← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[معرفة أنواع علوم الحديث]ـ المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: ٦٤٣هـ) المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين الفحل الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى سنة النشر: ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] أعده للشاملة: أسامة بن الزهراء، فريق عمل المكتبة الشاملة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ((ونشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين)) (١). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾. آل عمران: ١٠٢. ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُوْنَ بهِ وَالأَرْحَامِ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْباً﴾. النساء: ١. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوا قَوْلاً سَدِيْداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيْماً﴾. الأحزاب: ٧٠ - ٧١. أما بعد: فقد اصطفى الله تعالى هذه الأمة، وشرّفها إذ اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين ((كتابه العزيز))، وهيَّأ هذه الأمة لتضطلع بتلك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد الله ﵎ سلفاً بحفظه، فقال: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. الحجر: ٩، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد - بحمد الله - من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفاً أو حركةً منه.

стр. 3

ولما تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمناً حفظ سنة رسول الله ﷺ ، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى ﷺ بأسانيدها فكان الإسناد أحد الخصائص التي اختص الله تعالى بها أمة صفيِّه ﷺ . ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (١) وغيره عن محمد ابن سيرين أنه قَالَ: ((إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)) وروى (٢) عنه أنه قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم)). ومن ثَمَّ افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء ((علم الجرح والتعديل)) أو ((علم الرجال)). وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جداً، وينجلي ذلك مما نقلناه سالفاً عن ابن سيرين، وقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن الله تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فقد أسند ابن عدي في مقدمة " الكامل " (٣)، وابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " (٤) أنه قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فَقَالَ: تعيش لها الجهابذة، ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. وعلم الحديث دراية ورواية من أشرف العلوم وأجلِّها، بل هو أجلها عَلَى الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثير منه شارح لكتاب الله تَعَالَى مبين له قال تَعَالَى: ﴿وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) وعلم الحديث تتفرع تحته علوم كثيرة ومن تلك العلوم: علم مصطلح الحديث وهو العلم الذي

стр. 4

يكشف عن مصطلحات المحدِّثين التي يتداولونها في مصنفاتهم ودروسهم، وكتاب ابن الصلاح هذا كان واحداً من أحسن الكُتُب التي أُلِّفَتْ في علم مصطلح الحديث. قال الحافظ العراقي: ((أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح)) (١)، وربما كان ذَلِكَ لما حبا الله به ابن الصلاح من فطنة عالية، وجودة ذهن، وحسن قريحة، وسلاسة أسلوب، واستفادته من لَمِّ شتات كتب من سبقه بهذا الباب، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((من أول من صنف في ذَلِكَ (٢) القاضي أبو مُحَمَّد الرامهرمزي كتابه " الْمُحَدِّث الفاصل " لكنه لَمْ يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لَمْ يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل عَلَى كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء للمتعقب. ثُمَّ جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، فصنف في قوانين الرواية كتاباً سماه " الجامع لآداب الشَّيْخ والسامع ... ، ثُمَّ جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب: فجمع القاضي عياضٌ كتاباً لطيفاً سماه " الإلماع " وأبو حفص الميانجي جزءاً سماه " مالايسع الْمُحَدِّث جهله " وأمثال ذَلِكَ من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمان الشهرزوري نزيل دمشق - فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية - كتابه المشهور، فهذَّب فنونه وأملاه شيئاً بعد شيء؛ فلهذا لَمْ يحصل ترتيبه عَلَى الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر)) (٣). ونحن نكتفي بقول الحافظ ابن حجر عن سوق أقوال أئمة آخرين في بيان أهمية وجودة هذا الكتاب، وعَلَى الرغم من نفاسة هذا الكتاب وأهميته البالغة فإنه لم يطبع

стр. 5

طبعة علمية محققة تتجلى من خلالها نصوص الكتاب، وتضبط بالشكل، ويتكلم في إيضاح مسائله وغوامضه والتنكيت والتعقيب على بعض ما انتقد عَلَى المصنف. من هنا شمّرنا عن ساعد الجدِّ في تحقيق نص الكتاب وضبطه وضبط نص الكتاب عَلَى ثلاث نسخ خطية مع الإفادة من الطبعات المتداولة، وكان من أفضل الطبعات السابقة لهذا الكتاب: أولاً: طبعة الدكتور الفاضل نور الدين عتر: سنة ١٩٦٦، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، وهي طبعة جيدة قياساً عَلَى سوابقها، لكن مع الجهد الذي قام به الدكتور الفاضل إلاَّ أنَّهُ حصل في نشرته بعض سقط وزيادات وتصحيفات وراجع عَلَى سبيل المثال تعليقنا على الصفحات الآتية: ٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٦، ٩٥، ٢٣٢، ٢٤٤، ٢٥٠، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٧١، ٢٨٦، ٢٩٠، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٣، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٦٧، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠١. ثانياً: طبعة الدكتورة الفاضلة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ): فقد حققت الدكتورة الفاضلة عائشة كتاب "محاسن الاصطلاح" للبلقيني سنة ١٩٧٤ م، وطبعت معه كتاب "معرفة أنواع علم الحديث" لابن الصلاح، وجعلته متناً في الأعلى وجعلت المحاسن في الحاشية، وهذه الطبعة دون الطبعة السابقة، وقد حصل فيها كسابقتها بعض سقط وتصحيف وزيادات، راجع على سبيل المثال الصفحات الآتية: ٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٢، ٨٥، ٨٧، ٩٧، ٢٤٢، ٢٤٦، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٧١، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١١، ٣١٢، ٣١٤، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣٢، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٥٢، ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٥، ٣٧٧، ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠١، ٤٠٩.

стр. 6

كان هذا وأمثاله هو الدافع الوحيد الذي جعلنا نعيد تحقيق الكتاب عَلَى أحسن الطرق العصرية في تحقيق النص وضبطه مزداناً بالشكل التام للكلمات مع التخريج الوافر والتعليق النافع مع تتبع من عقَّب ونكَّت على ابن الصلاح، بالإضافة إلى تحلية الكتاب بالفهارس المتنوعة المتقنة. وقد رأينا أن نقدَّم لهذا الكتاب بدراسة متوسطة دالة على سيرة ابن الصلاح ومنهجه في هذا الكتاب، وقد جعلناها في أربعة فصول: تكلمنا في الفصل الأول عن سيرته، وتناولنا في الفصل الثاني ثقافته، وذكرنا في الفصل الثالث دراسة وافية عن الكتاب، وختمناه بالفصل الرابع الذي تكلمنا فيه عن تحقيق الكتاب والمنهج الذي سرنا عليه. وبعد: فهذا كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " لابن الصلاح، نقدمه لمحبي المصطفى ﷺ السائرين على هديه الراجين شفاعته يوم القيامة، قد خدمناه الخدمة التي توازي تعلقنا بسيدنا المصطفى ﷺ ، بذلنا فيه ما وسعنا من جهد ومال ووقت، ولم نبخل عليه بشيء، وكان الوقت الذي قضّيناه فيه كله مباركاً. وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين المحققان ١/ ٩ / ٢٠٠١

стр. 7

الفصل الأول: سيرته المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته هو تقي الدين أبو عمرو عثمان بن صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمان بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشرخاني الشهرزوري الأصل، الموصلي النشأة، الدمشقي الموطن والوفاة، الشافعي المذهب (١). والنَّصْري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة أيضاً؛ نسبة إلى جدِّه ((أبي نصر)) (٢). والشَّرَخاني: بفتح الشين المعجمة والراء المهملة والخاء المعجمة؛ نسبة إلى ((شرخان)) قرية من قرى شهرزور (٣). والشَّهْرَزُوري: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وضم الزاي وسكون الواو وفي آخرها راء مهملة. وهي كورة واسعة بين إربل وهمدان، تنسب إلى بانيها (زور بن الضحاك) (٤).

