كفره* وكقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها وهذا هو الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه كان ذلك جائزا، لكن الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال. وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية. فأما إن كان ذلك غير جواب؛ فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ترى أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن لم تكن مساوية لها في اللفظ، وهذا يقع في الألفاظ المترادفة؛ ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه الكلمة غير جواب. فما جاء منه قوله تعالى: ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعملون، وكذلك قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فقال لا تخف بعد قوله

стр. 673

ففزع ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ بنفسه. وكذلك جاء قوله تعالى: ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزون فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى الخوض واللعب وقابل به الخوض واللعب، ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون. فإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها. الجواب عن ذلك أني أقول: أردت أن تنقض عليّ ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك شيّدته، والذي ذكرته هو دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى جزاء سيئة بمثلها وبين قوله جزاء سيئة سيئة مثلها؛ إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ذهبت إليه. وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم؛ فينبغي أن تعاد بعينها في آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله «١» : بسط الرّجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهنّ مصارع الآمال «٢»

стр. 674

فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه، أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه، وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله «١» : إنّي لا علم واللّبيب خبير ... أنّ الحياة وإن حرصت غرور فإنه قال «إني لأعلم واللبيب خبير» وكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم واللبيب عليم؛ ليكون ذلك تقابلا صحيحا. وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم، وكفى به دليلا. وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطّن لاستعمالها إلا أحد رجلين: إما فقيه في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا بلطائفها مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربيّ الفطرة يقول ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية. الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة: اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة، والمستقبلة بالماضية؛ إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى. فمن ذلك قوله تعالى: قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها، وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى

стр. 675

هو أن النفس كل ما عليها فهو بها؛ أعني أن كل ما هو وبال عليها وضارّ لها فهو بسببها ومنها: لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما هو لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم عام لكل مكلّف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسند ذلك إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع علوّ محله وسداد طريقته كان غيره أولى به. ومن هذا الضرب قوله تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا فإنه لم يراع التقابل في قوله ليسكنوا فيه ومبصرا؛ لأن القياس يقتضي أن يكون والنهار لتبصروا فيه، وإنما هو مراعى من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ، وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله مبصرا لتبصروا فيه طرق التقلّب في الحاجات. واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر، يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية. فما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وقوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيويّ مبني على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب وما كان فيهم من التحارب والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه لا يشعرون وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا فقال لا يعلمون. وآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير وكقوله:

стр. 676

له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد وكقوله: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لروف رحيم فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد لأنه قال: له ما في السماوات وما في الأرض له لا لحاجة، بل هو غني عنها، جوّاد بها؛ لأنه ليس كل غنيّ نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحميد ليدل على أنه الغنيّ النافع بغناه خلقه، وأما الآية الثالثة «١» فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدّد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم وتسييرهم في ذلك الهول العظيم وخلقه السماء فوقهم وإمساكه إياهن الوقوع حسن أن يفصل ذلك قوله لروف رحيم أي: أنّ هذا الفعل فعل رؤوف بكم رحيم لكم. واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلمّا توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ناظم أو ناثر. ومن الآيات ما يشكل فاصلته فيحتاج إلى فكرة وتأمل، كقوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فإنّه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا كذا، ويقول: إن التوبة مع الرحمة، لا مع الحكمة؛ وليس كما يظن، بل الفاصلة بتوّاب حكيم أولى من توّاب رحيم؛ لأن الله حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه،

стр. 677

ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة المرجوّة من صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا، ولا أعظم فائدة. ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي: وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم وقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر البيت الثاني آخر للبيت الأول لكان أولى. ولذلك حكاية، وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها: على قدر أهل العزم تأتي العزائم «١» فلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرىء القيس قوله «٢» : كأنّي لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ولم أسبإ الزّقّ الرّويّ ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال فبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرىء القيس، وكان ينبغي لك أن تقول: وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم

стр. 678

فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزّاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد؛ وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول اتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت «ووجهك وضّاح وثغرك باسم» لأجمع بين الأضداد. القسم الثاني: في صحة التقسيم وفساده . ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية، كما يذهب إليه المتكلمون؛ فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة، كقولهم: الجواهر لا تخلو: إما أن تكون مجتمعة، أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة معا، أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة؛ ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل؛ لاستيفاء الأقسام جميعها وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده. وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كلّ قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، فتارة يكون التقسيم بلفظة «إما» وتارة بلفظة بين كقولنا: بين كذا وكذا، وتارة منهم، كقولنا: منهم كذا، ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولا بالذكر، ثم يقسم؛ كقولنا: فانشعب القوم شعبا أربعة؛ فشعبة ذهبت يمينا، وشعبة ذهبت شمالا، وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها. فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات وهذه قسمة صحيحة؛ فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة: فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وكنتم أزواجا ثلاثة. فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة. والسابقون السابقون

