← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذلكَ تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأنِ على إرسالٍ في الموصولِ، أو وَقْفٍ في المرفوعِ، أو دُخُولِ حديثٍ في حديثٍ، أو وَهَمِ واهِمٍ بغيرِ ذلكَ بحيثُ يَغْلِبُ على ظنِّهِ ذلكَ، فيَحْكُمُ بهِ أو يتردَّدُ فيَتَوَقَّفُ فيهِ، وكلُّ ذلكَ مانعٌ مِنَ الحكمِ بصحَّةِ ما وُجِدَ ذلكَ فيهِ. وكثيراً ما يُعَلِّلُونَ الموصولَ بالمرسلِ، مثلُ أنْ يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصولٍ، ويجيءَ أيضاً بإسنادٍ منقطِعٍ أقوى مِنْ إسنادِ الموصولِ (١)، ولهذا اشتَمَلَتْ كُتُبُ عِلَلِ الحديثِ على جَمْعِ (٢) طُرُقِهِ. قالَ الخطيبُ أبو بكرٍ: ((السبيلُ إلى معرفةِ عِلَّةِ الحديثِ: أنْ يُجْمَعَ بينَ طُرُقِهِ، ويُنْظَرَ في اختلافِ رُوَاتِهِ، ويُعْتَبَرَ بمكانِهِمْ (٣) مِنَ الحِفْظِ، ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضبطِ)) (٤)، ورُوِيَ عَنْ عليِّ بنِ المدينيِّ قالَ: ((البابُ إذا لَمْ تُجْمَعْ (٥) طرقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ)) (٦). ثُمَّ قدْ تقعُ العِلَّةُ في إسنادِ الحديثِ - وهو الأكثرُ -، وقدْ تقعُ في متنِهِ (٧)، ثُمَّ ما يقعُ في الإسنادِ قدْ يقدحُ في صحَّةِ الإسنادِ والمتنِ جميعاً، كما في التعليلِ بالإرسالِ والوقْفِ، وقدْ يَقدحُ في صِحَّةِ الإسنادِ خاصَّةً من غيرِ قَدْحٍ في صِحَّةِ المتنِ.

стр. 177

فَمِنْ أمثلةِ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في إسنادِهِ مِنْ غيرِ قَدْحٍ في المتنِ: ما رواهُ الثِّقَةُ يَعْلَى ابنُ عُبَيْدٍ (١)، عَنْ سُفيانَ الثوريِّ، عَنْ عمرِو بنِ دينارٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: ((البَيِّعَانِ بالخِيارِ ... الحديثَ)). فهذا إسنادٌ متَّصِلٌ بنقلِ العدلِ عَنِ العدْلِ، وهوَ مُعلَّلٌ غيرُ صحيحٍ، والمتنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ، والعلَّةُ في قولِهِ: ((عَنْ عمرِو بنِ دينارٍ)) إنَّما هوَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، هكذا رواهُ الأئمَّةُ مِنْ أصحابِ سفيانَ عنهُ (٢)، فوَهِمَ يَعلى بنُ عُبيدٍ (٣)، وعَدَلَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ إلى عَمْرِو بنِ دينارٍ، وكلاهُما ثِقَةٌ (٤).

стр. 178

ومثالُ العلَّةِ في المتنِ: ما انْفَرَدَ مسلمٌ (١) بإخراجِهِ في حديثِ أنسٍ مِنَ اللَّفظِ المصرَّحِ بنفي قراءَةِ: ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)) فعلَّلَ قومٌ (٢) روايةَ اللفظِ المذكورِ لَمَّا رأوا الأكثرينَ إنَّما قالوا فيهِ: ((فكانوا يَسْتَفْتِحونَ القراءةَ بـ: ((الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ)) مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسمَلَةِ، وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ البخاريُّ (٣) ومسلمٌ (٤) عَلَى إخراجِهِ في الصحيحِ، ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللَّفظِ المذكورِ، رواهُ بالمعنى الَّذِي وقَعَ لهُ، فَفَهِمَ مِنْ قولِهِ: ((كانوا يَستفتحونَ بـ: ((الحمدُ للهِ)) (٥)، أنَّهُم كانوا لا يُبَسْمِلُونَ، فرَوَاهُ على ما فَهِمَ، وأخطأَ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ السورةَ التي كانوا يفتتحونَ بها مِنَ السُّورِ هيَ الفاتحةُ، وليسَ فيهِ تعرُّضٌ لذكرِ التسميةِ. وانضمَّ إلى ذلكَ أمورٌ (٦)، منها: أنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أنسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الافتتاحِ بالتسميةِ، فذَكَرَ أنَّهُ لا يَحفظُ فيهِ شيئاً عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ (٧)، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ اعلمْ أنَّهُ قدْ يُطلقُ اسمُ العِلَّةِ على غيرِ ما ذكرناهُ من باقي الأسبابِ القادحةِ في الحديثِ الْمُخرِجةِ لهُ مِنْ حالِ الصِّحَّةِ إلى حالِ الضَّعْفِ، المانعةِ مِنَ العملِ بهِ، على ما

стр. 179

هو مُقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصلِ (١)، ولذلكَ (٢) تجدُ (٣) في كتبِ عللِ الحديثِ الكثيرَ مِنَ الجرحِ بالكذبِ، والغفلَةِ، وسوءِ الحفظِ، ونحو ذلكَ مِنْ أنواعِ الجرحِ. وسمَّى الترمذيُّ النَّسْخَ عِلَّةً مِنْ عِللِ الحديثِ (٤). ثُمَّ إنَّ بعضَهُمْ (٥) أطلقَ اسمَ العِلَّةِ على ما ليسَ بقادِحٍ مِنْ وجوهِ الخلافِ، نحوُ إرسالِ مَنْ أرسلَ الحديثَ الذي أسندهُ الثقةُ الضابطُ، حتَّى قالَ: ((مِنْ أقسامِ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ معلولٌ)) (٦)، كما قالَ بعضُهُم: ((مِنَ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ شاذٌّ)) (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 180

النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْمُضْطَرِبِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١) الْمُضْطَرِبُ (٢) مِنَ الحديثِ: هوَ الذي تَخْتَلِفُ الروايَةُ فيهِ، فَيَرْوِيْهِ بَعْضُهُم عَلَى وَجْهٍ، وبَعْضُهُم على وَجْهٍ آخرَ مخَالِفٍ لَهُ (٣). وإنَّمَا نُسَمِّيْهِ مُضْطَرِباً إذا تَسَاوَتِ الروايتَانِ (٤)، أمَّا إذا تَرَجَّحَتْ إحْدَاهُما بحيثُ لاَ تُقَاوِمُها الأخرَى، بأنْ يكونَ رَاوِيْها أحْفَظَ، أوْ أكْثَرَ صُحْبَةً للمَروِيِّ عنهُ، أو غيرَ ذلكَ مِنْ وجوهِ التَّرْجِيحاتِ المعتَمَدَةِ، فالحكمُ للراجِحَةِ، ولاَ يُطْلَقُ عليهِ حينَئِذٍ وَصْفُ المضْطَرِبِ، ولاَ لَهُ حُكْمُهُ.