стр. 8

المبحث الثاني: مولده اتفق كل مَنْ ترجم لابن الصلاح على أن مولده كان سنة (٥٧٧ هـ) (١)، لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف كان في مكان ولادته، فالجمهور على أن ولادته كانت في مدينة ((شهرزور)) (٢). وانفرد تلميذه ابن خلّكان (٣) بالقول أن مولده كان في ((شرخان))، وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف ليس بذي بالٍ في إظهار خلافٍ ما، إلاَّ أن هذا الاختلاف - على تقدير وجوده - لا يلبث أن يزول إذا ما علمنا أن ((شرخان)) قرية تابعة إلى ((شهرزور))، فمَنْ نَسَبَ إلى الأول فقد دقق، ومَنْ نَسَبَ إلى الثاني فقد اكتفى بذكر القطر الأعم، والله أعلم. المبحث الثالث: أسرته ونشأته وطلبه للعلم لَمْ توفّر المصادر التي بين أيادينا مادة علمية عن أفراد أسرة مترجمنا، بل قصارى ما عرفناه عنهم: ما كان يتبؤه والده من المكانة الاجتماعية والمركز العلمي المرموق. ولا ضير في أن نتعرض لترجمة مقتضبة لوالده فنقول: لَمْ يكن والده صلاح الدين أبو القاسم عبد الرحمان يعرف تاريخ مولده على وجه الدقة، بل كان يخمن أنه ولد سنة (٥٣٩ هـ) (٤)، وطلب العلم لاسيما الفقه، وبرع فيه حتَّى ((كان من جلة مشايخ

стр. 9

الأكراد المشار إليهم)) (١)، ومن ثَمَّ تقلبت به صروف الدهر ما بين موطنه والموصل، حتَّى استقر به الأمر في حلب (٢)، فتولَّى هناك التدريس في المدرسة الأسدية (٣)، حَتَّى تُوفِّي بحلب في ذي القعدة سنة (٦١٨هـ) (٤). ولقد رعى الوالد ولده وأحسن تربيته، فلقَّن ابنه - الذي ظهرت عليه مخايل النباهة وعلوُّ الهمة وعظيم النشاط - الفقه، ومما يدل على ذلك ما روي عنه أنه أعاد قراءة كتاب " المهذب " على والده أكثر من مرة ولم يختط شاربه بعد (٥). والذي يبدو لنا: أن الوالد لما أحسَّ بنهم ولده للعلم، اكتفى بأن أعطاه مبادئ العلوم الأولية، ومن ثم ترك لولده مهمة اختيار طبيعة دروسه، فلم يهمل الولد تنويع مصادر معرفته، فطلب على مشايخ بلده الذين كان غالبهم من الأكراد (٦). وبعد أن أدرك أبو القاسم أن تطلّعات ولده تسمو به عن أن يفي بها معلمو قريته الصغيرة، فسافر به إلى مدينة الموصل (٧) - إحدى أكبر حواضر الإسلام - ولم يطل المقام به كثيراً فيها (٨)، فما هو إلاَّ أن اشتدَّ عوده وقوي على تحمّل أعباء الحياة، حَتَّى يمَّم وجهه صوب قبلة العلم وجوهرة الشرق دار السلام "بغداد" (٩)، التي كانت آنذاك تعجّ بمظاهر العِلْم، وصنوف أرباب المعرفة وطلابهم، فوردها تقي الدين وسمع بها من جملة من

стр. 10

المشايخ (١)، ثُمَّ بعد أن أحسَّ أن الرحلة سنة من يطلب هذا الشأن (الحديث)، شدَّ رحاله إلى بلاد العجم، ولزم فيها الإمام الرافعي (٢) وبه تفقه وبرع في مذهب الشافعي (٣). ثُمَّ أجاب أبو عمرو داعي العلم في خراسان حيث الأسانيد العالية التي يرغب فيها أهل الحديث، فدخل نيسابور، ومرو، وهمذان، إلاَّ أن أبرز مَنْ لَقِيَ من المشايخ هناك: الإمام أبا الْمُظَفَّر السمعاني (٤)، وبعد أن سمع وحصّل ((الكثير بالموصل وبغداد ودنيسر (٥) ونيسابور ومرو وهمذان ودمشق وحران)) (٦)، وتأهّل لأن يكون إماماً يشار إليه بالبنان. عاد أدراجه بعد رحلة طويلة جال فيها أهم مراكز العلم في بلاد المشرق الإسلامي، فدخل دمشق وقد ناهز السادسة والثلاثين من عمره الذي كانت عدد سنواته (ستة وستين عاماً)، وكان ذلك في حوالي سنة (٦١٣ هـ) (٧). ثُمَّ قصد القدس فأقام بها (٨)، ودرَّس في المدرسة الصلاحية وتسمى الناصرية أيضاً (٩)، ثُمَّ لما أمر الملك المعظم بهدم سور القدس (١٠)، نزح إلى دمشق مستقرّاً بها (١١)، وذلك في حدود سنة (٦٣٠ هـ) (١٢). ولا نُغْفِل أن أبا عمرٍو سافر إلى الحرمين حاجّاً، - قَبْلَ استقراره في دمشق وبعدها - وهو لَمْ يعدم في سفرته هذه علماً يضيفه إلى مخزون علمه (١٣).

стр. 11

المبحث الرابع: وفاته بعد ستة وستين من الأعوام، جاءت سكرة الموت بالحق، فاختار الله تعالى ابن الصلاح إلى جواره الكريم، ففاضت روحه في صباح (١) يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر (٢). وقيل: ستة وعشرون (٣)، في حين اكتفى بعض المؤرخين بذكر الشهر من غير تعيين يوم منه (٤). وعلى كل التقديرات فإنهم متّفقون على أن وفاته كانت سنة (٦٤٣ هـ) (٥)، وكثر التأسف عليه وحمل نعشه على رؤوس الناس، وازدحم على سريره الخلق، وكان على جنازته هيبة وخشوع، فَصُلِّي عليه بجامع دمشق بعد الظهر، وشُيِّع إلى داخل باب الفرج وصُلِّي عليه هناك ثانية، ولم يقدر الناس على الخروج لدفنه؛ لأن دمشق كانت محاصرة من الخوارزمية (٦)، وَلَمْ يخرج مَعَهُ إلاَّ نحو عشرة أَنْفُس مخاطرين حَتَّى دفنوه في مقابر الصوفية خارج باب النصر (٧)، فرحمه الله (٨).

