← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

_________ = وسفيان يوقفانه على أبي بردة، فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليَّ من سفيان وشعبة)). سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال الإمام الترمذي: ((إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق)). جامع الترمذي عقيب (١١٠٢). سابعاً: في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو مدلس. جامع التحصيل: ١٠٨، وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١: ((وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق)). وممن تابعه: ابنه يونس، عن أبي بردة، أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤١٣، ٤١٨ وقد سبق أنّ أبا داود أخرجه عن أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال أبو داود في سننه ٢/ ٢٢٩ عقب (٢٠٨٥): ((هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بردة)). يعني أنَّ يونسَ يرويه بإسقاط أبي إسحاق، وإسرائيل يذكره، فجمع أبي عبيدة لهما على أسناد واحد خطأ. ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه عقب (١١٠٢) على نحو ما ذكره أبو داود. قلنا: يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة، فيكون قد سمعه منهما كليهما، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا. ينظر: العلل الكبير للترمذي ١٥٦، وصحيح ابن حبّان. الإحسان ٦/ ١٥٤ عقب (٤٠٧١) قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١ - ١٧٢: ((ولست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بردة)). ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٢: ((قد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش)) ثم قال: ((وفي الباب عن علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر ... )). والحديث صحّحه البخاري كما رواه عنه الخطيب فيما سبق، وروى الحاكم أيضاً تصحيحه عن علي بن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي. المستدرك ٢/ ١٧٠. قلنا: مما سبق تبين أنَّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله، وأما زعم من زعم أنَّ الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة، فهو كلام بعيد مجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره من أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها. والقول بقبولها مطلقاً هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين، قال به الخطيب وشهره ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ((ومن تأمل ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره)). فتح الباري ٩/ ٢٢٩ (طبعة الكتب العلمية). فالذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقاً ولا يردونها مطلقاً بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيح: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحياناً، قال الحافظ ابن حجر: ((والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان =

стр. 142

فحَكَى الخطيبُ الحافِظُ (١): أنَّ أكثرَ أصحابِ الحديثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ في هذا وأشباهِهِ للمرسَلِ (٢). وعَنْ بَعضِهِمْ: أنَّ الحكمَ للأكثرِ (٣). وعَنْ بَعضِهِمْ: أنَّ الحكمَ للأحفظِ (٤)، فإذا كانَ مَنْ أرسَلَهُ أحفظُ ممَّنْ وصلَهُ فالحكمُ لِمَنْ أرسَلَهُ، ثُمَّ لا يَقْدَحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وصَلَهُ وأهليَّتِهِ (٥).

стр. 143

ومنهمْ مَنْ قالَ: ((مَنْ أسندَ حديثاً قدْ أرسَلَهُ الحفَّاظُ فإرسالُهُم لهُ يَقْدحُ في مُسْنِدِهِ، وفي عدالتِهِ وأهليَّتِهِ)) (١). ومنهم مَنْ قالَ: ((الحكمُ لِمَنْ أسندَهُ، إذا كانَ عدلاً ضابطاً فيُقْبَلُ خبرُهُ، وإنْ خالَفَهُ غيرُهُ سواءٌ كانَ المخالِفُ لهُ واحداً أو جماعةً)) (٢)، قالَ الخطيبُ: ((هذا القولُ هوَ الصحيحُ)) (٣). قلتُ: وما صحَّحَهُ هوَ الصحيحُ في الفقهِ وأصولِهِ (٤). وسُئِلَ البخاريُّ عنْ حديثِ: ((لا نِكَاحَ إلاَّ بوليٍّ)) المذكورَ، فحَكَمَ لِمَنْ وصَلَهُ، وقالَ: ((الزيادةُ مِنَ الثِّقَةِ مقبولةٌ)) (٥). فقالَ البخاريُّ هذا، مَعَ أنَّ مَنْ أرسلَهُ شُعبةُ وسفيانُ، وهما جَبَلانِ لهما مِنَ الحفظِ والإتقانِ الدرجةُ العاليةُ. ويلتحقُ بهذا، ما إذا كانَ الذي وصَلَهُ هو الذي أرسلَهُ، وصَلَهُ في وقتٍ وأرسلَهُ في وقتٍ (٦). وهكذا إذا رفعَ بعضُهُمُ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ ووقَفَهُ بعضُهُم على الصحابيِّ أو رفَعَهُ واحدٌ في وقتٍ، ووقَفَهُ هوَ أيضاً في وقتٍ آخرَ، فالحكمُ على الأصحِّ (٧) في كلِّ ذلكَ لِمَا زادَهُ الثقةُ مِنَ الوصْلِ والرفعِ؛ لأنَّهُ مثبتٌ وغيرُهُ ساكتٌ، ولو كانَ نافياً،

стр. 144

فالْمُثْبِتُ مقدَّمٌ عليهِ؛ لأنَّهُ عَلِمَ ما خَفِيَ عليهِ (١)؛ ولهذا الفصلِ تَعَلُّقٌ بفَصْلِ زيادةِ الثقةِ في الحديثِ وسيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وهو أعلمُ. النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ مَعْرِفَةُ التَّدْلِيْسِ، وحُكْمِ الْمُدَلَّسِ (٢) التدليسُ (٣) قِسمانِ (٤):

стр. 145

أحدُهُما: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ عَمَّنْ لَقِيَهُ ما لَمْ يَسْمَعْهُ منهُ، مُوهِماً أنَّهُ سَمِعَهُ منهُ (١)، أو عَمَّنْ عاصَرَهُ ولَمْ يَلْقَهُ، مُوهِماً أنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ منهُ. ثُمَّ قدْ يكونُ بينَهُما واحِدٌ وقدْ يكونُ أكثرُ. ومِنْ شَأنِهِ أنْ لا يقولَ في ذلكَ: ((أخبرنا فلانٌ))، ولا ((حدَّثنا))، وما أشبَهَهُما. وإنَّما يقولُ: ((قالَ فلانٌ أو عَنْ فلانٍ))، ونحوَ ذلكَ (٢). مثالُ ذلكَ: ((ما رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ خَشْرَمٍ (٣) قالَ: كُنَّا عندَ ابنِ عُيينةَ، فقالَ: ((الزهريُّ))، فقيلَ لهُ: ((حَدَّثَكُمُ الزهريُّ؟))، فسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: ((الزهريُّ))، فقيلَ لهُ: ((سَمِعْتَهُ مِنَ الزهريِّ؟))، فقالَ: ((لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزهريِّ، ولا ممَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزهريِّ، حدَّثَني عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزهريِّ)) (٤).

