← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجّاً به، فلهذا تأخَّرت مرتبتها - وإن جلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنَّفة على الأبواب)) (١). ٩. عدم إهماله لبعض الإشارات التي تتصل بمسائل لغوية وهي ذات دلالة أوَّلاً وآخِراً على عمق ثروته اللغوية، مثل تعقبه عَلَى المحدِّثين في استخدامهم مصطلح ((معضل))، فَقَالَ: ((وأصحاب الحديث يقولون: أعضَله فهو معضل - بفتح الضاد - وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، وبحثت فوجدت له قولهم: ((أمر عضيل))، أي: مستغلق شديد، ولا التفات في ذلك إلى مُعْضِل - بكسر الضاد - وإن كان مثل عضيل في المعنى)) (٢). ومثل بيانه لمعنى الإجازة في اللغة نقلاً عن ابن فارس قائلاً: ((معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلاناً فأجازني إذا أسقاك ماءً ... الخ كلامه)) (٣). وبيانه لمعنى الوجادة في اللغة بقوله: ((هي مصدر لـ: ((وَجَدَ يَجِدُ)) مولد غير مسموع من العرب ... )) (٤). ١٠. كان دأب ابن الصلاح الإرشاد والتنبيه على أهمية الأنواع التي يبحثها استكمالاً لجوانب البحث العلمي الذي كان حريصاً على إظهاره بالشكل الأتم، ومما يدلل على هذا أن نسوق أمثلة لها. فابن الصلاح وهو بصدد بحثه لمعرفة زيادات الثقات يقول عنه منبهاً عَلَى أهميته: ((وذلك فن لطيف تستحسن العناية به)) (٥).

стр. 37

وقال في نوع المعلل مرشداً إلى عظيم خطره: ((اعلم أن معرفة علل الحديث من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب)) (١). وقال في معرفة غريب الحديث: ((هذا فنٌّ مهمٌّ يقبح جهله بأهل الحديث خاصة)) (٢). ١١. تنبيهه على استعمالات المحدِّثين أو الحكمة في صنيعهم أو إيضاح اصطلاحاتهم مثل: توضيحه لما اصطلح عليه البغوي في كتابه " مصابيح السنة " (٣)، وكما في توضيحه لسبب جعل علامة التضبيب كأنها صاد (٤) وعلة استعمال المحدِّثين لعلامة التحويل في الإسناد (ح) مهملة (٥). ١٢. عَلَى الرغم من أن ابن الصلاح كان من منهجه الاختصار كلما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ إلاَّ أنَّهُ لَمْ يغفل أن يسوق بَيْنَ تارة وأخرى إسناداً له، ينقل به حديثاً أو طُرفةً أو قولاً أو شعراً، يؤنس به المطالعين، ويذكّر به سنة السالفين (٦). ١٣. قد كان أبو عمرو طيلة صفحات الكتاب ذا شخصية بارزة واضحة متميزة وذلك من خلال إبداء آرائه الجديدة، وقدرته على المناقشة والتصويب وترجيح ما يراه راجحاً من الآراء (٧).

стр. 38

١٤. كان من منهج ابن الصلاح أن يعزز ما يختاره من المذاهب التي يذكرها في المسائل الخلافية بأقوال العلماء، ونجد ذلك واضحاً في طيات كتابه، ولا ضير في التمثيل لبعضها. ففي معرض تقريره لجواز أن يثبت الراوي سماعه للكتاب بخطه من غير حاجة إلى أن يكتبه الشَّيْخ الْمُسْمِع، في حالة كون الراوي موثوقاً به، أورد أن عبد الرحمان بن منده سأل أبا أحمد الفرضي أن يكتب له سماعه في جزء سمعه منه، فقال أبو أَحْمَد: ((يا بني! عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد ... الخ)) (١). وقرر أن الإبطاء بإعادة الكتب التي فيها سماعات لأصحابها أمر قبيح، وأورد قول الزهري: ((إيَّاك وغلول الكتب. قيل: وما غلول الكتب؟ قَالَ: حبسها عَلَى أصحابها)) (٢). ١٥. تنبيهه عَلَى من صنَّف في الأنواع التي يبحثها (٣). ١٦. بروز الجانب التطبيقي عنده، وذلك من خلال ما يعرضه من الأمثلة التي ملأت صفحات كتابه. ١٧. كل مَنْ يقرأ كتاب ابن الصلاح لا يملك إلا أن يعترف بأدبه الجمِّ الذي زخرت به كتاباته، تعبيراً عمَّا يكنه في نفسه من تقوى وورع، واعتراف بفضل السابقين، فلا تجده يذكر سم الله تعالى من غير ثناء، ولا يكاد يذكر اسم رسول الله ﷺ إلا مقروناً بالصلاة عليه، وكذلك الصحابة والتابعون والعلماء ممن بعدهم لا يذكرهم إلا مترضِّياً عليهم أو مترحِّماً.

стр. 39

ومما يعدُّ من خصائصه الأسلوبية، أنه لا يكاد ينهي فقرة إلاَّ ويقول في ختامها: ((والله أعلم))، تواضعاً منه واعترافاً بضمون قوله جلَّ ذكره: ﴿وَمَا أُوتِيْتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيْلاً﴾. الإسراء: ٨٥. المبحث الثالث: مصادره وموارده تعددت مصادر ابن الصلاح تبعاً لتعدد جوانب ثقافته المتنوعة التي تتطلبها طبيعة الكتابة في ميدان يشابه الميدان الذي خاض غماره وسبر أغواره ابن الصلاح، فجاءت ثمرته ناضجة آتت أكلها والحمد لله. ومن خلال نظرة فاحصة نلقيها عَلَى هذا التصنيف، يمكننا أن نميّز نوعين من تِلْكَ المصادر: الأول: المصادر الشفوية. الثاني: المصادر الكتابية. وسنعرض لكل منهما في مطلب مستقل: المطلب الأول: المصادر الشفوية مرَّ بنا فيما مضى أن ابن الصلاح جال بلاداً كثيرة، وطلب عَلَى أيادي علماء عصره، فجمع علوماً وظَّفها لخدمة منهجه التأليفي، وهي تلك المعلومات التي استمدها شفاهاً من شيوخه، ويمكننا جعلها عَلَى قسمين: الأول: ما أبهم فيه مصدره فلم يصرح بطريق نقله، مثل: قوله: وأنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة ... )) (١). وقوله: ((وأخبرني من أُخبر عن القاضي عياض بن موسى من فضلاء وقته ... )) (٢). ونحو ذلك قوله: ((وأخبرني بعض أشياخنا عمن أخبره عن القاضي ... )) (٣).

стр. 40

الثاني: ما صرح فيه بذكر شيخه وسلسلة إسناده، مثل: قوله: ((كمثل ما حدثنيه الشَّيْخ أبو الْمُظَفَّر، عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني ... )) (١). وكمثل قوله: ((حدثني بمرو الشَّيْخ أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد المروزي، عن أبيه ... )) (٢). وكقوله: ((أخبرنا أبو بكر بن أبي المعالي الفراوي قراءة عليه، قال: أخبرنا الإمام جدي ... )) (٣). وغيرها كثير. المطلب الثاني: المصادر الكتابية اعتمد أبو عمرو على مصادر كتابية كثيرة في مختلف المواضيع كالحديث دراية ورواية والتفسير وعلوم القرآن والتاريخ وكتب الرجال والأدب والنحو واللغة وغريب الحديث وغيرها مما هو موضح في الفهرس الذي خصصناه بها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها هنا. ولكن نود هنا أن ننبه على أن أكثر تعويل ابن الصلاح كان على عالمين اثنين هما: الأول: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، وذلك من خلال كتابه " معرفة علوم الحديث "، حيث ضمَّن كثيراً من أفكاره في كتابه، فضلاً عن كثير من النصوص التي نقلها منه. الثاني: الخطيب البغدادي الحافظ، إذ كان تعويله في أكثر مباحث كتابه على كتاب الخطيب " الكفاية "، ويجد القارئ مصداق ذلك في عشرات النقول التي خرجناها

