← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبقة مندله، وقلت: أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرّة ولقلبي قرارا. وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت. ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب. وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع؛ فمن ذلك مطلع كتاب كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة: أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: لا يعلم القلم أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنية، لكنه جمعهما جميعا فأتى بهما على حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط أولا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصريّ يتداول درجات العلى فما تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن الماضي كان واحدا قيل بل الآتي هو الواحد. وهذا فصل من أول الكتاب، ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل مقنع. ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد تأتي بعد يأس منها فيشتبه لها دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا والمعاني له عقبا، ورفع مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا. ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النّسق. وإنما ذكرت ههنا مبتدأه لأنه الغرض المقصود في هذا الموضع. ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: البشرى تعطى

стр. 632

للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفّى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا. وههنا ذكرت من هذا الكتاب «١» كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض. ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضي عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد إلى طينته، وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحدّ فندب، وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من حزنه ما أبداه، وهو نائب عنه في تعزية سيدنا أحسن الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره.. ثم أنهيت الكتاب إلى آخره. ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه. فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو: ومن طلب الفتح الجليل فإنّما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصّوارم «٢» وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النّصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب «٣» ، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة التي

стр. 633

تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا. وهذا فصل من أول الكتاب. ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختصّ به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم، وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المستحلفين عليهما، فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس منه رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزّعه الأكفّ ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدّمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقّق نظرنا فيك فإنه من نور الله الذي ليس دونه حجاب. فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادي والافتتاحات. وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت، وهو: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه؛ فإن المناقب أقارب والمآثر أواصر: وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلّا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة جاهه

стр. 634

التي هي أكرم من صنيعة ماله «١» ، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة. وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب، ثم يبني عليه. ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان توفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: قال النبي ﷺ «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أوكلّا أو ضياعا فإليّ وعليّ» وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره فنتنزل منزلة رديفه، أو أن نتشبه به فنبلغ مبلغ مدّه أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكفّلنا أيتامهم من بعدهم حتى ودّوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان ﵀ ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها فقيل له في تلاوته اقرأ وارق؛ ثم أنهيت التوقيع إلى آخره، فتأمل مفتتح هذا التوقيع فإنه تضمن نصّ الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله «اقرأ وارق» قال النبي ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها» . وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها. والله الموفق للصواب.

стр. 635

النوع الثالث والعشرون في التخلص والاقتضاب وهذا النوع أيضا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب. وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جلّ همتك؛ فإنه مهمّ عظيم من مهمات البلاغة. أما التخلص- وهو أن يأخذ مؤلّف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه- فيكون بعضه آخذا برقاب بعض؛ من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدلّ على حذق الشاعر، وقوة تصرفه؛ من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء؛ فلذلك يشقّ التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. وأما الاقتضاب فإنه ضدّ التخلص، وذاك: أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول. وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين، وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة. فمن ذلك قول أبي تمام «١» :

стр. 636

يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود «١» أمطلع الشّمس تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلت: كلّا! ولكن مطلع الجود «٢» وهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره وكذلك قوله «٣» أيضا في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكر الربيع وما وصفه به من الأوصاف؛ فقال: خلق أطلّ من الرّبيع كأنّه ... خلق الإمام وهديه المتنشّر «٤» في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النّبات الغضّ سرج تزهر «٥» تنسي الرّياض وما يروّض؛ جوده ... أبدا على مرّ اللّيالي يذكر «٦»

стр. 637

وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها. وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها: أمّا الرّسوم فقد أذكرن ما سلفا «١» فقال فيها: غيداء جاد وليّ الحسن سنّتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا يضحي العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا ودّع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التّوديع منصرفا تجاهد الشّوق طورا ثمّ تجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة. وكذلك جاء قوله «٢» : زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول بالّلوى ورسوم لا والّذي هو عالم أنّ النّوى ... أجل وأنّ أبا الحسين كريم «٣» ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم «٤» وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه. ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها:

стр. 638

أجارة بيتينا أبوك غيور «١» فقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح: تقول الّتي من بيتها خفّ مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير أما دون مصر للغنى متطلّب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهنّ عبير: ذريني أكثّر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيب أمير ومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية التي أولها: عواذل ذات الخال فيّ حواسد «٢» وأورد نفسي والمهنّد في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكفّ ساعد خليليّ إنّي لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدّعوى ومنّي القصائد فلا تعجبا إنّ السّيوف كثيرة ... ولكنّ سيف الدّولة اليوم واحد وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض؛ ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد؛ ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة في بيت واحد، وهو من بدائعه المشهورة.