стр. 146

القسمُ الثاني: تدليسُ الشيوخِ، وهوَ أنْ يرويَ عَنْ شيخٍ حديثاً سَمِعَهُ مِنْهُ، فيُسَمِّيَهُ، أو يَكْنِيَهُ أو يَنْسُبَهُ، أو يَصِفَهُ بما لا يُعْرَفُ بهِ كيْ لا (١) يُعرَفُ (٢)، مِثالُهُ: ما رُويَ لنا عَنْ أبي بكرِ بنِ مجاهِدٍ الإمامِ المقرئِ أنَّهُ رَوَى عَنْ أبي بكرٍ عبدِ اللهِ بنِ أبي داودَ السِّجِسْتانيِّ، فقالَ: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ أبي عبدِ اللهِ، وروى عَنْ أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ النَّقَّاشِ (٣) الْمُفَسِّرِ المُقرئِ فقالَ: ((حدَّثَنا محمدُ بنُ سَنَدٍ، نسبَهُ إلى جدٍّ لهُ)) (٤)، واللهُ أعلمُ. أمَّا القسمُ الأوَّلُ فمكروهٌ جدّاً، ذمَّهُ أكثَرُ العلماءِ (٥)، وكانَ شُعبةُ مِنْ أشدِّهِم ذَمّاً لهُ، فرُوِّيْنا عَنِ الشافعيِّ الإمامِ، عنهُ (٦) أنَّهُ قالَ: ((التدليسُ أخو الكَذِبِ)) (٧). ورُوِّيْنا

стр. 147

عنهُ أنَّهُ قالَ: ((لأنْ أزنيَ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُدَلِّسَ)) (١)، وهذا مِنْ شُعبَةَ إفراطٌ محمولٌ على المبالغةِ في الزَّجْرِ عنهُ والتَّنْفِيرِ (٢). ثُمَّ اختلفُوا في قَبولِ روايةِ مَنْ عُرِفَ بهذا التدليسِ فجعلَهُ فريقٌ مِنْ أهلِ الحديثِ والفقهاءِ مجروحاً بذلكَ، وقالوا: لا تُقبَلُ روايتُهُ بحالٍ، بَيَّنَ السَّمَاعَ أوْ لَمْ يُبَيِّنْ (٣). والصحيحُ التفصيلُ: وأنَّ ما رواهُ المدلِّسُ بلفظٍ مُحتَملٍ لَمْ يُبَيِّنْ فيهِ السماعَ والاتِّصالَ، حُكْمُهُ حُكْمُ المرسَلِ وأنواعِهِ (٤)، وما رواهُ بلفظٍ مُبيِّنٍ للاتِّصالِ (٥)، نحوُ ((سَمِعْتُ، وحدَّثَنا، وأخبَرَنا)) وأشباهِها، فهو مقبولٌ محتجٌّ بهِ. وفي " الصحيحينِ " وغيرِهِما مِنَ الكُتُبِ المعتمدةِ مِنْ حديثِ هذا الضَّرْبِ كثيرٌ جدّاً، كقتادةَ، والأعمشِ، والسُّفيَانَيْنِ، وهُشَيْمِ (٦) بنِ بَشِيْرٍ، وغيرِهِمْ (٧).

стр. 148

_________ = في النفس لغصة من استثناء أبي عمرو بن الصلاح وغيره من المتأخرين عنعنة المدلّسين في الصحيحين من بين سائر معنعنات المدلسين))، ورد مقالة النووي، وقال: ((وهي دعوى لا تقبل إلا بدليل لا سيما مع أن كثيراً من الحفّاظ يعلّلون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها، كما فعلوا في حديث الوليد بن مسلم في نفي قراءة البسملة في الصلاة وغيره)). قلت -القائل: الزركشي-: قد أزال الغصة الشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، فأشار في كلام له إلى استشكال حول رواية المدلس في الصحيحين وردّ روايته في غيرهما، قال: ((ولابدّ من الثبات على طريقة واحدة إما القبول أو الردّ، الممكن هنا من الأحوال الثلاثة: إما أن تردّ الأحاديث من المدلس مطلقاً في الصحيحين وغيرهما، وإما أن يفرق بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه، فأما الأول فلا سبيل إليه؛ للاستقرار على ترك التعرض لما في الصحيحين، وإن خالف في ذلك الظاهرية من المغاربة، فإني رأيتهم يجسرون على أشياء من أحاديث الصحيحين بسبب كلام قيل: في بعض الرواة، ولا يجعلون راويها في حمى من تخريج صاحب الصحيح لهم. وأما الثاني: ففيه خروج عن المذهب المشهور في أن رواية المدلس محكوم عليها بالانقطاع حتّى يتبيّن السماع. وأما الثالث: وهو التفصيل بين ما في الصحيحين من ذلك وبين غيره فلا يظهر فيه وجه صحيح في الفرق، وغاية ما يوجه به أحد أمرين: أحدهما: أن يُدّعى أن تلك الأحاديث عرف صاحبا الصحيح صحة السماع فيها، وهذا إحالة على جهالة وإثبات للأمر بمجرد الاحتمال، وحكم على صاحب الصحيح بأنه يرى هذا المذهب أعني: أن رواية المدلس محمولة على الانقطاع، وإلاّ فيجوز أن يرى أنها محمولة على السماع حتّى يظهر الانقطاع، وإذا جاز وجاز فليس لنا الحكم عليه بأحد الجائزين مع الاحتمال. والثاني: أن يدعى أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث وإلا لكانت الأمة مجمعة على الخطأ، وهو ممتنع، وهذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلاف مقتضاه، وهذا فيه عسر، ونحن ما ادّعيناه وإنما ادّعينا أن الظنّ الثابت سبب الإطباق على التصحيح لما في الكتابين أقوى من الظن المقابل له، ويلزم مَن سلك هذه الطريق ألا يستدل بما جاء في رواية المدلّس من غير الصحيح، ولا يقول: ((هذا شرط مسلم))، فلنحتج به؛ لأن الإجماع الذي يُدّعى ليس موجوداً فيما لم خرّج في غير هذا الطريق، أعني: طريق القدح بسبب التدليس)). قال ابن حجر ٢/ ٦٣٦: ((وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي: ((وسألته عن ما وقع في الصحيحين من حديث المدلّس معنعناً هل تقول: أنهما اطلعا على اتصالها؟ فقال: كذا يقولون وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلاّ ففيهما أحاديث من رواية المدلّسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح)). قلت: - القائل ابن حجر -: وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلّسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط. أما ما كان في المتابعات =