стр. 41

من الكفاية، بله لا تخلو صفحة - لا سيما مباحث ما قبل نصف الكتاب - عن ذَكَرَ الكفاية. وكذلك عوَّل على بقية كتبه كالجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١)، وتلخيص المتشابه (٢)، وتالي تلخيص المتشابه (٣)، ورافع الارتياب، وغيرها. المبحث الرابع: جهود العلماء في خدمة كتاب ابن الصلاح لعلّ كتاباً في مصطلح الحديث لم يخدم كما خدم كتاب ابن الصلاح إذ كان هو المحرك الفعلي الذي تولدت عنه عشرات بل مئات المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وساهمت بمجموعها في إكمال حلقات هذا العلم المبارك. وقد اختلفت اتجاهات المؤلفين في طبيعة بحوثهم لتطوير وتعزيز القيمة العلمية لهذا الكتاب فمنهم الناظم، ومنهم الشارح، ومنهم المختصر، ومنهم المنكِّت توضيحاً أو استدراكاً فلهذا ارتأينا - خدمة لتقسيمات البحث العلمي المنظم - أن نوزعها على النحو الآتي، وبالله التوفيق. أ. المختصرات: لعلّ هذا الطابع من التصنيف الذي كان كتاب ابن الصلاح المحفِّز لها هو الأكثر، نظراً إلى أن من ألّف في هذا اللون يبغي تقليص حجم الكتاب الأصلي؛ وذلك باختزال الألفاظ وتكثيف الفكر والمعاني، وحذف الأمثلة التي لا حاجة لها والابتعاد عن المناقشات غير الضرورية، وزيادة الفوائد والآراء، مع مخالفة ترتيب الأصل أحياناً، تسهيلاً لطلبة العلم وغيرهم. ومن أبرز تلك المختصرات:

стр. 42

١. إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للإمام النووي ... (ت ٦٧٦ هـ) (١). ٢. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، للإمام النووي أيضاً (٢) وهو اختصار لكتابه السابق. ٣. المنهج المبهج عند الاستماع، لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع، لقطب الدين القسطلاني (ت ٦٨٦ هـ) (٣). ٤. أصول علم الحديث، لعلي بن أبي الحزم القرشي الطبيب المشهور بابن النفيس (ت ٦٨٩ هـ) (٤). ٥. الاقتراح، للإمام ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٥). ٦. الملخص، لرضي الدين الطبري (ت ٧٢٢ هـ) (٦). ٧. رسوم التحديث، للجعبري (ت ٧٣٢هـ) (٧). ٨. المنهل الروي، لبدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٨). ٩. مشكاة الأنوار، للبارزي (ت ٧٣٨ هـ) (٩). ١٠. الخلاصة في علوم الحديث، للطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (١٠).

стр. 43

١١. الكافي، لتاج الدين التبريزي (ت ٧٤٦ هـ) (١). ١٢. الموقظة، للإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢). ١٣. المختصر، لعلاء الدين المارديني المشهور بابن التركماني (ت٧٥٠ هـ) (٣). ١٤. مختصر، لشهاب الدين الأندرشي الأندلسي (ت ٧٥٠ هـ) (٤). ١٥. مختصر، للحافظ العلائي (ت ٧٦١ هـ) (٥). ١٦. الإقناع، لعز الدين بن جماعة (ت ٧٦٧ هـ) (٦). ١٧. اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (٧). ١٨. التذكرة في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) (٨). ١٩. المقنع في علوم الحديث، لسراج الدين ابن الملقن أيضاً (٩). ٢٠. نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) (١٠). ٢١. المختصر، للكافيجي (ت ٨٧٩ هـ) (١١). ٢٢. مختصر بهاء الدين الأندلسي ( ... ؟) (١٢).

стр. 44

ب. المنظومات: ظهر منذ عهد مبكر نسبياً، تيّار في الشعر العربي، انتقل إلى علماء الفنون المختلفة يسمى: الشعر التعليمي، خصّص نطاق عمله في نظم الكتب المهمة في مجالات العلم تسهيلاً لطالبي العلوم في حفظها، ومن ثَمَّ الغوص في معانيها. وعلى أي حال فقد كان نصيب كتاب " علوم الحديث " لابن الصلاح عدداً من المنظومات التي لا يستهان بها، وسواء أكانت تلك المنظومات ذات جدة وحداثة أم لا؟ فإنّها مثّلت جانباً من جوانب اهتمام العلماء واعتنائهم بهذا السفر العظيم. والذي يهمنا هنا أن نسلِّط الضوء عليها كوصلاتٍ في تاريخ هذا العلم المبارك، وليس من شرطنا أن تكون هذه المنظومة قد احتوت كل المادة العلمية لكتاب ابن الصلاح، بل يكفي أن يكون هذا الكتاب هو المرجع الأول بالنسبة لها، وعلى هذا نجد أن بعض هذه المنظومات مطوّلة، وبعضها مختصرة، وبعضها متوسطة، ولعلّ من أبرز من نظمه: ١. شمس الدين الخُوَيي (ت ٦٩٣ هـ)، وسمّى منظومته باسم " أقصى الأمل والسول في علوم حديث الرسول "، توجد منه عدة نسخ خطية (١). ٢. أبو عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبي (ت ٧٥٠ هـ) (٢). ٣. زين الدين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) المسمّى: التبصرة والتذكرة (٣). ٤. مُحَمَّد بن عبد الرحمان بن عبد الخالق المصري البرشنسي (ت ٨٠٨ هـ) وسمّى منظومته: " المورد الأصفى في علم حديث المصطفى " (٤).

стр. 45

٥. شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الدمشقي المعروف بابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) وسمّى منظومته " الهداية في علم الرواية " (١). ٦. جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) ومنظومته مشهورة باسم " الألفية " (٢). ٧. رضي الدين محمد بن محمد الغزي (ت ٩٣٥ هـ)، وسمّى نظمه " سلك الدرر في مصطلح أهل الأثر " (٣). ٨. منصور سبط الناصر الطبلاوي (ت ١٠١٤ هـ) (٤). ج. الشروح: قد كان للجانب الشمولي في كتاب ابن الصلاح أثره الواضح في أن أحداً لم يتصدَّ لشرح الكتاب نفسه، وإنما انعكس هذا الجانب على شرح مختصراته ومنظوماته، لذا سنتناول أبرزها على اعتبار أن أصلها الأصيل هو كتاب ابن الصلاح، ومن ذلك: ١. شروح ألفية العراقي. ٢. نزهة النظر، للحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وما يتعلق بها (٥). ٣. تدريب الراوي للسيوطي (ت ٩١١ هـ) (٦). ٤. البحر الذي زخر، للسيوطي (ت ٩١١ هـ) شرح فيه ألفيته (٧).

стр. 46

د. التنكيت: النُّكَت: جمع نُكْتَةٍ، وهي مشتقة من الفعل الثلاثي الصحيح (نَكَتَ)، وهو ذو اشتقاقات مختلفة، أجملها ابن فارس فَقَالَ: ((النون والكاف والتاء أصل واحد يدلّ على تأثير يسير في الشيء كالنكتة ونحوها، ونكت في الأرض بقضيبه ينكت: إذا أثّر فيها)) (١). أما في الاصطلاح فالنكتة: مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتةً؛ لتأثير الخواطر في استنباطها (٢). وقد كان نصيب كتاب ابن الصلاح من كتب النكت شيئاً دلّ على مدى تعمّق الدارسين في فهم معانيه ومدلولاته، حسب اللون العلمي الذي يغلب على ذلك المنكِّت، فنرى الأصولي يُغَلِّب المباحث الأصولية في طريق تقرير مسائل الكتاب المهمة، وهذا ما نلمسه جلياً في نكت الزركشي، والْمُحَدِّث يجعل همّه المباحثات الحديثية، وهو منهج واضح نراه في نكت العراقي وشيخه مغلطاي، وهكذا بالنسبة إلى الفقيه كما وقع للبلقيني وابن جماعة وغيرهم. وعلّ الفطن من القرّاء عرف من العرض السابق أسماء بعض من كتب نكتاً على كتاب ابن الصلاح، ولكننا نودّ أن نجعل الأمر استقصائياً استقرائياً، فجمعنا مَن وقع في علمنا أنه ساهم في هذا الجانب، سواء عن طريق الكتابة والبحث المباشر على كتاب ابن الصلاح أو العمل غير المباشر عن طريق التعليق على فروع كتاب ابن الصلاح، وأهم هذه الكتب: ١. إصلاح كتاب ابن الصلاح، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي الدمشقي ثُمَّ المصري المشهور بابن اللبان (ت ٧٤٩ هـ) (٣).

