← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 237

عذابات العلم

خلدون ربابعة

Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بيع الكتب كان يقول أحد مشايخنا الكرام: "لا يوجد أشقى ممن باع كتبه". وقد شهدنا بعض طلاب العلم افتقر فباع كتبه فشقي بعد ذلك شقاءً ما بعده شقاء. ومما شهدنا من مصائب العراق أن عالماً عراقياً ينادي في سوق المتنبي يدلل على كتبه لينفق على نفسه وعلى عياله يبيع وينادي عليها وهو يبكي ويقول بحرقه: "العالم العراقي باع كل شيء ... ، ولما لم يبقَ عنده إلا الكتب ... باعها أيضا". بيع الكتب بسبب الفقر يورث الهم والغم والحسرة والندامة يعيش العالم عيشةً ملؤها الحسرة لأنه باع أغلى ما يملك. وقد سجل لنا التاريخ حادثة من أجل ما يبرهن به على ما تقدم فقد قال ابن خلكان ﵀: "حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي: أن أبا الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب "الجمهرة"؛ لابن دريد في غاية الجودة، فدعَتْه الحاجةُ إلى بيعها، فباعَها واشتراها

стр. 72

الشريفُ المرتضى أبو القاسم بستين دينارًا، وتصفَّحها، فوجد بها أبياتًا بخطِّ بائعها أبي الحسن الفالي"، وهي: أنِسْتُ بها عِشرينَ حولاً وَبِعْتُها ... لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها ... ولو خلَّدتْني في السجون ديوني ... ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ ... صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني فقلتُ ولم أَمْلِكْ سوابقَ عَبْرةٍ ... مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حَزِين وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ ... كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنين (وفيات الأعيان) وهذا الأمر شائع بين العلماء وهو أشد عليهم من وقع الحسام المهند، وأصعب مرارة من تجرع السم الفاتك كيف لا وكتب العلماء فيها لذاذة الحياة وسعادة العيش. ومن المآسي والهموم المتعلقة ببيع الكتب سوء تصرف الورثة بالكتب فبعضهم يحرقها وغيرهم يبعها بسعر زهيد جداً وبعضهم يتركها في مكانٍ حتى تصاب بالتلف وغير ذلك الكثير .... مما نشاهد ونطالع أيامنا الحاضرة.

стр. 73

سرقة الجهود العلمية تقدمت طالبة في جامعة من الجامعات بفكرةٍ إبداعية تخدم الجامعة وتخدم الطلاب، ثم كان من أمر الطالبة أنها اضطرت لترك الجامعة والانتقال إلى جامعة أخرى أقرب إلى مكان سكنها، ولا شك أن الطالبة تريد تقليص النفقات فهي من أهل العلم، وهناك جفوه بين العلم والمال كما تقدم. وبعد انتقال الطالبة إلى الجامعة الجديدة تقرر الطالبة المفكرة زيارة جامعتها القديمة، والسؤال عن مشروعها وفكرتها الإبداعية حيث تقدم الجامعة لمثل هذا العمل مكافأة ماليه. تتفاجأ الطالبة أن المشروع تم استثناؤه ليحل مشروع آخر مكانه ... ، ولكن ما هو المشروع الجديد؟ تنظر في المشروع الجديد لتجده نفس مشروعها هي، وتقدم شكوى أن جهدها سُرق وأُعطي لموظف من موظفي الجامعة، لكن للأسف تخرج نتيجة التحقيق ضد الطالبة الفقيرة. فبعد التدقيق والتحقيق ظهر أن:

стр. 74

المشروع الجديد أضاف إلى المشروع القديم تغيراً جديداً يزيد على ١٥% من المشروع القديم لذلك لا أحقيه للطالبه برفع الشكوى والمطالبة بالحقوق المالية. قصه أخرى حدثت مع شيخ جليل القدر نذر كل مؤلفاته في سبيل الله لا يريد عليها أجراً من أحد من الناس تزيد مؤلفاته عن خمسين كتاباً، وقد اعتزل الناس أكثر من عشرين سنه وانقطع للتدريس في المسجد والتأليف متخصص في علم القراءات القرآنية والتجويد. جلست معه مرةً في المسجد فأخبرني أنه وَثِق بطالب من طلابه وأعطاه الملفات المنضدة على الحاسب الآلي والتي حوت جميع مؤلفاته وكتبه، ولكن الطالب خان أستاذه وقدَّم هذه الكتب لدار نشر في دوله مجاورة، وقامت دار النشر بطباعة بعض الكتب مع تغير بسيط جداً، ومما يدل على هذا أن الشيخ الجليل استدرك الأخطاء المطبعية في الطبيعة الأولى، أما السارق فلم يستدرك الأخطاء، وجلست مع الشيخ أتتبع الأخطاء القديمة فوجدها كما هي. جهود كبيره تأخذ من المؤلفين سنوات من الإعداد والتأليف والجمع والتنقيح والتدقيق والتحقيق، لكن

стр. 75

وللأسف تُسرق في وضح النهار ويعاد تدويرها مرةً أخرى. قصص كثيرةٌ عن السرقات العلمية لا تستطيع الأوراق حملها، وتستحي من بعضها الأقلام، حيث بعض السرقات تصدر من أصحاب الصدارة العلمية.