стр. 149

وهذا؛ لأنَّ التدليسَ ليسَ كَذِباً، وإنَّما هوَ ضَرْبٌ مِنَ الإيْهامِ بلفظٍ مُحْتَملٍ، والْحُكْمُ بأنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنَ المدلِّسِ حَتَّى يُبَيِّنَ، قدْ أجراهُ الشافِعِيُّ ﵁ فيمَنْ عَرَفناهُ دلَّسَ مرَّةً (١)، واللهُ أعلمُ. وأمَّا القسمُ الثاني فأمرُهُ أخفُّ، وفيهِ تضْييعٌ للمَرْوِيِّ عنهُ، وتَوعِيرٌ لطريقِ معرفِتِهِ على مَنْ يطلُبُ الوقوفَ على حالِهِ وأهليَّتِهِ (٢). ويختلِفُ الحالُ في كراهَةِ ذلكَ بحسَبِ الغرضِ الحاملِ عليهِ، فقدْ يحمِلُهُ على ذلكَ كونُ شيخِهِ الذي غَيَّرَ سِمَتَهُ غيرَ ثقةٍ (٣)، أو

стр. 150

كونُهُ متأخِّرَ الوفاةِ قدْ شاركَهُ في السماعِ منهُ جماعةٌ دُونَهُ، أو كونُهُ أصغرَ سِنّاً مِنَ الراوي عَنْهُ، أو كونُهُ كثيرَ الروايةِ عنهُ، فلا يُحِبُّ الإكثارَ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ واحدٍ على صورةٍ واحدةٍ (١). وتَسَمَّحَ بذلكَ جماعةٌ مِنَ الرواةِ المصنِّفينَ، منهم: الخطيبُ أبو بكرٍ، فقدْ كانَ لَهِجاً (٢) بهِ في تصانِيْفِهِ (٣)، واللهُ أعلمُ.

стр. 151

النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الشَّاذِّ (١) رُوِّيْنا عَنْ يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى قالَ: قالَ ليَ الشافِعِيُّ ﵀: ((ليسَ (٢) الشاذُّ (٣) مِنَ الحديثِ أنْ يروِيَ الثِّقَةُ ما لا يرويَ غيرُهُ، إنَّما الشاذُّ: أنْ يرويَ الثِّقَةُ حديثاً يخالِفُ ما روَى الناسُ)) (٤). وحَكَى الحافِظُ أبو يَعْلَى الخليليُّ القَزْوِينيُّ نحوَ هذا عَنِ الشافعيِّ وجماعةٍ مِنْ أهلِ الحِجازِ (٥). ثُمَّ قالَ: ((الذي عليهِ حُفَّاظُ الحديثِ أنَّ الشاذَّ ما ليسَ لهُ إلاَّ إسنادٌ واحدٌ يَشذُّ بذلكَ شيخٌ، ثقةً كانَ أو غيرَ ثقةٍ، فما كانَ عَنْ غيرِ ثقةٍ فمتروكٌ لا يُقبَلُ، وما كانَ عَنْ ثقةٍ يُتَوَقَّفُ فيهِ ولا يُحْتَجُّ بهِ)) (٦).

стр. 152

وذَكَرَ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ أنَّ الشاذَّ هوَ الحديثُ الذي ينفَرِدُ (١) بهِ ثقةٌ مِنَ الثِّقاتِ وليسَ لهُ أصلٌ بمُتابِعٍ لذلكَ الثقةِ (٢). وذَكَرَ أنَّهُ يُغَايرُ المعلَّلَ مِنْ حيثُ إنَّ المعلَّلَ وُقِفَ على عِلَّتِهِ الدالَّةِ على جِهَةِ الوَهَمِ فيهِ، والشاذُّ لَمْ يُوقَفْ فيهِ عَلَى عِلَّتِهِ كذلكَ. قُلْتُ: أمَّا ما حَكَمَ الشافِعيُّ عليهِ بالشذوذِ فلا إشكالَ (٣) في أنَّهُ شاذٌّ غيرُ مقبولٍ، وأمَّا ما حكيناهُ عَنْ غَيْرِهِ فَيُشْكِلُ بما ينفَرِدُ (٤) بهِ العدْلُ الحافظُ الضابطُ، كحديثِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) (٥)، فإنَّهُ حديثٌ فَرْدٌ، تفرَّدَ بهِ: عُمَرُ ﵁ عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ تَفرَّدَ بهِ عَنْ عُمَرَ: عَلْقمةُ بنُ وقَّاصٍ، ثُمَّ عَنْ عَلْقمةَ: محمدُ بنُ إبراهيمَ، ثُمَّ عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ على ما هوَ الصحيحُ عِندَ أهلِ الحديثِ (٦).