стр. 47

٢. إصلاح كتاب ابن الصلاح، للإمام العلاّمة علاء الدين أبي عبد الله مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي (ت ٧٦٢ هـ) (١). ٣. النكت عَلَى مقدمة ابن الصَّلاَح، للإمام بدر الدين أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) (٢). ٤. الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للشيخ برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) (٣). ٥. محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، لسراج الدين أبي حفص عمر ابن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٤). ٦. التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٥). ٧. شرح علوم الحديث، لعز الدين مُحَمَّد ابن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي (ت ٨١٩ هـ) (٦). ٨. النكت عَلَى كتاب ابن الصلاح، للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن مُحَمَّد ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) (٧).

стр. 48

الفصل الرابع: تحقيق الكتاب ومنهجنا فيه المبحث الأول: اسم الكتاب قد بات شيئاً مهمّاً في قواعد علم تحقيق المخطوطات ونشرها، أن يثبت المحقق الاسم الصحيح للكتاب الذي أسماه به مؤلفه، إذ قد تتقاذف الكتاب أيادي الدهر وتتقادم عليه الأيام والسنون، فيبلى بمرورها اسمه ويندثر رسمه، ومن تلك المصنفات التي جرت عليها هذه الجواري كتابنا هذا، فقد اشتهر بين الناس أن اسمه " مقدمة ابن الصلاح " أو " علوم الحديث "، والحق أن واحداً من هذين الاسمين لَمْ يسمه به مؤلفه، وقد حقق هذا تحقيقاً علمياً الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر في فصل نفيس ضمَّنه كتابه القيم " توثيق النصوص وضبطها عن المحدِّثين " (١)، رأينا أن ننقله بنصّه إذ لا مزيد عَلَى ما أتى به فقال - أيده الله -: ((ومثاله أيضاً كتاب " معرفة أنواع علوم الحديث " للإمام الحافظ أبي عمرو عثمان ابن عبد الرحمان الشهرزوري المتوفَّى سنة (٦٤٣ هـ). فإن هذا الكتاب عُرِف واشتُهِر بين طلاَّب العلم باسم "مقدِّمة ابن الصلاح" فَمِنْ أينَ جاءته هذه التسمية؟ ١. إن المصنِّف - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَمْ يسمِّ كتابه بـ " المقدمة " كما أن أحداً من أهل العلم ممَّن جاء بعد الصلاح لَمْ يسمِّ كتاب [ابن] (٢) الصلاح بـ " المقدِّمة ". ٢. إن ابن الصلاح قد سمَّى كتابه ونص عَلَى هذه التسمية في فاتحة كتابه فقال: (( ... فحين كاد الباحث عن مشكلة لا يلقى له كاشفاً، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفاً، مَنَّ الله الكريم ﵎، وله الحمد أجمع بكتاب: " معرفة أنواع علم الحديث "، هذا الذي باح بأسراره الخفية ... )) (٣).

стр. 49

٣. إن نسخة إستانبول المحفوظة في المكتبة السليمانية برقم (٣٥١)، والتي كان الفراغ من قراءتها عَلَى المصنِّف سنة (٦٤١ هـ) أي: قبل وفاة ابن الصلاح بعام واحد ونيِّف، والتي أثبت ابن الصلاح - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - خطّه عليها في عدّة مواضع جاء في صورة السماع: ((سَمِعَ جميع هذا الكتاب وهو كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " على مصنِّفه ... )). وكتب ابن الصلاح ﵀ في آخر طبق السماع: ((صحَّ ذَلِكَ نفعه الله وبلَّغه ... )). ٤. وجاء اسم الكتاب في سماع النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم: (١٥٥) مصطلح الحديث، وهي نسخة قيمة وموثقة: ((سمعت جميع هذا الكتاب المترجم بكتاب " معرفة أنواع علم الحديث " ... )). ٥. أطلق كثير من العلماء عَلَى الكتاب اسم " علوم الحديث " عَلَى اعتبار مضمونه ومادته العلمية. ٦. ومن هؤلاء الإمام محيي الدين يحيى بن زكريا النووي المتوفَّى سنة (٦٦٧ هـ) في كتابه " التقريب " (١)، وفي " إرشاد طلاب الحقائق " سمّاه "معرفة علوم الْحَدِيْث " (٢). ٧. وقال تلميذ ابن الصلاح شمس الدين أحمد بن مُحَمَّد بن خلكان المتوفَّى سنة (٦٨١هـ) في ترجمة ابن الصلاح: ((وصنّف في علوم الحديث كتاباً نافعاً ... )) (٣). ٨. واختصره الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بـ: ابن كَثِيْر المتوفَّى سنة (٧٧٤ هـ) وسمّى هذا المختصر "اختصار علوم الحديث". ٩. وكذا سمّاه " علوم الحديث " الإمام الحافظ أحمد بن محمد بن عثمان الذهبي المتوفَّى سنة (٧٤٨ هـ) في كتابه " سير أعلام النبلاء " (٤).

стр. 50

١٠. وكذا قال قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن جماعة المتوفَّى سنة (٧٦٧هـ) فألَّف كتاب "الجواهر الصحاح في شرح علوم الحديث لابن الصلاح"، وله نسخة خطية في دار الكُتُب المصرية تحت رقم (٨٧٣ هـ) مصطلح الحديث. ١١. وكذا سمَّاه الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفَّى سنة (٨٠٦ هـ) في كتابه " التقييد والإيضاح لما أُطلِق وأُغلِقَ من كتاب ابن الصلاح" (١). ١٢. وكذا سمَّاه " علوم الحديث " مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الشهير بالملاَّ كاتب الجلبي والمعروف بحاجي خليفة المتوفَّى سنة (١٠٦٧ هـ) في كتابه: " كشف الظنون عن أسامي الكُتُب والفنون " (٢). ١٣. وكذا سمّاه " علوم الحديث " مُحَمَّد بن سليمان الروداني في " صلة الخلف بموصول السلف " (٣). ١٤. وكذا سمّاه "علوم الحديث"السيد مُحَمَّد بن جعفر الكتَّاني في كتابه " الرسالة المستطرفة " (٤). ١٥. وكذا عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني المتوفَّى سنة (١٣٨٢ هـ) في كتابه " فهرس الفهارس والأثبات " (٥). ١٦. وجاء اسم الكتاب على لوحة العنوان في النسخة الموصلية المحفوظة بخزانة دار الكتب المصرية تحت رقم (١) مصطلح الحديث " علوم الحديث ". وجاءت في اللوحة الأخيرة: ((تمت أنواع علوم الحديث بمشيئة الله تعالى عَلَى يدي عليِّ بن يوسف الموصليِّ - عفا الله عنه - في مستهل جُمادَى الآخرة سنة إحدى وستين وست مئة ... ))، وهي نسخة قديمة وقَيِّمة ومنقولة من أصل عليه سماعات