стр. 76

رهاب الإبداع ذكر ياقوت الحموي أن القاضي علي بن محمد سمع أن أبا حيان أحرق كتبه التي ألفها في حياته فأرسل إليه يعاتبه، فكتب أبو حيان اعتذارا وأنا أسوق رسالته كاملة وأضع العناوين التفسيرية لأهم المحاور: اعتذار أبي حيان عن حرقه للكتب قال أبو حيان: "حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك وطول جفائك، وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا مما يسود وجه عهد إن رعيناه كنا مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من أجله، فأدام الله نعمته عندك وجعلني على الحالات كلها فداك. وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك، ....

стр. 77

التذكير بالفناء قال أبو حيان: كأنك لم تسمع قارئا يقرأ قوله جلّ وعز: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: ٨٨] وكأنك لم تأبه لقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) [الرحمن: ٢٦] وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر ما دام مقلّبا بيد الليل والنهار، معروضا على أحداث الدهر وتعاور الأيام. ألم الكاتب والقارئ قال أبو حيان: ثم إني أقول: إن كان-أيدك الله-قد نقب خفّك ما سمعت فقد أدمى أظلّي ما فعلت، فليهن عليك ذلك فما انبريت له ولا اجترأت عليه حتى استخرت الله فيه أياما وليالي، وحتى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم، وأجدّ فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي.

стр. 78

دواعي العلم قال أبو حيان: "إن العلم حاطك الله يراد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلّا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار". التعريف بما حوته الكتب قال أبو حيان: "ثم اعلم-علمك الله الخير-أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان سرّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، ولا شكّ في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي وربطه بأمري، وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة عليّ لا ليط. المجتمع حول العالِم قال أبو حيان: "ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا مثيبا، فشق عليّ أن

стр. 79

أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها". فقر وذِلَّة قال أبو حيان: "فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن وتقرّع جماعتهم بهذا العيب؟ فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقّق ظنّي بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضراوات في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالنفاق والسمعة، وإلى ما لا يحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك،. وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته، بما قدّمته

стр. 80

ووصفته وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل وإما خوفا من القال والقيل". التقدم في السن واليأس من الحياة قال أبو حيان: "وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل فيهم: نروح ونغدو كلّ يوم وليلة ... وعما قليل لا نروح ولا نغدو وكما قال الآخر: تفوّقت درّات الصبا في ضلاله ... إلى أن أتاني بالفطام مشيب الموعظة الحسنة وهذا البيت للورد الجعدي، وتمامه يضيق عنه هذا المكان. والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الإخوان والأخدان، في هذا الصقع، من الغرباء والأدباء والأحبّاء لكفى، فكيف بمن كانت العين تقرّبهم والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والريّ وما والى هذه المواضع، وتواتر إليّ نعيهم واشتدّت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم؟ وهل لي محيد عن مصيرهم؟

стр. 81

أسأل الله تعالى ربّ الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب". الأسوة بمن حرق كتبه قال أبو حيان: "وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد

стр. 82

العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار". "وماذا أقول بعد هذا، وبماذا تقابلني بعد ذلك، سوى أني أقول وسامعي يصدق: إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطّع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجى، وما نصنع بما كان وحدث وبان، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فالقليل والله تعالى شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل الله تعالى عليّ (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: ٢٦] فلم تعنّى عيني-أيدك الله-بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض؟ " العمل الصالح والإخلاص قال أبو حيان: "وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح والإخلاص المعتقد والزهد الغالب في كلّ ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط؟ وهل وصل الحكماء القدماء

стр. 83

إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي وإلا بالرضى بالميسور وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ فأين يذهب بنا وعلي أيّ باب نحطّ رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات!! " عودة إلى اليأس من الحياة قال أبو حيان: "الرحيل والله قريب والثواء قليل، والمضجع مقض والمقام ممضّ، والطريق مخوف والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كلّه طالب، نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره، فهذا هذا". المرض والعلة قال أبو حيان: "ثم إني- أيدك الله- ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك، مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك، مع ما أجده من انكسار النشاط، وانطواء الانبساط، لتعاور العلل عليّ، وتخاذل الأعضاء مني، فقد كلّ البصر وانعقد