стр. 181

ثُمَّ قَدْ يَقَعُ الاضطرابُ في مَتْنِ الحديثِ، وقَدْ يقعُ في الإسنادِ، وقدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ رَاوٍ واحِدٍ، وقدْ يَقَعُ بَيْنَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ (١). والاضطرابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحديثِ؛ لإشعارِهِ بأنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ، واللهُ أعلمُ. وَمِنْ أمْثِلَتِهِ: ما رُوِّيْنَاهُ عَنْ إسْمَاعيلَ بنِ أُمَيَّةَ، عنْ أبي عَمْرِو بنِ محَمَّدِ بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في الْمُصَلِّي: ((إذَا لَمْ يَجِدْ عَصًا يَنْصِبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَخُطَّ خَطّاً)). فَرَواهُ بِشْرُ بنُ الْمُفَضَّلِ (٢)، ورَوْحُ بنُ القَاسِمِ (٣)، عَنْ إسْماعيلَ هَكَذا. ورَوَاهُ سُفيانُ الثَّوْرِيُّ (٤) عنهُ، عَنْ أبي عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. ورَوَاهُ حُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ (٥)، عَنْ إسْمَاعيلَ، عَنْ أبي عَمْرِو بنِ محمدِ بنِ حُرَيْثِ بنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. ورَوَاهُ وُهَيْبٌ (٦) وعَبْدُ الوارِثِ (٧)، عَنْ إسْمَاعيلَ، عَنْ أبي عَمرِو بنِ حُرَيْثٍ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثٍ. وقَالَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٨)، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ: سَمِعَ إسْمَاعِيلَ، عَنْ حُرَيْثِ بنِ عَمَّارٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وفيهِ مِنَ الاضطرابِ أكْثَرُ مَا ذَكَرْناهُ (٩)، واللهُ أعلم.

стр. 182

النَّوْعُ العِشْرُوْنَ (١) مَعْرِفَةُ الْمُدْرَجِ (٢) في الْحَدِيْثِ

стр. 183

وَهوَ أقْسَامٌ: مِنْها ما أُدْرِجَ في حديثِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِ رواتِهِ بأنْ يَذْكُرَ الصَّحَابيُّ أو مَنْ بَعْدَهُ عَقِيْبَ ما يَرْوِيهِ مِنَ الحديثِ كلاَماً مِنْ عِندِ نفسِهِ، فيَرْوِيهِ مَنْ بَعدَهُ موصولاً بالحديثِ غيرَ فاصِلٍ بينهُما بذِكْرِ قائِلِهِ، فيلتَبِسُ الأمرُ فيهِ على مَنْ لاَ يَعْلَمُ حقيقةَ الحالِ، ويَتَوَهَّمُ أنَّ الجميعَ عن رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١). ومِنْ (٢) أمثلَتِهِ المشهورَةِ: مَا رُوِّيْنَاهُ في التَّشَهُّدِ عَنْ أبي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بنِ معاويةَ عَنِ الحسَنِ بنِ الْحُرِّ، عَنِ القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ (٣) عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ في الصلاةِ فقالَ: ((قُل: التَّحِيَّاتُ للهِ ... فَذَكَرَ التَّشَهُّدَ، وفي آخِرِهِ: أشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ فإذا قُلْتَ هذا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، إنْ شِئْتَ أنْ تقُومَ فَقُمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فاقْعُدْ)) (٤). هَكَذَا رَواهُ أبو خَيْثَمَةَ، عَنِ الحسَنِ بنِ الْحُرِّ، فأدْرَجَ في الحديثِ قَوْلَهُ: ((فَإِذَا قلتَ هَذَا ... إلى آخرِهِ))، وإنَّما هَذَا مِنْ كَلاَمِ ابنِ مَسْعودٍ لاَ مِنْ كلاَمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (٥). ومِنَ الدليلِ عليهِ أنَّ الثِّقةَ الزَّاهِدَ (٦) عبدَ الرَّحْمَانِ بنَ ثابِتِ ثوبَانَ، رواهُ عَنْ

стр. 184

راوِيْهِ (١) الحسَنِ بنِ الْحُرِّ كَذَلِكَ (٢)، واتَّفَقَ حُسَيْنٌ الْجُعْفيُّ (٣) وابنُ عَجْلاَنَ (٤) وغَيْرُهُما (٥) في روايَتِهِم عَنِ الحسَنِ بنِ الحرِّ على تَرْكِ ذِكْرِ هذا الكَلامِ في آخِرِ الحديثِ

стр. 185

مَعَ اتِّفَاقِ كُلِّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وعَنْ غَيْرِهِ، عَنِ ابنِ مسعودٍ على ذلكَ، وروَاهُ شَبَابَةُ، عَنْ أبي خَيْثَمَةَ ففَصَلَهُ أيضاً (١). ومِنْ أقْسَامِ المدرَجِ: أنْ يكونَ مَتْنُ الحديثِ عِنْدَ الراوي لَهُ (٢) بإسْنادٍ إلاَّ طَرَفاً منهُ، فإنَّهُ عِنْدَهُ بإسنادٍ ثانٍ، فَيُدْرِجُهُ مَنْ رَواهُ عنهُ على الإسنادِ الأوَّلِ ويَحْذفُ الإسْنَادَ الثَّانيَ، ويروِي جميعَهُ بالإسْنَادِ الأوَّلِ. مِثَالُهُ: ((حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ (٣) وزائِدَةَ بنِ قُدَامَةَ (٤) عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ وائِلِ بنِ حُجْرٍ في صِفَةِ صَلاَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وفي آخِرِهِ: ((أنَّهُ جَاءَ في الشِّتَاءِ، فَرَآهُمْ يَرْفَعُونَ أيْدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ))، والصَّوابُ: روايةُ مَنْ رَوَى عَنْ عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ بِهَذَا الإسْنَادِ صِفَةَ الصَّلاَةِ خاصَّةً، وفَصَلَ ذِكْرَ رَفْعَ الأيدي عنهُ، فرواهُ عَنْ عاصِمٍ، عَنْ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ، عَنْ بعضِ أهلِهِ، عَنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ (٥). ومِنْهَا: أنْ يُدْرِجَ في مَتْنِ حديثٍ بَعْضَ مَتْنِ حديثٍ آخَرَ مُخَالِفٍ للأوَّلِ في الإسْنَادِ.