стр. 51

((وعرضاً في مجالس آخرها يوم الأحد التاسع من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وست مئة)). وفي آخرها توقيع ابن الصلاح بخطه وجاء فيه: ((هذا صحيح نفعه الله وبلّغه وإياي، وكتب مؤلفه - عفا الله عنه وعنهم -)). ١٧. إن " المقدمة " في " علوم الحديث " هو اسم لـ" المقدمة " التي كتبها الإمام الحافظ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن مُحَمَّد المعروف بـ: ابن الأثير الجزري المتوفَّى سنة (٦٠٦ هـ) في " مقدمة " كتابه الجليل " جامع الأصول في أحاديث الرسول " ١/ ٣٥ - ١٧٨. فإنه قال في فاتحة كتابه " جامع الأصول " الباب الأول: في الباعث عَلَى عمل الكتاب، وفيه مقدمة (١) وأربعة فصول " المقدمة " (٢). وقال في آخر " المقدمة " وهي مقَدمة في " علوم الحديث ": ((هذا آخر القول في الباب الثالث من هذه المقدمة)) ١٨. لذا لا يمكن التسليم من الناحية العلمية أن كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " للإمام الحافظ ابن الصلاح أنّه ((شهير، أو معروف بالمقدمة)). ١٩. ويبقى السؤال قائماً: مَن الذي سمّى كتاب ابن الصلاح "معرفة أنواع علم الحديث" بـ " المقدمة "؟ والجواب عَلَى ذَلِكَ: أ. إنّ أول من طبع الكتاب عَلَى الحجر هم الهنود سنة (١٣٠٤هـ) بعناية الشَّيْخ عبد الحي اللكنوي باسم " مقدمة ابن الصلاح ". ب. ثُمَّ طبع للمرة الثانية في مطبعة السعادة بالقاهرة سنة (١٣٢٦هـ) بتصحيح الشَّيْخ محمود السكري الحلبي، بعنوان: " كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح" كما كتب اسم الكتاب بأعلى كل صفحة منها "مقدمة ابن الصلاح".

стр. 52

ج. ثُمَّ نشر الكتاب في المطبعة العلمية بحلب سنة (١٣٥٠ هـ) بعناية السيد مُحَمَّد راغب الطباخ ومذيلاً بذيلين أحدهما كتاب " التقييد والإيضاح لما أُطلِق وأُغلِق من كتاب ابن الصلاح " للحافظ العراقي، والثاني " المصباح عَلَى مقدمة ابن الصلاح " للشيخ مُحَمَّد راغب الطبَّاخ، غير أن الشيخ مُحَمَّد راغب الطبَّاخ سمَّى كتاب " التقييد " بـ: " التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصَّلاَح "، وأطلق عَلَى كتاب " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث" لابن الصَّلاَح اسم " المقدمة " (١). د. ثُمَّ جاءت المحقِّقة الفاضلة الدكتورة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) فطبعت كتاب ابن الصلاح مذيلاً بكتاب " محاسن الاصطلاح " للحافظ سراج الدين البلقيني سنة (١٣٩٣ هـ- ١٩٧٤ م) تحت عنوان " مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح " في حين أن اسم الكتاب عَلَى لوحة المخطوط هو " محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح ". وهكذا اشتُهِر الكتاب باسم "المقدمة" تبعاً لطبعتي الهند (١٣٠٤، ١٣٥٧هـ)، وطبعة القاهرة (١٣٢٦ هـ)، والطبعة الحلبية الأولى (١٣٥٠ هـ)، والحلبية الثانية (١٣٨٦ هـ). هـ. أمَّا ما جاء عن أرجوزة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله مُحَمَّد بن أحمد بن أحمد بن خليل الخويِّي المتوفَّى سنة (٦٩٣هـ)، والمسمَّاة بـ" أقصى الأمل والسول في أحاديث الرَّسُوْل "، والموجود منها نسخة في دار الكُتُب المصرية تحت رقم (٢٥٦) مصطلح حديث من القول: ((هي أرجوزة نظم فيها مقدمة ابن الصلاح)) (٢)، فهذا القول قاله مؤلفو كتاب " فهرست المخطوطات " لدار الكُتُب المصرية. و. وكذا ما جاء في تسمية كتاب قاضي القضاة مُحَمَّد بن إبراهيم ابن جماعة المتوفَّى سنة (٧٣٣هـ) "مختصر تلخيص مقدمة ابن الصلاح في معرفة أنواع علوم الحديث" الموجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٣٥٢) مصطلح حديث فإن هذه التسمية هي تسمية النسَّاخ وصانعو فهرست دار الكتب المصرية (٣). وأن اسم الكتاب هو "المنهل

стр. 53

الروي في الحديث النبوي" كما جاء في النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢١٧ طلعت) (١) وتحت هذا الاسم نشر الكتاب. لذا فإن الصواب في اسم كتاب ابن الصلاح هو " معرفة أنواع علم الحديث " وأن تسميته بـ: " المقدمة " هُوَ اجتهاد من ناشري الكِتَاب في الطبعة الهندية الأولى والثانية، وكذا الطبعة المصرية ... ثُمَّ سار الناس عَلَى هذه التسمية، وهي تسمية حديثة لَمْ يقلها أحد من أهل العلم)) (٢). المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلفه هذا الكتاب مقطوع بصحة نسبته الى ابن الصلاح، ويدل عَلَى ذَلِكَ دلالة صحيحة الأمور الآتية: ١. أن النسخ الثلاث اتفقت طررها عَلَى إثبات اسم ابن الصلاح عليها، بالإضافة إلى أن نسخة (ج) احتوت عَلَى سند الرواية إلى ابن الصلاح، وفي ختام النسخ الثلاث أيضاً تكرر ذكر اسمه ثانية. ٢. أن الأسانيد التي في داخل الكتاب هي أسانيد أبي عمرو والشيوخ فيها هم شيوخ ابن الصلاح أنفسهم. ٣. تشابه الأسلوب في كتابه هذا المصنف مع بقية مصنفات ابن الصلاح. ٤. كل من ترجم له ذكر له هذا التأليف (٣)، بل صار يعرف به فيقال: صاحب كتاب " علوم الحديث " (٤). ٥. ما تولّد عنه من دراسات - عرضنا لها فيما سبق -. كل هذا يجعلنا أمام علم ضروري بأن صاحب هذا الكتاب أبو عمرو بن الصلاح.

стр. 54

المبحث الثالث: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق بعيداً عن مصادر ابن الصلاح التي اعتبرناها مصادر ثانوية وروافد في عملنا والتي كنا حريصين على مراجعتها سواء أكانت كتب متون أم أسانيد أم رجال أم تواريخ أو غيرها، فقد اعتمدنا ما يأتي: أولاً: النسخ الخطية: اعتمدنا عَلَى ثلاث نسخ خطية - وهي وإن لَمْ تكن عتيقة - لكنها كافية في تصورنا لإخراج نص سليم قويم - إن شاء الله تَعَالَى - وفيما يأتي وصف موجز لكل منها (١): ١. نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة الكائنة في مدينة السلام بغداد - حرسها الله - برقم (١/ ٢٨٩٩ مجاميع) تقع في (١٠٤ ورقة) تحوي كل ورقة صفحتين، في كل صفحة واحد وعشرون سطراً، بمعدل تسع كلمات في السطر الواحد، كتبت بدايات الأنواع بالمداد الأحمر، خطّها نسخي جميل واضح ومقروء، وقع الفراغ من نسخها سنة (١٢١٠ هـ). تظهر عليها آثار المقابلة، وهي غير مشكولة، ناسخها غير معروف، ورمزنا لها بالرمز (أ). ٢. نسخة ثانية محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد - حرسها الله - تحت الرقم (٢٩٤٩) وعدد أوراقها (١١٩ ورقة)، تحوي كل ورقة صفحتين في كل صفحة واحد وعشرون سطراً، بمعدل عشر كلمات في كل سطر، عليها حواشٍ وآثار مقابلة، خطها نسخي عادي واضح ومقروء، يعود تاريخ نسخها إلى سنة (٨٠٧ هـ) إذ نسخت في رباط النورية في محلة الشونيزية في بغداد على يد مُحَمَّد ابن عبد الرحمان ابن مُحَمَّد بن عبد الرحمان الإسفراييني، وهي قليلة الخطأ نادرة السقط، وقد رمزنا لها بالرمز (ب).