стр. 84

اللسان، وجمد الخاطر وذهب البيان، وملك الوسواس، وغلب اليأس من جميع الناس، ولكني حرست منك ما أضعته مني، ووفيت لك بما لم تف به لي، ويعزّ عليّ أن يكون لي الفضل عليك أو أحرز المزية دونك، وما حداني على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوقك إليّ وتحرقك عليّ، وأنّ الحديث الذي بلغك قد بدّد فكرك، وأعظم تعجبك، وحشد عليك جزعك، والأول يقول: وقد يجزع المرء الجليد وتبتلي ... عزيمةَ رأي المرء نائبة الدهر تعاوره الأيام فيما ينوبه ... فيقوى على أمر ويضعف عن أمر حالة لا تسرُّ قال أبو حيان: "على أنك لو علمت في أيّ حال غلب عليّ ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته. وإذا أنعمت النظر تيقنت أن لله جلّ وعزّ في خلقه أحكاما لا يعاز عليها، ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها، ولا ينال غيبها، ولا يعرف قابها ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، وأطلع على أدانينا

стр. 85

وأقاصينا، له الخلق والأمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت والصبر، إلى أن يوارينا اللحد والقبر، والسلام". ختام الرسالة قال أبو حيان: "إن سرّك-جعلني الله فداك-أن تواصلني بخبرك، وتعرفني مقرّ خطابي هذا من نفسك فافعل، فإني لا أدع جوابك إلى أن يقضي الله تعالى تلاقيا يسرّ النفس، ويذكّر حديثنا بالأمس، أو بفراق نصير به إلى الرمس، ونفقد معه رؤية هذه الشمس، والسلام عليك خاصا بحقّ الصفاء الذي بيني وبينك، وعلى جميع إخوانك عامّا بحقّ الوفاء الذي يجب عليّ وعليك والسلام". وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة" (معجم الأدباء، ٥/ ١٩٢٣ - ١٩٣٣). وبعد إيراد رسالة أبي حيان أقول: لست من هواة النقل المطول والنسخ واللصق في هذا الكتاب خصوصا -وفيما يأتي بعده بعون الله وإن كنت فعلته سابقا-، ولكن لا أبالغ إن قلت إن كلمات أبي حيان أثرت فيَّ أيما تأثير، قرأت كلامه مرات ومرات، خصوصا هذه الأيام وقد زارني أسقام وعلل حار الأطباء في حلِّها، وحولي أزيد من خمسين كتابا أنفقت الأوقات

стр. 86

الطويلة والجهود الكبيرة في كتابتها لكنها تحتاج إلى تنقيح وتهذيب، ولا أدري إلى أي ركن آوي، ولا أعرف مصير كتبي. وعلى كل فهذا الكلام الذي يقدم فيه أبو حيان اعتذاراً مقبولاً إلى حد ما، ولكنه نوع من رهاب الإبداع الذي أقدم عليه مجموعة من العلماء كما ذكر، وهذا الرهاب في نظر الكثير يُعدُّ ضرباً من الجنون وبغض النظر عن المبررات التي يقدمها العلماء والمؤلفون. صحيح أن الكثير من العلماء يرجع عن رأيه وينمو فكره وتتطور معارفه فيتراجع عن بعض آرائه، وبعض الكتب يبنى على فكرةٍ في ظن الكاتب أنها فكرة باطلة، تراجع عنها. وعند الحديث عن عذاب العلماء ورهاب الإبداع نتصور حاله العالم بين خوفه من أن يؤثر عنه ما لا يحب نشره، وهو بين صراع وحنين لما كتب، فالكاتب يتمتع بحالة نفسيه عالية الشأن لدرجة أنه يقدس ما كتب وفي نظره كتاباته لها الشأن والقبول عنده، ومع هذا التقديس إلا أنه يخاف من المجتمع، وتداعيات الكتابة، وهذا مبدأ الصراع.

стр. 87

فالصراع يدور في عقله ويشغل جميع أوقاته، وهذا الصراع نوع مؤلم من العذاب. وقد وقع بين يدي اليوم وقبل كتابة هذه الكلمات بساعات، في مكتبة لبيع الكتب كتاب (الإشارات الإلهية) لأبي حيان، بتحقيق المحقق المبدع عبد الرحمن بدوي، وهو من كتبه التي لم ينلها الحرق ولا رهاب الإبداع، فتاقت نفسي إليه، ولكن للأسف كان قد سبقني إلى هذا النفيس النادر أحد الأفاضل.