стр. 153

وأوضَحُ مِنْ ذلكَ في ذلكَ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وهِبَتِهِ (١)) (٢)، تَفَرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ (٣). وحديثُ مالكٍ، عَنِ الزهريِّ، عَنْ أنسٍ: ((أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وعلى رأسِهِ المِغْفَرُ (٤)) (٥)، تَفَرَّدَ بهِ

стр. 154

مالكٌ عنِ الزهريِّ (١). فكلُّ هذهِ مُخَرَّجَةٌ في الصحيحينِ معَ أنَّهُ ليسَ لها إلاَّ إسنادٌ واحدٌ تَفَرَّدَ بهِ ثقةٌ. وفي غرائبِ الصحيحِ أشباهٌ لذلكَ غيرُ قليلةٍ. وقد قالَ مسلمُ بنُ الحجَّاجِ: ((للزهريِّ نحوُ (٢) تسعينَ حرفاً يرويهِ (٣) عَنِ النبيِّ ﷺ لا يُشاركُهُ فيها أحدٌ، بأسانيدَ جِيَادٍ)) (٤)، واللهُ أعلمُ. فهذا الذي ذكرناهُ وغيرُهُ مِنْ مذاهِبِ أئمَّةِ الحديثِ يُبَيِّنُ لكَ أنَّهُ ليسَ الأمرُ في ذلكَ على الإطلاقِ الذي أتى بهِ الخليليُّ والحاكمُ (٥)، بلِ الأمرُ في ذلكَ على تفصيلِ نُبَيِّنَهُ فنقولُ:

стр. 155

إذا انفرَدَ الراوي بشيءٍ نُظِرَ فِيْهِ، فإنْ كانَ ما انفَرَدَ بهِ مخالفاً لِمَا رواهُ مَنْ هو أولى منهُ بالحفظِ لذلكَ وأضبطُ كانَ ما انفردَ بهِ شاذّاً مردوداً، وإنْ لَمْ تكُنْ (١) فيهِ مخالفةٌ لِمَا رواهُ غيرُهُ، وإنَّما هوَ أمرٌ رواهُ هوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غيرُهُ، فَيُنْظَرُ في هذا الراوي المنفردِ، فإنْ كانَ عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانِهِ وضبطِهِ؛ قُبِلَ ما انفردَ بهِ ولَمْ يَقْدَحِ الانفرادُ فيهِ، كما فيما سبقَ مِنَ الأمثلةِ، وإنْ لَمْ يكنْ ممَّنْ يُوثَقُ بحفظِهِ وإتقانِهِ لذلكَ الذي انفردَ بهِ؛ كانَ انفرادُهُ (٢) خارماً لهُ مُزَحْزِحاً لهُ عَنْ حَيِّزِ الصحيحِ. ثُمَّ هوَ بعدَ ذلكَ دائرٌ بينَ مراتبَ متفاوتَةٍ (٣) بحسبِ الحالِ فيهِ: فإنْ كانَ المنفردُ بهِ غيرَ بعيدٍ مِنْ درجَةِ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفرُّدُهُ اسْتَحْسَنا حديثَهُ ذلكَ ولَمْ نَحطَّهُ (٤) إلى قبيلِ الحديثِ الضعيفِ، وإنْ كانَ بعيداً مِنْ ذلكَ رَدَدْنا ما انفرَدَ بهِ، وكانَ مِنْ قبيلِ الشَّاذِّ المنكرِ (٥).

стр. 156

فخَرَجَ مِنْ ذلكَ أنَّ الشاذَّ المردودَ قسمانِ: أحدُهُما: الحديثُ (١) الفردُ المخالفُ. والثاني: الفردُ الذي ليسَ في راويهِ (٢) مِنَ الثقةِ والضبطِ ما يقعُ جابراً لِمَا يوجبُهُ التفرُّدُ والشذوذُ مِنَ النَّكارةِ والضعفِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 157

النَّوعُ الرَّابِعَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١) بَلَغَنا عَنْ أبي بكرٍ أحمدَ بنِ هارونَ البِرْديجيِّ الحافِظِ أنَّهُ: الحديثُ الذي ينفردُ بهِ الرجلُ ولا يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غيرِ روايتِهِ، لا مِنَ الوجهِ الذي رواهُ منهُ، ولا مِنْ وجهٍ آخرَ (٢). فأطلقَ البِرْديجيُّ ذلكَ ولَمْ يُفَصِّلْ.

стр. 158

وإطلاقُ الحكمِ على التفرُّدِ بالرَّدِّ أو النكارةِ أو الشذوذِ، موجودٌ في كلامِ كثيرٍ مِنْ أهلِ الحديثِ (١). والصوابُ فيهِ التَّفْصيلُ الذي بيَّنَّاهُ آنِفاً في شرحِ الشاذِّ. وعندَ هذا نقولُ: المنكرُ ينقَسِمُ قسمينِ (٢) على ما ذكرناهُ في الشاذِّ فإنَّهُ بمعناهُ (٣). مِثَالُ الأوَّلِ - وهوَ المنفردُ المخالِفُ لِمَا رواهُ الثِّقَاتُ -: روايةُ مالكٍ عنِ الزهريِّ، عنْ عليِّ بنِ حسينٍ، عَنْ عُمَرَ بنِ عُثمانَ، عَنْ أُسَامةَ بنِ زيدٍ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: ((لا يَرِثُ المسلمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المسلِمَ)) (٤)، فخالفَ مالكٌ غيرَهُ مِنَ الثِّقاتِ في

стр. 159

قولِهِ: عُمَرَ بنِ عُثمانَ - بضمِّ العينِ -. وذكرَ مسلمٌ صاحبُ " الصحيحِ " في كتابِ " التمييزِ ": أنَّ كُلَّ مَنْ رواهُ مِنْ أصحابِ الزهريِّ، قالَ فيهِ: عَمْرُو بنُ عثمانَ - يعني: بفتحِ العينِ -. وذكرَ أنَّ مالِكاً كانَ يشيرُ بيدِهِ إلى دارِ عُمَرَ بنِ عُثمانَ، كأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُمْ يخالِفونَهُ. وعَمْرٌو وعُمَرُ جميعاً: وَلَدُ (١) عُثمانَ (٢)، غيرَ أنَّ هذا الحديثَ إنَّما هو عَنْ (٣) عَمْرٍو - بفتحِ العينِ -، وحَكَمَ مسلمٌ وغيرُهُ على مالكٍ بالوهمِ فيهِ (٤)، واللهُ أعلمُ.