стр. 55

٣. نسخة ثالثة محفوظة في مكتبة الأوقاف العامة أيضاً بغداد، برقم (٣/ ٢٧٧٣ مجاميع) في (١١١ ورقة)، تحوي كل ورقة صفحتين في كل صفحة ثلاثة وعشرون سطراً، بمعدل تسع كلمات في السطر الواحد، في بعض الأحيان عليها حواشٍ، خطها واضح ومقروء، وهي حديثة العهد إذ نسخت سنة (١١٢٥ هـ)، في مدينة انطاكية عَلَى يد أبي بكر بن حاج أحمد بن شيخ مُحَمَّد المؤذن بجامع الصوفية، ورمزنا لها بالرمز (ج). ثانياً: النسخ المطبوعة بغية التوصل إلى نص صحيح اعتمدنا عَلَى نسخ مطبوعة، ولا سيّما أن كلاً مِنْهُم اعتمد نسخاً خطيةً أُخْرَى لضبط النص، وهذه النسخ هي: ١. النسخة المطبوعة بتحقيق الدكتور نور الدين عتر، والتي نشرتها المكتبة العلمية في المدينة المنورة سنة (١٣٨٦هـم) ورمزنا لها بالرمز (ع). ٢. النص المطبوع مع كتاب محاسن الاصطلاح للبلقيني بتحقيق الدكتورة عائشة عَبْد الرحمان (بنت الشاطئ) نشر وطباعة دار الكتب في بيروت سنة (١٩٧٤ م)، ورمزنا لها بالرمز (م). ٣. النص المطبوع مع كتاب التقييد والإيضاح للحافظ العراقي، بتحقيق عبد الرحمن مُحَمَّد عثمان، المطبوع في مطبعة العاصمة في القاهرة ونشرته المكتبة السلفية في المدينة المنورة سنة (١٣٨٩هـ- ١٩٧٠ م)، ورمزنا لها بـ: (التقييد). ٤. النص الَّذِي ضمّنه الأبناسي في كتابه " الشذا الفياح "، والذي حققه صلاح فتحي هلل، نشر مكتبة الرشد بالاشتراك مَعَ شركة الرياض في المملكة العربية السعودية، سنة (١٤١٨ هـ١٩٩٨ م)، ورمزنا لها بـ: (الشذا). المبحث الرابع: منهج التحقيق يمكننا أن نلخص منهج التحقيق الذي سرنا عليه والتزمناه في تحقيقنا لكتاب " معرفة أنواع علم الحديث " في ما يأتي:

стр. 56

١. حاولنا ضبط النص قدر المستطاع معتمدين على النسخ الخطية، ومستعينين بما نثق به من الكتب والطبعات السابقة للكتاب، مع مراجعة المصادر المباشرة للمؤلف، ككتب المتون والأسانيد، وكتب الرجال على اختلاف ألوانها. ٢. خرّجنا الآيات الكريمات من مواطنها في المصحف، مع الإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية. ٣. خرّجنا الأحاديث النبوية الكريمة تخريجاً مستوعباً حسب الطاقة، وبينا ما فيها من نكت حديثية، ونبّهنا على مواطن الضعف، وكوامن العلل مستعينين بما ألّفه الأئمة الأعلام جهابذة الحديث ونقّاد الأثر في هذا المجال. ٤. خرّجنا أكثر نقولاته عن العلماء وذلك بعزوها إلى كتبهم. ٥. تتبّعنا المصنف فيما يورده من المذاهب سواء أكانت لغوية أم فقهية أم غيرها؟ ووثّقناها من المصادر التي تعنى بتلك العلوم. ٦. لم يكن من وكدنا أن نترجم للأعلام الذين يذكرهم المصنف رغم فائدتها التي لا تخفى، مقدمين دفع مفسدة تضخم الكتاب، على مصلحة التعريف بهؤلاء الأعلام، على أن الكتاب لا يخلو من التعريف ببعضهم. ٧. قدّمنا للكتاب بدراسة نراها - حسب اعتقادنا - كافية كمدخل إليه. ٨. لم نألوا جهداً في تقديم أي عمل يخدم الكتاب، وهذا يتجلى في الفهارس المتنوعة التي ألحقناها بالكتاب، بغية توفير الوقت والجهد على الباحث. ٩. قمنا بشكل النص شكلاً كاملاً. ١٠. علّقنا على المواطن التي نعتقد أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان. ١١. ذيّلنا الشرح بالمهم من نكت وتعليقات، ممّا أغنى الكتاب وتمّم مقاصده. ١٢. حاولنا جاهدين إيراد النكت والتعقبات وأجوبتها في أكثر الأحيان من مصادرها الأصيلة كـ" نكت الزركشي " و " نكت العراقي " و "نكت ابن حجر" و " البحر الذي زخر " وغيرها.

стр. 57

وبعد هذا كلّه، فلسنا من الذين يدّعون الكمال لأنفسهم أو أعمالهم، وليتذكر من يقف على هفوة أو شطحة قلم أن يقدّم النظر بعين الرضا على الانتقاد بعين السخط، وليضع قول الإمام الشافعي ﵀ نصب عينيه إذ يقول: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ ... ولَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاويَا (١) سبحان ربك ربّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 58

صور للمخطوطات

стр. 59

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ (٢) الحمدُ للهِ الْهَادِي مَنِ اسْتَهْدَاهُ، الواقِي (٣) مَنِ اتَّقاهُ، الكافي مَنْ تحرّى رضاهُ، حمداً بالغاً أمدَ التمامِ ومنتهاهُ (٤). والصلاةُ والسلامُ الأتمَّانِ (٥) الأكملانِ على نبيِّنا والنبيِّينَ (٦)،

стр. 60

وآلِ كُلٍّ (١) ما رجى راجٍ مغفرتَهُ ورحماهُ، آمينَ. هذا (٢)، وإنَّ عِلْمَ الحديثِ (٣) مِنْ أفضلِ العلومِ الفاضلةِ، وأنفعِ الفنونِ النافعةِ، يُحبُّهُ ذكورُ الرجالِ وفحولَتُهُم (٤)، ويُعْنَى (٥) بهِ محقِّقُو العلماءِ وكَمَلَتُهُم، ولا يكرهُهُ مِنَ الناسِ إلاَّ رُذالتُهم (٦) وسَفِلتُهُم (٧). وهو مِنْ أكثرِ العلومِ تولُّجاً (٨) في فنونها، لا سيَّما الفقهُ (٩) الذي هو إنسانُ

стр. 61

عُيونِها؛ ولذلكَ كَثُرَ غَلطُ العاطلينَ (١) منهُ مِنْ مُصَنِّفِي الفقهاءِ، وظهرَ الخللُ في كلامِ الْمُخلِّينَ بهِ مِنَ العلماءِ. ولقدْ كانَ شأنُ الحديثِ فِيْمَا مَضَى عظيماً، عظيمةً جموعُ طَلبَتِهِ (٢)، رفيعةً مقاديرُ حُفَّاظِهِ وحملَتِهِ. وكانتْ علومُهُ بحياتِهِم حيَّةً، وأفنانُ فنونِهِ (٣) ببقائِهِم غَضَّةً (٤)، ومغانيهِ (٥) بأهلِهِ آهِلَةً (٦). فلمْ يزالُوا في انقراضٍ، ولَمْ يزلْ في اندراسٍ حتَّى آضتْ (٧) بهِ الحالُ إلى أنْ صارَ أهلُهُ إنَّما هُمْ شِرْذِمةٌ (٨) قليلةُ العَدَدِ (٩)