стр. 639

وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات؛ وهو في قصيدته التي أولها: سرب محاسنه حرمت ذواتها «١» فقال في أثنائها: ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنّني لم آتها ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كنّ من أقواتها أقبلتها غرر الجياد كأنّما ... أيدي بني عمران في جبهاتها الثّابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطّعن في لبّاتها فكأنّها نتجت قياما تحتهم ... وكأنّهم ولدوا على صهواتها تلك النّفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها سقيت منابتها الّتي سقت الورى ... بيدي أبي أيّوب خير نباتها فانظر إلى هذين التخلصين البديعين؛ فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب. وعلى هذا جاء قوله «٢» : إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم «٣»

стр. 640

وإلّا فخانتتي القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري؛ فإن مكانه من الشعر لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، وكالقناة ليّنا مسّها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفّق في التخلص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا، ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة «١» : وكفاني إذا الحوادث أظل ... من شهابا بغرّة ابن شهاب وكقوله في قافية الدال من قصيدة «٢» : قصدت لنجران العراق ركابنا ... يطلبن أرحبها محلّة ما جد «٣» آليت لا تلقين جدّا صاعدا ... في مطلب حتّى تناخ بصاعد «٤» وكقوله في قصيدته التي أولها: حلفت لها بالله يوم التّفرّق «٥»

стр. 641

فإنه تشوّق فيها إلى العراق من الشام، ووصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذ بعضها برقاب بعض، فقال: رباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لعديم أو فكاكا لموثق ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني. وكذلك ورد قوله في قصيدته التي أولها «١» : ميلوا إلى الدّار من ليلى نحيّيها فإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل؛ فقال: كأنّها حين لجّت في تدفّقها ... يد الخليفة لما سال واديها وأحسن ما وجدته له، وهو مما لطف فيه كل التلطيف، قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن بسطام ومطلعها: نصيب عينك من سحّ وتسجام فقال عند تخلصه إلى المديح: هل الشّباب ملمّ بي فراجعة ... أيّامه لي في أعقاب أيّام لو أنّه بابل عمر يجاذبه ... إذا تطلّبته عند ابن بسطام وهذا من الملائح في هذا الباب. وله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.

стр. 642

وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: إن كتاب الله خال من التخلص. وهذا القول فاسد؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام [إلى] آخر غيره بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبّار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان آخذ بعضها برقاب بعض. فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم. وأزلفت الجنة للمتقين. وبرزت الجحيم للغاوين. وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون. فكبكبوا فيها هم والغاوون. وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم. فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين. هذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته على أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب

стр. 643

المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتّب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عمّا يعبدون سؤال مقرّر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم؛ فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكره الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصوّر المسألة في نفسه دونهم، بقوله: فإنهم عدو لي على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان؛ فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه؛ لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى؛ فأجرى عليه تلك الصفات العظام: من تفخيم شأنه وتعديد نعمه مر لدن خلقه وأنشأه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته؛ ليعلم من ذلك أنّ من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته؛ ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدّم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطّلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن عبادته بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته؛ ثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيا عند معاينة الجزاء، وهو سؤال موبّخ لهم مستهزىء بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى العودة؛ ليؤمنوا؛ فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب من المعاني فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي فيه من التّعرّي عن صفات الإلهيّة حيث لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية فعظّم شأنه

стр. 644

وعدّد نعمه؛ ليعلم بذلك أن العبادة لا تصحّ إلا له، ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له؛ ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام. وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف؛ فإنه ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح ﵉، وكذلك إلى قصة موسى ﵇، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون. هذا تخلص من التخلصات الحسان؛ فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون الماضية إلى عهد موسى ﵇؛ فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه وسلامه ذكره بتخلّص انتظم به بعض الكلام ببعض؛ ألا ترى أنه قال موسى ﵇: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) فأجيب بقوله تعالى: قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ثم وصفه صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام. ويالله العجب!! كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص؟ ألم يكفه