стр. 186

مِثَالُهُ: روايَةُ سَعِيْدِ بنِ أبي مَرْيمَ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: ((لاَ تَبَاغَضُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، ولاَ تَدَابَرُوا، ولاَ تَنَافَسُوا ... الحديثَ)). فَقَولُهُ: ((لا (٢) تَنَافَسُوا)) أدْرَجَهُ ابنُ أبي مَريمَ (٣) مِنْ مَتْنِ حديثٍ آخَرَ رَواهُ مَالِكٌ (٤)، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ فيهِ: ((لاَ تَجَسَّسُوا، ولاَ تَحَسَّسُوا، ولاَ تَنَافَسُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا)) (٥)، واللهُ أعلمُ.

стр. 187

ومِنْهَا: أنْ يَرْوِيَ الراوي حَدِيثاً عَنْ جَمَاعَةٍ بَيْنَهُمُ اخْتِلاَفٌ في إسْنَادِهِ، فَلاَ (١) يَذْكُرُ الاخْتِلاَفَ بَلْ يُدْرِجُ روَايَتَهُمْ عَلَى الاتِّفَاقِ. مِثَالُهُ: روَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ مَهْديٍّ (٢) ومُحَمَّدِ بنِ كَثيرٍ العَبْدِيِّ (٣)، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ والأعْمَشِ ووَاصِلٍ الأحْدَبِ، عَنْ أبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيْلَ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قلتُ: ((يَا رَسُوْلَ اللهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ ... الحديثَ)). ووَاصِلٌ إنَّمَا رَوَاهُ، عَنْ أبي وائِلٍ، عَنْ عبدِ اللهِ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيْلَ بينَهُما (٤)، واللهُ أعلمُ.

стр. 188

واعْلَمْ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَعَمُّدُ شيءٍ مِنَ الإدْرَاجِ المذكورِ. وهَذَا النَّوْعُ قَدْ صَنَّفَ فيهِ الخطيبُ أبو بَكرٍ كِتَابَهُ الموسُومَ بـ" الفَصْلِ للوَصْلِ الْمُدرَجِ في النَّقْلِ " فَشَفَى وَكَفَى (١)، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الْحَادِي والعِشْرُوْنَ مَعْرِفَةُ الْمَوْضُوْعِ (٢)

стр. 189

وَهوَ الْمُخْتَلَقُ الْمَصْنُوعُ. اعْلَمْ أنَّ الحديثَ الْمَوْضُوْعَ شَرُّ الأحاديثِ الضَّعِيْفَةِ (١)، ولاَ تَحِلُّ رِوَايَتُهُ لأحَدٍ عَلِمَ حَالَهُ في أيِّ معنًى كَانَ إلاَّ مَقْرُوناً ببيَانِ وَضْعِهِ (٢)، بخِلاَفِ

стр. 190

غَيْرِه مِنَ الأحاديثِ الضَّعِيْفَةِ التي يُحتَمل صِدقُها في الباطِنِ (١)، حيثُ جَازَ روَايَتُها في الترغيبِ والترهيبِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ قريباً إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وإنَّما يُعْرَفُ كَوْنُ الحدِيْثِ مَوضُوعاً بإقْرَارِ وَاضِعِهِ (٢)، أو مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إقْرَارِهِ (٣)،

стр. 191

وقدْ يَفْهَمُونَ الوَضْعَ مِنْ قَريْنَةِ حَالِ الراوي (١) أو الْمَرويِّ (٢)، فقدْ (٣) وُضِعَتْ أحَاديثُ طويلَةٌ يَشْهَدُ بوضْعِهَا رَكَاكَةُ ألفَاظِهَا ومَعَانِيها (٤).

стр. 192

ولَقَدْ أكثرَ الذي جَمَعَ في هذا العصْرِ ((الموْضُوعاتِ)) في نحوِ مُجَلَّدَيْنِ، فأَوْدَعَ فِيْهَا كَثِيراً مِمَّا لاَ دلِيْلَ عَلَى وَضْعِهِ (١)، وإنَّمَا حَقُّهُ أنْ يُذْكَرَ في مُطلَقِ الأحَاديثِ الضَّعِيْفَةِ. والواضِعُونَ للحدِيْثِ أصْنَافٌ (٢)، وأعْظَمُهُم ضَرَراً: قومٌ مِنَ المنْسُوبِيْنَ إلى الزُّهْدِ وَضَعُوا الحديثَ احْتِسَاباً فيما زَعَمُوا فتَقَبَّلَ (٣) النَّاسُ موضُوعَاتِهِم ثِقَةً منْهُم بِهِمْ ورُكُوناً إليهِم (٤). ثُمَّ نَهَضَتْ جَهَابِذَةُ (٥) الحديثِ بِكَشْفِ عُوَارِهَا (٦)، ومَحْوِ عَارِهَا، والحمْدُ للهِ. وفِيْما رُوِّيْنَا عَنِ الإمَامِ أبي بَكْرٍ السَّمْعَانِيِّ (٧) أنَّ بَعْضَ

стр. 193

الكَرَّامِيَّةِ (١) ذَهَبَ إلى جوَازِ وَضْعِ الحديثِ في بابِ التَّرغِيْبِ والتَّرهِيْبِ (٢).

стр. 194

ثُمَّ إنَّ الوَاضِعَ رُبَّمَا صَنَعَ (١) كَلاَماً مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَرَوَاهُ، ورُبَّمَا أخَذَ كَلاَماً لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ أو غيرِهِمْ فَوَضَعَهُ على رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (٢). ورُبَّمَا غَلِطَ غَالِطٌ فَوَقَعَ في شِبْهِ الوَضْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ كما وقَعَ لثَابِتِ بنِ موسَى الزَّاهِدِ في حديثِ: ((مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ باللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بالنَّهَارِ)) (٣).