стр. 62

ضعيفةُ العُدَدِ، لا تُعْنى على الأغلبِ في تحمُّلِهِ بأكثرَ مِنْ سماعهِ غُفْلاً (١)، ولا تتعنَّى في تقييدِهِ بأكثَرَ مِنْ كتابتِهِ عُطْلاً (٢)، مُطَّرِحِيْنَ علومَهُ التي بها جُلَّ قدرُهُ، مباعدينَ معارفَهُ التي بها فُخِّمَ أمرُهُ. فحينَ كادَ الباحثُ عنْ مُشْكلِهِ لا يُلْفِي لهُ كاشفاً، والسائلُ عنْ علمِهِ لا يَلْقى بهِ عارفاً، مَنَّ اللهُ الكريمُ ﵎ عليَّ (٣) - ولَهُ الحمدُ أجمعُ (٤) - بكتابِ ... " معرفةَ أنواعِ علمِ الحديثِ "، هذا الذي باحَ (٥) بأسرارهِ الخفيَّةِ، وكشفَ عَنْ مشكلاتِهِ الأبيَّةِ، وأحكمَ (٦) معاقدَهُ، وقعَّدَ قواعدَهُ، وأنارَ معالِمَهُ، وبيَّنَ أحكامَهُ (٧)، وفصَّلَ أقسامَهُ، وأوضحَ أصولَهُ، وشرحَ فروعَهُ وفصولَهُ، وجمعَ شتاتَ علومِهِ (٨) وفوائدَهُ، وقنصَ شواردَ نُكتِهِ وفرائدَهُ (٩). فاللهَ العظيمَ الذي بيدِهِ الضّرُّ والنَّفْعُ والإعطاءُ والمنعُ أسألُ، وإليهِ أضَّرَّعُ وأبتهلُ، متوسلاً إليهِ بكلِّ وسيلةٍ، متشفِّعاً (١٠)) إليهِ بكلِّ شفيعٍ، أنْ

стр. 63

يجعلَهُ مَلِيّاً بذلكَ وأملى (١)، وافياً بكلِّ ذلكَ وأوفى، وأنْ يُعَظِّمَ الأجرَ والنَّفْعَ بهِ في الدارَينِ، إنَّهُ قريبٌ مجيبٌ، وما توفيقي إلاَّ باللهِ عليهِ توكَّلْتُ وإليهِ أُنيبُ. وهذهِ فِهْرِسْتُ (٢) أنواعِهِ: فالأوَّلُ منها: معرفةُ الصحيحِ مِنَ الحديثِ. الثاني: معرفةُ الحسَنِ منهُ. الثالثُ: معرفةُ الضعيفِ منهُ. الرابعُ: معرفةُ الْمُسْنَدِ. الخامسُ: معرفةُ الْمُتَّصِلِ. السادسُ: معرفةُ المرفوعِ. السابعُ: معرفةُ الموقوفِ. الثامنُ: معرفةُ المقطوعِ، وهو غيرُ المنقطعِ (٣). التاسعُ: معرفةُ المرسلِ. العاشرُ: معرفةُ المنقطعِ. الحادي عشرَ: معرفةُ الْمُعْضَلِ، ويليهِ تفريعاتٌ، منها: في الإسنادِ الْمُعَنْعَنِ، ومنها: في التعليقِ. الثاني عشرَ: معرفةُ التدليسِ وحكمُ الْمُدَلَّسِ. الثالثَ عشرَ: معرفةُ الشَّاذِّ.

стр. 64

الرابعَ عشرَ: معرفةُ الْمُنْكَرِ. الخامسَ عشرَ: معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشواهدِ. السادسَ عشرَ: معرفةُ زياداتِ الثقاتِ وحكمِها. السابعَ عشرَ: معرفةُ الأَفرادِ. الثامنَ عشرَ: معرفةُ الحديثِ المعلَّلِ. التاسعَ عشرَ: معرفةُ الْمُضْطَرِبِ مِنَ الحديثِ. العشرونَ: معرفةُ الْمُدْرَجِ منَ الحديثِ. الحادي والعشرونَ: معرفةُ الحديثِ الموضوعِ. الثاني والعشرونَ: معرفةُ المقلوبِ. الثالثُ والعشرونَ: معرفةُ صِفَةِ مَنْ تُقبَلُ روايتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ روايتُهُ. الرابعُ والعشرونَ: معرفةُ كيفيةِ سماعِ الحديثِ وتحمّلِهِ، وفيهِ: بيانُ أنواعِ الإجازةِ وأحكامِها، وسائرِ وجوهِ الأخذِ والتحمُّلِ، وعِلْمٌ جَمٌّ (١). الخامسُ والعشرونَ: معرفةُ كتابةِ الحديثِ وكيفيّةِ ضَبْطِ الكتابِ وتقييدِهِ، وفيهِ معارفُ مهمّةٌ رائقةٌ. السادسُ والعشرونَ: معرفةُ كيفيّةِ روايةِ الحديثِ وشرطِ أدائهِ وما يتعلَّقُ بذلكَ، وفيهِ كثيرٌ من نفائسِ هذا العلمِ. السابعُ والعشرونَ: معرفةُ آدابِ المحدِّثِ. الثامنُ والعشرونَ: معرفةُ آدابِ طالبِ الحديثِ. التاسعُ والعشرونَ: معرفةُ الإسنادِ العالي والنازلِ. النوعُ (٢) الْمُوَفِّي ثلاثينَ: معرفةُ المشهورِ مِنَ الحديثِ. الحادي والثلاثونَ: معرفةُ الغريبِ والعزيزِ منَ الحديثِ. الثاني والثلاثونَ: معرفةُ غريبِ الحديثِ. الثالثُ والثلاثونَ: معرفةُ الْمُسَلْسَلِ. الرابعُ والثلاثونَ: معرفةُ ناسخِ الحديثِ ومنسوخِهِ.

стр. 65

الخامسُ والثلاثونَ: معرفةُ الْمُصَحَّفِ منَ أسانيدِ الأحاديثِ ومتونِها. السادسُ والثلاثونَ: معرفةُ مُخْتَلِفِ الحديثِ. السابعُ والثلاثونَ: معرفةُ المزيدِ في متَّصِلِ الأسانيدِ. الثامنُ والثلاثونَ: معرفةُ المراسيلِ الخفيِّ إرسالُهَا. التاسِعُ والثلاثونَ: معرفةُ الصحابةِ ﵃. الموفِّي أربعينَ: معرفةُ التابعينَ ﵃. الحادي والأربعونَ: معرفةُ الأكابرِ مِنَ الرّواةِ (١) عنِ الأصاغرِ. الثاني والأربعونَ: معرفةُ الْمُدَبَّجِ وما سواهُ منْ روايةِ الأقرانِ بعضُهُم عَنْ بعضٍ. الثالثُ والأربعونَ: معرفةُ الإخوةِ والأخواتِ مِنَ العلماءِ والرواةِ. الرابعُ والأربعونَ: معرفةُ روايةِ الآباءِ عَنِ الأبناءِ. الخامسُ والأربعونَ: عكسُ ذلكَ (٢): معرفةُ روايةِ الأبناءِ عنِ الآباءِ. السادسُ والأربعونَ: معرفةُ (٣) مَنِ اشتركَ في الروايةِ عنهُ راويانِ متقدِّمٌ ومتأخِّرٌ تباعدَ ما بينَ وفاتَيْهِما. السابعُ والأربعونَ: معرفةُ مَنْ لَمْ يروِ عنهُ إلاَّ راوٍ واحدٌ. الثامنُ والأربعونَ: معرفةُ مَنْ ذُكِرَ بأسماءٍ مختلفةٍ أو نعوتٍ متعدِّدَةٍ. التاسعُ والأربعونَ: معرفةُ (٤) المفرداتِ مِنْ أسماءِ الصحابةِ والرواةِ والعلماءِ. الْمُوَفِّي خمسينَ: معرفةُ الأسماءِ والكُنَى. الحادي والخمسونَ: معرفةُ كنى المعروفينَ بالأسماءِ دونَ الكنى. الثاني والخمسونَ: معرفةُ ألقابِ المحدِّثينَ. الثالثُ والخمسونَ: معرفةُ المؤتَلِفِ والمختَلِفِ. الرابعُ والخمسونَ: معرفةُ المتَّفِقِ والمفترِقِ. الخامسُ والخمسونَ: نوعٌ يتركَّبُ مِنْ هذينِ النوعينِ.