стр. 645

سورة يوسف ﵇ فإنها قصة برأسها، وهي مضمّنة شرح حاله مع إخوته من أول أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك إلى آخرها! ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة. وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة يسيرة منها. فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: وكما أنّ هذه الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحرّه فصل مصيف وهذا فصل ربيع، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستفض حديث من قتله الهوى. ومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الشوق، فقلت: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرّد به من لفح الهواجر، ولفظ شدّته لم أجد ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدّة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشدّ حرا فاصطليت بجمرها التي لا تذكي بزناد ولا تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشدّ من حرّ الفؤاد، غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أغلّك ما شفاك «١» فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن عليه بالأوراق.

стр. 646

ومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين، فاستطردت فيه المعنى إذ ذكر المكتوب إليه؛ وهو: هدايا المكارم أنفس من هدايا الأموال، وأبقى على تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردّا، ولا يسير بها إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الدّيم، كسجية مولانا أعلاه الله علوّا تفخر به الأرض على السماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام. مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام، وتلك الهديّة هي تجريد الشفاعة في أمر فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسّه بشيء من أسباب أواخيه؛ فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم أن يسعى بذمّتهم أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم. ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. ومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، وكنت اجتمعت به بالموصل ثم سارعنّي، فكتبت إليه أستهديه رطبا؛ فقلت: هذه المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ما كان عن فراق غير بعيد، وودّ استجدت حلته واللذة مقترنة بكل شيء جديد، وأرجو ألّا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ من نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودّات طعما كما أن لها وسما، وإن ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودّة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها، ولا يمل استطعامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكّر بعضها ببعضها، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف الثمار؛ فلا ينظر سيدنا عليّ في هذا التمثيل، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل. وهذا من التخلصات البديعة؛ فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى

стр. 647

استهداء الرطب، وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد؟ وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى. وهذا القدر من الأمثلة كاف للمتعلم. ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول ابن الزمكرم الموصلي، وهو: وليل كوجه البرقعيديّ مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه نوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قرواش ملك العرب، وكان صاحب الموصل؛ فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا، وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه؛ فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في بابها: لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي؛ فجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدقّ صنعة، وهذا يسمى الاستطراد، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات. ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة جدا «١» : ألا يا ماء دجلة لست تدري ... بأنّي حاسد لك طول عمري

стр. 648

ولو أنّي استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري فقال الماء: ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري «١» فقلت له: لأنّك كلّ يوم ... تمرّ على أبي الفضل بن بشر تراه ولا أراه، وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري وما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرقّ ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات. ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدّمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم أخذ؟ فمن ذلك ما جاء للفرزدق، وهو «٢» : وركب كأنّ الرّيح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب «٣» سروا يخبطون اللّيل وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كلّ جانب «٤»

стр. 649

إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب «١» فانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه!!. واعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها: ملثّ القطر أعطشها ربوعا «٢» فقال عند الخروج من الغزل إلى المديح: غدا بك كلّ خلو مستهاما ... وأصبح كلّ مستور خليعا أحبّك أو يقولوا جرّ نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا وهذا تخلّص كما تراه بارد، ليس عليه من مسحة الجمال شيء، وههنا يكون الاقتضاب أحسن من التخلص؛ فينبغي لسالك هذه الطريق أن ينظر إلى ما يصوغه؛ فإن واتاه التخلّص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه، ولا يستكرهه حتى يكون مثل هذا، كما فعل أبو الطيب، ولهذا نظائر وأشباه، وقد استعمل ذلك في موضع آخر في قصيدته التي أولها: أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا «٣»

стр. 650

فقال: علّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي ... إلى الّتي تركتني في الهوى مثلا «١» والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوّة إلا أبو نواس؛ فإنه قال «٢» : سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعلّ الفضل يجمع بيننا «٣» على أن أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح، لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى به قيس، ولذلك حكاية، وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجنّ بها رقّ له الناس ورحموه، فسعى له ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس، فزوجها إياه؛ فقال عند ذلك: جزى الرّحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق وقد جرّبت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حرت فيه عن طريقي وأطفى لوعة كانت بقلبي ... أغصّتني حرارتها بريقي وبين هذا الكلام وبين كلام أبي نواس بون بعيد؛ وقد حكي عن ابن أبي عتيق أنه قال: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوّادا.