стр. 195

مِثَالٌ: ((رُوِّيْنَا عَنْ أبي عِصْمَةَ وهوَ: نُوْحُ بنُ أبي مَرْيمَ (١) أنَّهُ قِيْلَ لَهُ: ((مِنْ أيْنَ لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، في فَضَائِلِ القُرْآنِ سُورَةً سُوْرَةً؟))، فقالَ: ((إنِّي رَأيْتُ النَّاسَ قَدْ أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ واشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أبي حَنِيْفَةَ، ومَغَازِي مُحَمَّدِ بنِ إسْحَاقَ، فَوَضَعْتُ هذهِ الأحَادِيْثَ حِسْبَةً)) (٢). وهكذا حَالُ الحديثِ الطَّويلِ الذي يُرْوَى عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ في فَضْلِ القُرْآنِ سُوْرَةً فَسُوْرَةً، بحثَ باحِثٌ (٣) عَنْ مَخْرَجِهِ حَتَّى انتَهَى إلى مَنِ اعترَفَ بأنَّهُ وجماعةً وضَعُوْهُ، وإنَّ أثَرَ الوَضْعِ لَبَيِّنٌ عليهِ. ولَقَدْ أخطأَ الواحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ ومَنْ ذكَرَهُ مِنَ المفسِّرِيْنَ في إيدَاعِهِ تَفَاسِيْرَهُمْ (٤)، واللهُ أعلمُ.

стр. 196

النَّوْعُ الثَّانِي والعِشْرُوْنَ مَعْرِفَةُ الْمَقْلُوْبِ (١) هُوَ نَحْوُ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ (٢) ليَصِيْرَ بذلكَ غَرِيباً مَرْغُوباً فيهِ (٣). وكذلكَ ما رُوِّيْنَا (٤) أنَّ البخاريَّ ﵁ قَدِمَ بَغْدَادَ، فاجْتَمَعَ قَبْلَ مَجْلِسِهِ قومٌ مِنْ أصْحَابِ الحديثِ، وعمدُوا إلى مئةِ حديثٍ، فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وأسَانِيْدَهَا، وجَعَلُوا مَتْنَ هَذا الإسنادِ لإسنادٍ آخَرَ، وإسنادَ هذا المتْنِ لِمَتْنٍ آخَرَ، ثُمَّ حَضَرُوا مَجْلِسَهُ وألْقَوْهَا عليهِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ إلْقَاءِ تِلْكَ الأحادِيْثِ المقلوبَةِ التفَتَ إليْهِمْ فَرَدَّ كُلَّ مَتْنٍ إلى إسْنَادِهِ، وكُلَّ إسْنَادٍ إلى مَتْنِهِ، فأَذْعنُوا لَهُ بالفَضْلِ (٥).

стр. 197

ومِنْ أمْثِلَتِهِ -ويصلحُ مثالاً للمُعَلَّلِ (١) - ما رُوِّيْنَاهُ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عِيْسَى الطَّبَّاعِ، قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيْرُ بنُ حازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إذا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ فلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرونِي)) (٢)، قالَ إسْحَاقُ بنُ عِيْسَى: فَأَتَيْتُ حَمَّادَ بنَ زَيْدٍ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الحديثِ، فقالَ: وَهِمَ أبو النَّضْرِ إنَّمَا كُنَّا جَمِيْعاً في مَجْلِسِ ثابتٍ البُنَانِيِّ (٣)، وحَجَّاجُ بنُ أبي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي قَتَادَةَ، عَنْ أبيهِ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: ((إذا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ فلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرونِي)) (٤). فَظَنَّ أبو النَّضْرِ أنَّهُ فيما حَدَّثَنا ثابِتٌ، عَنْ أنسٍ (٥). أبو (٦) النَّضْرِ: هُوَ جَرِيْرُ بنُ حازِمٍ (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 198

فَصْلٌ قَدْ وَفَّيْنَا بِمَا سَبَقَ الوَعْدُ بشَرْحِهِ مِنَ الأنْوَاعِ الضَّعِيْفَةِ (١)، والحمدُ للهِ، فَلْنُنَبِّهَ الآنَ عَلَى أُمُورٍ مُهِمَّةٍ: أحَدُهَا: إذا رأيْتَ حَدِيْثاً بإسْنَادٍ ضَعِيْفٍ، فَلَكَ أنْ تَقُولَ: هَذَا ضَعِيْفٌ، وتَعْنِي أنَّهُ بذَلِكَ الإسْنَادِ ضعِيْفٌ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: هَذَا ضَعيفٌ، وتَعْني بهِ ضَعْفَ مَتْنِ الحديثِ، بناءً عَلَى مُجَرَّدِ ضَعْفِ ذلكَ الإسنَادِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَرْوِيّاً بإسْنَادٍ آخَرَ صَحِيْحٍ يَثْبُتُ بمثْلِهِ الحديثُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ جَوَازُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ إمَامٍ مِنَ أئِمَّةِ الحديثِ بأنَّهُ لَمْ يُرْوَ بإسْنَادٍ يثبْتُ بهِ (٢)، أو بأنَّهُ حديثٌ ضَعِيْفٌ، أو نَحْوِ هَذَا، مُفَسِّراً وَجْهَ القَدْحِ فيهِ (٣). فإنْ أطْلَقَ وَلَمْ يُفَسِّرْ، فَفِيْهِ كَلاَمٌ يأتِي - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٤) -، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإنَّهُ مِمَّا يُغْلَطُ فيهِ، واللهُ أعلمُ. الثَّاني: يَجوزُ عِندَ أهلِ الحديثِ وغَيرِهِمُ التَّسَاهُلُ في الأسَانِيْدِ ورِوَايَةُ مَا سِوَى الموضوعِ مِنْ أنواعِ الأحاديثِ الضَّعِيْفَةِ مِنْ غَيْرِ اهْتِمَامٍ بِبَيَانِ ضَعْفِهَا فِيْمَا سِوَى صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وأحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ مِنَ الحلاَلِ والحرَامِ وغَيْرِهُما. وَذَلِكَ كَالْمَوَاعِظِ، والقَصَصِ، وفَضَائِلِ الأعْمَالِ، وسَائِرِ فُنُونِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيْبِ، وسَائِرِ مَا لاَ تَعَلُّقَ لهُ بالأحْكَامِ