стр. 88

عذابات النشر والطباعة بعد عناء الكتابة والتأليف وبذل الجهود الكبيرة من سهر وانقطاع عن الأهل واعتزال الناس، يُقبل المؤلف المسكين على دور النشر والطباعة. يدخل الكاتب حاملاً أوراقه الثمينة، وهي في نظره أغلى من كل جواهر العالم ودرره، وقبل أن يقرأ صاحب دار النشر العنوان وقبل الاطلاع على الكتاب ومضمونه يتقدم بسؤال للكاتب: لطفاً .... من هو جمهورك؟ وهذه ألطف العبارات التي يقدمها صاحب دار النشر للكاتب، فهناك بعض العبارات التي يهاجم فيها بعض أصحاب دور النشر الكاتب، عبارات قاسيه، يتبين للكاتب بعدها أن العلم آخر شيءٍ ينظر إليه القراء ودور النشر ولست أهاجم دور النشر بهذه العبارات لكن دار النشر لها نظرتها ففيها مجموعه من العمال يحتاجون إلى تقاضي رواتب وهناك رسوم وضرائب وغير ذلك من النفقات.

стр. 89

كما أن دور النشر لا ترغب بتكديس الكتب في الدار دون بيعها؛ حيث تبحث عن الكتب الرائجة بين الجماهير مثل كتب المناهج الدراسية في الجامعات والكليات. وبعيدا عن هذا تجد بعض الكتب تتنافس دور النشر على طباعتها ونشرها، وما هو السبب الداعي لذا الأمر؟ سألت صديقا يعمل في مكتبة عن كتابٍ لأحد أشهر الكتاب في بلدنا. تبسم ... قليلاً ثم قال: أخي العزيز ... أريد أن أقدم لك نصيحة دعك من هذا التاجر. وأخذ يسرد لي قصة المؤلف المشهور وغيره من المؤلفين ذائعي الصيت، وكانت كلماته قاسيه جداً في حق تجار الثقافة وبائعي المعرفة. نعم للكاتب حقٌ في أخذ أجرة ما كتب لكن ليس له أن يستغل الناس، ويستخدم اسمه المشهور في كتابة أي شيء له قيمه أو ليس له قيمه. لا يحق للكاتب استغلال القُرَّاء وبيع النسخة المزينة بتوقيع المؤلف أضعاف سعرها الحقيقي، لا يحق للمؤلف الذي قُرِّرَ كتابة منهجا يُدرَّس في الجامعات أن يبع كتابه بضعف السعر ...

стр. 90

شهدت كتاباً ألف يبغي صاحبه الحقيقي تدريس الكتاب في الجامعات كمنهاج لأحد المواد الأساسية التي اتفقت في تدريسها كل الجامعات. سمعت المؤلف يجري اتصالاته مع بعض المدرسين الذين يدرِّسون المادة التي ألف فيها الكتاب، يجري اتصالاته مع مدرسين من مختلف الجامعات ويقول في اتصاله: السلام عليكم أنا الدكتور ... ، ألفت كتاباً في مادة ... ، وأرغب أن تشاركني هذا الجهد، وأن تزين الكتاب بوجود اسمك عليه مع العلم أن الكتاب سوف يقرر في جامعة ... وجامعة ... وجامعة ... وافق على هذا العرض ثمانية من الأساتذة في الجامعات، وللأسف لم يطلع على مادة الكتاب أحد منهم. وغير هذا من آفات النشر والتوزيع للكتب. لكن لماذا يُصرُّ الكاتب على جمع الأموال من كتابه، وجعل الكتاب سلعة تجارية، لماذا لا يُفكر بالعلم قبل كل ذلك، هيمنة المال على العلم تُذهب قيمته وحلاوته.

стр. 91

اليوم ومع اتساع دائرة العلم والمعرفة عبر القنوات التقنية الكثيرة، لماذا لا نفكر بالنشر الإلكتروني، وعموم النفع للناس؟! لا شك أن الكاتب له ظروفه وأحواله، لكن فكرة النفع لا ينبغي أن تغيب عن عقل الكاتب.