стр. 12

الفصل الثاني: ثقافته المبحث الأول: شيوخه حرص المترجَم على أن يتلقى العلم من أفواه الرجال على ما جرت به عادة أهل الإسلام، فرحل في سبيل ذلك - كما قدّمنا - إلى كثير من الأقطار، فبعد إقامته بالموصل ((دخل بغداد، وطاف البلاد، وسمع من خلق كثير وجمٍّ غفير ببغداد، وهمذان، ونيسابور، ومرو، وحران، وغير ذلك، ودخل الشام مرتين)) (١). لذا رأينا أن نذكرهم على حسب بلدانهم التي سمع فيها منهم المترْجَم: الموصل: ١. عماد الدين أبو حامد مُحَمَّد بن يونس بن منعة الإربلي ثُمَّ الموصلي الفقيه الشافعي، ت (٦٠٨ هـ) (٢). ٢. أبو جعفر عبيد الله بن أحمد المشهور بـ: ابن السَّمين (٣)، ت (٥٨٨ هـ) (٤)، وهو أقدم شيخ له (٥). ٣. نصر بن سلامة الهيتي (٦).

стр. 13

٤. محمود بن علي الموصلي (١). ٥. عبد المحسن بن الطوسي (٢). ٦. أبو الْمُظَفَّر بن البرني (٣). بغداد: ٧. أبو أحمد ضياء الدين عبد الوهاب بن أبي منصور علي بن عبيد الله بن سكينة البغدادي الصوفي الشافعي (٤)، شيخ الشيوخ الإمام العالم الفقيه المحدِّث الثقة المعمر القدوة الكبير شيخ الإسلام مفخرة العراق، ت (٦٠٧ هـ) (٥). ٨. أبو حفص عمر بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن أحمد البغدادي الدارقزي المؤدب المشهور بـ: ابن طَبَرْزَذ (٦) الشَّيْخ المسند الكبير الرحلة، ت (٦٠٧ هـ) (٧). بلاد العجم: ٩. أبو القاسم عبد الكريم بن أبي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي القزويني (٨) شيخ الشافعية عالم العجم والعرب إمام الدين، ت (٦٢٣ هـ) (٩).

стр. 14

مرو: ١٠. أبو الْمُظَفَّر فخر الدين عبد الرحيم بن الحافظ الكبير أبي سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور السمعاني المروزي الشافعي (١) الشَّيْخ الإمام العلاَّمة المفتي المحدِّث، ت (٦١٧ هـ) أو (٦١٨ هـ) (٢). ١١. محمد بن عمر المسعودي (٣). ١٢. مُحَمَّد بن إسماعيل الموسوي (٤). ١٣. أبو جعفر مُحَمَّد بن مُحَمَّد السنجي (٥). نيسابور: ١٤. أبو بكر، وأبو الفتح، وأبو القاسم: منصور بن مسند وقته أبي المعالي عبد المنعم ابن المحدِّث أبي البركات عبد الله بن فقيه الحرم أبي عبد الله مُحَمَّد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي ثُمَّ النيسابوري (٦). الشَّيْخ الجليل العدل المسند، ت (٦٠٨ هـ) (٧). ١٥. رضي الدين أبو الحسن المؤيد بن مُحَمَّد بن علي بن حسن الطُّوسي ثُمَّ النيسابوري (٨) الشَّيْخ الإمام المقرئ الْمُعَمَّر مسند خراسان، ت (٦١٧ هـ) (٩).

стр. 15

١٦. حُرَّة ناز أم المؤيد زينب بنت أبي القاسم عبد الرحمان بن الحسن بن أَحْمَد الجرجانية الأصل النيسابورية الشعرية (١) الشيخة الجليلة مسندة خراسان، ت (٦١٥ هـ) (٢). ١٧. شهاب الدين أبو بكر القاسم بن الشَّيْخ أبي سعد عبد الله بن الفقيه عمر بن أَحْمَد النيسابوري ابن الصفَّار (٣) الإمام الفقيه الشافعي المسند الجليل مفتي خراسان، ت (٦١٨ هـ) (٤). ١٨. مُحَمَّد بن الحسن الصرَّام (٥). ١٩. أبو المعالي بن ناصر الأنصاري (٦). ٢٠. إسماعيل بن عثمان بن إسماعيل بن أبي القاسم بن أبي بكر (٧)، أبو النجيب القارئ النيسابوري، ت (٦١٧ هـ) أو (٦١٨ هـ) (٨). همذان: ٢١. أبو الفضل عبد الرحمان بن عبد الوهاب بن أبي زيد الْمُعَزِّم الهمذاني الفقيه (٩)، ت (٦٠٩ هـ) (١٠).

стр. 16

حران: ٢٢. أبو مُحَمَّد عبد القادر بن عبد الله بن عبد الرحمان الرُّهاوي الحنبلي السفار (١) الإمام الحافظ المحدِّث الرَّحَّال الجوَّال محدِّث الجزيرة، ت (٦١٢هـ) (٢). دمشق: ٢٣. فخر الدين أبو منصور عبد الرحمان بن مُحَمَّد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي (٣) بن عساكر، الشَّيْخ الإمام العالم القدوة المفتي شيخ الشافعية، ت (٦٢٠ هـ) (٤). ٢٤. موفق الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن أحمد بن مُحَمَّد بن قدامة المقدسي الجَمَّاعيلي ثُمَّ الدمشقي الصالحي الحنبلي (٥)، الشَّيْخ الإمام القدوة العلاَّمة المجتهد شيخ الإسلام، ت (٦٢٠ هـ) (٦). ٢٥. جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد بن مُحَمَّد بن أبي الفضل بن علي الأنصاري الدمشقي الشافعي ابن الحرستاني (٧)، الشَّيْخ الإمام العالم المفتي المعمَّر الصالح مسند الشام شيخ الإسلام قاضي القضاة، ت (٦٢٤ هـ) (٨).

стр. 17

حلب: ٢٦. زين الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرحمان بن عبد الله بن علوان الأسدي الشافعي (١) الشهير بـ: ابن الأستاذ، قاضي حلب. ت (٦٣٥ هـ) (٢). وغيرهم أعرضنا عن ذكرهم اختصاراً للمقام. المبحث الثاني: تلامذته ما كاد ابن الصلاح يلقي عصا ترحاله مستقراً بالقدس أوَّلاً، ثُمَّ دمشق ثانياً، حَتَّى تقاطر عليه طلبة العلم من كل صوب، يحدوهم أمل أن يفوزوا بالتَّتلمذ على يديه، والاغتراف من معين علمه. وما كان ابن الصلاح ليتمتَّع بهذا الفضل الذي يشهد به العدو قبل الصديق، والفضل ما شهدت به الأعداء - كما يقولون - لولا صفات أهَّلته لأن يكون مَوْئِل الباحثين عن الحقيقة الناشدين عن المعرفة؛ فبات من العسير علينا أن نحصيَ تلامذة إمام بهذا المستوى؛ لذا ارتأينا الاقتصار عَلَى أشهرهم، وهم: ١. شمس الدين أبو العباس أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي الإربلي الشَّافِعِيّ (٣) قاضي القضاة، ت (٦٨١ هـ) صاحب الكِتَاب المَشْهُوْر " وفيات الأعيان " (٤). ٢. عبد الرحمان بن نوح بن مُحَمَّد شمس الدين التركماني المقدسي ثُمَّ الدمشقي، أخذ عن ابن الصلاح (٥)، وكان أعرف تلاميذه بمذهب الشافعي، مولده سنة (٥٩٧ هـ)، سمع الكثير من الحديث، ودرَّس بالرواحية، وكان ذا هيبة ووقار وسمت حسن وخشوع، توفي سنة (٦٥٤ هـ)، وكان قد بلغ الخمسة والثمانين عاماً (٦).