стр. 199

والعَقَائِدِ (١). ومِمَّنْ رُوِّيْنَا عَنْهُ التَّنْصِيْصُ عَلَى التَّسَاهُلِ في نَحْوِ ذَلِكَ: عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ مَهْدِيٍّ (٢)، وأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٣) ﵄ (٤) -. الثَّالِثُ: إذا أردْتَ رِوَايةَ الحديثِ الضعيفِ بغَيْرِ إسْنادٍ فَلاَ تَقُلْ فيهِ: ((قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ كَذا وكَذا))، وما أشْبَهَ هَذا مِنَ الألفَاظِ الجازِمةِ بأنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ (٥)، وإنَّمَا تَقُولُ (٦) فيهِ: ((رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَذَا وكَذَا، أوْ بَلَغَنا عَنْهُ كَذا وكَذا، أوْ وَرَدَ عَنهُ، أوْ جَاءَ عَنهُ، أوْ رَوَى بَعْضُهُمْ))، ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ (٧). وهَكَذا الْحُكْمُ فيما تَشُكُّ في صِحَّتِهِ وضَعْفِهِ (٨)، وإنَّمَا تَقُولُ: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ))، فيما ظَهَرَ لَكَ صِحَّتُهُ بطريقِهِ الذي أوْضَحْنَاهُ أوَّلاً (٩)، واللهُ أعلمُ.

стр. 200

النَّوْعُ الثَّالِثُ والعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ صِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، ومَنْ تُرَدُّ رِوَايَتُهُ ومَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ قَدْحٍ وَجَرْحٍ وَتَوْثِيْقٍ وتَعْدِيْلٍ (١) أجْمَعَ جمَاهِيرُ أئِمَّةِ الحديثِ والفِقْهِ علَى أنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيْمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايتِهِ أنْ يَكُونَ عَدْلاً ضَابِطاً لِمَا يَرْوِيهِ. وتَفْصِيْلُهُ: - أنْ يَكُونَ مُسْلِماً. - بَالِغاً. - عَاقِلاً. - سَالِماً مِنْ أسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المرُوْءةِ (٢). - مُتَيَقِّظاً غَيْرَ مُغَفَّلٍ. - حَافِظاً إنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ. - ضَابِطاً لِكِتَابِهِ إنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ. - وإنْ كَانْ يُحَدِّثُ بالمعنَى اشْتُرِطَ فيهِ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُوْنَ عَالِماً بِمَا يُحِيْلُ المعَاني واللهُ أعلَمُ. ونُوضِحُ (٣) هذِهِ الجمْلَةَ بمسَائِلَ:

стр. 201

إحْدَاهَا (١): عَدَالَةُ الرَّاوي تَارةً تَثْبُتُ بتَنصِيْصِ مُعدِّلَيْنِ عَلَى عَدَالَتِهِ، وتَارَةً تَثْبُتُ بالاسْتِفَاضَةِ (٢)، فَمَنِ اشْتَهَرتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أهلِ النَّقْلِ أو نَحْوِهِم مِنْ أهلِ العِلْمِ وشَاعَ الثَّنَاء عليهِ بالثِّقَةِ والأمانةِ اسْتُغْنِيَ فيهِ بذلكَ (٣) عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بعَدَالَتِهِ تَنْصِيْصاً. وهَذَا هُوَ الصحيحُ في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وعليهِ الاعتمادُ في فَنِّ أصُوْلِ الفِقْهِ. ومِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أهلِ الحديثِ أبو بَكْرٍ الخطيبُ الحافظُ (٤)، ومَثَّلَ ذَلِكَ بمالِكٍ، وشُعبةَ، والسُّفْيانَيْنِ، والأوْزَاعِيِّ، واللَّيْثِ، وابنِ المبارَكِ، ووكِيعٍ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعِينٍ، وعَلِيِّ بنِ المدِيْنِيِّ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُم في نَبَاهَةِ الذِّكْرِ واستِقَامَةِ الأمرِ، فَلاَ يُسْألُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاَءِ وأمْثَالِهِمْ، وإنَّمَا يُسْألُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ خَفِيَ أمرُهُ عَلَى الطَّالِبِيْنَ. وتَوَسَّعَ ابنُ عَبْدِ البرِّ الحافِظُ في هذا فقالَ (٥): ((كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفِ العِنايةِ بهِ، فَهوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ في أمْرِهِ أبَداً عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ، لِقَولِهِ ﷺ : ((يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُهُ)) (٦)، وفيما قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ

стр. 202

_________ = قلنا: الأمر محتمل لكلا القولين، وعادة المحدّثين فيما هذه صورته تقديم أضعف الاحتمالين من باب الاحتياط، كما إذا روى عن شخص يشترك في اسمه اثنان: ثقة وضعيف، ولا يعين واحداً منهما بصفة أو علامة أو دلالة تخصّه عن الآخر، قدّم الضعيف احتياطاً. ثم إن هذا الاحتمال ينتفي لو قال: عن رجل من أصحاب رسول الله أو نحو ذلك، لكن توثيقه في الرواية بقوله: الثقة من أشياخنا، يدل على أنه ليس صحابياً، فإن الصحابة لا يحتاجون إلى توثيق البتة. ٢ - معان بن رفاعة السلامي، عنه، عن النبي ﷺ ، وروي عنه من ثلاثة وجوه: - أخرجه ابن حبان في الثقات ٤/ ١٠، وابن عدي ١/ ٢٤٩، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٥٣، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٩، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/ ٣٧ - ٣٨، من طريق أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معان، به. - أخرجه العقيلي ٤/ ٢٥٦، وابن أبي حاتم ٢/ ١٧، وابن عدي ١/ ٢٤٩، وابن عبد البر ١/ ٥٩، وابن عساكر في تاريخه ٧/ ٣٨، من طريق إسماعيل بن عياش، عن معان، به. - أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ١٧، وابن عدي ١/ ٢٤٩، وابن عساكر ٧/ ٣٨، من طريق مبشر بن إسماعيل، عن معان، به. وجميع طرق معان معلّة بضعفه، وجهالة إبراهيم العذري، وإرسال الحديث، وزاد عليها الوجه الأول عنعنة بقية - وهو مدلس -. الثاني: من حديث أسامة بن زيد ﵁، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٣)، وابن عساكر ٧/ ٣٩، من طريق محمد بن جرير الطبري، عن عثمان بن يحيى، عن عمرو بن هاشم البيروتي، عن ابن أبي كريمة، عن معان، عن أبي عثمان النهدي، عنه مرفوعاً. وفي هذا الإسناد: عمرو بن هاشم فيه كلام. ديوان الضعفاء ٢/ ٢١١، وتقريب التهذيب (٥١٢٧). وابن أبي كريمة: ضعّفه أبو حاتم، وقال العقيلي: روى عن هشام بواطيل. ميزان الاعتدال ٣/ ٥٧٠. ومعان بن رفاعة: قال الذهبي: ((صاحب حديث ليس بمتقن)). ميزان الاعتدال ٤/ ١٣٤. الثالث: من حديث ابن مسعود ﵁، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٤) من طريق عبد الله ابن صالح، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن مسعود، به. وعبد الله بن صالح، كاتب الليث: صدوق، ثبت في كتابه، كثير الغلط من حفظه، وكانت فيه غفلة. ديوان الضعفاء ٢/ ٤٣، وتقريب التهذيب (٣٣٨٨). =