стр. 92

نفس العالم وعزتها رغم العذابات التي ذكرت وتقدمت الصفحات السابقة إلا أن العالِم عزيزٌ أمام نفسه عزيزٌ أمام الناس، العالم له قدره ومنزلته. وصل الكثير من العلماء إلى مرحلةٍ لم يصل إليها غالب البشر، مرحلة الرضا عن النفس فالنصيحة من أجل البشرية سعادة لا تقاس بمقياس وفرحة لا مثيل لها، كيف لا والعالم في أي صنف من صنوف العلم يقدم الخير والفضل للناس ويسهر من اجل البشرية، ويصحو وهموم البشر وآفات الحياة نصب عينه، يفكر مراراً وتكراراً في آلام الناس وعقبات حياتهم، لا يقر ولا يستقر ولا يهدأ له بال حتى يصل إلى بغيته ومراده، ومراداته مرادات الناس. ينظر العالم إلى الحياة بعيون المتألمين والأشقياء ... يتطلع العالم إلى الحياة ومستقبلها بفكر المعذبين الفاقدين لأساسيات العيش .... سعادة العالم في تعليم الناس سبل الراحة وطرقها إذا قدم العالم للناس العلم والمعرفة فلا يبالي إذا فارق الحياة أثناء بحثه ودراسته، أو قبل أن يرى نتاج فكره وعمله، لا

стр. 93

يبالي العالم وقتها نام على فراشه بين أهله أم قيدته الغفوة على كرسي بحثه ودراسته، لا يبالي العالم إذ يبحث عن سعادة البشرية كيف يفارق الحياة بين الكتب أو في معامل البحث أو على سكة حديد أو جانب الطريق الحياة لا تعني إلا الإنتاج وخدمة الآخرين، وكلما أنتج العالم شيئاً فكر سريعاً أي الأشياء يتقدم لخدمة البشرية من جديد. سألت أحد الفضلاء سؤالاً فأجاب إجابة وافية، ثم قال لي بعد أيام، وجدت أن هذا الموضوع يحتاج إلى بيان أكثر، وأُبشرك أني سأقوم بتأليف كتاب في هذا الموضوع لحاجة المجتمع لهذا الأمر.

стр. 94

مصير العلم والعلماء ربما يتساءل البعض حول مصير العلم وهل نتيجة العلم ومصيره التعاسة لأهله؟ خصوصاً بعد عرض مجموعة من النماذج للعلماء الذين نالتهم أيدي الشقاء. نلاحظ أن العلماء من سلم منهم من الفقر لم يسلم من المرض، ومن سلم منهم من الفقر والمرض لم يسلم من الهموم والمعاناة، بسبب الشعور بالذنب والتقصير وغير ذلك .... ، ولا شك أن أهل العلم تقدر جهودهم وتوقر، وربما في زمان العالم لا يؤبه لشأنه ولا يلتفت إليه، لكن هذه الجهود تقدر ويكتب لها القبول. ولن أطيل في الشرح لأعرض الأمثلة الحية لأدلل على مثل هذه القاعدة، وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة فقط: المثال الأول: الإمام البخاري الذي اتهم ظلماً وزورا بعد تأليفه كتابه (صحيح البخاري) وكلها اتهامات باطله زائفة، حتى ذكر بعض المؤرخين أنه خرج من بلده بعد جهد دام ستة عشر عاماً في تنقيح الصحيح وتأليفه، خرج من بلده محزوناً حتى سأل الله تعالى الموت. والسبب ليس النقد للكتاب بل إنه لم يسلم من الوشاية والتآليف الكاذبة

стр. 95

عليه، وبعد وفاة الإمام البخاري وإلى يومنا الحاضر تحتفظ الأمة للإمام البخاري بالجهد والفضل وكل ما قيل في البخاري في زمنه وبعده نتمنى أن يوجه نحو النقد العلمي وحسب. والمثال الثاني: هالي والمذنب المشهور، وقد تم تحديد دوران المذنب الأولى في عام ١٧٠٥ من قبل عالم الفلك الإنجليزي (إدموند هالي)، الذي أطلق اسمه عليه، والذي تم التأكد من نتائج أبحاثه حول المذنب بعد وفاته. المثال الثالث: مثال في علم آخر وفي فن آخر من الفنون، وفي مجتمع مختلف تماما وهو في الرسم، والرسم علم عظيم يحمل في طياته الرسائل النبيلة بصورتها الجميلة، وقد بلغ أحد الرسامين درجةً عليَّه فيه وهو (فان كوخ) وهذا الرسام البارع الذي بلغ الغاية في الإتقان، وعاش هذا الرسام الذي كان يُعد من أشهر فناني التصوير التشكيلي عيشة تحيطه الحاجة والفاقة من كل جانب، ولكن لوحاته اليوم أغلى اللوحات في العالم، في حين كانت رسوماته تُحترم وتُقدر لكنها كانت زهيده الثمن في حياته.