стр. 66

السادسُ والخمسونَ: معرفةُ الرواةِ المتشابهينَ في الاسمِ والنَّسبِ المتمايزِينَ بالتقديمِ والتأخيرِ في الابن والأبِ. السابعُ والخمسونَ: معرفةُ المنسوبينَ إلى غيرِ آبائهِم. الثامنُ والخمسونَ: معرفةُ الأنسابِ التي باطنُها على خلافِ ظاهرِها. التاسعُ والخمسونَ: معرفةُ المبهماتِ. الْمُوَفِّي ستينَ: معرفةُ تواريخِ الرواةِ في الوَفَياتِ وغيرِها. الحادي والستونَ: معرفةُ الثِّقَاتِ والضُّعفاءِ مِنَ الرواةِ. الثاني والستونَ: معرفةُ مَنْ خَلَطَ في آخرِ عمرِهِ مِنَ الثقاتِ. الثالثُ والستونَ: معرفةُ طبقاتِ الرواةِ والعلماءِ. الرابعُ والستونَ: معرفةُ الموالي مِنَ الرواةِ والعلماءِ. الخامسُ والستونَ: معرفةُ أوطانِ الرُّواةِ وبلدانِهِم. وذلكَ آخِرُها، وليسَ بآخرِ الممكنِ في ذلكَ فإنَّهُ قابلٌ للتنويعِ (١) إلى ما لا يحصى، إذ لا تُحصى أحوالُ رواةِ الحديثِ وصفاتُهُم، ولا أحوالُ متونِ الحديثِ وصفاتُهُا، وما مِنْ حالةٍ منها ولا صفةٍ إلاَّ وهيَ بصدَدِ أنْ تُفْرَدَ بالذِّكْرِ وأهلُها، فإذا هيَ نوعٌ على حِيالِهِ (٢) ولكنَّهُ نَصَبٌ من غيرِ أَرَبٍ، وحسبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ.

стр. 67

النوعُ الأوَّلُ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ معرفةُ الصَّحِيْحِ مِنَ الحديثِ (١) اعلمْ - عَلَّمَكَ اللهُ وإيَّايَ (٢) - أنَّ الحديثَ عندَ أهلِهِ ينقسِمُ إلى صَحيحٍ، وحَسَنٍ، وضَعيْفٍ (٣). أمَّا (٤) الحديثُ الصحيحُ: فهو الحديثُ المسنَدُ الذي يتَّصِلُ إسنادُهُ بنقلِ العَدْلِ الضابطِ عنِ العَدْلِ الضابطِ إلى منتهاهُ، ولا يكونُ شاذّاً، ولا مُعلَّلاً (٥). وفي هذهِ الأوصافِ احترازٌ عَنِ المرسَلِ، والمنقطعِ، والمعضلِ، والشَّاذِّ، وما فيهِ عِلَّةٌ قادحةٌ، وما في راويهِ (٦) نوعُ جرحٍ. وهذهِ أنواعٌ يأتي ذكرُهَا إنْ شاءَ اللهُ ﵎.

стр. 68

فهذَا (١) هو الحديثُ الذي يُحكمُ لهُ بالصِّحَّةِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ (٢). وقدْ يختلفونَ في صِحَّةِ بعضِ الأحاديثِ؛ لاختلافِهِم في وجودِ هذهِ الأوصافِ فيهِ (٣) أو لاختلافِهِم في اشتراطِ بعضِ هذهِ الأوصافِ كما في المرسَلِ. ومتى قالُوا: ((هذا حديثٌ (٤) صحيحٌ)) فمعناهُ: أنَّهُ اتَّصَلَ سَندُهُ معَ سائرِ الأوصافِ المذكورةِ، وليسَ مِنْ شرطِهِ أنْ يكونَ مقطوعاً بهِ في نفس الأمرِ، إذْ منهُ ما ينفردُ بروايتهِ عدْلٌ واحدٌ، وليسَ مِنَ الأخبارِ التي أجمعَتِ (٥) الأمّةُ عَلَى تَلَقِّيها بالقبولِ. وكذلكَ إذا قالوا في حديثٍ: ((إنَّهُ غيرُ صحيحٍ)) فليسَ ذلكَ قطعاً بأنَّهُ كذبٌ في نفس الأمرِ، إذْ قدْ يكونُ صِدقاً في نفسِ الأمرِ، وإنَّما المرادُ بهِ: أنَّهُ لَمْ يصحَّ إسنادُهُ على الشرطِ المذكورِ (٦)، واللهُ أعلمُ. فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ: إحداها: الصحيحُ يتنوَّعُ إلى متَّفَقٍ عليهِ، ومُخْتَلَفٍ فيهِ (٧)، كما سبقَ ذِكرُهُ، ويتنوَّعُ إلى مشهُورٍ، وغريبٍ، وبَيْنَ ذلكَ. ثُمَّ إنَّ درجاتِ الصحيحِ تتفاوتُ في القوَّةِ

стр. 69

بحَسَبِ تمكُّنِ الحديثِ مِنَ الصفاتِ المذكورةِ التي تَنْبَنِي (١) الصِّحَّةُ عليها، وتنقسمُ باعتبارِ ذلكَ إلى أقسامٍ يُسْتَعْصَى إحْصاؤُها على العادِّ الحاصرِ. ولهذا نرى الإمساكَ عَنِ الحكمِ لإسنادٍ أو حديثٍ بأنَّهُ الأصحُّ على الإطلاقِ (٢) على أنَّ جماعةً مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ خاضُوا غَمْرَةَ (٣) ذلكَ، فاضطربَتْ أقوالُهُم. فَرُوِّيْنا (٤) عنْ إسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ (٥) أنَّهُ قالَ: ((أصحُّ الأسانيدِ كلِّها: الزُّهريُّ عنْ

стр. 70

سالمٍ عنْ أبيهِ)) (١)، وَرُوِّيْنا نحوَهُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢). وَرُوِّيْنا عنْ عمرِو بنِ عليٍّ الفلاَّسِ أنَّهُ قالَ: ((أصحُّ الأسانيدِ: محمدُ بنُ سيرينَ عنْ عَبيدةَ (٣) عنْ عليٍّ)) (٤)، وَرُوِّيْنا نحوَهُ عنْ عليِّ بنِ المدِينيِّ (٥)، ورُويَ ذلكَ عنْ غيرِهِما. ثمَّ منهم (٦) مَنْ عَيَّنَ (٧) الراويَ عنْ محمدٍ وجعلَهُ أيُّوبَ السَّخْتِيانيَّ (٨)، ومنهم (٩) مَنْ جعلَهُ ابنَ عَوْنٍ. وفيما نرويهِ عَنْ يحيى بنِ مَعِينٍ أنَّهُ قالَ: ((أجودُها: الأعمشُ عنْ إبراهيمَ عَنْ عَلْقَمةَ عنْ عبدِ اللهِ (١٠) ٠))) (١١) ١)، وَرُوِّيْنا عنْ أبي بكرِ بنِ أبي شَيبةَ أنَّهُ (١٢) ٢) قالَ: ((أصحُّ الأسانيدِ كُلِّها: الزهريُّ عنْ عليِّ بنِ الحسينِ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ (١٣) ٣))) (١٤) ٤). وَرُوِّيْنا عن أبي عبدِ اللهِ البخاريِّ - صاحبِ " الصحيحِ " - أنَّهُ قالَ: أصحُّ الأسانيدِ كُلِّها: مالكٌ عنْ نافِعٍ عنْ ابنِ عمرَ)) (١٥) ٥). وبنى الإمامُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ بنِ طاهرٍ