стр. 203

_________ = الرابع: من حديث علي بن أبي طالب ﵁، أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ٢٤٧، من طريق موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، عن أبيه، عن جده، عن علي، به. وهذا إسناد معضل، فالباقر لم يدرك جديه الحسن والحسين، فضلاً عن جده الأعلى عليّ. انظر: جامع التحصيل: ٢٦٦. الخامس: من حديث أبي أمامة ﵁، أخرجه العقيلي ١/ ٩، وابن عدي ١/ ٢٤٩، من طريق محمد بن عبد العزيز الرملي، عن بقية، عن رزيق الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمان، عن أبي أمامة، به. وفيه: محمد بن عبد العزيز: صدوق يهم. تقريب التهذيب (٦٠٩٣). ورزيق: قال ابن حبان فيه: يتفرد بالأشياء التي لا تشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به. المجروحين ١/ ٣٠١. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. تقريب التهذيب (١٩٣٨)، والقاسم بن عبد الرحمان تكلم فيه أحمد. انظر: ديوان الضعفاء ٢/ ٢٤٧، ومجمع الزوائد ١/ ١٤. السادس: من حديث معاذ بن جبل ﵁، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (١٤). من طريق عبد الله بن خراش بن حوشب، عن العوام بن حوشب، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، به. وفيه: عبد الله بن خراش: ضعّفه الدارقطني، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: ضعيف. وأطلق عليه ابن عمار: الكذب. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤١٣، وتقريب التهذيب (٣٢٩٣). وشهر بن حوشب: مختلف فيه. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٤، ثم إنه لم يلق معاذاً، فروايته عنه منقطعة. انظر: جامع التحصيل: ١٩٧. السابع: من حديث ابن عمر ﵄، أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ٤٥٧، من طريق خالد بن عمرو القرشي، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم، عن ابن عمر، به. قال ابن عدي: ((لا أعلم يرويه عن الليث غير خالد بن عمرو)). ورواه في ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨، وقال عقبه: ((وهذه الأحاديث التي رواها خالد عن الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب كلها باطلة، وعندي أن خالد بن عمرو وضعها على الليث)). قلنا: نعم ... خالد بن عمرو: متهم. قال أحمد: ليس بثقة، وكذّبه ابن معين، ونسبه صالح جزرة إلى الوضع. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٦٣٥. الثامن: من حديث ابن عمرو ﵄، أخرجه العقيلي ١/ ٩ - ١٠ من طريق خالد بن عمرو، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي قبيل، عن ابن عمرو، به. وفيه ما في الذي قبله. التاسع: من حديث أبي هريرة، وقد روي عنه من وجوه: =

стр. 204

مَرْضِيٍّ (١)، واللهُ أعلمُ.

стр. 205

الثَّانِيَةُ: يُعْرَفُ كَوْنُ الرَّاوِي ضَابِطاً، بأنْ نَعْتَبرَ (١) رِوَاياتِهِ بروَاياتِ الثِّقَاتِ المعْرُوفِيْنَ بالضبْطِ والإتْقانِ، فَإنْ وَجَدْنا رِوَاياتِهِ موافقةً وَلَوْ مِنْ حَيْثُ المعْنَى لِرِوَاياتِهِم أو موافِقَةً لَهَا في الأغْلَبِ والمخالَفَةُ نَادِرَةٌ عَرَفْنا حِيْنَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطاً ثَبْتاً، وإنْ وَجدْناهُ كثيرَ المخالَفةِ لهم عَرَفْنا اختِلاَلَ ضَبْطِهِ ولَمْ نَحْتَجَّ (٢) بحديثِهِ (٣)، واللهُ أعلمُ. الثَّالِثَةُ: التعديلُ مقبولٌ مِنْ غيرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ على المذهبِ الصحيحِ المشهورِ (٤)؛ لأنَّ أسْبَابَهُ كَثيرةٌ يَصْعُبُ ذِكْرُها، فَإنَّ ذَلِكَ يُحْوِجُ المعدِّلَ إلى أنْ يقولَ: لَمْ يَفْعَلْ كذا، ولَمْ يَرتكِبْ كَذا، فَعَلَ كَذا وكَذا فيُعَدِّدُ جميعَ ما يفسقُ بفِعلِهِ أو بتَرْكِهِ وذَلِكَ شَاقٌّ جِدّاً (٥). وأمَّا (٦) الْجَرْحُ فَإنَّهُ لاَ يُقْبَلُ إلاَّ مُفَسَّراً مبَيَّنَ السَّبَبِ (٧)؛ لأنَّ الناسَ يَختَلِفُونَ فيما يَجْرَحُ وما لاَ يَجْرَحُ، فيَطلقُ أحدُهُمُ الْجَرْحَ بناءً على أمرٍ اعتَقَدَهُ جَرْحاً ولَيْسَ بجرْحٍ في نفسِ الأمرِ؛ فلاَ بُدَّ مِنْ بِيَانِ سَبِبِهِ لِيُنْظَرَ فيهِ: أهُوَ جَرْحٌ أمْ لاَ؟ وهذا ظاهرٌ مقرّرٌ في الفِقْهِ وأصُولِهِ (٨).