стр. 679

وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها؛ فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث. فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار. فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض على ما ذكرته؛ فإن استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم فإنه حيث قال فمنهم لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه الآية التي هي لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فإنه إنما خصّ أصحاب الجنة بالذكر للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو خص أصحاب النار بالذكر لعلم أيضا ما لأصحاب الجنة، وكذلك كل ما يجري هذا المجرى؛ فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم، فاعرفه. وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: النّعم ثلاثة: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقّق ظنك فيما ترتجيه، وتفضّل عليك بما لم تحتسبه. وهذا القول فاسد؛ فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد المستقبلة: ونعمة تأتي غير محتسبة؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة، وذاك أن النعمة المستقبلة تنقسم قسمين: أحدهما يرجى

стр. 680

حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: ونعمة تأتي غير محتسبة؛ يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه، وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة؛ فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفّر حظك من النعمة التي تستقبلها؛ ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب؟ وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله «١» : جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبرّ من روح الحياة وأوصل «٢» فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول كالمزن من ماء الرّباب فمقبل ... متنظّر ومخيّم متهلّل «٣» ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري ﵁ فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة، فقال الحسن البصري: ما ترك لأحد عذرا. وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله «٤» :

стр. 681

لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبّا وصلتك أو أتتك رسائلي «١» فقال أبو هلال «٢» : إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل. وليس الأمر كما وقع له؛ فإن جميلا إنما أراد بقوله وصلتك أي أتيتك زائرا وقاصدا أو كنت راسلتك مراسلة، وبالوصل لا يخرج عن هذين الوصفين: إما زيارة، وإما رسالة. ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وهو قول العباس بن الأحنف «٣» : وصالكم هجر وحبّكم قلا ... وعطفكم صدّ وسلمكم حرب «٤» ثم قال الغانمي: هذا والله أصحّ من تقسيمات إقليدس، ويالله العجب! أين التقسيم من هذا البيت؟ هذا والله في واد والتقسيم في واد، ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحصره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء صنيعهم به، فذكر بعض أحواله معهم، ولو قال أيضا: ولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب لكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة؛ فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب. ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها:

стр. 682

ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا «١» فقال: قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عذولا فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون المسعد عاذرا، وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك. وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي، وهو «٢» : فافخر فإنّ النّاس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل «٣» فإن المستعظم يكون حاسدا، والحاسد يكون مستعظما. ومن شرط التقسيم ألّا تتداخل أقسامه بعضها في بعض. ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة، وهو «٤» :

стр. 683

وكنت امرأ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت وإمّا قلت قولا بلا علم «١» فأنت من الأمر الّذي قد أتيته ... بمنزلة بين الخيانة والإثم فإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد. ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: فمن جريح متضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه؛ فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج؛ لصح له التقسيم، أو لو قال: فمن بين قتيل ومأسور؛ لصح له التقسيم أيضا؛ لعدم الناجي بينهما. وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال: غادرتهم أيدي المنيّة صبحا ... بالقنا بين ركّع وسجود فهم فرقتان بين قتيل ... قنصت نفسه بحدّ الحديد أو أسير غدا له السّجن لحدا ... فهو حيّ في حالة الملحود فرقة للسّيوف ينفذ فيها الحكم قصدا وفرقة للقيود ومن فساد التقسيم قول أبي تمام «٢» : وموقف بين حكم الذّلّ منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متّصل «٣» فإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا. وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه؛ فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف

стр. 684

هذا الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك فيه: أي أنه لا ينجو منه أحد يرده، وهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه. القسم الثالث: في ترتيب التفسير، وما يصح من ذلك وما يفسد. اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير المؤخر؛ كقوله تعالى: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر لقيل: إن يشأ يسقط عليهم كسفا من السماء أو يخسف بهم الأرض. وكذلك ورد قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم فقدم المؤخر وأخر المقدم. والقسمان قد وردا جميعا في القرآن الكريم: فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ. ومن ذلك قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة. وكذلك قوله تعالى: ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه

стр. 685

ولتبتغوا من فضله فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون، على سبب النهار، وهو التعيش. ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه، قلت: ولقد أوحشت منه المعالي كما أوحشت المنازل، وآتت المكارم كما آمت الحلائل، وعمّت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، أو تصور المعنى لعيان؛ لأعربت تلك من ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها. ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان؛ فقلت: وما زالت أيادي سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطوّلة بترقية وردها وهذه آخذة بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار؛ فاختصار هذه في فوائد أقلامها، كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر، وما جعل الله لها من سلطان البلاغة ما يستقلّ بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب. ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس «١» : لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفترّ عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها «٢» حمى وقرى فالموت دون مراحها ... وأيسر خطب يوم حقّ فناؤها «٣» وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير.