стр. 160

ومثالُ الثاني - وهوَ الفردُ الذي ليسَ في راوِيْهِ (١) مِنَ الثقةِ والإتقانِ ما يُحْتَمَلُ مَعَهُ تَفَرُّدُهُ -: ما رُوِّيْناهُ مِنْ حديثِ أبي زُكَيْرٍ (٢) يحيى بنِ محمدِ بنِ قيسٍ، عنْ هِشامِ بنِ عُروةَ، عَنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ (٣) اللهِ ﷺ قالَ: ((كُلُوا البَلَحَ (٤) بالتَّمْرِ؛ فإنَّ الشيطانَ إذا رأى ذلكَ غاظَهُ، ويقولُ: عاشَ ابنُ آدمَ حتَّى أكلَ الجديدَ بالخَلَقِ!)) (٥).

стр. 161

تَفرَّدَ بهِ أبو زُكيرٍ، وهو شيخٌ صالِحٌ (١) أخرجَ عنهُ مسلمٌ في كتابهِ (٢) غيرَ أنَّهُ لَمْ يبلغْ مبلغَ مَنْ يُحتَمَلُ تَفَرُّدُهُ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الخَامِسَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الاعْتِبَارِ وَالْمُتَابِعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ (٣) هذهِ أمورٌ يَتَداولونها في نَظَرِهم في حالِ الحديثِ: هَلْ تَفَرَّدَ بهِ راويهِ أو لا؟، وهَلْ هُوَ معروفٌ أو لا؟، ذكرَ أبو حاتِمٍ محمدُ بنُ حِبَّانَ التميميُّ الحافظُ ﵀ أنَّ طريقَ الاعتبارِ في الأخبارِ مثالُهُ: أنْ يَرويَ حمادُ بنُ سَلَمَةَ حديثاً لَمْ يُتابَعْ عليهِ، عَنْ أيُّوبَ، عنِ ابنِ سيرينَ، عَنْ أبي هريرةَ، عَنِ النبيِّ (٤) ﷺ ، فَيُنْظَرَ هلْ روى ذلكَ ثِقَةٌ غيرُ (٥) أيّوبَ، عَنِ ابنِ سيرينَ؟ فإنْ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ للخبرِ أصلاً يُرْجَعُ إليهِ، وإنْ لَمْ يوجدْ ذلكَ، فثقةٌ غيرُ ابنِ سيرينَ رواهُ عنْ أبي هريرةَ، وإلاَّ فصحابيٌّ غيرُ أبي هريرةَ رواهُ عَنِ النبيِّ ﷺ ، فأيُّ ذلكَ وُجِدَ، يُعْلمُ بهِ أنَّ للحديثِ أصلاً يَرجِعُ إليهِ وإلاَّ فلاَ (٦).

стр. 162

قُلْتُ: فمثالُ المتابعةِ أنْ يرويَ ذلكَ الحديثَ بعينِهِ عَنْ أيُّوبَ غيرُ حمّادٍ، فهذهِ المتابعةُ التامَّةُ (١). فإنْ لَمْ يَرْوِهِ أحدٌ غيرُهُ، عَنْ أيوبَ، لكنْ رواهُ بعضُهُم عَنِ ابنِ سيرينَ أوْ عَنْ أبي هريرةَ، أو رواهُ غيرُ أبي هريرةَ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فذلكَ قدْ يُطلَقُ عليهِ اسمُ المتابعةِ أيضاً، لكنْ تَقْصُرُ (٢) عَنِ المتابَعَةِ الأُولى بحَسَبِ بُعْدِها مِنْها، ويجوزُ أنْ يُسَمَّى ذلكَ بالشاهدِ أيضاً (٣). فإنْ لَمْ يُرْوَ ذلكَ (٤) الحديثُ أصلاً مِنْ وجهٍ مِنَ الوجوهِ المذكورةِ، لكنْ رُوِيَ حديثٌ آخرُ بمعناهُ، فذلكَ الشاهِدُ من غيرِ متابعةٍ، فإنْ لَمْ يُرْوَ أيضاً بمعناهُ حديثٌ آخرُ، فقد تحقّقَ فيهِ التفرّدُ المطلقُ حينَئِذٍ. وينقسمُ عندَ ذلكَ إلى: مردودٍ منكرٍ، وغيرِ مردودٍ كما سَبَقَ. وإذا قالوا في مثلِ هذا: ((تفَرَّدَ بهِ أبو هريرةَ، وتَفَرَّدَ بهِ عَنْ أبي هريرةَ ابنُ سيرينَ، وتَفَرَّدَ بهِ عَنِ ابنِ سيرينَ أيّوبُ، وتَفَرَّدَ بهِ عنْ أيوبَ حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ)) كانَ في ذلكَ إشعارٌ بانتفاءِ وجوهِ المتابعاتِ فيهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ يدخلُ في بابِ المتابعةِ والاستشهادِ روايةُ مَنْ لا يحتجُّ بحديثِهِ وَحْدَهُ بلْ يكونُ معدوداً في الضعفاءِ (٥)، وفي كتابَيِ البخاريِّ ومسلمٍ جماعةٌ مِنَ الضعفاءِ