стр. 206

وذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ (١): أنَّهُ مَذْهَبُ الأئِمَّةِ مِنْ حُفَّاظِ الحديْثِ ونُقَّادِهِ، مِثْلَ البخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، وغَيْرِهِما؛ ولذلكَ احْتَجَّ البخاريُّ بجماعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الجرحُ لَهُمْ (٢)، كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، وكَإسْمَاعِيْلَ بنِ أبي أُوَيْسٍ، وعَاصِمِ بنِ علِيٍّ، وعَمْرِو بنِ مَرْزُوقٍ، وغَيْرِهِمْ. واحْتَجَّ مُسْلِمٌ بسُوَيْدِ بنِ سعيدٍ وجماعةٍ اشْتَهَرَ الطَّعْنُ فيهمْ، وهَكَذا فَعَلَ أبو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ؛ وذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أنَّهُمْ ذَهَبُوا إلى أنَّ الجرحَ لاَ يَثْبُتُ إلاَّ إذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ. ومَذَاهِبُ النُّقَّادِ للرِّجَالِ غَامِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ (٣). وَعَقَدَ الخطيبُ (٤) باباً في بَعْضِ أخْبَارِ مَنِ اسْتُفْسِرَ في جَرْحِهِ فَذَكَرَ ما لاَ يصلحُ جارِحاً، منها: عَنْ شُعْبَةَ أنَّهُ قِيْلَ لهُ: ((لِمَ تَركْتَ حَدِيْثَ فُلاَنٍ؟))، فقَالَ: ((رأيْتُهُ يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَونٍ (٥)، فَتَرَكْتُ حَدِيْثَهُ)) (٦). ومِنْها عَنْ مُسْلِمِ بنِ إبراهيمَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيْثٍ لِصَالِحِ الْمُرِّيِّ (٧)، فَقَالَ: مَا يُصْنَعُ (٨) بصَالِحٍ؟ ذَكروهُ يوماً عِنْدَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ فامتَخَطَ حَمَّادٌ (٩)، واللهُ أعلمُ.

стр. 207

قُلْتُ: ولِقَائلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَعتمِدُ النَّاسُ في جَرْحِ الرواةِ ورَدِّ حَدِيْثِهِمْ، عَلَى الكُتُبِ التي صَنَّفَها أئِمَّةُ الحديثِ في الجرْحِ، أو في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ، وقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فيها لِبَيَانِ السَّبَبِ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ ضَعِيْفٌ، وفُلاَنٌ لَيْسَ بِشَيءٍ، ونَحْوُ ذلكَ، أو هذا حديثٌ ضَعيفٌ، وهذا حديثٌ غيرُ ثابتٍ، ونَحْوُ ذلكَ؛ فاشتِرَاطُ بَيَانِ السبَبِ يُفْضِي إلى تَعْطِيْلِ ذَلِكَ، وسَدِّ بابِ الجَرْحِ في الأغْلَبِ الأكْثَرِ. وَجَوابُهُ: أنَّ ذلكَ وإنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ (١) في إثباتِ الجرحِ والحكمِ بهِ، فَقَدْ اعْتَمَدْنَاهُ في أنْ توقَّفْنا عَنْ قَبُولِ حديثِ مَنْ قَالُوا فيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أنَّ ذَلِكَ أوقَعَ عِندنا فيهِم رِيْبَةً قويَّةً يُوْجِبُ مِثْلُها التَّوقُّفَ. ثُمَّ مَنِ انْزَاحَتْ عنهُ الرِّيْبَةُ منهُمْ، بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أوْجَبَ الثِّقَةَ بِعَدَالَتِهِ، قَبِلْنا حَدِيْثَهُ ولَمْ نَتَوَقَّفْ (٢)، كالذينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبَا " الصَّحِيْحَيْنِ " وغَيْرِهِما مِمَّنْ مَسَّهُمْ مثلُ هذا الجرحِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فافْهَمْ ذَلِكَ فإنَّهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ (٣)، واللهُ أعلمُ.

стр. 208

الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ: هَلْ يَثْبُتُ الجرحُ والتَّعْدِيْلُ بقَوْلِ واحِدٍ، أو لاَ بُدَّ مِنِ اثنينِ؟. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لاَ يَثبتُ ذَلِكَ إلاَّ باثْنَيْنِ كَما في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ في الشَّهَاداتِ، ومِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وهوَ الصحيحُ الذي اخْتَارَهُ الحافِظُ أبو بَكْرٍ الخطيبُ (١) وغيرُهُ - أنَّهُ يَثْبُتُ بواحِدٍ؛ لأنَّ العدَدَ لَمْ يُشْتَرَطْ في قَبُولِ الخبَرِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ في جَرْحِ راويهِ وتعديْلِهِ بخِلاَفِ الشَّهاداتِ (٢)، واللهُ أعلمُ.

стр. 209

الخامِسَةُ: إذا اجْتَمعَ في شَخْصٍ جَرْحٌ وتَعْديلٌ، فالجرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ المعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حالِهِ، والجارِحُ يُخْبِرُ عَنْ باطِنٍ خَفِيَ عَلَى المعَدِّلِ (١)، فإنْ كَانَ عَدَدُ المعدِّلِيْنَ أكْثَرَ فقَدْ قِيْلَ: التَّعْدِيْلُ أوْلَى (٢). والصحيحُ والذي عليهِ الجمْهُورُ: أنَّ الجرْحَ أوْلَى، لِمَا ذَكَرْنَاهُ (٣)، واللهُ أعلمُ. السادِسَةُ: لاَ يُجْزِئُ التَّعْديلُ عَلَى الإبْهَامِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ المعَدَّلِ، فإذا قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أوْ نَحْوُ ذلكَ مُقْتَصِراً عليهِ لَمْ يُكْتَفَ بهِ فيما ذَكَرَهُ الخطيبُ الحافِظُ (٤)، والصَّيْرَفِيُّ الفَقِيْهُ وغيرُهُما (٥)، خِلافاً لِمَنِ اكْتَفَى بذلِكَ؛ وذَلِكَ لأنَّهُ قدْ يكونُ ثقةً عِنْدَهُ، وغيرُهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى جَرْحِهِ بما هُوَ جارِحٌ عِنْدَهُ، أو بالإجْمَاعِ، فيُحْتَاجُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ

стр. 210

حَتَّى يُعْرَفَ، بَلْ إضْرَابُهُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ مُرِيْبٌ يُوقِعُ في القلوبِ فيهِ تَرَدُّداً؛ فإنْ كَانَ القائِلُ لذَلِكَ عَالِماً أجْزَأَ ذَلِكَ في حَقِّ مَنْ يُوَافقُهُ في مَذْهبِهِ، عَلَى ما اخْتارَهُ بَعضُ المحقِّقِينَ (١). وذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ (٢) أنَّ العَالِمَ إذا قالَ: ((كُلُّ مَنْ رَوَيْتُ عنهُ فهوَ ثِقَةٌ وإنْ لَمْ أُسَمِّهِ))، ثُمَّ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ (٣)، فَإنَّهُ يَكُونُ مُزَكِّياً لهُ، غيرَ أنَّا لاَ نَعْملُ بتَزْكِيَتِهِ هذهِ، وهذا عَلَى مَا قَدَّمناهُ، واللهُ أعلمُ. السابِعَةُ: إذا رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُلٍ وسَمَّاهُ، لَمْ تُجْعَلْ (٤) رِوايتُهُ عَنهُ تَعْدِيلاً منهُ لهُ عِندَ أكثَرِ العلمَاءِ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ (٥). وقالَ بَعضُ أهلِ الحديثِ، وبعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ: يُجْعَلُ (٦) ذَلِكَ تَعْدِيْلاً منهُ لهُ؛ لأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّعديلَ (٧). والصحيحُ هوُ الأوَّلُ؛ لأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ روايتُهُ عنهُ تعديلَهُ. وهَكَذَا نقولُ: إنَّ عَمَلَ العَالِمِ أوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حديثٍ، ليسَ حُكْماً منهُ بصِحَّةِ ذلكَ الحديثِ (٨).