стр. 18

٣. كمال الدين أبو الفضائل سلار بن الحسن بن عمر الإربلي، أخذ عن ابن الصلاح (١)، قال النووي: ((هو شيخنا المجمع على إمامته وجلالته وتقدمه في علم المذهب عَلَى أهل عصره، والمرجع إليه في حلِّ مشكلاته)) (٢). كان مفتي الشام، وتوفي سنة (٦٧٠ هـ) عن بضع وستين سنة (٣). ٤. كمال الدين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثُمَّ المقدسي، أخذ العلم عن الفخر بن عساكر ثُمَّ عن ابن الصلاح (٤)، وأعاد بعد ابن الصلاح بالرواحية عشرين سنة، توفي سنة (٦٥٠ هـ)، ودفن إلى جانب ابن الصلاح (٥). ٥. أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر التفليسي الشافعي القاضي، أخذ عن ابن الصلاح (٦)، وسمع الحديث وتفقه في مذهب الشافعي وبرع فيه، ولي قضاء دمشق نيابة، ثُمَّ ترك الشام وتوجه إلى مصر فأدركته المنية هناك سنة (٦٧٢ هـ) (٧). ٦. شمس الدين أحمد بن علي بن الزبير بن سليمان القاضي الجيلي الدمشقي الشافعي الشاهد الصوفي، سمع عَلَى ابن الصلاح (٨)، توفي سنة (٧٢٤ هـ) (٩). ٧. رشيد الدين إسماعيل بن عثمان بن مُحَمَّد بن عبد الكريم الحنفي، المعروف بـ: ابن المعلّم، كَانَ فاضلاً في مذهب الحنفية، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (١٠) قَالَ الذهبي: كَانَ ديِّناً

стр. 19

مقتصداً في لباسه متزهِّداً، غادر دمشق ودخل القاهرة وظل فِيْهَا حَتَّى توفي سنة (٧١٤ هـ) (١). ٨. زين الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيروز الفارقي خطيب دمشق وشيخ دار الحديث، سمع ابن الصلاح (٢)، قال الذهبي: ((كان فصيحاً متقناً متحرّياً لديه فضيلة جيدة مع دين وصيانة وقوة في الحق))، توفي سنة (٧٠٣ هـ) (٣). ٩. ناصر الدين مُحَمَّد بن يوسف بن مُحَمَّد بن عبد الله المصري الأصل الدمشقي، المشهور بـ: ابن المهتار، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (٤)، توفي سنة (٧١٥ هـ) (٥). ١٠. عماد الدين يَحْيَى بن أَحْمَد بن يوسف بن كامل الحسيني البصروي، سَمِعَ ابن الصَّلاَح (٦)، وكان خيّراً متواضعاً سنيّاً شافعيّاً، توفي سنة (٧٠٥هـ) (٧). وغيرهم كثير. المبحث الثالث: نشره للعلم مرَّ بنا أن ابن الصلاح استوطن أولاً القدس، ومن ثم نزح إلى دمشق متخذاً مِنْهَا مستقرّاً وموطناً، وكان المترْجَم منذ نعومة أظفاره قد تعوّد الدرس والتدريس، فعندما كان في مقتبل عمره ولا يزال غضّ العود طري البنية، وفي أول سفر له إلى الموصل،

стр. 20

ولاَّه شيخه عماد الدين بن يونس الإعادة في درسه (١)، ثُمَّ لما اشتدّ عوده وصلب وبعد أن جمع شتات العلوم وأصبح علماً يشار إليه، أسندت إليه مهمة التدريس في المدارس التي كانت بمثابة جامعات تُخَرِّج علماء في مختلف التخصصات، ومن تلك المدارس التي درَّس فيها أبو عمرو هي: ١. المدرسة الصلاحية (٢): وتسمَّى الناصرية أيضاً (٣)، تقع في القدس وتنسب إلى بانيها السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو الْمُظَفَّر يوسف بن أيوب ابن شاذي الدويني الكردي الأصل التكريتي المولد (٤)، وكان إنشاؤها سنة (٥٨٣ هـ) للشافعية، وكانت كنيسة فهدمها وبناها مدرسة (٥)، وهي الآن كنيسة للنصارى (٦). ٢. المدرسة الرواحية (٧): وتنسب إلى بانيها زكي الدين أبي القاسم هبة الله ابن مُحَمَّد بن رواحة الحموي التاجر المعدَّل، ت (٦٢٢ هـ) (٨)، وابن الصلاح أوَّل مَنْ درَّس فيها (٩)، وتقع شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه، شمالي جيرون، وغربي الدولعية، وقبلي السيفية الحنبلية (١٠)، وهي الآن دار (١١).

стр. 21

٣. دار الحديث الأشرفية (١): تقع بجوار باب القلعة الشرقي غربي المدرسة العصرونية وشمالي المدرسة القايمازية (٢)، تنسب إلى بانيها الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل بن أيوب، ت (٦٣٥ هـ)، وافتتحت سنة (٦٣٠هـ)، بعد أن استغرق بناؤها سنتين، ووقف عليها أوقافاً، وأول من ولي مشيختها أبو عمرو بن الصلاح، وبقي فيها ثلاث عشرة سنة (٣)، وهي لا تزال مدرسة حَتَّى اليوم (٤). ٤. مدرسة ست الشام زمرد خاتون (٥): وتسمَّى الشامية الجوَّانية (٦) والشامية الصغرى (٧)، وتقع قبلي المارستان النوري، تنسب إلى منشئتها ست الشام زمرد خاتون بنت نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، ت (٦١٦هـ) (٨)، قال مُحَمَّد كرد علي: ((وقد خربت هذه المدرسة ولم يبقَ فيها سوى بابها وواجهتها الحجرية واتخذت داراً)) (٩). المبحث الرابع: آثاره العلمية على الرغم من كل الظروف العصيبة والمهمات العديدة التي كانت تقع على عاتق ابن الصلاح؛ فإنه قد ترك لنا ثروة علمية لا يستهان بها، يمكن من خلالها أن نتصور ما كان يتمتع به هذا الإمام من عقلية صلبة وفكر فسيح، خصب الزرع وارق النتاج. ولم يكن لمشاغله المتعددة بَيْنَ تدريس في المدارس الثلاث والإفتاء ومراعاة أحوال الناس عائق

стр. 22

في وجه شلال فكره الهادر، فكانت ثماره عظيمة أغنت المكتبة الإسلامية ببحوث إن لَمْ تكن مستوفية، فإنها كانت ذات جدة وأصالة في أكثر موضوعاتها، ففتحت الباب لمن جاء بعده لتكون تلك الآثار محور تدور في فلكه كثير من المؤلفات. واستطعنا أن نقف له على ما يربو على العشرين مؤلفاً، هي: ١. أحاديث في فضل الإسكندرية وعسقلان (١). ٢. الأحاديث الكلية (٢). ٣. أدب المفتي والمستفتي (٣). ٤. الأمالي (٤). ٥. حديث الرحمة (٥). ٦. حكم صلاة الرغائب (٦). ٧. حلية الإمام الشافعي (٧). ٨. شرح معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري (٨). ٩. شرح الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه (٩). ١٠. صلة الناسك في صفة المناسك (١٠). ١١. صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط (١١).