стр. 651

وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو: قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره؛ بلا علاقة تكون بينه وبينه. فمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه «أما بعد» ؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله «أما بعد» . ومن الفضل الذي هو أحسن من الوصل لفظه «هذا» وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار. هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب. جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ألا ترى إلى ما ذكر قبل هذا ذكر من ذكر من الأنبياء ﵈، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: هذا ذكر ثم قال: وإن للمتقين لحسن مآب ثم لما أتمّ ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال: هذا وإن للطاغين لشر مآب وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص. وقد وردت لفظة «هذا» في الشعر إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام المنثور؛ فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي في قصيدة أولها: العيش غضّ والزّمان غرير ... إنّي ليعجبني الزّنا في سحرة ويروق لي بالجاشريّة زيره ... وأكاد من فرح السّرور إذا بدا ضوء الصّباح من السّتور أطير ... وإذا رأيت الجوّ في فضية للغيم في جنباتها تكسير ... منقوشة صدر البزاة كأنّه فيروزج قد زانه بلّور

стр. 652

نادت بي الّلذّات ويحك فانتهز ... فرص المنى يأيّها المغرور مل بي إلى جور السّقاة فإنّني ... أهوى سقاة الكأس حين تجور هذا، وكم لي بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شربها مخمور باكرتها وغصونها مغروزة ... والماء بين مروزها مذعور في ستّة: أنا، والنّديم، وقينة، ... والكأس، والمزمار، والطّنبور هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخبّاز عجيب، ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ديوانه. والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى، والتخلص بالنسبة إليه قطرة من بحر؛ ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى المقتضب من شعره. فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها «١» : يا كثير النّوح في الدّمن وهذه القصيدة هي عين شعره والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا؛ فبينا هو يصف الخمر ويقول: فاسقني كأسا على عذل ... كرهت مسموعه أذني من كميت اللّون صافية ... خير ما سلسلت في بدني ما استقرّت في فؤاد فتى ... فدرى ما لوعة الحزن

стр. 653

حتى قال: تضحك الدّنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسّنن سنّ للنّاس النّدى فندوا ... فكأنّ البخل لم يكن فأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو من مستصعبات علم البيان. ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها: أجدّك ما ينفكّ يسري لزينبا «١» وهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول: عهدتك إن منّيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلّبا وكنت أرى أنّ الصّدود الّذي مضى ... دلال فما إن كان إلّا تجنّبا فوا أسفا حتّام أسأل مانعا ... وآمن خوّافا وأعتب مذنبا حتى قال في أثر ذلك: أقول لركب معتفين تدرّعوا ... على عجل قطعا من اللّيل غيهبا ردوا نائل الفتح بن خاقان إنّه ... أعمّ ندى فيكم وأيسر مطلبا فخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب. وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان

стр. 654

أيضا، وذكر نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن كل الإحسان، وأولها: متى لاح برق أو بدا طلل قفر «١» فبينا هو في غزلها حتى قال: لعمرك ما الدّنيا بناقصة الجدى ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر فخرج إلى المديح مقتضبا له، لا متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير.

стр. 655

النوع الرابع والعشرون في التناسب بين المعاني وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: في المطابقة . وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتّحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين. وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده؛ كالسواد والبياض، والليل والنهار. وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى. وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحّة فيها، إلا إذا كانت مشتقة. ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا الطّباق في اللغة من طابق البعير في سيره؛ إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل، لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد؛ فقدامة سمى هذا النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن كان مثّله بالضدين؛ كالسواد والبياض؛ فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصّله بالمثال الذي مثّله.