стр. 163

ذَكَرَاهُم في المتابعاتِ والشواهِدِ، وليسَ كلُّ ضعيفٍ يَصْلُحُ لذلكَ، ولهذا يقولُ الدارقطنيُّ وغيرُهُ في الضعفاءِ: ((فلانٌ يُعْتَبَرُ بهِ، وفلانٌ لا يُعْتَبَرُ بهِ))، وقدْ تَقَدَّمَ التنبيهُ على نحوِ ذلكَ، واللهُ أعلمُ. مثالٌ للمتابعِ (١) والشاهدِ: رُوِّيْنا مِنْ حديثِ سفيانَ بنِ عُيينةَ، عَنْ عمرِو بنِ دينارٍ، عَنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: ((لَوْ أخَذُوا إِهَابَها فَدَبَغُوهُ فانتَفَعُوا بهِ)) (٢)، ورواهُ ابنُ جريجٍ، عَنْ عمرٍو، عَنْ عطاءٍ ولَمْ يذكرْ فيهِ الدِّبَاغَ (٣)، فذكرَ الحافظُ أحمدُ البيهقيُّ لحديثِ ابنِ عيينةَ متابِعاً وشاهِداً. أمَّا المتابعُ فإنَّ أسامةَ بنَ زيدٍ تابَعَهُ عَنْ عطاءٍ. وروى بإسنادِهِ عَنْ أسامةَ، عَنْ عطاءٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((أَلاَ نَزَعْتُمْ جِلْدَها فَدَبَغْتُمُوهُ فاسْتَمْتَعْتُمْ بهِ)) (٤)، وأمَّا الشاهِدُ فحديثُ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ وَعْلَةَ (٥)، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((أيُّما إهَابٍ (٦) دُبِغَ فقَدْ طَهُرَ)) (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 164

النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ وَحُكْمِهَا (١) وذلكَ فنٌّ لطيفٌ تُسْتَحْسَنُ العِنايةُ بهِ. وقدْ كانَ أبو بكرِ بنُ زيادٍ النَّيْسابوريُّ (٢)، وأبو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانيُّ (٣)، وأبو الوليدِ القرشيُّ (٤) الأئمّةُ مذكورينَ بمعرفة زياداتِ الألفاظِ الفقهيّةِ في الأحاديثِ (٥).

стр. 165

ومَذهبُ الجمهورِ مِنَ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ فيما حكاهُ الخطيبُ أبو بكرٍ: أنَّ الزيادةَ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ إذا تفرَّدَ بها (١)، سواءٌ كانَ ذلكَ مِنْ شخصٍ واحدٍ بأنْ رواهُ ناقصاً مرَّةً، ورواهُ مرَّةً أخرى وفيهِ تلكَ الزيادةُ، أو كانتِ الزيادةُ (٢) مِنْ غيرِ مَنْ رواهُ ناقصاً، خلافاً لِمَنْ ردَّ مِنْ أهلِ الحديثِ ذلكَ مُطْلَقاً (٣)، وخلافاً لِمَنْ ردَّ الزيادةَ منهُ وَقَبِلَها مِنْ غيرِهِ (٤). وقدْ قَدَّمنا (٥) عنهُ حكايتَهُ عَنْ أكثرِ أهلِ الحديثِ فيما إذا وصلَ الحديثَ قومٌ وأرسَلَهُ قومٌ أنَّ الحكمَ لِمَنْ أرسلَهُ مَعَ أنَّ وصلَهُ زيادةٌ مِنَ الثقةِ (٦). وقدْ رأيتُ تقسيمَ ما ينفردُ بهِ الثقةُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ (٧):

стр. 166

أحدُها: أنْ يَقَعَ مخالِفاً منافياً لِمَا رواهُ سائرُ الثقاتِ، فهذا حكمُهُ الرَّدُّ كما سبَقَ في نوعِ الشاذِّ. الثاني: أنْ لا يكونَ (١) فيهِ منافاةٌ ومخالفةٌ أصلاً لِمَا رواهُ غيرُهُ كالحديثِ الذي تفرَّدَ بروايةِ جملتِهِ ثقةٌ، ولا تَعَرُّضَ فيهِ لِمَا رواهُ الغيرُ بمخالفةٍ أصلاً، فهذا مقبولٌ، وقدِ ادَّعَى الخطيبُ (٢) فيهِ اتِّفاقَ العلماءِ عليهِ وسَبَقَ مثالُهُ في نوعِ الشاذِّ. الثالثُ: ما يقعُ بينَ هاتينِ المرتبتينِ، مثلُ زيادةِ لفظةٍ في حديثٍ لَمْ يَذكرْها سائرُ مَنْ رَوَى ذلكَ الحديثَ. مثالُهُ: ما رواهُ مالكٌ (٣)، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمرَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ على كُلِّ حُرٍّ أو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أو أنثَى مِنَ المسلمينَ)). فذَكَرَ أبو عيسى الترمذيُّ (٤) أنَّ مالكاً تفَرَّدَ مِنْ بينِ الثِّقاتِ بزيادةِ قولِهِ: ((مِنَ المسلمينَ)). وَرَوَى عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وأيوبُ، وغيرُهُما هذا الحديثَ، عَنْ نافعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ دونَ هذهِ الزيادةِ (٥).

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 170

فأخذَ بها غيرُ واحِدٍ مِنَ الأئمَّةِ واحتجُّوا بها، منهم: الشافعيُّ وأحمدُ ﵃، واللهُ أعلمُ. ومِنْ أمْثِلَةِ ذلكَ: حديثُ: ((جُعِلَتْ لَنا (١) الأرضُ مَسجِداً وجُعِلَتْ تُربَتُها لنا طَهُوراً)). فهذهِ الزيادةُ تفَرَّدَ بها أبو مالكٍ سعدُ بنُ طارقٍ الأشجعيُّ (٢). وسائرُ الرواياتِ لَفظُهَا: ((وجُعِلَتْ لنا الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً)) (٣). فهذا وما أشبَهَهُ يُشْبِهُ القسمَ الأوَّلَ

стр. 171

مِنْ حيثُ إنَّ ما رواهُ الجماعةُ عامٌّ، وما رواهُ المنفردُ بالزيادةِ مخصوصٌ، وفي ذلكَ مغايرةٌ في الصفةِ ونوعٌ مِنَ المخالفةِ يختَلِفُ بها الحكمُ. ويُشْبِهُ أيضاً القسمَ الثاني مِنْ حيثُ إنَّهُ لا منافاةَ بينَهُما. وأمَّا زيادةُ الوصلِ معَ الإرسالِ، فإنَّ بينَ الوصلِ والإرسالِ مِنَ المخالفةِ نحوَ ما ذكرناهُ، ويزدادُ ذلكَ بأنَّ الإرسالَ نوعُ قَدْحٍ في الحديثِ، فترجيحُهُ وتقديمُهُ مِنْ قَبيلِ تقديمِ الجرحِ على التعديلِ، ويجابُ عنهُ: بأنَّ الجرحَ قُدِّمَ لِمَا فيهِ مِنَ زيادةِ العِلْمِ، والزيادةُ هاهنا معَ مَنْ وَصَلَ، واللهُ أعلمُ (١). النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَر مَعْرِفَةُ الأَفْرَادِ (٢)