стр. 71

التَّمِيْمِيُّ (١) ١) على ذلكَ أنَّ أجلَّ الأسانيدِ ((الشافعيُّ، عنْ مالكٍ، عنْ نافعٍ، عنْ ابنِ عمرَ))، واحْتَجَّ بإجماعِ أصحابِ الحديثِ على أنَّهُ لَمْ يكنْ في الرّواةِ عَنْ مالكٍ أجلُّ مِنَ الشافعيِّ ﵃ أجمعينَ -، واللهُ أعلمُ (٢). الثانيةُ (٣): إذا وجدنا فيما يُروى مِنْ أجزاءِ الحديثِ وغيرِهَا حديثاً صحيحَ الإسنادِ، ولَمْ نجدْهُ في أحدِ ((الصحيحينِ))، ولا منصوصاً على صِحَّتِهِ في شيءٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدةِ المشهورةِ، فإنَّا لا نتجاسرُ على جَزْمِ الْحُكْمِ بصِحَّتِهِ (٤)، فقدْ تَعَذَّرَ في هذهِ الأعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيحِ بمجَرَّدِ اعتبارِ الأسانيدِ؛ لأنَّهُ مَا مِنْ إسنادٍ مِنْ ذلكَ إلاَّ وتجدُ في رجالِهِ مَنِ اعْتَمَدَ في روايتِهِ عَلَى مَا في كتابِهِ عَرِيّاً عمَّا يُشترطُ في الصحيحِ مِنَ الحِفْظِ والضَّبْطِ والإتْقَانِ. فآلَ الأمرُ - إذنْ - في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ، إلى الاعتمادِ عَلَى مَا نصَّ عليهِ أئمَّةُ الحديثِ في تصانيفِهِم المعتمدةِ المشهورةِ، الَّتِي يُؤمَنُ فِيْهَا؛ لِشُهْرَتِها مِنَ التَّغييرِ والتَّحريفِ، وصارَ مُعظمُ المقصودِ بما يُتَدَاولُ مِنَ الأسانيدِ خارجاً عنْ ذلكَ، إبقاءَ سلسلةِ الإسنادِ التي خُصَّتْ بها هذهِ الأُمّةُ (٥)، زادها اللهُ تعالى شرفاً، آمينَ.

стр. 72

الثالثةُ: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصحيحَ البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الْجُعْفِيُّ مولاهُم (١)، وتلاهُ أبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ القُشَيْريُّ مِنْ أَنْفُسِهِم (٢). ومسلمٌ معَ أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ واستفادَ منهُ يشاركُهُ في أكثرِ (٣) شيوخِهِ. وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ اللهِ العزيزِ (٤). وأمَّا ما رُوِّيْناهُ عنِ الشافعيِّ ﵁ مِنْ أنَّهُ قالَ: ((ما أعلمُ في الأرضِ كتاباً في العلمِ أكثرَ صواباً مِنْ كتابِ مالكٍ)) (٥) ومنهم مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ (٦)، فإنَّما قالَ ذلكَ قبلَ وجودِ كتابَي البخاريِّ ومسلمٍ.

стр. 73

ثُمَّ إنَّ كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابَيْنِ صحيحاً وأكثرُهُما فوائدَ (١). وأمَّا ما رُوِّيْناهُ عنْ أبي عليٍّ الحافظِ النَّيْسابوريِّ أستاذِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ (٢) الحافِظِ مِنْ أنَّهُ قالَ: ((ما تحتَ أديمِ السماءِ كتابٌ أصحُّ مِنْ كتابِ مُسلمِ بنِ الحجَّاجِ)) (٣) فهذا وقولُ مَنْ فضَّلَ مِن شيوخِ المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ إن كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ يترجَّحُ بأنَّهُ لَمْ يُمَازجْهُ غيرُ الصحيحِ، فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خُطبتِهِ إلاَّ الحديثُ الصحيحُ مسروداً غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابِهِ مِنَ الأشياءِ التي لَمْ يُسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ فهذا لا بأسَ بهِ (٤). وليسَ يلزمُ منهُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتاب البخاريِّ، وإنْ كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحاً، فهذا مردودٌ على مَنْ يقولُهُ، واللهُ أعلمُ. الرابعةُ: لَمْ يَستوعبا الصحيحَ في صحيحَيْهِما ولا التزما ذلكَ (٥)، فقدْ رُوِّيْنا عنِ البخاريِّ أنَّهُ (٦) قالَ: ((ما أدخلْتُ في كتابي " الجامعِ " إلاَّ ما صحَّ، وتركْتُ مِنَ الصِّحَاحِ لحالِ الطُّولِ)) (٧). ورُوِّيْنا عنْ مسلمٍ أنَّهُ قالَ: ((ليسَ كُلُّ شيءٍ عندي،

стр. 74

صحيحٍ وَضَعْتُهُ هاهُنا - يعني: في كتابِهِ (١) الصحيحِ - إنَّما وضعْتُ هَاهُنا مَا أجْمعُوا عليهِ)) (٢). قلتُ: أرادَ - واللهُ أعلمُ - أنَّهُ لَمْ يَضعْ في كتابِهِ إلاَّ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها شرائطَ الصحيحِ الْمُجْمَعِ عليهِ، وإنْ لَمْ يظهرْ اجتماعُها في بعضِها عندَ بعضِهِم (٣). ثُمَّ إنَّ أبا عبدِ اللهِ بنَ الأخرمِ الحافظَ قالَ: ((قَلَّمَا يَفُوتُ البخاريَّ ومسلماً ممَّا يَثْبُتُ مِنْ الحدِيْثِ)) (٤) يعني: في كتابَيْهِما. ولِقائلٍ أنْ يقولَ: ليسَ ذلكَ بالقليلِ، فإنَّ "المستدركَ على الصحيحينِ" للحاكمِ أبي عبدِ اللهِ كتابٌ كبيرٌ يشتملُ ممَّا فاتهما علىشيءٍ كثير وإنْ يكنْ عليهِ في بعضِهِ مقالٌ، فإنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ. وقدْ قالَ البخاريُّ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ)) (٥).

стр. 75

وجملةُ ما في كتابِهِ الصحيحِ سبعةُ آلافٍ ومئتانِ وخمسةٌ وسبعونَ حديثاً بالأحاديثِ المكرَّرَةِ. وقدْ قيلَ: إنَّها بإسقاطِ المكرَّرَةِ أربعةُ آلافِ حديثٍ (١)، إلاَّ أنَّ هذهِ العبارةَ قدْ يندرجُ تحتَها عندهم آثارُ الصحابَةِ والتابعينَ، وربَّما عُدَّ الحديثُ الواحدُ المرويُّ بإسنادينِ حديثينِ. ثُمَّ إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ (٢) على ما في الكتابينِ (٣) يَتلقَّاهَا طالبُهَا ممَّا اشْتَمَلَ عليهِ أحدُ الْمُصَنَّفَاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ (٤) لأئمّةِ الحديثِ كأبي داودَ السِّجْسِتانيِّ، وأبي عيسى التِّرمِذيِّ، وأبي عبدِ الرحمانِ النَّسائيِّ (٥) وأبي بكرِ بنِ خُزيمةَ، وأبي الحسنِ الدَّارَقُطنيِّ وغيرِهِم، منصوصاً على صحَّتِهِ فيها. ولا يكفي في ذلكَ مجرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتابِ أبي داودَ، وكتابِ الترمذيِّ، وكتابِ النَّسائيِّ، وسائرِ مَنْ جمعَ في كتابِهِ بينَ الصحيحِ وغيرِهِ، ويكفي مجرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتبِ مَنِ اشْتَرَطَ منهم الصحيحَ فيما جمَعَهُ ككتابِ ابنِ خُزَيمةَ، وكذلكَ ما يوجدُ في الكُتبِ المخرَّجَةِ على كتابِ البخاريِّ وكتابِ مسلمٍ، ك: كتابِ أبي عَوَانةَ الإسفرايينيِّ، وكتابِ أبي بكرٍ (٦) الإسماعيليِّ (٧)، وكتابِ أبي
следующие страницы →