стр. 96

وهذه الأمثلة تقرر الاحترام بعد الموت، واكتساب الشهرة بعد الوفاة، فيكون العالم حال حياته لا يؤبه له بحال، أو ربما يلتفت إليه ولكن لا يقدم له التقدير المناسب، وبعد وفاته تشتهر أعماله وترتفع درجاته. أما رفعة العالم خلال حياته فقد تحققت لفئة من العلماء، واشتهروا وذاع صيتهم في العالم، وهذا الأمر يتعلق بالمحيط حول العالم وبظروف أخرى تختص بالإنتاج والعمل نفسه. وما يريد الكاتب أن يقرره من خلال هذا الطرح أنه على العالم أن يقدم نتاجه العلمي، ولا يُجهد نفسه في إقناع جميع الناس بأفكاره وأعماله فإن قُدِّرت هذه الجهود حال حياته فله الخير، وإن لم تقدر جهوده فستعرف الناس يوما أن صاحب الجهد لا يُنسى خيره وفضله.

стр. 97

آمال وتطلعات

стр. 98

القسم الثاني آمال وتطلعات مدخل ربما لا يعني الكثير لغير الكاتب أن يبحث عن القلم الذي كتب فيه القسم الأول وهو قلم يكتب الحبر الأسود كما تقدم ... بحثت عن قلمي الأسود فلم أجده، وهو القلم الذي كتب صوراً من مأساة العلماء وطلاب العلم، وعندما عزمت على كتابة القسم الثاني من الكتاب والذي أُجمل فيه مجموعة من الحلول والتوجيهات لرعاية شؤون العلم وأهله، وفي هذا القسم توجيهات عظيمة النفع للعناية والاهتمام بأهل الفضل وصنَّاع أمجاد الحياة .... والاهتمام بفئة العلماء والمفكرين يجب أن يكون ظاهرة بارزة في المجتمع حتى تحفز همم العلماء والمفكرين على الإنتاج والإبداع والابتكار.

стр. 99

دعم البحث العلمي أول المقترحات التي يبدأ بها الكاتب هي دعم البحث العلمي فقد تقدم أن كثيراً من مشاكل العلم والعلماء ترجع إلى الحاجة وندرة الإمكانيات وصرف الأموال المخصصة للبحث العلمي في غير الوجوه المطلوبة. ودعم البحث العلمي يبدأ أولاً من الشخص نفسه فمن وجد في نفسه حباً للعلم ورغبةً فيه. ومن لحظ عليه بوادر همة العلماء، عليه أن يسعى لتنمية هذا الفكر وحفز الطاقات والهمم على العلم والتعليم وهذا الدعم يعبر عنه بالدعم الشخصي العلمي. ثم بعد أن يُشجع نفسه ويَحفِزها على العلم والتعلم ما أمكن، وجمع أكبر قدر من العلوم والمعارف عليه أن يُتقن ويَتفنن في علم أو تخصص، فإن أتقن تخصصه اتجه للإنتاج والعمل، ولكن الإبداع والإنتاج ربما يكون هواية وليس عملاً رئيساً وهذا الأمر يجعل العالم في حيرةٍ بين عمله وإنتاجه العلمي. لكن ما يهمنا هنا أن نركز على الدعم المالي للإنتاج العلمي؛ فإذا كان العالم المتفنن في عمله يحب الإنتاج عليه أن يبحث عن مصدر تمويلي لقلمه دون التأثير على نفسه

стр. 100

وعلى أهله، ولا يعني الدعم أن يمد يده للناس، بل الدعم الذي نريد هو دعم توفيري أو دعم من عملٍ إضافي ولا بأس بجهة تمويلية. وقد رأيت كثيراً من المبدعين يمتنع عن إبداعه ويتوقف إنتاجه بحجة أنه لا يوجد من يمول البحث، وهذا الأمر منطقي إلى حد ما في حال كان البحث العلمي يحتاج إلى أموال كثيرة. أما عن طبيعة الدعم للبحث العلمي فالدعم متنوع حسب طبيعة البحث؛ فمن الناس من يحتاج دعمه إلى مجموعة كتب، ومنهم من يحتاج إلى مختبرات وتقنيات فائقة، وهذا الأخير عليه التوجه ببحثه إلى المؤسسات الحكومية أو الجهات تجارية لأن هذه الأمور غالباً ما تجر نفعاً لصاحبها وراعيها. وفيما يخص مؤسسات البحث العلمي في جامعاتنا الموقرة، فنحن اليوم بحاجه إلى أن نقف وقفة واحده لنسأل عن نتائج البحث العلمي وماذا قدمت لنا؟ وما هو نتاجها؟ وماذا قدمت لبلدها؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة وتقويم وإعادة ترتيب لكثير من الأمور.