стр. 172

وقدْ سَبَقَ بيانُ المهمِّ مِنْ هذا النوعِ في الأنواعِ التي تليهِ قبلَهُ، لكنْ أفردتُهُ بترجمةٍ كما أفردَهُ الحاكمُ أبو عبد الله (١)، ولما بَقِيَ منهُ. فنقولُ: الأفرادُ منقسمةٌ إلى ما هوَ فَرْدٌ مطلقاً، وإلى ما هوَ فَرْدٌ بالنِّسْبَةِ (٢) إلى جهةِ خاصَّةٍ (٣). أمَّا الأوَّلُ: فهوَ ما ينفرِدُ بهِ واحدٌ عَنْ كلِّ أحدٍ، وقدْ سبقتْ (٤) أقسامُهُ وأحكامُهُ قريباً.

стр. 173

وأمَّا الثاني: وهوَ ما هوَ فَرْدٌ بالنسبةِ، فمثلُ ما ينفردُ بهِ ثقةٌ عَنْ كلِّ ثقةٍ (١)، وحكمُهُ قريبٌ مِنْ حكمِ القسمِ الأوَّلِ، ومثلُ ما يقالُ فيهِ: ((هذا حديثٌ تفرَّدَ بهِ أهلُ مكَّةَ (٢)، أو تفرَّدَ بهِ أهلُ الشامِ (٣)، أو أهلُ الكوفةِ (٤)، أو أهلُ خُراسانَ (٥) عَنْ غيرِهِم، أو لَمْ يروِهِ عَنْ فلانٍ غيرُ فلانٍ (٦)، وإنْ كانَ مرويّاً مِنْ وجوهٍ عنْ غيرِ فلانٍ، أو تفرَّدَ بهِ

стр. 174

البصريونَ عَنِ المدنيِّينَ (١)، الخُرَاسانيُّونَ عَنِ المكِّيِّينَ)) (٢)، وما أشبَهَ ذلكَ. ولسْنا نُطَوِّلُ بأمثلةِ ذلكَ فإنَّهُ مفهومٌ دونَها. وليسَ في شيءٍ مِنْ هذا ما يقتضي الحكمَ بضَعْفِ الحديثِ إلاَّ أنْ يُطلِقَ قائلٌ قولَهُ: ((تفرَّدَ بهِ أهلُ مكَّةَ، أو تفرَّدَ بهِ البصريونَ عَنِ المدنيِّينَ))، أو نحوَ ذلكَ، على ما لَمْ يروِهِ إلاَّ واحدٌ مِنْ أهلِ مكَّةَ أو واحدٌ مِنَ البصريِّينَ ونحوُهُ، ويُضيفُهُ إليهم كما يُضافُ فعلُ الواحدِ مِنَ القبيلةِ إليها مَجَازاً، وقد فَعَلَ الحاكمُ (٣) أبو عبدِ اللهِ هذا فيما نحنُ فيهِ، فيكونُ الحكمُ فيهِ على ما سَبَقَ في القسمِ الأوَّلِ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْحَدِيْثِ الْمُعَلَّلِ (٤) ويُسَمِّيهِ أهلُ الحديثِ (٥): ((المعلولَ))، وذلكَ منهم ومِنَ الفقهاءِ في قولِهِم في بابِ القياسِ: ((العلَّةُ والمعلولُ))، مرذولٌ عندَ أهلِ العربيةِ واللُّغَةِ (٦).

стр. 175

اعْلَمْ أنَّ معرفةَ علَلِ الحديثِ مِنْ أجلِّ علومِ الحديثِ وأدقِّها وأشرفِها، وإنَّما يَضْطَلِعُ (١) بذلكَ أهلُ الحِفْظِ والخِبْرَةِ والفَهْمِ الثَّاقِبِ (٢)، وهي عبارةٌ عَنْ أسبابٍ خفيَّةٍ غامِضَةٍ (٣) قادِحَةٍ فيهِ. فالحديثُ المعلَّلُ: هو الحديثُ الذي اطُّلِعَ فيهِ على عِلَّةٍ تَقدَحُ في صحَّتِهِ مَعَ أنَّ ظاهِرَهُ السلامةُ منها (٤). ويتطرَّقُ ذلكَ إلى الإسنادِ الذي رجالُهُ ثقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصِّحَّةِ مِنْ حيثُ الظاهِرُ. ويُسْتَعانُ على إدراكِها بتَفَرُّدِ الراوي، وبمخالفةِ غيرِهِ لهُ، معَ قرائِنَ (٥) تنضَمُّ إلى

стр. 176

ذلكَ تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأنِ على إرسالٍ في الموصولِ، أو وَقْفٍ في المرفوعِ، أو دُخُولِ حديثٍ في حديثٍ، أو وَهَمِ واهِمٍ بغيرِ ذلكَ بحيثُ يَغْلِبُ على ظنِّهِ ذلكَ، فيَحْكُمُ بهِ أو يتردَّدُ فيَتَوَقَّفُ فيهِ، وكلُّ ذلكَ مانعٌ مِنَ الحكمِ بصحَّةِ ما وُجِدَ ذلكَ فيهِ. وكثيراً ما يُعَلِّلُونَ الموصولَ بالمرسلِ، مثلُ أنْ يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصولٍ، ويجيءَ أيضاً بإسنادٍ منقطِعٍ أقوى مِنْ إسنادِ الموصولِ (١)، ولهذا اشتَمَلَتْ كُتُبُ عِلَلِ الحديثِ على جَمْعِ (٢) طُرُقِهِ. قالَ الخطيبُ أبو بكرٍ: ((السبيلُ إلى معرفةِ عِلَّةِ الحديثِ: أنْ يُجْمَعَ بينَ طُرُقِهِ، ويُنْظَرَ في اختلافِ رُوَاتِهِ، ويُعْتَبَرَ بمكانِهِمْ (٣) مِنَ الحِفْظِ، ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضبطِ)) (٤)، ورُوِيَ عَنْ عليِّ بنِ المدينيِّ قالَ: ((البابُ إذا لَمْ تُجْمَعْ (٥) طرقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ)) (٦). ثُمَّ قدْ تقعُ العِلَّةُ في إسنادِ الحديثِ - وهو الأكثرُ -، وقدْ تقعُ في متنِهِ (٧)، ثُمَّ ما يقعُ في الإسنادِ قدْ يقدحُ في صحَّةِ الإسنادِ والمتنِ جميعاً، كما في التعليلِ بالإرسالِ والوقْفِ، وقدْ يَقدحُ في صِحَّةِ الإسنادِ خاصَّةً من غيرِ قَدْحٍ في صِحَّةِ المتنِ.