стр. 23

١٢. طبقات فقهاء الشافعية (١). ١٣. معرفة أنواع علم الحديث (٢). ١٤. الفتاوى (٣). ١٥. فوائد الرحلة (٤). ١٦. مختصر في أحاديث الأحكام (٥). ١٧. مشكل الوسيط (٦). ١٨. مشكلات البخاري (٧). ١٨. المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال (٨). ١٩. النكت على المهذب (٩). ٢٠. وصل بلاغات الموطأ (١٠). ٢١. وقف دار الحديث الأشرفية (١١).

стр. 24

المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه أطنب العلماء في الثناء عَلَى ابن الصلاح ثناءً منقطع النظير، يدل على ما تمتع به هذا الرجل من مكانة في قلوب الناس، وما تبوَّأه من المكانة المرموقة عندهم. ويتضح هذا جليّاً من أقوالهم التي نوردها، ومنها: ١. قول أبي عمرو بن الحاجب: ((إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حَتَّى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة)) (١). ٢. وقول شمس الدين بن خلكان: ((كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة)) (٢). ٣. وثناء صفي الدين المراغي بقوله: ((أحد الأئمة المشهورين، والعلماء العاملين، والحفاظ المذكورين، جمع بَيْنَ علوم متعددة: علم الفقه وعلم أصوله وعلم الحديث وعلم العربية، مع ما أوتي من التحري والإتقان، مضافاً إلى سلوك طريقة السلف، معظماً عند الخاص والعام)) (٣). ٤. وأطنب الذهبي في مدحه فقال: ((الإمام الحافظ العلاّمة شيخ الإسلام ... كان ذا جلالة عجيبة ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفي الجُمْلة، صحيح النحلة، كافاً عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمناً بالله وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، معظَّماً عند السلطان ... وكان مع تبحّره في

стр. 25

الفقه مجوِّداً لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفنّناً في الحديث، متصوناً مُكِباً على العلم، عديم النظير في زمانه)) (١). ٥. ونقل اليافعي عن بعضهم أنه قال فيه: ((كان إماماً بارعاً حجة متبحراً في العلوم الدينية بصيراً بالمذهب وأصوله وفروعه، له يد طولى في العربية والحديث والتفسير، مع عبادة وتهجد وورع ونسك وتعبد، وملازمة للخير على طريقة السلف في الاعتقاد)) (٢). ٦. وقال السبكي: ((الشَّيْخ العلاّمة تقي الدين أحد أئمة المسلمين علماً وديناً ... وتفقه عليه خلائق، وكان إماماً كبيراً فقيهاً محدِّثاً زاهداً ورعا، مفيداً معلماً استوطن دمشق يعيد زمان السالفين ورعا، ويزيد بهجتها بروضة علم جنى كل طالب جناها ورعا، ويفيد أهلها فما مِنْهُم إلاَّ من اغترف من بحره واعترف بدُرِّهِ وحفظ جانب مثله ورعا)) (٣). ٧. واختصر الإسنوي وصفه فقال: ((كان إماماً في الفقه والحديث، عارفاً بالتفسير والأصول والنحو، ورعاً زاهداً، ملازماً لطريقة السلف الصالح)) (٤). ٨. وقال ابن كثير: ((الإمام العلاّمة مفتي الشام ومحدّثها ... وكان ديّناً زاهداً ورعاً ناسكاً، على طريقة السلف الصالح، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدِّثين مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة، ولم يزل على طريقة جيدة حَتَّى كانت وفاته)) (٥). ٩. وقال ابن قاضي شهبة: ((الإمام العلاّمة مفتي الإسلام ... الإمام البارع)) (٦). ١٠. وقال السيوطي: ((الإمام الحافظ شيخ الإسلام ... يضرب به المثل، سلفياً زاهداً حسن الاعتقاد وافر الجلالة)) (٧).

стр. 26

الفصل الثالث: دراسة الكتاب المبحث الأول: أهمية الكتاب لَمْ تعد أهمية كتاب ابن الصلاح أمراً خافياً أو شيئاً غامضاً يحتاج إلى إيضاح وتفصيل، ولنا أن نجزم بأن كتابه هو المحور الذي دارت في فلكه تصانيف كل مَنْ أتى بعده، وأنه واسطةُ عقدِها، ومصدر ما تفرع عنها. ولم يكن لمن بعده سوى إعادة الترتيب في بعض الأحيان، أو التسهيل عن طريق الاختصار أو النظم، أو إيضاح بعض مقاصده التي قد تخفى عَلَى بعض المطالعين عن طريق التنكيت. وقد رزق الله تَعَالَى كتاب ابن الصلاح القبول بَيْنَ الناس، حَتَّى صار مدرس مَنْ يروم الدخول في هذا الشأن، ولا يتوصّل إليه إلاَّ عن طريقه، فهو الفاتح لما أغلق من معانيه والشارح بما أجمل من مبانيه. ولم تقتصر قيمة الكتاب العلمية عَلَى جانب تفرده في مصطلح الحديث وبيان مبادئه، وإنما عُدّت من بدايات الكتابات في علمٍ نعتقد أنه ظهر عند الغرب في وقت متأخر، ألاَ وهو علم تحقيق النصوص وتوثيق المرويات، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إنه لا يزال متفرداً بخصائصه التي تتصل بهذا الموضوع. وما دام تخصصه قد امتدَّ إلى هذا الباب فليس غريباً أن تكون له مباحثات فيما يتصل بعلم التاريخ. ولعل المؤلف ابن الصلاح عنى ذلك بقوله: ((فحينَ كادَ الباحثُ عنْ مُشْكلِهِ لا يُلْفِي لهُ كاشفاً، والسائلُ عنْ علمِهِ لا يَلْقى بهِ عارفاً، مَنَّ اللهُ الكريمُ ﵎ عليَّ - ولَهُ الحمدُ - أجمعُ بكتابٍ " معرفةَ أنواعِ علمِ الحديثِ "، هذا الذي باحَ بأسرارهِ الخفيَّةِ، وكشفَ عَنْ مشكلاتِهِ الأبيَّةِ، وأحكمَ معاقدَهُ، وقعَّدَ قواعدَهُ، وأنارَ معالِمَهُ، وبيَّنَ أحكامَهُ، وفصَّلَ أقسامَهُ، وأوضحَ أصولَهُ، وشرحَ فروعَهُ وفصولَهُ، وجمعَ شتاتَ علومِهِ وفوائدَهُ، وقنصَ شواردَ نُكتِهِ وفرائدَهُ)) (١).