стр. 101

أما عن المسابقات البحثية فنجد في بعضها حِيدةً عن الصواب، وأنا أعرف جهةً تحدد الفائزين في المسابقات البحثية وتتكتم على الجائزة الفائزة، كي تَسلم من الانتقاد، وتضع شرطاً عند تقديم الباحث للمسابقة وهو أن البحث بعد الفوز يعد ملكاً للمؤسسة لا يجوز نشره ولا التصرف به من قبل الباحث أو غيره، وقد يكون في هذا الشرط حق للمؤسسة لكن لماذا، لماذا لا يخرج البحث الفائز إلى الساحة العلمية؟؟ وما نحتاج إليه اليوم هو النظر إلى البحث العلمي على أنه بحث نزيه لا تشويه الشوائب ولا يُعكر صفوه شيء، وهذه النظرة يجب أن تكون من كل المجتمع ومن جميع فآته. البحث العلمي ركيزة أساسيه من ركائز العلم والمعرفة والتقدم وبناء الحضارة، لا ينبغي أن يُهمل ولا ينبغي أن يُهمش. وسؤال أخر فيما يخص البحث العلمي في الجامعات الموقرة: لماذا يُخصص البحث العلمي في الجامعات بالمدرسين الراغبين في الترقية فقط؟

стр. 102

لماذا يحرم الطلَاّب ويحرم المخترعون من خارج الجامعات من الدعم؟ مع أنك تجد من بين الطلاب في الجامعات من يحمل أفكاراً يسبق فيها مدرسيه وأساتذته، وليس هذا الأمر من العيب ولا النقص، لكن بيان وإيضاح لبعض القدرات العقلية. لماذا لا توسع الجامعات نطاقها، وتفتح الباب للمخترعين والمكتشفين، فهي تمتلك القدرات والإمكانات من مختبرات ومعامل وغيرها؟

стр. 103

الخطط الاستراتيجية عملت في مؤسسة من المؤسسات مدة أربع سنوات في مجال أنظمة الجودة والتخطيط الإستراتيجي والتطوير، وكان جلُّ عملنا الكتابة على الورق، خططنا ورق، وفكرنا ورق وعملنا ترتيب الورق، وخلال مدة الأربع سنوات ملأت المكتب ومحيطة بالأوراق، ثم تركت العمل وسلمت جميع أعمالي للموظف الجديد، وقلت له انظر إلى هذا الكوم من الأوراق جيداً أترى هذا الكوم الكبير إن أنسب ما توصف به هذه الأوراق أن تقول: (كتبنا وياما كتبنا ويا خسارة ما كتبنا) أكثر الخطط بل جميعها لا فائدة منها لأن المؤسسة كانت تسعى للحصول على شهادة الجودة. جلُّ أعمالنا تحمل نفس الصفة ونفس العار الآبد الهاوي في دركات الفشل والانحطاط. لا نملك ما نقول إلا أن التخطيط الاستراتيجي يحقق فشلاً تلو الفشل في مؤسساتنا ودوائرنا. جلست مرةً مع أستاذٍ جامعي تشرفت بالدراسة على يده في مرحلة البكالوريوس، كان قد سافر إلى بلد عربي

стр. 104

منذ سنوات، فسألته عن حاله وأحواله، وعن حالة العلم والتعليم في ذلك البلد. فأخذ يحدث عن الجامعات ومخصصاتها وميزانيتها وتخصصاتها وخططها وتطلعاتها وما تسعى إليه ... ثم أردف قوله بتحسر وخيبة أمل وقال: ومع كل هذا التطور الظاهر والخطط الاستراتيجية إلا أن العلم مفقود والتعليم شكلي لا قيمة له، حاله حال كثير من جامعات دول العالم الثالث. نتمنى أن نقف على خطط معرفيه حقيقيه ظاهرة للعيان نتائجها واضحة وملموسة خطط دعم العلم والعلماء. خطط لدعم الأفكار الإبداعية. خطط لدعم المؤسسات العلمية. نحتاج إلى خطط حقيقية حتى نحقق النجاح في أعمالنا ودراساتنا وأبحاثنا.

стр. 105

قيود التراث لا شك أن العلم بناء معرفي وهذا البناء له أساسٌ وله شكل ظاهر وإذا أردت أن ترقى إلى السطح لا بد أن يكون ثمة بناء، فلا يعقل أن تعلو في شؤون العلم دون أدنى معرفه بالأصول العلمية والمعرفية. ونحن اليوم نشاهد ونقرأ بعض المفكرين العرب ممن نهضت همته وعلا شأنه وارتفعت قدمه في الفكر والثقافة يتراكض إلى قامات التراث وبناءاته بالمعول الحاد للهدم والفتك لكل قامة وعلامة، وسمحوا لأنفسهم أن يتهموا جميع التراث بالعيب والنقص، ونادوا بما يعرف بالقطيعة القطيعة الإبستملوجية التي تقضي بأن هنالك في تاريخ العلوم قفزات كيفية تجعل العلم ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة لا يمكن أبدا النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق لها. وعلى الضفة المقابلة يقف جمهورٌ آخر يدافع عن التراث ويبالغ أشد المبالغة في اتباع التراث ويتعامل مع التراث على أنه مقدس يَحرم الخروج عنه ويَحرم المساس به ولا ينبغي تجاوزه، ويجعلون أقوال بعض العلماء