стр. 656

وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سمّوا هذا الضرب من الكلام مطابقا لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته؛ فنقول: الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث. فأما الأول- وهو مقابلة الشيء بضده ، كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما- فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى، والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ. أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ؛ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير، وكذلك قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ؛ وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب، وقال رسول الله ﷺ : «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» . ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي ﵁ لعثمان ﵁: إن الحق ثقيل مرىء والباطل خفيف وبيء، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت؛ فقابل الحق بالباطل، والثقيل المريء بالخفيف الوبيء، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا. وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار. وكذلك ورد قوله ﵁ لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: هذه كلمة حقّ أريد بها باطل. وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير ﵁ وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير،

стр. 657

وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة؛ فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات. ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: حرّكنا بسكونه. وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. وهذا الكتاب على لغة اليونان. ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم وجسد سائر، وصبر مليم وجزع عاذر، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر. وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه، وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروّع بكآبة إظلامه، وهذا ممتنع ببهجة إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطّيف الملمّ في المنام، الذي يموّه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام. ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر، فقلت من جملته: ثم نزلت أرض الخابور فغرّبت الأرواح وشرّقت الجسوم، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة. ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب، فقلت: وهم مسئولون ألّا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال، وملتقط اللآل، فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه يسكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها، ولا يشربها أحد غير أكفائها.

стр. 658

وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة. ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير «١» : وأعور من نبهان أمّا نهاره ... فأعمى، وأمّا ليله فبصير وهكذا ورد قول الفرزدق «٢» ؛ قبح الإله بني كليب إنّهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار «٣» يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار «٤» فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل عنه. وكذلك ورد قول بعضهم «٥» ؛

стр. 659

فلا الجود يفني المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع؛ فمن إحسانه قوله «١» : ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا ... إلّا بحيث ترى المنايا سودا وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا: شرف على أولى الزّمان وإنّما ... خلق المناسب ما يكون جديدا «٢» وعلى هذا النهج ورد قوله «٣» : إذا كانت النّعمى سلوبا من امرىء ... غدت من خليجي كفّه وهي متبع «٤» وإن عثرت بيض اللّيالي وسودها ... بوحدته ألفيتها وهي مجمع «٥» ويوم يظلّ العزّ يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنّفوس تضيّع «٦» مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنّه من وابل الدّم مربع «٧»

стр. 660

ومن هذا الأسلوب قوله أيضا «١» : تقرّب الشّقّة القصوى إذا أخذت ... سلاحها وهو الإرقال والرّمل إذا تظلّمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العزّ إلّا أنّها ذلل المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشّرّد الضّلل وعلى هذا النحو ورد قوله «٢» : وناضرة الصّباحين اسبكرّت ... طلاع المرط والدّرع البديّ تشكّى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطيّ وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال: أقلني قد ندمت على الذّنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود أنا استهديت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد فقابل بين الأضداد: من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد.

стр. 661

وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي، وهو: أيم المهير ونكاح الأيّم ... يوماك يوم أبؤس وأنعم وجمع مجد وندى مقسّم وكذلك قوله أيضا: هو الأمل المبسوط والأجل الّذي ... يمرّ على أيّامه الدّهر أو يحلو ولا تحسن الأيّام تفعل فعله ... وإن كان في تصريفها النّقض والفعل فعش واحدا أمّا الشّراء فمسلم ... مباح وأمّا الجار فهو حمى بسل «١» ومما جاء من هذا القسم قول البحتري «٢» : أحسن الله في ثوابك عن ثغر مضاع أحسنت فيه البلاء كان مستضعفا فعزّ ومحرو ... ما فأجدى ومظلما فأضاء ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله «٣» : أشكو إليك أناملا ما تنطوي ... بخلا وإملاقا تقصفها اليد «٤»

стр. 662

أرضيهم قولا ولا يرضونني ... فعلا وتلك قضيّة لا تقصد فأذمّ منهم ما يذمّ وربّما ... سامحتهم فحمدت ما لا يحمد وعلى هذا النهج ورد قوله «١» : وتوقّعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقّع الإحسانا وكما يسرّك لين مسّي راضيا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره؛ فمن ذلك قوله «٢» : ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا وكذلك قوله «٣» : إلى ربّ مال كلّما شنتّ شمله ... تجمّع في تشتيته للعلا شمل

стр. 663

ومما استعذبته من قوله في هذا الباب «١» : كأنّ سهاد اللّيل يعشق مقلتي ... فيينهما في كلّ هجر لنا وصل ومما جاء من هذا الباب: لمّا اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنّا بدفع ناطق فرّقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره، فإذا طرّ وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبّه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودّع كان شابا قد طرّ عارضه؛ والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزّقت خمارها ولطمت خدها؛ فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد، وهو شبيه الشقائق، وفرّقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق ولها وموجدة على الوداع؛ هذا هو معنى البيت، لا ما ذهب إليه هذا الرجل. وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنّع الكنديّ من شعراء الحماسة «٢» .