стр. 177

فَمِنْ أمثلةِ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في إسنادِهِ مِنْ غيرِ قَدْحٍ في المتنِ: ما رواهُ الثِّقَةُ يَعْلَى ابنُ عُبَيْدٍ (١)، عَنْ سُفيانَ الثوريِّ، عَنْ عمرِو بنِ دينارٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: ((البَيِّعَانِ بالخِيارِ ... الحديثَ)). فهذا إسنادٌ متَّصِلٌ بنقلِ العدلِ عَنِ العدْلِ، وهوَ مُعلَّلٌ غيرُ صحيحٍ، والمتنُ على كلِّ حالٍ صحيحٌ، والعلَّةُ في قولِهِ: ((عَنْ عمرِو بنِ دينارٍ)) إنَّما هوَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، هكذا رواهُ الأئمَّةُ مِنْ أصحابِ سفيانَ عنهُ (٢)، فوَهِمَ يَعلى بنُ عُبيدٍ (٣)، وعَدَلَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ إلى عَمْرِو بنِ دينارٍ، وكلاهُما ثِقَةٌ (٤).

стр. 178

ومثالُ العلَّةِ في المتنِ: ما انْفَرَدَ مسلمٌ (١) بإخراجِهِ في حديثِ أنسٍ مِنَ اللَّفظِ المصرَّحِ بنفي قراءَةِ: ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)) فعلَّلَ قومٌ (٢) روايةَ اللفظِ المذكورِ لَمَّا رأوا الأكثرينَ إنَّما قالوا فيهِ: ((فكانوا يَسْتَفْتِحونَ القراءةَ بـ: ((الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ)) مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسمَلَةِ، وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ البخاريُّ (٣) ومسلمٌ (٤) عَلَى إخراجِهِ في الصحيحِ، ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللَّفظِ المذكورِ، رواهُ بالمعنى الَّذِي وقَعَ لهُ، فَفَهِمَ مِنْ قولِهِ: ((كانوا يَستفتحونَ بـ: ((الحمدُ للهِ)) (٥)، أنَّهُم كانوا لا يُبَسْمِلُونَ، فرَوَاهُ على ما فَهِمَ، وأخطأَ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ السورةَ التي كانوا يفتتحونَ بها مِنَ السُّورِ هيَ الفاتحةُ، وليسَ فيهِ تعرُّضٌ لذكرِ التسميةِ. وانضمَّ إلى ذلكَ أمورٌ (٦)، منها: أنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أنسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الافتتاحِ بالتسميةِ، فذَكَرَ أنَّهُ لا يَحفظُ فيهِ شيئاً عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ (٧)، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ اعلمْ أنَّهُ قدْ يُطلقُ اسمُ العِلَّةِ على غيرِ ما ذكرناهُ من باقي الأسبابِ القادحةِ في الحديثِ الْمُخرِجةِ لهُ مِنْ حالِ الصِّحَّةِ إلى حالِ الضَّعْفِ، المانعةِ مِنَ العملِ بهِ، على ما

стр. 179

هو مُقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصلِ (١)، ولذلكَ (٢) تجدُ (٣) في كتبِ عللِ الحديثِ الكثيرَ مِنَ الجرحِ بالكذبِ، والغفلَةِ، وسوءِ الحفظِ، ونحو ذلكَ مِنْ أنواعِ الجرحِ. وسمَّى الترمذيُّ النَّسْخَ عِلَّةً مِنْ عِللِ الحديثِ (٤). ثُمَّ إنَّ بعضَهُمْ (٥) أطلقَ اسمَ العِلَّةِ على ما ليسَ بقادِحٍ مِنْ وجوهِ الخلافِ، نحوُ إرسالِ مَنْ أرسلَ الحديثَ الذي أسندهُ الثقةُ الضابطُ، حتَّى قالَ: ((مِنْ أقسامِ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ معلولٌ)) (٦)، كما قالَ بعضُهُم: ((مِنَ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ شاذٌّ)) (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 180

النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْمُضْطَرِبِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١) الْمُضْطَرِبُ (٢) مِنَ الحديثِ: هوَ الذي تَخْتَلِفُ الروايَةُ فيهِ، فَيَرْوِيْهِ بَعْضُهُم عَلَى وَجْهٍ، وبَعْضُهُم على وَجْهٍ آخرَ مخَالِفٍ لَهُ (٣). وإنَّمَا نُسَمِّيْهِ مُضْطَرِباً إذا تَسَاوَتِ الروايتَانِ (٤)، أمَّا إذا تَرَجَّحَتْ إحْدَاهُما بحيثُ لاَ تُقَاوِمُها الأخرَى، بأنْ يكونَ رَاوِيْها أحْفَظَ، أوْ أكْثَرَ صُحْبَةً للمَروِيِّ عنهُ، أو غيرَ ذلكَ مِنْ وجوهِ التَّرْجِيحاتِ المعتَمَدَةِ، فالحكمُ للراجِحَةِ، ولاَ يُطْلَقُ عليهِ حينَئِذٍ وَصْفُ المضْطَرِبِ، ولاَ لَهُ حُكْمُهُ.
следующие страницы →