стр. 106

واختياراتهم المتعلقة بظروف عصور قبل مئات السنين قيد لازمٌ لا ينبغي تجاوزه ولا الانفكاك منه. وهذه الطائفة لابد لها من مراجعات، ثم التفرقة بين المقدس وغير المقدس، ولا بد من معرفة أن العلم بناء يزدهر ويتطور وربما اختار السابق شيئاً نحن لا نُلزم به ولا نتقيد بظروف عصره. وما يهمنا في هذا الباب أن الحديث عن قيود التراث أمرٌ يحتاج إلى معايير: أولها: الاعتراف بفضل علماء التراث في كل المجالات، واحترام نتاجهم. ثانيها: لا بأس في نقد نواتج التراث نقداً علمياً وفق ضوابط علميه ومعرفيه. ثالثها: محاولة إكمال البناء الذي بدأ في أعماق التراث، فالعلم والمعرفة بناء معرفي كما تقدم بدأ منذ آلاف السنين وما زال يسير في خط مستقيم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. رابعها: التصحيح والتصويب للأخطاء أمر واجب لا يُستغنى عنه.

стр. 107

خامسا: دراسة الظروف والواقع الذي عاش فيه نتاج الفكر. وقد أشرت في كتابي (أزمة التراث) إلى مجموعة من الضوابط والقيود والتفسيرات الخاصة بهذا الأمر.

стр. 108

دراسة حالة المجتمع تختلف حاجيات المجتمع من مكان لآخر ومن وقت إلى غيره ولكل مقام مقال، ففي مجتمعاتنا العربية النامية لا ينبغي لنا القفز إلى قمة هرم العلم مباشرة والتفكير في صناعة أشياء تحتاج إلى جهود كبيرة نواجه بهذه الصناعات كبرى شركات العالمية التي عملت مئات السنين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. لا نريد البدء من قمة الهرم الصناعية علينا التفكير مليَّاً قبل نهضة صناعيه علميه لأن العلم بناءٌ كلما تقدم يعتمد على الأساس الثابت. فالعربي إذا فكر بالتطور العلمي والصناعي والتجاري والثقافي عليه أن يعد خططاً مستقبلية حقيقية وطويلة الأمد، على العربي أن يعرف طريق النصر على الجهل فيسير فيها بخطوات منظمة لا ميل فيها ولا تباطؤ. ولا بد أن تتضمن الخطط دراساتك مكثفه لحالات المجتمع وحاجياته، فلا داعي للتقليد الحرفي لمناهج وخطط الآخر، نبحث في المجتمع عن الحاجيات وأولوياتها وترتيبها.

стр. 109

ولا تستطيع الخوض في هذه الخطط؛ لأن هذا الأمر ضرب من تخصص العلوم والمعارف، بل علينا أن نعالج النقص بداية بالبحث والتقصي واتباع المناهج العلمية في ذلك.

стр. 110

حبُّ العلم حب العلم يبدأ من تعليم النشء الرغبة في العلم والتعليم واختيار أفضل الطرق وأحسن الوسائل لتحسين صورة العلم. أذكر أن حصة النحو والقواعد العربية كانت في كل يوم سبت وكانت تمثل الحصه السادسة والسابعة أي بعد الظهر، وكان أستاذ النحو في الصف التاسع والعاشر عالماً من علماء اللغة ... ومع دقة عمله وبراعته في التدريس وحبي وإجلالي له وتقديري لجهوده إلا أن الأستاذ الفاضل الذي أتمنى اليوم أن أراه فاقبل رأسه، كان شديداً جداً جداً على المخطئ وكنا نخشى غضبه وحنقه وسطوته وشدة بأسه. معلم أخر أديب وشاعر وعالم بفنون اللغة أيضاً أُكنُّ له كل الاحترام والتقدير ولكنه كان أشد الناس وأكثرهم حزماً في مسائل التعليم كان يحمل معه ممحاة مكونه من قطعة ليف ناعم ملصقه على قطعة خشب مستطيله تستخدم هذه الممحاة لمسح ما على السبورة التي يكتب عليها بالطباشير، وكان يضرب رأس الطالب المخطئ بها.
следующие страницы →