стр. 686

ومما جاء منه أيضا قول أبي تمام «١» . وما هو إلّا الوحي أو حدّ مرهف ... تميل ظباه أخدعي كلّ مائل «٢» فهذا دواء الدّاء من كلّ عالم ... وهذا دواء الدّاء من كلّ جاهل وكذلك قوله أيضا: وكان لهم غيثا وعلما فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله وهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب. ومما ورد منه قول علي بن جبلة: فتى وقف الأيّام بالسّخط والرّضا ... على بذل عرف أو على حدّ منصل ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس «٣» : يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنّك الجنّة والنّار وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني «٤» :

стр. 687

يوم المتيّم فيك حول كامل ... يتعاقب الفضلان فيه إذا أتى ما بين حرّ جوى وماء مدامع ... إن حنّ صاف وإن بكى وجدا شتا ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله «١» : لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم «٢» لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم «٣» لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ثانيا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتبا؛ ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني. واعلم أن الناظم لا ينكر عليه مثل هذا ما ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى. وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم «٤» : فيأيّها الحيران في ظلمة الدّجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى

стр. 688

تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفّيه بحرا من النّدى وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة، أو ما جرى مجراهما؛ ليكون ذلك تفسيرا له، كما جعل بإزاء الظلمة الضياء وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى فإن ذلك غير لائق.

стр. 689

النوع الخامس والعشرون في الاقتصاد والتفريط والإفراط اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل شيء: من علم، وصناعة، وخلق؛ ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة حتى يتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام. فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما، وقال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما، وقال الشاعر «١» : عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق وأما التفريط فهو التقصير والتضييع، ولهذا قال الله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء أي: ما أهملنا ولا ضيعنا. وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، يقال: أفرط في الشيء؛ إذا أسرف وتجاوز الحد.

стр. 690

والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل؛ وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان. أما الاقتصاد فهو: أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته. أما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما تقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته. والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله؛ فمنه الحسن، ومنه دون ذلك. فمما جاء من التفريط قول الأعشى «١» : وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم «٢» بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم «٣»

стр. 691

فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون: كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح التفريط. ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق «١» : ألا ليتنا كنّا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلّا نشلّ ونقذف «٢» كلانا به عرّ يخاف قرافه ... على النّاس مطليّ المساعر أخشف «٣»

стр. 692

هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتين؛ فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه، وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين: لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأمانيّ السخيفة، وله في غير هذه الأمنية مندوحات كثيرة، وما أشبه هذا بقول القائل: يا ربّ إن قدّرته لمقبّل ... غيري فللأقداح أو للأكؤس وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... في الدّهر فلتك من عيون النّرجس فانظركم بين هاتين الامنيتين. ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين محمد بن الرشيد، وهو قوله «١» ؛ أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام «٢» فإن ذكر أمّ الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح. وكذلك قوله في موضع آخر «٣» . وليس كجدّتيه أمّ موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران «٤»

стр. 693

وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه؛ فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، لا إلى النساء، وياليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي ﷺ «١» : أمحمّد؛ ولأنت نجل كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق. وكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس- مع لطافة طبعه، وذكائه، وما كان يوصف به من الفطنة- قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره. وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هرون ﵉: ل يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فإن الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم، وهي زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران، وليس كذلك ما ورد في الآية. فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم ما يسوّغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فناداه باسم أمه. قلت: الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن عيسى ﵇ لم يكن له أب، فنودي باسم أمه ضرورة؛ إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه؛ الوجه الآخر:

стр. 694

أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى؛ إذ الله هو الربّ، وعيسى ﵇ عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه لم يعبر عنه بما هو دون منزلته. على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر بن عبد العزيز، كقوله «١» : وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السّنة الجمادا «٢» وكذلك قال فيه كثير عزة أيضا «٣» . وليس المعيب من هذا بخاف؛ فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقال له: ابن حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغضّ منه، وأما قول النبي ﷺ للزبير بن صفية: «بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار» فإن صفية كانت عمة النبي ﷺ ، وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن عمته، وليس هذا كالأول في الغض من عمر ﵁ في نسبه إلى أمه.