стр. 27

ومما يجلِّي الأمر أكثر ويجعلنا أمام صورة واضحة عن أهمية هذا التصنيف أن ننقل جملة من أقوال العلماء فيه: ١. فقد قال الإمام النووي (ت٦٧٦هـ): ((هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد، قد نبَّه المصنِّف ﵀ في مواضع من الكتاب وغيره، عَلَى عظم شأنه، وزيادة حسنه وبيانه، وكفى بالمشاهدة دليلاً قاطعاً، وبرهاناً صادعاً)) (١). ٢. وقال الخويي (٢) (ت ٦٩٣ هـ) في منظومته (٣): وخير ما صنف فيها واشتهر ... كتاب شيخنا الإمام المعتبر وهو الذي بابن الصلاح يعرف ... فليس من مثله مصنف (٤) ٣. وقال ابن رشيد (ت ٧٢١ هـ): ((الذي وقفت عليه وتحصل عندي من تصانيف هذا الإمام الأوحد أبي عمرو ابن الصلاح ﵀ كتابه البارع في معرفة أنواع علم الحديث وإنّه كلّما كتبت عليه متمثلاً: لكل أناس جوهر متنافس ... وأنت طراز الآنسات الملائح)) (٥) ٤. وقال ابن جماعة (ت٧٣٣ هـ): ((واقتفى آثارهم الشَّيْخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع)) (٦).

стр. 28

٥. قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): ((ولما كان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشَّيْخ الإمام العلاَّمة أبو عمرو بن الصلاح - تغمَّده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بَيْنَ الطلبة لهذا الشأن وربَّما عني بحفظه بعض المهرة من الشبَّان، سلكت وراءه واحتذيت حذاءه)) (١). ٦. وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): ((وجاء بعدهم الإمام أبو عَمْرو بن الصَّلاَح فجمع مفرّقهم، وحقّق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حَتَّى استوجب أن يكتب بذوب الذهب)) (٢). ٧. وقال الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ): ((وأحسن تصنيف فِيْهِ وأبدع، وأكثر فائدة وأنفع: " علوم الْحَدِيْث " للشيخ العلاّمة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنّه فتح مغلق كنوزه، وحلّ مشكل رموزه)) (٣). ٨. وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ): ((ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح -سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه - فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها)) (٤). ٩. وقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ): ((أحسن ما صنف أهل الْحَدِيْث في مَعْرِفَة الاصطلاح كتاب " علوم الْحَدِيْث " لابن الصَّلاَح، جمع فِيْهِ غرر الفوائد فأوعى، ودعا لَهُ زمر الشوارد فأجابت طوعاً)) (٥).

стр. 29

١٠. وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): ((فجمع شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)) (١). ١١. وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ): ((عكف الناس عليه، واتخذوه أصلاً يرجع إليه)) (٢). وبهذا نكاد أن ننقل إجماع الأئمة، منذ أن رأى كتاب "معرفة أنواع علم الحديث" النور إلى يوم الناس هذا، دليلاً على مكانته، وغزارة علمه وفوائده شاهداً على علوِّ كعبه ونصرة حزبه، فرحم الله مؤلفه وجامعه، وأسبل عليه نعمه وفضائله، إنّه سميع مجيب. المبحث الثاني: سمات منهج ابن الصلاح عَلَى الرغم من أن المؤلفين القدامى لا سيَّما المتأخرون الذين يصنفون لا عَلَى الأسانيد منهم لا يفصحون بمناهجهم التأليفية إلاَّ قليلاً، لكن المتتبع لتصرفاتهم في تصانيفهم لا يعدم وصفاً تقريبياً لسمات مناهجهم التأليفية، وابن الصلاح ليس استثناءً من هذه القاعدة التي أوشكت أن تكون عامة. وقد استطعنا - بحمد الله - أن نحدد بعض الملامح لمنهج ابن الصلاح في تصنيفه هذا وسنعرضها مدعمة بالأمثلة: ١. إتيانه بالتعريفات للأنواع التي هو بصدد توضيحها، واهتمامه بهذا الجانب جداً، ولعل ذلك راجع إلى تأثره بالنَّزعة الأصولية التي تهتم بضبط التعاريف، وأيّاً ما يكون الدافع فقد بدا هذا الأمر واضحاً جلياً في كتابته، إلاَّ أن منهجه في هذا الجانب قد تنوع عَلَى النحو الآتي:

стр. 30

أ. ابتكاره تعاريف لَمْ يسبق إليها، كما في تعريف الحسن (١)، والمعلَّل (٢)، والمضطرب (٣)، والمخضرم (٤)، وغيرها. ب. كان حريصاً عَلَى بيان ماهية المعرَّف، وكان يلجأ في بعض الأحيان إلى التمثيل من غير ذكر للحدِّ، كما في المقلوب إذ عرَّف به بقوله: ((هو نحو حَدِيْث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غريباً مرغوباً به)) (٥). فتعقّبه الزركشي فقال: ((وهذا التعريف غير وافٍ بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه)) (٦)، وبنحوه قال ابن حجر (٧). وكما في النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد (٨). ج. إذا كان للنوع أقسام فإنه يذكرها معرفاً بها، كما في النوع الرابع والعشرين: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (٩). فإنه مشتمل عَلَى فروع ثمانية هي أنواع التحمل والأداء، فعرَّف بكل منها (١٠). وإذا كان الفرع يضم أقساماً فإنه يعرف بها أيضاً كما في الإجازة (١١).

стр. 31

د. وربما كان للمعرَّف أكثر من تعريف، فكان المؤلِّف يوردها جميعاً ولكنه في أكثر أحيانه لا يبقي الأمر هملاً، ولكنه يرجح شيئاً يستعين به الباحث، كما في تعريف الحسن (١)، والمسند (٢)، والمنقطع (٣)، والشاذ (٤)، وغيرها. هـ. في بعض الأحيان - وإمعاناً منه في إيضاح ماهية المعرَّف - يبين محترزات التعريف، حَتَّى يسلم من الاعتراضات، كما في تعريف الصحيح (٥)، والمرفوع (٦)، وغيرهما. ٢. استحداثه - في بعض الأنواع - لأقسام غير مسبوق بها، تسهيلاً لتلك المباحث وإعانة للقارئ عَلَى فهمها جيداً، كما في تقسيمات الصحيح (٧)، وتقسيم الحسن (٨)، والشاذ (٩)، والمنكر (١٠)، والأسماء والكنى (١١)، وغيرها. ٣. كان أبو عمرو ذا عقلية متفتحة ونظر سليم، قادراً عَلَى التمحيص وتمييز ما في أقوال من سبقه من خطأ، والتعرف على مواطن الخلل لذا كان موقفه متبايناً منها، فتارة يتولاها بالنقد، وتارة يستدرك أموراً، وتارة يوضح المقصد من الكلام، وعلى كلٍّ فقد برزت الصور الآتية في منهجه التأليفي في إطار هذه النقطة:

стр. 32

أ. كان يتعقب عَلَى بعض اختيارت العلماء، مثل تعقبه عَلَى اختيار بعض المغاربة تفضيل صحيح مُسْلِم عَلَى البُخَارِيّ، بسبب أنَّهُ ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح سرداً. فقال: ((وليس يلزم منه أن كتاب مُسْلِم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح عَلَى كتاب البُخَارِيّ، وإن كان المراد به أن كتاب مُسْلِم أصح صحيحاً، فهذا مردود عَلَى من يقوله)) (١). وكتعقبه عَلَى تعاريف الحسن بقوله: ((كل هذا مستبهم لايشفي الغليل)) (٢) وتعقب أيضاً من اختار من أهل المغرب والقاضي الرامهرمزي من أهل الشرق في اللحق أن يكتب في نهايته الكلمة المتصلة به في موضع التخريج لتدل عَلَى اتصال الكلام، فقال: ((وليس ذَلِكَ بمرضي، إذ رب كلمة تجيء في الكلام مكررة حقيقة، ... الخ كلامه)) (٣). ب. لقد مثّل ابن الصلاح الذروة في فهم مضامين كلام العلماء الذين سبقوه، ونجد ذَلِكَ واضحاً في توجيهه لقول الحافظ أبي علي النيسابوري: ((ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مُسْلِم بن الحجاج)). قائلاً: ((فهذا وقول من فضَّلَ من شيوخ المغرب كتاب مُسْلِم عَلَى كتاب البُخَارِيّ إن كان المراد به أن كتاب مُسْلِم يترجح بأنه لَمْ يمازجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما في كتاب البُخَارِيّ في تراجم أبوابه من الأشياء التي لَمْ يسندها على الوصف المشروط في الصحيح، فهذا لا بأس به)) (٤).

стр. 33

وتوجيهه لقول مُسْلِم: ((ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. قائلاً: أراد - والله أعلم - أنه لَمْ يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه، وإن لَمْ يظهر اجتماعها في بعضها عِنْدَ بعضهم)) (١). وَوَجَّه قول البخاري: ((أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح)). بأن ((هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عُدَّ الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين)) (٢). ج. ومن أجل تكامل البحث العلمي والاستفادة من جهود السابقين، لَمْ يهمل أبو عمرو أقوال من سبقه إهمالاً كلياً، وإنما كان يوردها ثُمَّ يزيد عليها ما يراه مكملاً لما يرمي إلى إيضاحه فكراً أو تطبيقاً، كما توضحه الأمثلة الآتية: بعد أن بيَّن حكم الأحاديث التي يوردها الحاكم في المستدرك بأنها إن لَمْ تكن صحيحة فهي حسنة، إلاَّ أن تظهر فيها علة توجب ضعفها!!! قال: ((ويقاربه في حكمه " صحيح أبي حاتم بن حبان البستي ")) (٣). وبعد أن نقل عن الخطيب جواز كتابة طباق التسميع في بداية الكتاب أو في حاشية الصفحة الأولى قال: ((ولا بأس بكتبته آخر الكتاب وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعه)) (٤). ٤. هناك صفة تميز كتابات ابن الصلاح، وهي بحد ذاتها دالة عَلَى سعة أفقه ووفور درايته، وهي تعكس من وجه آخر حجم الثروة العلمية التي وفّرها لنفسه كمخزون ثقافي، ألاَّ

стр. 34

وهي إكثاره من نقل مذاهب العلماء في كافة المسائل التي يتعرض لبحثها، وهذا أمر نراه واضحاً ملموساً مبثوثاً في أثناء هذا الكتاب. ٥. لَمْ يكن ابن الصلاح قاصراً عن الإدلاء بدلوه في القضايا التي ينقدها، سواء أكانت تلك المسائل خلافية أم وفاقية، فقد كان يطالعنا باختيارات وآراء جديدة بين الفينة والأخرى، وهي كثيرة جداً نكتفي منها بالأمثلة الآتية: في معرض تحدّثه عن المعلق ووقوعه في الصحيحين، قال مبيناً حكمه: ((وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علَّقه عنه، فقد حكم بصحته عنه)) (١). وتقريراً لكلام أبي داود في رسالته بشأن السنن، والأحاديث التي سكت عنها فيها، قال: ((فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ عَلَى صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسن عِنْدَ أبي داود)) (٢). ٦. جمع ابن الصلاح شتات علوم متفرقة، وقد وظَّف تقي الدين هذا الجانب من معرفته في أبحاثه هذه، وذلك من خلال ربطه بَيْنَ القضايا الفقهية ومباحث علوم الحديث، مثل ربطه بين حجية الحديث المرسل عِنْدَ المحدّثين وحجيته عِنْدَ الفقهاء وبيان الفرق بين رواية المستور، وبين شهادة المستور (٣). وفي تعريف الموقوف قال: ((وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر ... )) (٤).

стр. 35

٧. لما كان ابن الصلاح في إطار تقعيد القواعد في طريقه لتقنينها كقوانين تحكم هذا العلم، كان من كمال علمه وتكميله لتلك الأساسيات يورد ما يتوقع أن يعترض به عليه، ثُمَّ يتولى جوابه بما يسلم معه من النقد. مثل قوله في بحثه لتقوي الضعيف بكثرة الطرق: ((لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: ((الأذنان من الرأس))، ونحوه، فهلاَّ جعلتم ذَلِكَ وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذَلِكَ عضَّد بعضاً، كما قلتم في نوع الحسن عَلَى ما سَبَقَ آنفاً؟؟ وجواب ذَلِكَ أنَّهُ ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، ... الخ كلامه)) (١). وكما في جوابه عن الإشكال المتوقع من جمع الترمذي بَيْنَ الحسن والصحة في وصف حديث واحد؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، فكيف يستقيم الجمع بَيْنَ نفي القصور وإثباته؟؟ فقال: ((وجوابه: أن ذَلِكَ راجع إلى الإسناد ... الخ)) (٢). ٨. بيانه مراتب بعض الكُتُب المصنفة، إرشاداً للطالب في كيفية الاعتماد عليها ونمثل لذلك بما يأتي: فبعد أن بيَّن حكم مستدرك الحاكم والأحاديث الواردة فيه، بيَّن حكم صحيح ابن حبان قائلاً: ((ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي)) (٣). ونراه قد سرد عدداً لا بأس به من المسانيد، مُصدِّراً ذلك بقوله: ((كتب المساند غير ملتحقة بالكتب الخمسة)) (٤)، وعلَّل هذا الحكم بأنهم: ((يخرِّجُوا في مسند كل

стр. 36

صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجّاً به، فلهذا تأخَّرت مرتبتها - وإن جلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنَّفة على الأبواب)) (١). ٩. عدم إهماله لبعض الإشارات التي تتصل بمسائل لغوية وهي ذات دلالة أوَّلاً وآخِراً على عمق ثروته اللغوية، مثل تعقبه عَلَى المحدِّثين في استخدامهم مصطلح ((معضل))، فَقَالَ: ((وأصحاب الحديث يقولون: أعضَله فهو معضل - بفتح الضاد - وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، وبحثت فوجدت له قولهم: ((أمر عضيل))، أي: مستغلق شديد، ولا التفات في ذلك إلى مُعْضِل - بكسر الضاد - وإن كان مثل عضيل في المعنى)) (٢). ومثل بيانه لمعنى الإجازة في اللغة نقلاً عن ابن فارس قائلاً: ((معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلاناً فأجازني إذا أسقاك ماءً ... الخ كلامه)) (٣). وبيانه لمعنى الوجادة في اللغة بقوله: ((هي مصدر لـ: ((وَجَدَ يَجِدُ)) مولد غير مسموع من العرب ... )) (٤). ١٠. كان دأب ابن الصلاح الإرشاد والتنبيه على أهمية الأنواع التي يبحثها استكمالاً لجوانب البحث العلمي الذي كان حريصاً على إظهاره بالشكل الأتم، ومما يدلل على هذا أن نسوق أمثلة لها. فابن الصلاح وهو بصدد بحثه لمعرفة زيادات الثقات يقول عنه منبهاً عَلَى أهميته: ((وذلك فن لطيف تستحسن العناية به)) (٥).