стр. 664

لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلّ مالي لم أكلّفهم رفدا فقوله «تتابع لي غنى» بمعنى قوله «كثر مالي» فهو إذا مقابلة من جهة المعنى؛ لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ، نحو: قام وقعد، وحلّ وعقد، وقل وكثر؛ فإن القيام ضد القعود، والحلّ ضد العقد، والقليل ضد الكثير؛ فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ كقول هذا الشاعر «تتابع لي غنى» في معنى كثر مالي، وهذه مقابلة معنوية، لا لفظية، فاعرف ذلك. وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألّا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا. فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين: الأول: ما كان بين المقابل والمقابل نوع مناسبة وتقارب ، كقول قريط بن أنيف «١» :

стр. 665

يجزون من ظلم أهل الظّلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السّوء إحسانا فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينها وبين الظلم. وعلى هذا جاء قوله تعالى: أشداء على الكفار رحماء بينهم ؛ فإن الرحمة ليست ضدا للشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسبّبات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة. وكذلك ورد قوله تعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ؛ فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة؛ فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص. الفرع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد ، وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النّحيف «١» ، وهو سعد بن قرط «٢» ، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمّها فيها «٣» : تربّص بها الأيّام علّ صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعّر فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر

стр. 666

فقولها «بمذمومة الأخلاق واسعة الحر» من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت «بضيقة الأخلاق واسعة الحر» حتى تصح المقابلة. وهذا مما يدل على أن العربيّ غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه، لا بتكلفه، وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ، ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه. وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشدّ ملامة من العرب. فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي «١» : لمن يطلب الدّنيا إذا لم يرد بها ... سرور محبّ أو مساءة مجرم «٢» فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة؛ فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.

стр. 667

ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى «المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني» وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به. أما المواخاة بين المعاني فهو: أن يذكر المعنى مع أخيه، لا مع الأجنبي؛ مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف، وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة، وإن كان جائزا. فمن ذلك قول الكميت «١» : أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدّلّ والشّنب «٢» فإن الدّلّ يذكره مع الغنج وما أشبهه، والشّنب يذكر مع اللّعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنّة الغلط؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها. وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج «٣» أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرّمّة، فأنشد الكميت «أم هل ظعائن- البيت» فقعد نصيب واحدة؛ فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ قال: خطأك؛ فإنك تباعدت في القول، أين الدّلّ من الشّنب؟ ألّا قلت كما قال ذو الرمة.

стр. 668

لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا؛ كقوله في وصف الديك «١» : له اعتدال وانتصاب قدّ ... وجلده يشبه وشي البرد كأنّها الهدّاب في الفرند ... محدودب الظّهر كريم الجدّ فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجدّ من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه أيضا. وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله: وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذّب بربّ زمزم والحو ... ض والصّفا والمحصّب فإن ذكر الحوض مع زمزم والصّفا والمحصّب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان، وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصّفا والمحصّب فيذكر معها الرّكن والحطيم، وما جرى مجراهما.

стр. 669

وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا: أحسن من منزل بذي قار ... منزل حمّارة وحمّار «١» . وشمّ ريحانة ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شمّ الريحان من الأينق بالأكوار؟ وكان ينبغي له أن يقول: شمّ الريحان أحسن من شم الشّيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرّود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكلّ هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب عليّ السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه. وأما المواخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ. فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح «٢» : مثقّفات سلبن العرب سمرتها ... والرّوم زرقتها والعاشق القضفا «٣»

стр. 670

وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن؛ إذ كانت الأوصاف تجري على [سنن] واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها. وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد: نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزّاعها الأمصار فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السّهل والأوعار والأحسن أن يقال: السّهل والوعر؛ أو السهول والأوعار؛ ليكون البناء اللفظي واحدا: أي أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا. وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر «١» : صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النّظراء والمثل «٢» فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال «النظراء» مجموعا ثم قال «المثل» مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال. وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجّه فيه أكثر من الأول، وهو «٣» :
следующие страницы →