стр. 695

وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي أولها: نبّه نديمك قد نعس «١» فقال من جملتها: ورث الخلافة خامسا ... وبخير سادسهم سدس قال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له! مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا الموضع؟ أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: ويقولون خمسة سادسهم كلبهم وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم. ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة عند لقائه الأسد التي مطلعها: أجدّك ما ينفكّ يسري لزينبا «٢» فقال: شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا «٣» فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيّابة النّكس كذّبا «٤»

стр. 696

قوله «إذا الهيابة النكس» تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا البطل كذب، وإلا فأيّ مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفرّ منه الجبان؟ وألّا [قال] كما قال أبو تمام «١» : فتى كلّما أرتاد الشّجاع من الرّدى ... مفرّا غداة المأزق ارتاد مصرعا «٢» وعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة «٣» : وإنّي لقوّال لعافيّ مرحبا ... وللطّالب المعروف إنّك واجده وإنّي لممّن أبسط الكفّ بالنّدى ... إذا شنجت كفّ البخيل وساعده «٤» وهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم.

стр. 697

ومن هذا الباب قول أبي تمام «١» : يقظ وهو أكثر النّاس إغضا ... ء على نائل له مسروق «٢» فإنه أراد أن يمدح فذمّ. ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا «٣» : تثفّى الحرب منه حين تغلي ... مراجلها بشيطان رجيم «٤»

стр. 698

وقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله «١» ؛ أنت دلو وذو السّماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب ومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في امتياج الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حدّ يدندن أبو تمام حوله هذه الدّندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه؛ فمن ذلك قوله «٢» : ما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتّى ظننّا أنّه محموم «٣» فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال «ما زال يهذي» وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت. وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين:

стр. 699

ويلحقه عند المكارم هزّة ... كما انتفض المجهود من أمّ ملدم وهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله. ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي: ذهب الّذين تهزّهم مدّاحهم ... هزّ الكماة عوالي المرّان كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحيّة منهم بمكان ومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت. ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت ﵁ قوله: لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما «١»

стр. 700

وقال: إنه جمع الجفنات والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحطّ من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما هو الجمع؛ فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه، وكذلك ورد قوله في سورة النمل: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين. فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين فقال: واستيقنتها أنفسهم فجمع النفس جمع قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، بل كانوا مئين ألوفا، وهذا أيضا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضع؛ وكذلك ورد قوله : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس كل من في العالم. واعلم أن للمدح ألفاظا تخصّه، وللذم ألفاظا تخصّه، وقد تعمّق قوم في ذلك حتى قالوا: من الأدب ألّا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد؛ فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: إياك نعبد وإياك نستعين وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن غير محصورة، إلا أني قد راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بأيامهم، والعوائد لا حكم لها، ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت أدب الشعراء والكتّاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء.

стр. 701

فمن خطاب الكاف قول النابغة «١» : وإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع «٢» وكذلك قوله أيضا «٣» : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «٤» وعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا؛ فقال أبو نواس «٥» : إليك أبا المنصور عذّبت ناقتي ... زيارة خلّ وامتحان كريم «٦» لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما ... بأنّك مهما نأت غير ملوم «٧»

стр. 702

وكذلك ورد قول السلامي: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر «١» وبشّرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدّنيا ويوم هو الدّهر وعليه ورد قول البحتري «٢» : ولقد أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وأطلب جود كفّك مطلبي «٣» وجلّ خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف، وذلك محظور على الكتاب؛ فإنه ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب، لا مخاطبة الحاضر، على أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر، وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة. ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله. فما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها: بودّي لو يهوى العذول ويعشق «٤»

стр. 703

فقال منها: فهل أنت يا ابن الرّاشدين مختّمي ... بياقوتة تبهى عليّ وتشرق «١» وهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة؛ فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختّمني بياقوتة، على سبيل الأمر، بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا المذهب، وحسن عندي. وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال؛ فقال من أبيات يصف بها قصده: أمقبولة يا ابن الخلائف من فمي ... لديك بوصفي غادة الشّعر رؤده فقوله «أمقبولة» من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري. وهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرّف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد. واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج تحتها واحدا؛ فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق استعماله

стр. 704

بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل. ولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحقّ دماغك؛ قياسا على وحقّ رأسك؟ وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا المجرى، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدّماغ والقفا والقذال، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح. ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان ﵁ سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد، فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الأخلاق والبعد عن فطانة الآداب. وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي استعماله؛ فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته؛ فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله ؛ لأنه مهما ذكر به من المعاملات في صفاته فإنه دون ما يستحقه. ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة «١» : وأنا المنيّة في المواطن كلّها ... والطّعن منّي سابق الآجال «٢»

стр. 705

وقد يروى بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا. ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار «١» : إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما «٢» ومنه ما يستهجن، كقول النابغة الذبياني «٣» : إذا ارتعشت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلّق حيث غلّق يفرق «٤» وهذا يصف طول قامتها، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان. وكذلك ورد قول أبي نواس «٥» :
следующие страницы →