стр. 37

وقال في نوع المعلل مرشداً إلى عظيم خطره: ((اعلم أن معرفة علل الحديث من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب)) (١). وقال في معرفة غريب الحديث: ((هذا فنٌّ مهمٌّ يقبح جهله بأهل الحديث خاصة)) (٢). ١١. تنبيهه على استعمالات المحدِّثين أو الحكمة في صنيعهم أو إيضاح اصطلاحاتهم مثل: توضيحه لما اصطلح عليه البغوي في كتابه " مصابيح السنة " (٣)، وكما في توضيحه لسبب جعل علامة التضبيب كأنها صاد (٤) وعلة استعمال المحدِّثين لعلامة التحويل في الإسناد (ح) مهملة (٥). ١٢. عَلَى الرغم من أن ابن الصلاح كان من منهجه الاختصار كلما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ إلاَّ أنَّهُ لَمْ يغفل أن يسوق بَيْنَ تارة وأخرى إسناداً له، ينقل به حديثاً أو طُرفةً أو قولاً أو شعراً، يؤنس به المطالعين، ويذكّر به سنة السالفين (٦). ١٣. قد كان أبو عمرو طيلة صفحات الكتاب ذا شخصية بارزة واضحة متميزة وذلك من خلال إبداء آرائه الجديدة، وقدرته على المناقشة والتصويب وترجيح ما يراه راجحاً من الآراء (٧).

стр. 38

١٤. كان من منهج ابن الصلاح أن يعزز ما يختاره من المذاهب التي يذكرها في المسائل الخلافية بأقوال العلماء، ونجد ذلك واضحاً في طيات كتابه، ولا ضير في التمثيل لبعضها. ففي معرض تقريره لجواز أن يثبت الراوي سماعه للكتاب بخطه من غير حاجة إلى أن يكتبه الشَّيْخ الْمُسْمِع، في حالة كون الراوي موثوقاً به، أورد أن عبد الرحمان بن منده سأل أبا أحمد الفرضي أن يكتب له سماعه في جزء سمعه منه، فقال أبو أَحْمَد: ((يا بني! عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد ... الخ)) (١). وقرر أن الإبطاء بإعادة الكتب التي فيها سماعات لأصحابها أمر قبيح، وأورد قول الزهري: ((إيَّاك وغلول الكتب. قيل: وما غلول الكتب؟ قَالَ: حبسها عَلَى أصحابها)) (٢). ١٥. تنبيهه عَلَى من صنَّف في الأنواع التي يبحثها (٣). ١٦. بروز الجانب التطبيقي عنده، وذلك من خلال ما يعرضه من الأمثلة التي ملأت صفحات كتابه. ١٧. كل مَنْ يقرأ كتاب ابن الصلاح لا يملك إلا أن يعترف بأدبه الجمِّ الذي زخرت به كتاباته، تعبيراً عمَّا يكنه في نفسه من تقوى وورع، واعتراف بفضل السابقين، فلا تجده يذكر سم الله تعالى من غير ثناء، ولا يكاد يذكر اسم رسول الله ﷺ إلا مقروناً بالصلاة عليه، وكذلك الصحابة والتابعون والعلماء ممن بعدهم لا يذكرهم إلا مترضِّياً عليهم أو مترحِّماً.

стр. 39

ومما يعدُّ من خصائصه الأسلوبية، أنه لا يكاد ينهي فقرة إلاَّ ويقول في ختامها: ((والله أعلم))، تواضعاً منه واعترافاً بضمون قوله جلَّ ذكره: ﴿وَمَا أُوتِيْتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيْلاً﴾. الإسراء: ٨٥. المبحث الثالث: مصادره وموارده تعددت مصادر ابن الصلاح تبعاً لتعدد جوانب ثقافته المتنوعة التي تتطلبها طبيعة الكتابة في ميدان يشابه الميدان الذي خاض غماره وسبر أغواره ابن الصلاح، فجاءت ثمرته ناضجة آتت أكلها والحمد لله. ومن خلال نظرة فاحصة نلقيها عَلَى هذا التصنيف، يمكننا أن نميّز نوعين من تِلْكَ المصادر: الأول: المصادر الشفوية. الثاني: المصادر الكتابية. وسنعرض لكل منهما في مطلب مستقل: المطلب الأول: المصادر الشفوية مرَّ بنا فيما مضى أن ابن الصلاح جال بلاداً كثيرة، وطلب عَلَى أيادي علماء عصره، فجمع علوماً وظَّفها لخدمة منهجه التأليفي، وهي تلك المعلومات التي استمدها شفاهاً من شيوخه، ويمكننا جعلها عَلَى قسمين: الأول: ما أبهم فيه مصدره فلم يصرح بطريق نقله، مثل: قوله: وأنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة ... )) (١). وقوله: ((وأخبرني من أُخبر عن القاضي عياض بن موسى من فضلاء وقته ... )) (٢). ونحو ذلك قوله: ((وأخبرني بعض أشياخنا عمن أخبره عن القاضي ... )) (٣).

стр. 40

الثاني: ما صرح فيه بذكر شيخه وسلسلة إسناده، مثل: قوله: ((كمثل ما حدثنيه الشَّيْخ أبو الْمُظَفَّر، عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني ... )) (١). وكمثل قوله: ((حدثني بمرو الشَّيْخ أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد المروزي، عن أبيه ... )) (٢). وكقوله: ((أخبرنا أبو بكر بن أبي المعالي الفراوي قراءة عليه، قال: أخبرنا الإمام جدي ... )) (٣). وغيرها كثير. المطلب الثاني: المصادر الكتابية اعتمد أبو عمرو على مصادر كتابية كثيرة في مختلف المواضيع كالحديث دراية ورواية والتفسير وعلوم القرآن والتاريخ وكتب الرجال والأدب والنحو واللغة وغريب الحديث وغيرها مما هو موضح في الفهرس الذي خصصناه بها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها هنا. ولكن نود هنا أن ننبه على أن أكثر تعويل ابن الصلاح كان على عالمين اثنين هما: الأول: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، وذلك من خلال كتابه " معرفة علوم الحديث "، حيث ضمَّن كثيراً من أفكاره في كتابه، فضلاً عن كثير من النصوص التي نقلها منه. الثاني: الخطيب البغدادي الحافظ، إذ كان تعويله في أكثر مباحث كتابه على كتاب الخطيب " الكفاية "، ويجد القارئ مصداق ذلك في عشرات النقول التي خرجناها
следующие страницы →