стр. 211

وكذَلِكَ مُخالَفَتُهُ للحديثِ ليسَتْ قَدْحاً منهُ في صِحَّتِهِ ولاَ في راويهِ، واللهُ أعلمُ. الثَّامِنَةُ: في روايةِ المجهُولِ، وهوَ في غَرَضِنا هَاهنا أقسَامٌ: أحدُها: المجهُولُ العدالةِ مِنْ حيثُ الظَّاهِرُ والباطِنُ جميعاً، وروايتُهُ غيرُ مَقْبُولةٍ عِندَ الجماهِيْرِ عَلَى مَا نَبَّهْنا عليهِ أوَّلاً (١). الثَّاني: المجْهُولُ الذي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ البَاطِنَةُ، وهوَ عَدْلٌ في الظَّاهِرِ وهوَ المسْتُورُ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أئِمَّتِنا (٢): المستُورُ مَنْ يَكونُ عَدْلاً في الظاهِرِ، ولاَ تُعْرَفُ عدَالَةُ باطِنِهِ. فهذا المجهُولُ يَحْتَجُّ بروايتِهِ بعضُ مَنْ رَدَّ روايةَ الأوَّلِ، وهوَ قَولُ بعضِ الشَّافِعِيَّيْنَ، وبهِ قَطَعَ منهُمُ الإمامُ سُلَيْمُ بنُ أيُّوبَ الرَّازيُّ، قالَ: ((لأنَّ أمرَ الأخبارِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بالرَّاوي؛ ولأنَّ روايةَ الأخبارِ تَكُونُ عندَ مَنْ يَتَعَذَّرُ عليهِ معرفَةُ العَدَالَةِ في الباطِنِ، فاقتُصِرَ

стр. 212

فيها (١) علَى مَعرِفَةِ ذلكَ في الظَّاهِرِ، وتُفَارِقُ الشَّهَادَةَ، فإنَّها تكُونُ عِنْدَ الحكَّامِ، ولاَ يَتَعَذَّرُ عليْهِمْ ذَلِكَ، فاعْتُبِرَ (٢) فيها العدَالَةُ في الظَّاهِرِ والباطِنِ)). قُلْتُ: ويُشْبِهُ أنْ يكونَ العمَلُ على هذا الرأيِ في كثيرٍ مِنْ كُتُبِ الحديثِ المشهُورَةِ، في غيرِ واحِدٍ مِنَ الروَاةِ الذينَ تَقَادَمَ العهْدُ بهِمْ وتَعَذَّرَتْ الخِبْرَةُ الباطِنَةُ بهِمْ (٣)، واللهُ أعلمُ. الثَّالِثُ: المجهُولُ العَيْنِ، وقَدْ يَقْبَلُ روايةَ المجهُولِ العدالةِ مَنْ لاَ يَقْبَلُ روايَةَ المجهُولِ العيْنِ (٤). وَمَنْ رَوَى عنهُ عَدْلاَنِ وعَيَّناهُ، فقدِ ارتَفَعَتْ عنهُ هذهِ الجهَالَةُ (٥).

стр. 213

ذَكَرَ (١) أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديُّ في أجوِبَةِ مسائِلَ سُئِلَ عَنها (٢) أنَّ (٣) المجهُولَ عندَ أصحابِ الحديثِ هوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ (٤) العلماءُ، ومَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُهُ إلاَّ مِنْ جِهَةِ رَاوٍ واحدٍ، مِثْلُ: عَمْرِو ذِي مُرٍّ (٥)، وجَبَّارٍ الطَّائيِّ، وسعيدِ بنِ ذِي حُدَّانَ (٦)، لَمْ يَروِ عنهُمْ غَيرُ أبي إسْحَاقَ السَّبِيْعِيِّ (٧)، ومِثْلُ: الْهَزْهَازِ بنِ مَيْزَنٍ (٨) لاَ رَاوِيَ عنهُ غيرُ الشَّعْبيِّ، ومِثْلُ: جُرَيِّ (٩) بنِ كُلَيْبٍ، لَمْ يَرْوِ عنهُ إلاَّ قَتَادَةُ.

стр. 214

قُلْتُ: قدْ رَوَى عَنِ الْهَزْهَازِ: الثَّوْرِيُّ أيضاً (١). قالَ الخطيبُ: ((وأقَلُّ ما ترتَفِعُ (٢) بهِ الجهالةُ، أنْ يَروِيَ عَنِ الرجلِ اثْنانِ مِنَ المشهورِينَ بالعِلْمِ إلاَّ أنَّهُ لاَ يَثْبُتُ لَهُ حُكمُ العدالَةِ بروايَتِهِما عَنْهُ)) (٣)، وهذا مِمَّا قَدَّمْنا بَيَانَهُ، واللهُ أعلمُ. قُلْتُ (٤): قَدْ خَرَّجَ البخاريُّ في " صَحِيْحِهِ " حديثَ جماعةٍ ليسَ لَهُمْ غيرُ راوٍ واحِدٍ، منهُمْ: مِرْدَاسٌ (٥) الأسْلَمِيُّ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ قَيْسِ بنِ أبي

стр. 215

حازِمٍ (١). وكَذَلِكَ خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيْثَ قَوْمٍ لاَ راوِيَ لَهُمْ غَيْرُ واحِدٍ، منهُم: رَبِيْعَةُ (٢) ... ابنُ كَعْبٍ الأسْلمِيُّ، لَمْ يَرْوِ عنهُ غَيْرُ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ (٣)؛ وذَلِكَ منهُما مصيرٌ إلى أنَّ الراويَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولاً مَرْدُوداً، بروَايةِ واحِدٍ عنهُ (٤). والخِلاَفُ في
следующие страницы →